مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

الطغيان الشرقي – إمام عبد الفتاح إمام

كتاب بعنوان 'الطاغية' يحتوي على دراسة فلسفية حول الاستبداد السياسي، يظهر فيه تمثال لشخصية ترتدي عباءة وتؤشر بإصبعها، مع رموز بصرية تعبر عن الاستبداد.

«السيد نام …

كيف أصدِّق أن الهرم الرابع مات؟

القائد لم يذهب أبدًا …

بل دخل الغرفة كي يرتاح …!»

(نزار قباني)

أولًا: ظاهرة … وتفسيرها

رأينا طوال هذا البحث كيف كان تاريخنا كله يحكمه الطغاة من أقدم العصور إلى عصرنا الحاضر؛ فهو حكمٌ استمر لعدة آلافٍ من السنين، حتى أصبحَت لفظتا «الشرق» و«الطغيان» مترادفتَين، أو كالمترادفتَين؛ فهما تصادفانك متجاورتَين متلاصقتَين في جميع الكتابات السياسية، صحيحٌ أن أممًا كثيرة غيرنا حكمها طغاة، منذ أقدم العصور أيضًا، كما كانت الحال في اليونان القديمة، على سبيل المثال، حتى كان هناك عصرٌ أطلَق عليه المؤرِّخون اسم «عصر طغاة اليونان» ويؤرِّخون له منذ اعتلاء «كبسيلوس Cypselus» طاغية كورنثة الشهير عام ٦٥٠ق.م.، وينتهي بطرد أبناء الطاغية بيزستراتوس Peisistratus من أثينا عام ٥١٠ق.م. أي ما يقرب من قرنٍ ونصف وقعَت فيها المدن اليونانية تحت سيطرة حَفْنة من الطغاة: «غير أن الملاحِظ المدقق يجد أن نظام الحكم المطلَق في الشرق أكثر شمولًا وأشد ظلمًا من نظيره في الغرب، وهكذا يظهر الاستبداد الشرقي على أنه الصورة الأشد قسوةً للسلطة المطلَقة.»١ ولقد سبق أن رأينا عبادة الحاكم في مصر القديمة، وبابل، وفارس … إلخ حتى إن الإسكندر بعد أن غزا الشرق طلب من اليونانيين أن يسجُدوا له كما يفعل الفرس معه، وكما كانوا يفعلون مع حكامهم من قبلُ، ورأينا أيضًا كيف كان فرعون الإله، وابن الإله، هو باعث الحركة، والنشاط، والقوة والحيوية والصحة لا في شعب مصر فحسب، بل في الطبيعة أيضًا؛ فهو إذا ما تولى العرش، حدث انتعاشٌ في كل شيء، فيرتفع منسوب المياه في مجرى النيل، ويرتوي الزرع والضَّرع، وتعُم البهجة جميع الكائنات، حتى تنتشي النباتات وتزدهر الطبيعة بأَسْرها. أما إذا مات اضطربت ظواهرها، واختل نظام الكون، واحتجبَت الشمس وكفَّ المطر! بل قد تؤدي وفاتُه إلى انهيار الناس، ونظام الحكم، والإمبراطورية بأَسْرها! ولم تكن هذه الظاهرة الغريبة التي تربط بين قوة الحاكم وجبروته من ناحية، وحيوية الشعب، ومسار الطبيعة ذاتها من ناحيةٍ أخرى، مقتصرةً على مصر وحدها، وإنما وُجدَت في بلدانٍ وشعوبٍ شرقية عديدة، وفي عصورٍ مختلفة، على نحوِ ما كانت معتقدات الناس، مثلًا، في العصر العباسي!٢

ومن الطبيعي ألا نجد مثل هذا الارتباط بين شخصية الحاكم ومسار الطبيعة، أو التوحيد بينه وبين الناس في هويةٍ واحدة، إلا في نظام الطغيان وحده؛ فيستحيل أن ينهار الناس أو يسقط الحكم، عندما يموت الحاكم في دولةٍ ديمقراطية، بالغًا ما بلغ حبُّهم له وتعلقُهم به (فقد حدث، مثلًا أن حزن الأمريكيون بعد أن اغتيل كنيدي بغتةً، لكنهم لم ينهاروا، كما حدث أن أسقط الإنجليز تشرشل رغم احترامهم وتقديرهم له، وفعل الفرنسيون الشيء نفسه مع ديجول)، أما الطاغية عندنا فهو الشعب، وهو مصدر كل السلطات، بطريقٍ مباشر، أو غير مباشر، وأي نقدٍ لسلوكه أو هجومٍ على سياسته، هو نقدٌ وهجومٌ على البلد بأَسْره لأنه هو البلد، الحرية له وحده، والنقد يصدُر من جانبه فحسب، ولا يجوز لأحدٍ غيره أن يجرؤ على ممارسته.٣ إنه يمد الحبل السُّري إلى جميع أفراد المجتمع فيتنفَّسون شهيقًا كلما تنفس، ولا تعمل خلاياهم إلا بأمره، إنه يملأ كل ذرة غبار في الجو من حولهم؛ فهو «الزعيم الأوحد»، و«الرئيس المخلِّص» و«مبعوث العناية الإلهية» و«القائد والمعلم» والملهم الذي يأمر فينصاع الجميع لأمره، وهو يعبِّر عن مصالح الناس، ويعرفها أفضل منهم؛ لأنهم «قُصَّر» لم يبلغوا سن الرشد بعدُ، وأنَّى للقاصرِ أن يعرف الصوابَ من الخطأ، أو أن يفرِّق بين الحق والباطل؟!

وانبعثَت هذه الظاهرة الغريبة، التوحيد بين الحاكم والشعب، ليصبح «الكل في واحد»، في الليلة التي مات فيها عبد الناصر، ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠م، عندما ذهِل العالم لذلك الذي صنَعه العرب على امتداد أقطارهم، ولا سيما ما فعلَه المصريون من بكاءٍ وعويل على نحوٍ هستيري، «وعاشت الأمة العربية، ومصر بالذات، ثلاثة أيامٍ كئيبة»،٤ ثم كانت الجنازة التي سار فيها ملايين البشر، «يبكون ويصرخون ويلطمون الخدود … إلخ»، ومن وجهة النظر الغربية فإن ما جرى في أسبوع وفاة عبد الناصر بدا غير مفهوم على الإطلاق لدى العقل الأوروبي؛ إذ كان صعبًا على قومٍ تخضع حياتهم لعملياتٍ حسابية عقلية، أن يفهموا تلك الحالة من الاكتئاب الجماعي التي بدت لهم كوباءٍ انتشر خلال ساعاتٍ معدودة، فاستسلم الناس له؛ بحيث فقدوا القدرة على تمييز ما يفعلون، فغاب عقلهم الواعي، وتركوا قيادتهم لمجموعةٍ من الانفعالات الحادة. ولأن صورة عبد الناصر في المنظور الغربي الاستعماري، بل وفي منظور آخرين ممن يُعادون هذا الغرب الاستعماري، كانت صورةَ دكتاتور وطاغية يحتقر الشعب بقسمَيه؛ الواعي وغير الواعي، المتكلم والصامت، المتحرك والصابر، فيعامل الأوَّلين بالمعتقلات والسجون، ووسائل القهر والتعذيب، كتعبيرٍ عن ازدرائه لإرادتهم، ويُخضِع الآخرين لعمليات غسيل مخٍّ عنيفة، تحول بينهم وبين الوعي بمصالحهم، فقد كان طبيعيًّا عند تطبيق المحكَّات العقلانية الأوروبية أن يفرح المصريون لموت الطاغية الذي احتقرَهم وعذَّبهم وامتهَن إرادتهم، أو أن يكتفوا بالترحُّم عليه انصياعًا للمشاعر الدينية التي تؤثِّم الشماتة في الموت، فإذا حتَّم الأمر بعض المبالغة، فليكن الدمع قليلًا. أما أن تنتشر تلك الحالة العنيفة من «الاكتئاب الجماعي» فإن الأمر يصبح عسيرًا على الفهم.٥

ولقد عكف المفكِّرون، والكُتاب على تحليل هذه الظاهرة الغريبة في محاولةٍ لإيجاد تفسيرٍ لها، وظهرَت بالفعل عدة تفسيراتٍ مختلفة، كان أضعفها القول إن مواكب الدموع العربية، عامة — والمصرية بصفةٍ خاصة — التي ودَّعَت عبد الناصر، كانت تقديرًا لإيجابيات الرجل، وخاصة سياسته المعادية للاستعمار، وإنجازاته الاجتماعية المتقدمة … إلخ.

  • (١) إن هذه الظاهرة نفسَها تكرَّرَت في يومَي ٩ و١٠ يونيو عام ١٩٦٧م، بعد هزيمةٍ بشعة لم يكن فيها شيءٌ من «الإنجاز» بقَدْر ما كان الدمار والانهيار كاسحًا؛ فقد خرج الناس في الشوارعِ يطالبون عبد الناصر بالبقاء في منصبه وألَّا يتنحى! وذلك:
    • (أ) بعد أن أضاع خُمس الأراضي المصرية.
    • (ب) وبعد أن أضاع ما كان بيد العرب من الأراضي الفلسطينية إلى الضفة الغربية وغزة؛ حيث التهمَتْها إسرائيل، وأصبح غاية المُنى والأمل عند العرب اليوم أن يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل ١٩٦٧م — أي قبل أن تضيعَ غزة والضفة والجولان — وهو حُلمٌ عسير المنال.
    • (جـ) وبعد قتل آلاف المصريين والعرب، وإصابة وتشريد وفقدان آلافٍ غيرهم، في مسرحيةٍ تافهة لم تَدُر فيها معركةٌ حقيقيةٌ واحدة.
    • (د) الأخطر من ذلك كله تحطيم نفسية الإنسان المصري، والعربي عمومًا، بعد أن كان أكبر قوةٍ ضاربةٍ في الشرق الأوسط، عندما اكتشف أن عالم عبد الناصر لم يكن سوى أبنيةٍ من الورق تهدَّمَت في ست ساعات، وجاء السقوط سريعًا وخاطفًا بينما عنتريات عبد الناصر الكلامية لم تُغادر الآذان بعدُ!
  • (٢) إن هذه الظاهرة نفسها تكرَّرَت أيضًا عندما نظَّم السودانيون لعبد الناصر استقبالًا بالغ الحرارة، حين سافر يشهد مؤتمر القمة في الخرطوم الذي عُقِدَ في أغسطس ١٩٦٧م، وبعد ما يقربُ من شهرين على الهزيمة حتى قالت الصحف الغربية — وخاصةً الأمريكية — وهي تُبدي دهشتها لهذا الاستقبال الحار: إنه لأول مرة في التاريخ يحظَى قائدٌ مهزوم بذلك الاستقبال الذي يندُر أن يحظى به الغُزاة المنتصرون.٦

لهذا كله، فإن علينا أن ننتقل إلى تفسيراتٍ أخرى لهذه الظاهرة الغريبة.

ثانيًا: طبيعة العبيد

كانت هناك محاولاتٌ كثيرة لتفسير «الطغيان الشرقي»! وللوحدة التي جعلَت الحاكم الشرقي يبتلع كل شيء في الدولة، والاستسلام العجيب من جانب المواطنين لهذا الضرب من الحكم الذي انفرد به الشرق، فذهب البعض إلى القول إن الشرقيين هم بطبيعتهم «عبيد»، يعشقون الطغيان، ويستمتعون بالقسوة، ويخلقون الطاغية إذا عز وجوده، ولقد نقل المقريزي عن كعب الأحبار قوله للخليفة عمر بن الخطاب:

«إن الله عندما خلق الدنيا جعل لكل شيءٍ شيئًا، فقال الشقاء أنا لاحقة بالبادية وقالت الصحة وأنا معك … وقالت الشجاعة أنا لاحقة بالشام، فقالت الفتنة معكِ … وقال الخصب أنا لاحقٌ بمصر، فقال الذل وأنا معك!»٧

غير أن هذه العبارة الأدبية لا تضع نظريةً فلسفية، وإن كانت تشير إلى ما كان يُعاني منه المصريون من قهر الحكام، وقسوتهم وظلمهم، ثم استسلام المواطنين لهذه المعاناة، وتقبُّلهم للقهر والقسوة في استكانةٍ ذليلة!

أما أقدم نظرية تفسِّر حكم الطاغية في الشرق واستسلام المواطنين، فهي نظرية أرسطو الذي نقل هيراركية الوجود من ميتافيزيقاه إلى مجال السياسة والاجتماع، فذهب إلى أن شعوب العالم ليست على صنفٍ واحد، وإنما هي تنقسم ثلاثة أقسام، يتربَّع الشعب اليوناني على قمتها، وما يهمُّنا هو أنه كان يعتقد أن هناك أناسًا مهيَّئين بطبيعتهم لأن يكونوا عبيدًا؛ فقد خُلِقوا لخدمة غيرهم؛ فالتفرقة بين الأدنى والأعلى موجودة في الطبيعة، وفي جميع الأشياء. ومن الأفضل أن يحكُم الجانب الأعلى، وأن يطيعَ الجانب الأدنى. ومن هنا فإننا نجد أن بعضَ الناس هم بطبيعتهم «سادة» وبعضهم الآخر عبيد؛ فالرق بالنسبة لهؤلاء نافعٌ بقدْر ما هو عادل. وينتهي أرسطو من ذلك إلى الحكم على بعض الأجناس بأنهم رقيقٌ بالطبع، والبعض الآخر بأنهم أحرارٌ بالطبع. وقد جعل من الإغريق السادة الأحرار؛ فهم لا يجوز استرقاقهم لأنهم ورثوا الروح العالية والشجاعة، أما الشرقيون فهم بطبيعتهم عبيد.٨ وعلاقة السيد بالعبد هي علاقة الطاغية، أو الحاكم المستبد برعاياه، ما دام هذا الحاكم لا يعترف بحقوقٍ لهؤلاء الرعايا، ولا ينظُر إليهم إلا بوصفهم موجوداتٍ دنيا، أو مجرد أدواتٍ يسخِّرها لأغراضه ويأمرها فتطيع!

ومن هنا فإننا نجد المعلم الأول في رسالةٍ إلى تلميذه الإسكندر الأكبر ينصحُه فيها بمعاملة اليونانيين معاملة القائد، في حين أن عليه أن يعاملَ الشرقيين معاملةَ السيد لعبيده!

وهو يعتقد أن الأزواج في الشرق يعاملون زوجاتهم على أنهن جَوارٍ، والأعجب من ذلك كله أن الشرقيين يستسلمون لطغيان الحاكم على أنه أمرٌ طبيعي لا يجدون فيه غضاضة؛ فهم لا يحتجُّون ولا يتذمَّرون، في حين أن الرجل الأوروبي الحر لا يستطيع أن يتحمل هذا الضرب من الحكم فيفر منه بشتى الطرق، يقول: «يتمثل الطغيان بمعناه الدقيق في الطغيان الشرقي؛ حيث نجد لدى الشعوب الآسيوية، على خلاف الشعوب الأوروبية، طبيعة العبيد، وهي لهذا تتحمل حكم الطغاة بغير شكوى أو تذمُّر!»٩

ولقد ظلَّت نظرية أرسطو عن «الطغيان الشرقي» سائدةً في الفكر السياسي مع تعديلاتٍ طفيفة؛ ففي النصف الثاني من القرنِ الثامنَ عشرَ ذهب مونتسكيو (١٦٨٩–١٧٥٥م) إلى أن الاستبداد نظامٌ طبيعي بالنسبة للشرق، لكنه غريبٌ وخطرٌ على الغرب. غير أن «مونتسكيو» يضيف إلى ذلك الربط بين الاستبداد والدين، فيرى: «أن الحكومة المعتدلة هي أصلحُ ما يكون للعالم المسيحي، وأن الحكومة المستبدة هي أصلحُ ما يكون للعالم الإسلامي!»١٠

دون أن يفسِّر لنا من أين جاءت هذه القسمة الغريبة التي تجعل الديمقراطية هي الحكم المناسب للعالم المسيحي (وهو هنا يقصد العالم الغربي على وجه التحديد؛ فالدولة المسيحية في الشرق لا بد أن تكون حكومة استبداد بحكم المقدمة السابقة)، والحكم الاستبدادي هو أنسبُ أشكال الحكم للعالم الإسلامي. لا شك أنه لم يقرأ شيئًا عن الإسلام الذي يدعو إلى حرية العقيدة، والتفكير، وإلى الشورى بين الناس دون أن يذهب قَط إلى «طاعة السلاطين الفائقة» لأنهم ترتيبٌ من الله كما قال القديس بولس، ولم يقُل الإسلام إن كل سلطةٍ سياسية هي مستمدَّة من الله، وهو المبدأ الذي يبرِّر الطاعة المطلَقة، والاستسلام الكامل للطاغية أينما وُجد، ولم يصفِ الشعب بأنه مجموعةٌ من «الحمير» يريدون تلقِّي الضربات كما فعل مارتن لوثر … إلخ.

لكن لكي نكون منصفين فلا بد لنا أن نقولَ إن العذرَ الوحيد الذي يمكن أن نتلمَّسه لمونتسكيو في فكرته العنصرية الغريبة، هي أن التاريخَ الإسلاميَّ كلَّه كان يُسيطر عليه الطغاة، فظن — للأسف — أن هذا هو ما يدعو إليه الإسلام، وأن الحاكم المسلم لا بد أن يكون طبيعتُه طاغية، وأن المسلمين لا يصلُحون للحكم الديمقراطي ما داموا قد أذعنوا قرونًا طويلةً لهذا الضرب الكريه من الحكم دون أن يتلمَّسوا الطريق إلى الحرية، أو أن يُحاوِلوا أن يستبدلوا بنظام الاستبداد نظامًا من الحكم يحترم آدمية الإنسان، ويعطيه حريته وكرامته.

أما أرسطو فقد كانت نظريته عنصرية هي الأخرى؛ فلا شك أن نظرة الاستعلاء كانت جزءًا من التفكير الفلسفي عند اليونان؛ فهم وحدهم الحريصون على القيم الإنسانية والمثل العليا، وهم «سادة»، وبقية الشعوب «برابرة»، و«همج»، وعبيد!

غير أن هذه النظرة، فيما يبدو، لم تكن نظرة اليونانيين وحدهم؛ إذ يروي هيرودوت أن قمبيز، الإمبراطور الفارسي الشهير، كان يعُد «الأيونيين والأيوليين» عبيدًا ورثهم عن أبيه.١١ ويعلِّق الدكتور أحمد بدوي على هذه العبارة بقوله: «تلك كانت نظرة الغالب إلى المغلوب في العالم القديم (وهي لم تزَلْ كذلك حتى يومنا هذا) يفرضُ عليه سلطانه، ويستغلُّ أرزاقه، ويسوقُه مكرهًا إلى الحرب …»١٢

ولم تبعُد نظرية هيجل عن ذلك كثيرًا؛ فهو يعتقد أيضًا أن الطغيان في الشرق يرجع إلى أن «الشرقيين لم يتوصلوا إلى معرفة أن الروح أو الإنسان — بما هو إنسان — حُر، ونظرًا إلى أنهم لم يعرفوا ذلك، فإنهم لم يكونوا أحرارًا، وكل ما عرفوه أن شخصًا معينًا حُر (هو الحاكم الطاغية وبقية الشعب عبيدٌ له بالطبيعة)، ولكن على هذا الاعتبار نفسه، فإن حرية ذلك الشخص الواحد لم تكن إلا نزوةً شخصية وشراسةً أو انفعالًا متهورًا وحشيًّا»، أو ترويضًا واعتدالًا للرغبات لا يكون هو ذاته سوى عرَضٍ من أعراض الطبيعة؛ أي مجرد نزوة كالنزوة السابقة؛ ومن ثم فإن هذا الشخص الواحد ليس إلا طاغيةً لا إنسانًا حرًّا.»١٣

وهكذا يردُّ هيجل عبودية الشرق إلى انعدام «الوعي الذاتي»؛ فإن الشعب في الصين ليس لديه عن نفسه إلا أسوأ المشاعر؛ فهو لم يُخلق إلا ليجُر عربة الإمبراطور، وهذا هو قدَره المحتوم! وعاداتهم وتقاليدهم، وسلوكهم اليومي يدل على مبلغ ضآلة الاحترام الذي يُكِنُّونه لأنفسهم كأفرادٍ وبشر.»١٤

وعلى كل حال، فإن جميع النظريات التي تفرِّق بين البشر، وتتحدث عن «طبيعة خاصة» عند الشرقيين أو غيرهم هي نظرياتٌ ظاهرة الخطأ، إن كل ما نستطيع أن نقولَه هو أن الشعوب التي اعتادت حكم الطاغية لعدة آلاف من السنين، قد نجد لديها استعدادًا للتسليم بهذا الشكل من أشكال الحكم أسرعَ من غيرها، كما أننا نجدها لا تمانع في الحديث عن «إيجابيات» الطاغية، وتمتدح أعماله «الجليلة»، دون أن تجد في ذلك حرجًا ولا غضاضة! ولا شك أن الأمم الشرقية أصبحت تنشُد الحكم الاستبدادي، لطول إلفها له، وما زال أبناؤها يتسابقون في تدبيج القصائد التي تتغنَّى بأياديه البيضاء على الناس، ولم يعد «الحاكم الشرقي» يجد حرجًا في تسخير الصحافة، والإذاعة والتلفزيون، وجميع وسائل الإعلام للحديث عن أمجاده وبطولاته وانتصاراته، حتى لو أنه انهزم هزيمةً منكرة — فيما أسماه ﺑ «أم المعارك»! — ومن مظاهر التقديس للحاكم عندنا أن تتصدَّر صورُه جميع الصحف، وأن تكون تنقلاته وأخباره — حتى ولو كانت مما يمارسه رئيس الدولة في حياته الروتينية المألوفة — هي الخبر الأول في جميع نشرات الأخبار، ولا بأس من تكرارها في كل نشرة!

ثالثًا: نظرية فيتفوجل Karl Wittfogel (١٨٩٦–١٩٨٨م)

عكف المفكر الأمريكي الجنسية، الألماني الأصل، «كارل فيتفوجل» على دراسة بلدان الشرق، ونُظمها السياسية والاقتصادية ليقف على ما أسمته الماركسية ﺑ «النمط الآسيوي للإنتاج»، محاولًا صياغة نظريةٍ طموح، يُحاول بها تفسيرَ التاريخ البشري كله، عائدًا إلى العصر الحجري لكي يبرهنَ على وجود صراعٍ دائم بين المجتمعات القائمة على الاقتصاد الفردي الحر والمجتمعات الاستبدادية ذات النمط الشرقي، والقائمة على اقتصاد الدولة، وفي عام ١٩٥٧م أصدر كتابً ضخمًا في مجلدَين، قضى في إعداده، على ما يقول، نحو ثلاثين عامًا، وعنوان الكتاب «الاستبداد الشرقي: دراسة مقارنة للسلطة المطلَقة».

يرى «فيتفوجل» أنه كان من نتيجة الثورة الصناعية والتجارية في القرنَين السادسَ عشر والسابعَ عشر، أن انتشرَت التجارة الأوروبية والنفوذ الأوروبي، في أرجاء الأرض، وقام عددٌ من الرحالة الغربيين، من الممتازين عقليًّا، وكذلك بعض الأساتذة والعلماء الأوروبيين باكتشافٍ عقلي لا يقل أهمية عن المكتشفات الجغرافية الكبرى التي تمَّت في هذه الحقبة.

فلقد تأمل هؤلاء الرحالة حضارات الشرق الأدنى مصر والشام والعراق وفارس، وكذلك الهند، والصين، ولاحظوا سِمةً خاصة فيها جميعًا، وهي تظهر بوضوحٍ في المجتمعات الشرقية، ولا تُوجد في أوروبا في العصور القديمة، ولا في العصر الوسيط، ولا في العصر الحديث. ولقد أطلق الاقتصاديون الكلاسيكيون على هذه السِّمة اسم «المجتمع الآسيوي أو الشرقي.»١٥

ويظهر العنصر المشترك بين هذه المجتمعات الشرقية المختلفة، بوضوحٍ، في القوة الاستبدادية للسلطة السياسية عندهم، وبالطبع، لم تكن حكومة الطغيان مجهولةً في أوروبا؛ فقد توافق ظهور النظام الرأسمالي مع ظهورِ الدولة ذات السلطة المطلَقة، غير أن الملاحِظ المدقِّق يجد أن نظام الحكم المطلَق في الشرق كان أكثر شمولًا، وأشد ظلمًا من نظيره في الغرب، فبدا لهم الاستبداد الشرقي بوصفه الصورةَ الأشدَّ قسوة للسلطة المطلَقة.١٦

ولقد اهتم الفلاسفة الذين درَسوا الحكومات الشرقية من أمثال مونتسكيو بالآثار المؤسفة للاستبداد الشرقي، أما الذين درسوا الاقتصاد فقد اهتموا بمراتب المِلكية، ودرجات الإدارة. واندهش الاقتصاديون الكلاسيكيون، بصفةٍ خاصة، من الأعمال المائية الهائلة التي تقوم بها هذه الشعوب لأغراض الري، ووسائل الانتقال والمواصلات، كما لاحظوا أن الحكومة في كل مكانٍ من الشرق كانت أعظمَ مالكٍ للأرض، ويسوق «فيتفوجل» الكثير من المعلومات، والتفصيلات الدقيقة عما يسمِّيه «بالنظام المائي» أو «المجتمع المائي الإداري»، ويستنبط من هذه المعلومات قوانينَ عامةً لهذا المجتمع تنطبق على المكسيك، وبيرو، ومصر، والعراق، والهند، والصين … إلخ؛ فهو يبدأ بالفكرة نفسها التي أبرزَها ماركس عن أهمية الري الصناعي في تلك البلدان، ويستنتج منها ضرورةَ تعبئةِ العمالة الضخمة لهذا الغرض، مع إيجاد تقسيمٍ جيد للعمل بين فِرقها. ولا يمكن أن يقوم بعملية تعبئة العمل وتقسيمه والاستفادة منه على نطاق البلد سوى سلطةٍ مركزيةٍ طاغية؛ الأمر الذي لم يحدث بالصورة المستمرة نفسها في البلاد التي تعتمد على ماء المطر. وفي هذه المجتمعات تكون الدولة، كما ذكرنا، هي مالكة الأرض، أما الفلاحون، فهم منتفعون فقط، ويترتَّب على ذلك أن تصبح المِلكية الفردية ضعيفةً ضعفًا شديدًا في النمط الآسيوي، وإن كانت موجودة، غير أن الأشخاص الذي ينتمون إلى جهاز الدولة هم الذين كانوا، في الأعم الأغلب، أصحاب الممتلكات الفردية، ويتوقف دوام المجتمع المائي على تمسُّك الدولة بمحافظتها على صفتها المالكة الكبرى — أي على أن تكون لها اليد العليا بالمقارنة بالملكية الفردية.١٧

وهكذا تعتمد نظرية «فيتفوجل» في الاستبداد الشرقي على وجود النهر الذي يتطلب بالضرورة قيام سلطةٍ مركزيةٍ استبدادية تقوم بثلاث مهامٍ جوهرية لتحقيق الإنتاج الزراعي هي:

  • (١) مهمة توصيل المياه من النهر إلى الأرض.
  • (٢) مهمة حماية الأرض الزراعية من غوائل الفيضان.
  • (٣) مهمة توفير مياه الري في فترات التحاريق.١٨

ولا بد، لتحقيق هذه المهام، من شق الترع، والقنوات، والمصارف عبْر المساحات الواسعة من الأراضي الزراعية لتوصيل المياه إلى الحقول. ولا بد أن تكون ضفاف النهر مرتفعة على نحوٍ مناسب، وهو ما يتم بإقامة الجسور وصيانتها، وتهيئة الاستعدادات الدائمة لترميمها على وجه السرعة في حالة وقوع أي انهيارٍ في جزءٍ منها. ولا بد من بناء القناطر والخزانات والسدود، وكافة وسائل ضبط مياه النهر لحماية الأراضي الزراعية من الفيضان، من ناحية، ولحجز جزء من مياهه يمكن استخدامه في الري على مدار السنة، من ناحيةٍ أخرى، ثم لا بد خلال ذلك كله، من إقرار نظام شامل للري يسري في طول البلاد وعرضها.١٩

وهذه المهام جميعًا، والأعمال اللازمة لتحقيقها لا يمكن أن تتم بالجهد الفردي، مهما بلغ هذا الجهد، بينما هي أعمالٌ لا غنى عنها للإنتاج الزراعي بأي حالٍ من الأحوال؛ ولهذا فإن فيتفوجل يشبِّهها بأعمال الحرب، حتى إن بعض البلاد تستدعي رجالها لأعمال السُّخرة بالتفسير نفسه الذي تدعوهم به للحرب.٢٠ ولا يتصور أحدٌ أن يقوم فردٌ من الأفراد بشق ترعة أو مصرف، أو بناء خزَّان أو سد، أو أن يفرضَ لنفسه نظامًا خاصًّا لري حقله، كما لا يتصور أن يقوم أحدٌ بالقتال بمفرده؛ ومن ثَم، فلا بد من وجود عملٍ جماعي، وهو في الوقت ذاته لا يمكن أن تقوم به عائلةٌ أو حتى جماعةٌ قروية، وإنما هو عملٌ قومي يتم على مستوى الدولة، ويتخذ أشكالًا كثيرة ابتداءً من السُّخرة إلى نظام التعاون، وهكذا يقتضي نظام الري الموحَّد قيام سلطةٍ سياسيةٍ مركزيةٍ استبدادية، تحوَّلَت إلى ما نسمِّيه ﺑ «الطغيان الشرقي»!

ومن ثَم فإن «فيتفوجل» يعتقد أن السلطة المطلَقة التي يمارسها الحاكم على الأيدي العاملة من رعاياه، مكَّنَت حكام «سومر»، و«بابل»، و«مصر» من بناء قصور، وحدائق ومقابر هائلة. وهذه السلطة المطلَقة هي التي مكَّنَت الحاكم أيضًا من أن يكون الكاهن الأكبر، وأن يكون إلهًا، أو ابن الإله، ومن إقامة المعابد الضخمة والآثار الهائلة التي لا تزال قائمة حتى الآن، وهي التي لم يكن من الممكن إقامتها إلا بالسُّخرة، والسيطرة التامة على أعدادٍ هائلة من الأيدي العاملة، بل لقد انتقل هذا النموذج في العمل إلى بلدانٍ أصغر، فبنى «الملك سليمان»، كما تقول نصوص التوراة، معبده الجميل بفريق عملٍ يشبه فريق العمل عند البابليين استمر يعمل أربعة أشهرٍ كل عام.٢١

وهؤلاء الحكام «الطغاة» الذين أقاموا هذه الآثار الهائلة، كانوا بالضرورة قادرين على التنظيم بكفاءةٍ عالية، فأوجدوا أدواته الفعالة منها السجلات، وحروف الكتابة، ونظام المراقبة الدقيق، واللوائح والقوانين التي توجِّه نشاط الأهالي توجيهًا إجباريًّا، وفي حين أن التجار، فرادى أو جماعات، بادروا بإقامة الاتصالات البرية المنتظِمة مع أوروبا الإقطاعية ذات المجتمع اللامركزي، فإن الدولة هي التي تولَّت تنظيم البريد في «العالم المائي» باعتباره مؤسسةً سياسية تمكِّنها من السيطرة على وسائل النقل، ومن إعداد شبكةٍ كاملة من المخابرات والرقابة، كما أن القدرة على تحريك الأعداد الغفيرة من العاملين قدَّمَت لتلك الدولة فرصةَ تكوين جيوشٍ مهولة، أو إرساء المبادئ الأولى للفنون الحربية ونظرياتها.٢٢

تلك كانت الصورة الاقتصادية التي رسمَها «فيتفوجل» لمجتمع النهر، وللمجتمع المائي الذي يعتمد على النهر في ري أراضيه الزراعية، وما يستتبع ذلك من مهامَّ تستدعي قيام سلطةٍ مطلَقة استبدادية تفرضُ على الناس العمل الجماعي، لكن ما الصورة السياسية والاجتماعية والأخلاقية لهذا المجتمع؟ ما الذي يحدث للفرد وتطلعه إلى الاستقلال الذاتي في ظل هذه السلطة المطلَقة؟

يجيب بأن السلطة المطلَقة التي يمارسها «الطغيان الشرقي» لا تتحمل وجود قوًى سياسيةٍ أخرى بجوارها؛ ومن ثَم فإن هذا الطغيان يعوق نموَّ أي قوةٍ سياسيةٍ على مستوى المؤسَّسات، كما أنه ينجح على المستوى السيكولوجي في إحباط رغبة الإنسان في العمل السياسي المستقل، ويعتمد هذا النجاح في نهاية الأمر (وفيتفوجل هنا يتفق مع مونتسكيو في المبدأ الذي رأى أن الطغيان يقوم عليه) على أن الحكومة المائية تعتمد على مبدأ التخويف.٢٣

ومن هنا فإن «الطغيان الشرقي» — أو الاستبداد المائي كما يُسمِّيه فيتفوجل — اضطُر إلى أن يحكُم معتمدًا على العقاب، وهي خطة من الحكم يبرِّرها القول بأن الأبرياء أو غير الآثمين من البشر قلة من الأفراد، وهو يضرب المثل بحكيم الصين الأكبر «كونفوشيوس» الذي كان يفضِّل التربية على العقاب، ومع ذلك كان يعتقد أن «إعداد الحكومة الصالحة يحتاج إلى مئاتٍ من السنين حتى يتحول الإنسان السيئ العنيف إلى شخصٍ صالح، وحتى نستغني تمامًا عن عقوبة الإعدام»!٢٤

ولهذا السبب فإن الحكومات المختلفة في الشرق نظرت إلى العقاب على أنه الوسيلة الجوهرية الوحيدة لنجاح الدولة في إدارة شئونها. وهكذا نجد شريعة «مانو» الهندوسية تُقِّر العقاب وبثَّ الرعب باعتبارهما الأساس للسلام والنظام الداخلي؛ فالعقاب الذي لا بد أن يكون عادلًا بالطبع، يُجبر الأفراد على السلوك المستقيم، ومن دونه فإن الحدود الموضوعة بين الطوائف سوف تُنتهك، ويتغلَّب الناس بعضهم على بعض، أما عندما يُطل العقاب بسحنته السوداء وعينه الحمراء، فإن الرعية تخلُد إلى الهدوء والسكينة «العالم كله يحافظ على النظام عن طريق العقاب»؛٢٥ إذ عن طريق العقاب يحمي الحاكمُ الضعيفَ من القوي، ويمنعُ الانتهاك الحيواني للقرابين، ويحمي الملكيةَ الخاصةَ من أعدائها، ويحول دون إهانة الطبقة الدنيا للمنزلة الاجتماعية الرفيعة؛ فما لم يُنزل الملك الطاغية العقابَ على من يستحقه، بلا ملَلٍ أو ضجَر، فإن «القوي سوف يشوي الضعيف، كما تُشوى السمكة على سيخٍ من حديد، وسوف يلتهم الغرابُ فطائر القرابين، وسوف يلعق الكلب طعام القربان، ولن تبقى المِلْكية الخاصة لأحد، وسوف تغتصب الطبقاتُ الدنيا أماكن الطبقات العليا.»٢٦ وهكذا فإن العقاب هو وحده الذي يحكُم الكائنات المخلوقة، والعقاب هو وحده الذي يحميها جميعًا؛ فالعقاب يراقبهم حتى وهم نيام، «إذ الواقع أن العقاب … هو الملك.»٢٧

1 2 3الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading