التراث ،أين السؤال الإشكالي؟ عتيق العربي ،الجزائر
يكتب الكثير و يتنافس العديد من المفكرين حول مسألة التراث.ولكن هل يمكن التساءل عن قيمة البحوث تلك من حيث هي إشكال مركزي في تحديث العقل العربي و الإسلامي ام هي مجرد مماهات مع الواقع الإترابي للمجتمعات المتخلفة مثلنا أم هي من صميم الموضوع الإشكالي الذي يتجحدانا يميا ونحنن نجابه التكنولوجيا الغربية و الحضارة الرقمية المتواصلة؟لقد ظهر هذا النقاش منذ رفاعة الطهطاوي و محمد عبده و خير الدين التونسي وتواصل مع سلامة موسى و طه حسين ومالك بن نبي ولكنه اخذ مسارا جديدا وحجاجيا مع حسين مروة ومهدي عامل وعابد الجابري زكي محمود وحسن حنفي وتعددت مشاربه وضرباته مع الاستاذ الأستاذ ماجد الغرباوي اليوم ، إذن الإشكال المطروح ،هل أن في الأمر تناقض مع الواقع أم البحث عن مسار إندماج مكرر للماضي أو البحث عن منفذ إختزال للزمن وبلوغ المرتق العقلي و التكنولوجي مباهتا لحضارة الغرب .
إن الإجابة يفرضها تاريخ وواقع الدراسات النظرية و التاريخية و العملية التي سجلها المفكرين و الأدباء غربا وشرقا من كل الإتجاهات الفلسفية و الإجتماعية.والمصر المرجعي لكل ذلك هو المؤلفات الأدبية و الفلسفية و الإستشراقية و الأعمال الفكرية التي يعرضها علينا كل منظر من الضفة العربية و الغسلامية وهنا نعني الجغرافيا الإقليمية المحاورة للغرب فكريا وحضاريا .الذي كشف عن إنبهارية وغرائبية مستهوية للعقل منذ بداية الإستسراق وبعدها مع الإستعمار وأسطوله من الأدباء و المؤرخين و الرحالة من كل مناطق أوروبا شمالا و جنوبا .ولكن هل ذلك من خطأ أومن فضولية إستكشافية أم من نهج أإحتكاري لنسج المنوال و إكتناز المدفون من علوم و فهومات العرب و المسلمين ؟.إن ذلك تعبر عنه الطروحات المنهجية والإبستيمولوجية المنبثقة ع عمق فينومينولوجية الزوجدان الغربي ،سواء بعداء للشرق أم بحب و تقدير وتمديد حبل الوثاق و الرفقة و الرباط.نحن أمام ازمة مناقشة التاريخ أم السلوك أم الافكار؟ .فليكن كل ذلك ونساهم في قراءة من جديد من حيث رصد الغاز الأزمة لكي نرفع التحدي مع القائمة الذكورة من عظماءنا إنهم نعمى السلف للخلف .
يقول الأاستاذ الكبير المعاصر لنا حسن حنفي ” لما كان حطأ في الحكم ينتج أساسا عن خطأ في المنهج ،وكل كشف جديد ياتي أيضا عن كشف في المنهج ،فإن الحالة الحاضرة للدراسات الإسلامية و الاحكام التي تصدر عليها تكشف عن ازمة في مناهج الدراسة ..وتتلخص هذه الأزمة في عدم تطابق المنهج مع موضوع الدراسةنفسه وخاصة إذا كان الموضوع نفسه منهجا أويحتوي على منهج كامن فيه “حنفي 70 )وهذا معروف إبستيمولوجيا أن التاريخ موضوع علم مستقل و ثانيا منهج بحث مميز.و الملاحظ أن المناهج في الإستشراق ،غالبا لا تتفق مع الموضوعات رغم أنها ليست دائما مضادة له.و لا لطبيعة الموضوع ومنهجه (حنفي، ص 77)
أما ما قدمه الأدباء فهو يعكس الكثير من الرؤى و المشاعروحاصة في المغرب و المشرق .و كان قبلها الكثير من الكتاب و الروائين من كتب بالصفة الغرائبية و الاغرائية فوجدنا الفونس دودي Alphonse Daudetكتب روايته تراسكون *tartarin de tarascon و هي احالة الى الاخلاق البذيئة و العادات المشكوكة مع بنظرة متشبعة بالمركزية الاوروبية متحيزة للغرب ساخرة من الشرق و تراثه و حضارته لذا صدرت منهم احكام مسبقة حيث نجد فلوبير flaubertو فيدو fideo وموباسن Maupassant و جان لوران Lorrain وايميل ماسكراي Masqurayوجيل لوماتز نصوصا انطباعية لا تبدي شوقا و لا ولعا بخضارة الشرق فقرانا رواية سالومبو لصاحبها فلوبيرFlaubert تحكي لنا عن قرطاج و كتب فرومنتان Fromentain انطباعات اخرئ اولية حول مناطق اخرى .
ورغم ذلك نجد فيديو و موباسان قد نقدو الاستعمار اما الدوق دوفال فقد كتب عن سحر الشرق و الاعجاب بلصحراء وماسكيراي عن القبائل كما كتب اندري و فرنسيس جيمس 1896م عن الوضع العام .اما لويس برتراند فقد حاول طمس الثقافة المحلية واحلالها في دمج مهترئ كما كتب في بداية الاستعمار نجد بلزاك و فييني و لامارتين لبحث افاق الاستعمار و دعم نظريته سوى فيكتور هيجو فكان معتدلا في مواقفه مع جورج ساند و اوجين فرومنتان فقد كان الاغراء المكاني والثقافي واضخا .
أما الغرائبية Exotisme مهوسة للخيال و العقل وشكل من الانجذابية الحفرية ’فقد ظهرت بقوة لدى شاتوبريان Chateaubriand فكان السفر و حب الاستطلاع وفضولية الغربة في البعيد ناضجة كما ازدادت الحلة الاستلابية لدى بعضهم مثل لامارتين Lamartineالذي عبر عن صو فيته و تعلقه بهذا الشرق والغازه فكانت له الحكمة و الدهشة امام الغرائبية و اضاف غوتيه فهم الذوق و الميول عام 1845 كما اهتم دي ك ونكورGoncourt برسم مناظر الشرق و كتب عنه بعفوية مع ديماس الا ان الذي كان اكثر تعمقا وروحانية فقد كان الهاما ابرزته ايزابال ايبر هاردت في تصورات وتاملات نفسية وفكرية بعد معايشتها و مشاركتها المحايثة للانسان الجزائري في ثوبه البسيط ودماثة اخلاقه في صورة الاهالي و في اماكن تواجدهم و حياتهم في قراهم و زواياهم و ملاعبهم الفروسية .
لقد إعتمد كذالك الإستشراق على روح إنبهارية مرة و أخرى عدائية، في طرق عمله على مجموع منهجيات مشهورة في التاريخ الإسلامي منها التاريخي و التحليلي والإسقاطي و منهج التأثير و الأثر .وقد كان علما مرتبطا بعلوم الجغرافيا و التاريخ و الغات و الدين أو الحضارة أو الفلسفة .فهو لم يكن متخصص و مستقل .كما رأى حسن حنفي (التراث ص 73) وذلك ما ما أفقد التراث الإسلامي وحدته وموضوعاته وغاياته
– إن التراث عالمي بطبعه تطور الإسلام وقد كان ذلك في موازاة العمل الفكري و العقائدي الذي تقيمه المسيحية في بلاد الروم و شمال العرب ، و هي الديانة التي برزت خمسة قرون من قبل ، واهتمت بالجانب الروحاني لإعادة الإيمان و الثقة بالنفس و الأمان و اليقين أمام الظواهر الكونية و الاجتماعية الناتجة ، حيث كان الإنسان محتاجا إلى أفكار حول الله و الروح و الواجبات العامة تجاه الخالق و ما يشابهه ([1]) .هذه الأفكار الموفقة ، حسب توكفيل ، يملكها كل واحد عن طريق جهده العقلي الخاص ، وبالتالي تكوين روح منشغلة بالحياة العادية ، و الخبرات اليومية للنشاط الإنساني لمعرفة الحقيقة وتجنب الغلط ، تلك الأفكار التي تكونت حول الله و الطبيعة ناشطة يوميا و تلك الممارسات تمنعهم من اكتسابها في الحياة اليومية لأن الأقلية عالمة ([2]) .
لقد ساعد عصر الأنوار إلى تنمية الروح العلمية ونفس البحث عن أعماق بفضل بعض الرحالة والأطباء وبعض الموظفين في الديوان الإمبراطوري ، الذين يملكون حقائق القصور ورجال الدولة ، مما ساعد في تطوير التاريخ والأنثربولوجيا وعلم الاجتماع ، حيث توجه البعض إلى دراسة الحياة الخاصة مثل كيفية اللباس والأقل وتنظيم المجتمع والعادات وطقوس الدين والمذاهب ، لأن هذه الظواهر تكشف حقائق أخرى وتاريخا آخر بعمق الظواهر القديمة المبحوثة مثل رجال الدولة ونشاطهم ، والحرب والفنون الأدبية التي سادت عهودا عند اليونان.
يقول المؤرخ لوقكوف. إن ما يحتفظ به المؤرخ عن الماضي هو ما يتناسب بدقة مع ما يريد فهمه أو تبريره ، بالنسبة إلى المجتمع الذي يحيط به ، ولذا شكلت دراسة أشكال الحياة اليومية جزءا من الفكر التاريخي مادام اهتمامه الرئيسي كان إعادة بناء مسار الحضارات وتطورها ولكنها ستصبح ثانوية عندما .جندت الدول و الامم الناشئة. والذاكرة الجماعية لتبرير هيمنتها الحاضرة على مجال ترابي ، ولتبرير طريقة تنظيمها للمجتمع بالاعتماد على الماضي.([3] ). لذا أصبح الإنتهاج بالوضعية التجريبية ، توجها لا مناص منه ، ولكنه أمام عائق ايستمولوجي خطير ، لا يمكن تجاوزه لأنه معروف أن التاريخ لا يعيد أحداثه ورغم التمعضلات الجديدة للأمة ، من المجتمع إلى القومية إلى الدولة القطرية الحديثة التي ظهرت في إيطاليا ، وألمانيا وغيرها. ان التراث البحثي يعلمنا ان السردية قريبة من الدولة ’بينما التخليل الذي تعمق في السلوكات فهو ولوج فضاء الشعبوية وفقد الدور السياسي . فالعلوم الاجتماعية أصبحت تحقق هويتها بكل حياء وكل استقلالية في الأدوات في أساليب ، والمناهج والأشخاص وكيفية المعالجة و مداخل العمل و انعكافاته . إن البحث الذي قدمه موريس أغولون([4] ). فالسياسة ليست مجرد خزان الأفكار برامجية أنتجتها النخب الواعية والأحزاب التي ولدت من رحم الأزمة الثورية ، وقد أنتشر تدريجيا داخل كامل الجسم الاجتماعي بفعل قدرته على الإقناع والتعبئة….([5]).فالسياسة كما يرى بوغوف طريقة في التواصل مع الآخرين ، وطريقة لفهم العالم، فهو عمل ومشروع عمل وآليات ثابتة ومتغيرة تحقق التمايز([6]) والاختلاف أو التماثل والانسجام فالبحث في فرق الاستعراض الفني نطرح المظاهر الشكلية للحياة وآلياتها.
لقد أصبح من الممكن رصد المعلومات الإحصائية الذي تكونت من الثورة الفرنسية ، المؤرخين من وسائل الاقتراب التدريجي فالزمن الحاضر ،من خلال تتبع المقاومة والانتقال لكل المكونات الأنثروبولوجية لفرنسا([7]).ونجد من يمثل ذلك النوع من الدراسات ، مني أوزوف وميشال فوفيل وجاك أزوف ، وفرانسوا فورييه ’حيث ساهم كل منهم في دراسته الأعراس والاحتفالات وألغازها وتمثلاتها ، ودرسو الأمية والخريطة الحربية.فالتاريخ فرض علينا بالمنطق العصري ظرفة المعرفة التاريخية المحدودة الزمن ، وهناك تاريخ للظرفية ، إنه علم لم يقع نظيره كثيرا مطبق في مبادئه على تحليل التغيير…فهو محل التغيير([8]). فهي مدرسة تعطي المعلومة والتاريخ والزمن واللغة والتقاطعات المرتبطة. “إن السلوكيات لأقل برهنة لمجتمع ما ……..تعكس نظاما لتمثل العالم يربطها في العمق بالصياغات الفكرية الأكثر إعدادا ، مثل القانون والمفاهيم الدينية والفكر الفلسفي أو العلمي”(.[9]).
وهذا كان معناه أنه تقديم آخر للعلوم الاجتماعية ، في صياغة جديدة ’يقوده استهداف عميق للحقائق ، فهو جزء للمعاني وتصنيف وصف للحال وهي محمولة في الخطاب الأسطوري الذي سجله التاريخ المكتوب والذاكرة الشفهية ، وهناك ما ينتج عن ذلك من حركات ورمزيات موازية لتلك الظواهر.وهناك نجد أعمال جاك لوقكوف ([10])، وجورج دوبي حول الفلكلور والزمن ، العمل ، الدين ، والهدية .و العطية وغير ذلك.والشرف والغابة وغير ذلك وأعمال فيدال ناكي التمثل والتعبير في فترة محددة وفهم نمطها لرصد ضبط الزمن والتحول.
أما في الإستشراق .نجدEnest renan قد اهتم بموضوع : التاريخ العالمي الديني. واصاف لويس بيرتراند الذي بحث في التاريخ المشترك وكيف اكتشف الإسلام أوروبا .ورينان ’تاريخ الأديان وجولدزيهر ’ العقيدة و الشريعة وتيودور نولدكه : تاريخ القرآن كما يذكر ويوؤرخ Yohan fock في : تاريخ حركة الإستشراق حتى بداية ق20 وحتى : ظهور الإسلام. وما تكلم عنه غوتيه ’ الديوان الشرقي في المؤلف الغربي ، كما يمكن ان نذكر أخرين مثل جيب و أدم ميتز : ومكسيم رودنسون من الإستشراق المعاصر واليساري والأدب العربي مثلما أرخ كارل بروكلمان لذلك ’و الآداب ا المجاورة مثل الفارسي و الهندي .وقد إختلفت المعالجات بين عام ومستعلم و مستهتر ومتعالم ومعلم للاخرين منهجا و موضوعا . وتعددت فيه الأيدي بين مؤرخ و فيلسوف و أديب و جغرافي و مهندس و طبيب ، فقد كان غولدزيهر مؤرخا ثم أنهى بالإستشراق وكان رينان داعية المسيحية ثم إستشرق موضوعا .وبذلك نجد مناهجهم هزيلة ولم تتعصرن رغم الحداثة القوية والثورية مع نهاية القرن 19 ضد المناهج التقليديةو الوضعيةو التسجيلية و الأسطوغرافية المعتمدة سابقا .وحيث تغيرت المناهج وتعلمنت منذ بداية القرن العشرين.
إن المحاولات الدائمة التي قام بها البخث في التراث و المعاصرة و التجديد ونقل التكنولوجيا و الإندماج الحضاري العلمي هي مصب هذه الاسئلة الرهيبة والتي فجرها الغرائبية الادبية و المخيال الفكري و الإستشراقي وما أعلنه المفكرون الحداثى من العرب و المسلمين .فالأمر في كيفية انفسنا و الأخرين وفهم الشرق من جهة و الغرب مقابله ، وعناصر قوته وضعفه وعبقريته ،و التي أدت إلى تكوين تراث فكري عميق وعريض وبالغ الأهمية ، كما كونت قاموس اصطلاحي جمع بين المفاهيم الأصلية والتخريجات الغربية المتشبعة بالاصطلاحات الفلسفية والعلمية للعلوم اليونانية والرومانية والاكتشافات الحديثة منذ الفرن السادس عشر.كما اندمجت تلك التعميقات الاستشراقية بالبحث العلمي في الانثربولوجيا التي طبقت على إفريقيا وأستراليا وآسيا ، بينما وجدت الصدمة أمام حضارة مكتوبة عميقة لدى كل أهالي المغرب العربي والشرق الإسلامي بفضل حضارة العصر الذهبي المشهورة.
المراجع
جاك لوكوف نالتاريخ الجديد ،تر الطاهر المنصوري ،م ع ت بيروت وتونس
آلكسي دي توكفيل الديمقراطية في امريكا فرنسية طبعة م و ف ن الجزائر
حنفي حنفي ،التراث و التجديد ،مؤسسة هنداوي 2017 لندن
عتيق العربي أنتروبولوجيا المقاومة الجزائرية دكتوراه علم الإجتماع ج الجزائر2
عتيق العربي ،الخطاب الإسلامي جامعة وهران 2002
[1]– Alexis de tocquville de la democratie en amerique enag Alger p 29-
[2]-Ibid p 29 –
[3] – .جاك لوعوف ، نفس المرجع ، ص239.
[4] – جاك لوقوف ن م س ، ص274
[5] -المرجع السابق،ص274.
[6] – مرجع نفسه، ص275
[7] -جاك لوقوف ، المرجع السابق، ص275.
[8] -المرجع السابق، ص276.
[9] – المرجع السابق،272.
[10] -جاك لوقوف م س ….المرجع السابق، ص274.






