الطغيان الشرقي – إمام عبد الفتاح إمام
وينتقل «فيتفوجل» إلى الحديث عن السلطة المقدَّسة التي أضفاها طغاة الشرق على أنفسهم ليبرِّروا مساءلة الناس وعقابهم؛ فقد زعم حكام بلاد ما بين النهرَين أنهم أخذوا سلطتهم من إنليل Enlil العظيم، رئيس مجمع الآلهة السومري الذي قام بتنظيم الكون وإخراجه من لُجَّةِ العَماء. ويرمز هذا الإله المرعب إلى سلطة القوة والقهر والإرادة المقدَّسة؛ وبالتالي فإن أي معارضةٍ من جانب الأفراد ينبغي أن تُسحق تمامًا؛ فلا سبيل أمام الرعية سوى الخضوع والاستسلام. وعلى الرغم من أن «إنليل» يُفترض فيه أنه يستخدم قسوته وجبروته بطريقةٍ قانونية مشروعة، فإن المرء لا يمكن أن يرتاح أبدًا لهذا الإله؛ لأنه دائمًا يُشعرنا بالخوف من أن العقاب يترصَّدنا. ومن هنا يبدو أن استعداد الحاكم للتوحيد بين ذاته وبين الإله إنليل — أو الآلهة المنحدرة من صُلبه — ذو مغزًى عميق؛ ولهذا اعتاد ملوك «سومر» أن يوحِّدوا مباشرة بينهم وبين إنليل، لما يمثِّله من رعب، ولما يبثُّه من خوفٍ في قلوب الناس. ولقد أخذ الطغاة البابليون هذه الفكرة نفسها وعدلوها؛ «فحمورابي» صوَّر نفسه على أن الذي أعطاه اسمه هو «إنليل» ذاته؛ ولهذا أطلق على نفسه «ابن إنليل» وأبوه هو ا لإله سن Sin إله القمر، وفي الحالتَين فإن طغاة ما بين النهرَين يؤكِّدون صفتهم المرعبة.٢٨
كذلك كان الرعب، في رأي هذا المفكر، مُلازمًا للاستبداد عند الفراعنة، وهو رعبٌ ترمز إليه الأفعى السامة أريوس Uraeus التي ترقد ملتفة حول جبهة الملك تهدِّد أعداءه بالدمار، كما أن أعمال الملك المرعبة يمكن أن تقارَن بالأعمال المخيفة للإلهة سخمات Sekhmet إلهة الحرب الشرسة في مصر القديمة التي دمرت أعداء «رع» فسُمِّيت «عين رع»، كذلك كان فن إدارة الحكم في الصين القديمة يُعبِّر باستمرارٍ عن حاجته للعقاب المرعب، وظل حجَر الزاوية في السياسة الرسمية طوال الحكم الإمبراطوري، حتى إن ما نسمِّيه نحن الآن «وزارة العدل» كان يُسمَّى في التراث الصيني باسم «وزارة العقوبات».٢٩
غير أن هذه العقوبات لم تكن تعني العقوبات الأدبية أو الأخلاقية التي تلجأ إلى ضمير الفرد؛ فلا وجود لاستقلال الفرد أو ذاتيته، إنها عقوباتٌ جسدية تستخدم — على حد تعبير فيتفوجل — «لغة الكرباج» وتلجأ إلى الجلد، والضرب، والأصفاد والأغلال. يقول «كانت لغة الكرباج هي اللغة المستخدمة بانتظامٍ في دولة السُّخرة في سومر القديمة، كما أن جميع الموظفين الرسميين في دولة الفراعنة كانوا يستخدمون العقاب البدني، وتُظهرنا السجلات في مصر القديمة، على أن الموظفين الذين وُكل إليهم الإشراف على المشروعات العامة كانوا يسيرون والعصا في أيديهم. وفي أماكنٍ أخرى كانت الطريقة المؤكدة لحث الناس على العمل الجاد هي تهديدهم بالضرب!»٣٠ كما كانت مقاومة جباية الضرائب منذ الفراعنة تُواجَه بعنفٍ وقسوة، وتُخبرنا مقطوعةٌ هجائية شهيرة من المملكة الحديثة، أن الفلاح المصري الذي يفشل في تسليم حصته من الغلال، «كان يُضرب، ويُقيَّد، ويُطرَح به في القناة.»٣١
وفي ظل هذا الرعب الشامل كان على أعضاء «المجتمع المائي» أن يشكِّلوا سلوكهم بحيث يتفق مع مطالب الدولة، إذا أرادوا أن يُكتب لهم البقاء، فلا ينبغي لهم إثارة الوحش الذي لا قِبَلَ لهم بالسيطرة عليه. وهكذا فإن الفطرة السليمة تنصح المرء بأن تكون إجابته على مطالب السلطة المطلَقة بكلمةٍ واحدة فقط هي: الطاعة. وهكذا تصبح الطاعة هي سمة المواطن الصالح في الطغيان الشرقي، وفي جميع النظم الاستبدادية.٣٢ صحيحٌ أن الحياة في أي مجتمعٍ تتطلب قدْرًا من التناسق والانسجام بين الفرد ومجتمعه، ولا تكون الطاعةُ مفقودةً تمامًا، لكن في المجتمعات الزراعية الغربية، مثلًا، لا تكون الطاعة أبدًا هي الفضيلة الأولى للمواطن. ولقد كان المواطن الصالح في دولة المدينة الديمقراطية عند اليونان يتميز بأربع صفاتٍ رئيسية هي: الشجاعة في القتال، والتقوى، والمسئولية المدنية، والرأي المُتزن. كما كان للقوة الجسدية والشجاعة فيما قبل الفترة الديمقراطية، تقديرٌ خاص، لكن لم يحدث قط لا في العصر الهوميري، ولا في العصر الكلاسيكي، أنْ كانت الطاعة هي فضيلة الرجل الحر، اللهم إلا في ميدان القتال، في حين كانت الطاعة العمياء، والاستسلام الكامل، والخضوع المطلَق هي واجبات العبد وقدَره الأليم ومصيره البائس. لقد كان المواطن الصالح عند اليونان هو مَن يعمل في اتساقٍ وانسجامٍ مع القوانين التي شرعتها الدولة، دون أن تكون هناك سلطةٌ مطلَقة، تقيِّد سلوكه على نحوٍ مطلَق.٣٣
بل لم يكن ولاء الفارس لسيده الإقطاعي في العصور الوسطى ينتهي به إلى استسلامٍ كامل أو خضوعٍ مطلَق؛ فالعقد الإقطاعي يُلزمه باتباع سيده بطريقةٍ معينة فحسب، كما كانت فضائل الفارس الجيد تنحصر في قدرته على الفروسية، وبراعته في القتال، والشجاعة الفائقة إلى أقصى حد. أما الطاعة التامة أو العمياء فلم يكن لها وجود.٣٤
أما في حكومة الطغيان الشرقي — أو العلاقة بين المواطنين والحكام في المجتمع المائي — فإن الأمر يختلف عن ذلك أتم الاختلاف، يقول فيتفوجل «لقد ناقش ثوركيلد جاكبسن Thorkild Jacobsen موضوع المجتمع والدين في بلاد ما بين النهرَين، وانتهى إلى أن الطاعة هي الفضيلة الأولى هناك: «فالحياة الصالحة هي حياة الطاعة» وعلى خلاف المقاتلين في أوروبا في العصر الوسيط الذين كثيرًا ما كانوا يقاتلون في جماعاتٍ صغيرة، دون أن يهتمُّوا بدرجات القيادة، فإن البابليين شعروا «أن الجنود بلا ملك، أشبه بقطيع الغنم بلا راع»، و«العمال بلا مراقب كالمياه بلا مفتِّش ري»، و«الفلاحون بلا مشرِف، كحقلٍ بلا محراث».»٣٥ وهكذا كان المتوقَّع من الرعايا تنفيذ أوامر رؤسائهم، ومن باب أولى تنفيذ أوامر الملك؛ فقد كان على هؤلاء جميعًا إعلان الطاعة المطلَقة، «فقد اقتنع الأهالي في بلاد ما بين النهرَين بأن السلطة هي دائمًا على حق.»٣٦ ولا يزال الشرقيون جميعًا مقتنعين بذلك!
ويمكن أن نجد هذه الأفكار نفسَها في مصر الفرعونية؛ فلا بد للسفينة من رُبَّان، وللجماعة من قائد، ولا بد لمن يريد البقاء أن يوائم نفسَه مع صرحِ الخضوع والاستسلام. وشرائع الهندوس في الهند تأمر أتباعها بطاعة السلطة الدينية والدنيوية معًا، ومن يعارض أوامر الملك يُعرِّض نفسه لصنوفٍ مختلفة من عقوبة الإعدام.٣٧
ومن الطبيعي أن يكون الهدف من التربية إعداد المواطن للخضوع التام، والطاعة العمياء؛ فالتلميذ الجيد هو الابن المطيع، والتربية عند كونفوشيوس تتطلب الطاعة المطلَقة للوالد وللمعلم، وهو الأساس المثالي الذي تُبنى عليه الطاعة المطلَقة للسادة في المجتمع؛ وبالتالي للحكام من الطغاة.
ويجلس الفرد، في بلاد ما بين النهرَين، في المركز تحيط به مجموعة من الدوائر تمثِّل السلطات المختلفة التي تُحد من حرية أفعاله وسلوكه، وتشكِّل الدائرة الأقرب والأصغر السلطة في الأسرة: سلطة الأب، والأم، والأخ الأكبر، والأخت الكبرى، وليست الطاعة للعضو الأكبر في الأسرة سوى مجرد بداية فحسب؛ إذ تقع وراء دائرة الأسرة، دوائرُ أخرى تمثِّل سلطاتٍ أخرى كالدولة والمجتمع، وتلزم لكلٍّ منها «طاعة مطلَقة»!
كما كانت الحكمة في مصر القديمة تربط عن وعي، بين الطاعة في المنزل وطاعة الدولة؛ فالابن المطيع هو الذي ستكون له مكانةٌ طيبة في قلب الدولة، وسوف يلقَى حديثُه قبولًا حسنًا عند من يتحدَّث معه. ومطلب الخضوع في الهند للسلطات الدينية والدنيوية، يعزِّزه مطلب الخضوع للوائح الشخصية من الحياة، «وتعني الطاعة أساسًا: طاعة المعلم، والأب، والأم، والأخ الأكبر»، وتصف الكونفوشية ولاء الأبناء٣٨ بأنه:
«الإعداد الفريد للطاعة المدنية»، «فهناك قلة ضئيلة ممن يسلكون سلوكًا صالحًا وطيبًا مع والديهم، وإخوتهم الأكبر سنًّا، يمكن أن تميل إلى معارضة رؤسائهم. وليس هناك أحدٌ ممن ينفر من معارضة رؤسائه، يميل إلى التمرُّد عليهم.»٣٩
هكذا نجد أن الهدفَ الأسمى للتربية في حكومات «الطغيان الشرقي» هي تعليم الفرد أن يطيعَ بغير سؤالٍ وبلا مناقشة، كلما طلبَت منه السلطات المستبدة أمرًا! ثم تتطوَّر خاصية الطاعة هذه، التي تتميز بها المجتمعات المائية، إلى خاصية السجود أو الركوع أمام الطاغية! فالسجود، في الحضارات المائية، يحدُث تقريبًا، في كل مكان. لقد مارس الصينيون السجود في فترةٍ مبكرة من حكم أسرة «تشو Chou»،٤٠ ثم انتشر في جميع المراحل التالية من تاريخ الصين. والخبرة التي مرَّ بها بعض المبعوثين الأوروبيين حين طُلِبَ منهم الركوع أمام إمبراطور المانشو Manchu٤١ (في منغوليا) تكشف عن أهمية هذه العادة عند الشرقيين، كما تكشفُ في الوقت ذاته عن الحرج الذي وقع فيه الزوار الأوروبيون في آنٍ معًا.٤٢
ولقد كان من المألوف في العهود الكلاسيكية عند هندوسية الهند احتضانُ قدم الشخص كمظهرٍ من مظاهر الاحترام الكبير والتقدير العظيم. وكان الاقتراب من الملك يتخذ مظهر الشخص الذي يُصَلِّي، كما كان السجود يتم أمام الآلهة، والمعلم، وفي الحقبة الأخيرة من الهندوسية كانت إيماءة الخضوع الشامل تؤدَّى أمام الحاكم.٤٣
ويكشف الكثير من الوثائق عن أهمية السجود في الشرق الأدنى، فتصف سجلات مصر الفرعونية، أن البلاد كلها «كما لو كانت تنبطح على بطنها» عندما يظهر الملك. أما الرعايا المخلصون فقد كانوا يزحفون على بطونهم لكي يقبلوا (أو يتنشَّقوا) عطر الملك. وتدل شواهد في المملكة الحديثة على أن أصحاب المقامات الرفيعة كانوا يستخدمون إشاراتٍ أخرى إظهارًا للاحترام والتوقير، وإن كانت المصادر المعاصرة لم تقُل لنا إنهم توقَّفوا عن السجود تمامًا، وإنما هي تُشير بوضوحٍ إلى أن الطبقات الدنيا، والرعية، قد واصلَت السجود، وكان السجود في بلاد ما بين النهرَين، يؤدَّى للإله، وللحاكم، وللشخصيات المتميزة الأخرى. كما كان يؤدَّى السجود أيضًا في فارس الأخمينية، ثم استمر في عصر الإمبراطورية الهلنستية، والسلوقية، والبطلمية، وأيضًا في فارس الساسانية، وأصبح معيار الاحترام في نهاية الإمبراطورية البيزنطية، ولسنا بحاجةٍ إلى القول إنه كان يتناسب مع المناخ الاجتماعي للبيزنطيين.٤٤
وهكذا نجد أن السجود للطغاة، في المجتمع المائي، أصبح التعبير الصارخ للطاعة والخضوع، والاستسلام، والاحترام والتوقير جميعًا.
ومن الطبيعي أن تؤِّدي الخصائص السابقة بالفرد في المجتمع المائي إلى العزلة أو الوحدة، وهي عزلة يخلقها الخوف والرعب الذي يعيش فيه؛ فالفرد لا يجد أمامه سوى الخضوع المطلَق كردٍّ حذِر، ووحيد، على السلطة المطلَقة، وذلك يؤدي إلى كارثةٍ أخلاقية حيث تنتشر مجموعةٌ كبيرة من الرذائل؛ فعندما يتم استقطاب السلطة في المجتمع المائي، فإنه تُستقطب كذلك العلاقات الاجتماعية؛ فالرعايا الذين لا يملكون أية سيطرة على حكوماتهم، لا بد أن يخافوا من الدخول معها في أي صراعٍ حتى لا تسحقَهم تمامًا، بل إن هذه القوة المرعبة لا تستطيع فقط تدميرَ القوى المعارضة غير الحكومية، بل في استطاعتها أيضًا أن تبتلع الأعضاء في الجماعة الحاكمة، بما في ذلك الحاكم نفسه، وتُلقي أمامه بظلالٍ كئيبة من الشك والقلق، بل ربما لا تجد شيئًا يدمِّر الحياة كما يفعل اللاأمان الذي يخلقه استقطاب السلطة المطلَقة؛ ولهذا فإنك تجد شعار الحاكم هو: «لا تثق في إنسانٍ قط!» فهذا الطاغية اللامسئول، يحسدُه أقرب المقرَّبين إليه؛ ولذلك تجد كثيرًا منهم يتطلع إلى السلطة، ويتحرق شوقًا إلى الاستيلاء عليها، ولما كان التغير الدستوري الهادئ أمرًا لا وجود له، فإن تغيير السلطة واستبدال حاكم بحاكمٍ لا يعني سوى شيءٍ واحد فقط هو اغتيال الحاكم الحالي، ومحوه من الوجود. ومن هنا فإن الطاغية «الحكيم» هو الذي لا يثق في أحدٍ على الإطلاق!
ولهذا كان من الأسباب الواضحة والمفهومة أن يحتفظ الطغاة لأنفسهم بأفكارهم الداخلية العميقة لا يفصحون عنها إلا نادرًا، وسلوكهم الذي نشاهده يؤكد هذه الحقيقة؛ فقد جاء في إحدى أوراق البردي المحفوظة رسالةٌ هي عبارة عن نصيحةٍ كتبها أحد الفراعنة لابنه يقول فيها:
«ابتعِد، واعزِل نفسك عن الرعايا الذين يخضعون لك، لا تقترب منهم وأنت وحيد … ولا تشغل نفسك، ولا تملأ قلبك بأخ، ولا تعرف صديقًا … وحتى إذا نمتَ فعليك أن تراقب بنفسك قلوبهم، إن الإنسان ليس له أعوان في وقت الشدة.»٤٥
كما نجد التراث الهندي يحدِّد الأخطار التي تحيط بالحاكم، ويناقش الوسائل العديدة التي يمكن بوساطتها أن تنقلب عليه الحاشية؛ ولهذا لا بد أن يحترسَ في قصره بحيث تكون إقامته آمنة، وأن يتخذَ الاحتياطات اللازمة حتى لا يدسَّ له أحدٌ السم، ولا بد أن يراقبَ جميع أفراد الحاشية وأن يسيطر عليهم، كما لا بد للمِلك أن يتجسَّس على رئيس وزرائه، وأن يكون حذِرًا من أصدقائه المقرَّبين، ومن زوجاته ومن إخوته، وبصفةٍ خاصةٍ من وريثه، وتقول عبارة تتردَّد كثيرًا عن طغاة الهنود: «الأمراء كالسرطان، لديهم ميلٌ سيئ السمعة، لالتهام نسلهم»، ولكي تمنع ذلك من الحدوث، فإن هناك قائمةً تُحصي الطرق التي يستطيع أن يحميَ بها الحاكم نفسه من أبنائه.٤٦
وهكذا نجد أن الحياة الرسمية ليست آمنة:
«فالرجل الحكيم هو من يبحث أولًا، وبصفةٍ مستمرة، عن حماية نفسه؛ إذ إن حياة الرجل الذي يكون في خدمة الملك يمكن مقارنتها بالحياة وسط النيران؛ فعلى حين أن النار تحرق جزءًا من البدن، أو تحرق البدن كله، فإن لدى المِلك القدرة على تدمير الأسرة كلها.»٤٧
وتشير النصوص الفارسية بصفةٍ خاصة إلى الأخطار الكامنة خلف مظاهر الأمان البيروقراطية:
«هل ادعى لك الملك ذات مرة أنك آمن تمامًا وأنت في معيته؟! إذن ابدأ منذ تلك اللحظة في الإحساس بعدم الأمان! فإذا ما دأب إنسانٌ على تسمينك، فلا بد أن تتوقع أنه سرعان ما يذبحك!»٤٨
غير أن الحاجة إلى «الشك والريبة» لا تنحصر فقط في أولئك الذين يشغلون مناصبَ رفيعةً في الهرم البيروقراطي؛ ففي الصين، كما هي الحال في جميع حكومات الطغيان الشرقي، أو الحضارات المائية، نجد أن الموظَّفين الذين يشغلون مناصبَ رفيعةً يحسُدون أصحاب الوظائف الدنيا، وليس أصحاب المناصب الدنيا أقلَّ ريبة من رؤسائهم؛ إذ من هذا الجانب يمكن أن يأتي زوالهم في أية لحظة!٤٩ وهكذا تنتشر جميع الرذائل الأخلاقية من كذب، وغش ورشوة ونفاق وتملُّق إلى ألوانٍ من المؤامرات والدسائس، فيحاول كل فرد، وكل فريقٍ تحقيقَ مصالحه الذاتية وأغراضه الشخصية بشتى السبل، ويتهم كلُّ فريق غيره بالتآمر ليُقصيَه عن مكانه. وهكذا ينشر الشعور بالعزلة والوحشة بين الناس؛ فالحاكم في نظام «الطغيان الشرقي»، أو المجتمع المائي، لا يثق في أحد، والموظف يشك في زميله، والرجل العادي يخاف الوقوع في شرك المؤامرات، وإذا كان هناك شعور بالوحشة في البلاد الديمقراطية، فإن الأفراد الأحرار يشعرون بها أساسًا لإحساسهم بالإهمال، لا لأن السلطة تتهدَّدهم في أية لحظة؛ أو لأنهم يشعرون بأن الطاغية قادرٌ باستمرار، كلما شاء، أن يقضي على كرامتهم؛ ولهذا يلجَئون إلى الانزواء والانسحاب السلبي، ومما له مغزاه أن تظهر الرواقية قديمًا عندما زال المجتمع المتزِن في اليونان الكلاسيكية، وحل محله النظام الهلنستي الذي أقامه الإسكندر الأكبر على أساس السلطة المطلَقة.٥٠
تلك هي السمات العامة لنظرية «فيتفوجل» عن الطغيان الشرقي أو الاستبداد المائي التي تردُّ الطغيان إلى التحكُّم في مياه النهر، وما يستتبعه ذلك من أعمالٍ جماعية تطلَّبَت وجود السُّخرة، التي تطلَّبَت بدورها بثَّ الذعر والرعب بين الناس لإرغامهم على الطاعة، ومعاقبة العاصي منهم، وما ينتهي إليه هذا النظام من انتشار الرذائل الأخلاقية.
غير أن السؤال المُلِح على ذهن المرء، وهو يقرأ هذه النظرية: لماذا تكون الحكومة المركزية استبدادية بالضرورة؟! ألا يمكن أن تكون هناك حكومةٌ مركزية ديمقراطية تتحكم في النهر، وتقوم بجميع المهام المطلوبة عن طريق التعاون لا السُّخرة؟ وهل صحيحٌ أن جميع الأنهار في العالم التي تعتمد عليها زراعة الأرض في الدول الزراعية أدت إلى ظهور حكومة الطغيان؟ الواقع أن فيتفوجل كان ماركسيًّا في شبابه، لكنه حاول أن يطوِّر الفكر الماركسي الجامد، أو أنه أيد ما يقول الماركسيون، وأراد أن يثبت أن سلطة الدولة هي باستمرارٍ سلطةٌ طاغية على الجماهير، حتى وإن كانت الدولة اشتراكية، والنتيجة التي ينتهي إليها هي أن الاتحاد السوفييتي ما هو إلا شكل من أشكال «الطغيان الشرقي»! لكن الاتحاد السوفييتي نفسه تفكَّك وتحول إلى دويلاتٍ ديمقراطية، تؤكِّد من جديد أن الديمقراطية لا وطن لها، وأنها يمكن أن تُوجد حيثما وُجد الإنسان على الأرض.
رابعًا: النظرية السادومازوخية Sadomasochism
يُعبِّر مصطلح «السادومازوخية» عن العلاقة الوثيقة بين السادية التي هي إيقاع الألم بالآخرين، والمازوخية التي هي — على العكس — تقبُّل إيقاع الألم على الذات والاستمتاع به.
ويُنسب مصطلح السادية Sadism إلى المركيز دي ساد Marquis de Sade (١٧٤٠–١٨١٤م)، الذي اشتهر بمؤلفاته ذات المحتوى العنيف في الممارسات الجنسية. وأهم هذه المؤلفات روايته الشهيرة (جوستين وجوليت)، المعروفة أيضًا باسم «لعنة الفضيلة، ونعمة الرذيلة»، ومع أن «دي ساد» لم يمارس إلا القليل من خياله الخصب الذي كتبه في مؤلفاته، فإنه خلق لنا مصطلحًا ارتبط باسمه، وأصبح من أكثر المصطلحات تداولًا على ألسنة الكتاب في موضوعاتٍ عديدة، كما وجد طريقَه إلى التعبيرات المتداوَلة على ألسنة الناس في وصف أولئك الذين يجدون لذةً في إنزال الألم والأذى بالآخرين، ويرى بعض الباحثين أن نزعته السادية التي بدت في سلوكه، وتجلَّت بشكلٍ صارم في كتاباته إنما تعود إلى كراهيته العميقة لأمه، وهي التي دفعَت به إلى محاولة الانتقام من الأنثى بصفةٍ عامة، ومهما تكن خلفية طفولته، فلا شك أنه كان يتمتَّع باضطرابٍ وعدم اتزانٍ دفع به في النهاية إلى دخول مستشفى الأمراض العقلية؛ حيث أمضى بقية حياته.٥١
أما مصطلح المازوخية Masochism فهو القطب المضاد للسادية في علاقة «السادومازوخية»، وهي تعبِّر عن حالة الفرد في إقباله، وتقبُّله، لما يمكن أن يقع عليه من ألمٍ أو إيذاءٍ جسمي أو نفسي من شخصٍ آخر واستمتاعه بهذا الألم، ويُنسب المصطلح إلى الكاتب الروائي النمساوي الذي ارتبطَت باسمه هذه الظاهرة وهو «ليبولد فون زاخر مازوخ Leopold von Sacher-Masoch» (١٨٣٦–١٨٩٥م)، الذي ألَّف الرواية المشهورة «فينوس في الفراء Venus in Furs»، وهي تعبِّر في بعض أجزائها عن فتراتٍ وتجارب من حياة المؤلف نفسه، وخاصةً في طفولته، والحادثة التي استرعت اهتمام المحلِّلين النفسيين هي أن «مازوخ» كان في طفولته يعيش مع عمته التي كانت تعاشر عشيقًا لها بين الحين والآخر، وقد دفعه حب الاستطلاع ذات مرة إلى الاختفاء في دولاب للملابس ليشاهد ما يحدث بالفعل، وبينما كان «مازوخ» يرصُد كل ذلك بحماسٍ واهتمام، بدت منه حركةٌ جلبت الاهتمام إليه، واكتُشف أمره، وعاقبته عمتُه بضربٍ مؤلم، وهكذا يفسِّر المحللون قيام ارتباطٍ وثيق بين الألم الذي وقع عليه، وبين لذة الإثارة الجنسية التي كان «مازوخ» يستمتع بها، وبأن هذا الارتباط قد تأصَّل في نفسه إلى حدٍّ جعل من الممكن قيام اعتمادٍ متبادل بين الشعور بالألم واللذة. ويبدو أن هذه التجربة قد تكرَّرت، وأن «المازوخي» مهيأ بطبيعته النفسية إلى مثل هذا الانحراف.٥٢
وعلينا أن نسوقَ هنا ثلاثَ ملاحظاتٍ مهمة:
- الملاحظة الأولى: هي أنه على الرغم من أن هذَين المصطلحَين قد ارتبطا في البداية بالجنس، واستخدمَتْهما مدرسة التحليل النفسي في تفسير الكثير من مظاهر السلوك البشري، فإنهما قد انتقلا بعد ذلك إلى علم النفس الاجتماعي، ثم إلى علم الاجتماع، وأخيرًا إلى ميدان الفلسفة السياسية، وهي التي تعنينا هنا بالدرجة الأولى.
- والملاحظة الثانية: هي أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين المصطلحَين، أو بين النزعة السادية المتسلِّطة التي تفرض سيطرتَها على شخص، أو مجموعة من الأشخاص، وبين النزعة المازوخية التي تستسلم، بل وتستعذب الألم الذي يقع عليها، مما يبرِّر جمعهما في مصطلحٍ واحد هو ما نسمِّيه بالعلاقة «السادومازوخية»، وهي العلاقة التي يكون فيها الطرف الأول قوةً مسيطرةً متسلِّطة تفرضُ إرادتها، في حين يكون الطرف الثاني شخصيةً مستسلمةً خاضعة.
- والملاحظة الثالثة: هي أنه إذا كان علم النفس قد نظر، في البداية، إلى هذه العلاقة على أنها تُمثل انحرافًا عن الطريق السوي، فإن معظم علماء النفس يعتبرونها الآن نزعاتٍ طبيعيةً عند البشر، رغم أنها قد تُوجد بصورةٍ منحرفة عند بعضهم، يقول إريك فروم: «إن النزعات السادومازوخية موجودة عند البشر بدرجاتٍ مختلفة في الأشخاص الأسوياء والمنحرفين على حدٍّ سواء.»٥٣ والعامل الخفي في هذه العلاقة هي تبعية كل طرف للآخر واعتماده عليه، وقد يبدو ذلك واضحًا في الشخص المازوخي الذي يمثِّل الجانب الضعيف الخانع المستسلم، وقد نتوقَّع أن تكون الشخصية السادية هي، على العكس، قويةً ومستقلة ويصعُب اعتمادها على الشخصية الضعيفة أو تمسكها بها. ومع ذلك فالتحليل الدقيق يكشف عن وجود هذه التبعية بين الطرفَين؛ فالشخص السادي يحتاج إلى الشخص الذي يتحكَّم فيه ويسيطر عليه:«إنه يحتاج إليه بشدة ما دام شعوره بالقوة كامنًا في واقعة أنه سيدٌ لشخصٍ ما، وهو قد لا يعي هذه التبعية على الإطلاق. ومن هنا فقد يُعامِل الرجلُ زوجته على نحوٍ سادي تمامًا، وقد يكرِّر على مسامعها أنها تستطيع أن تترك البيت في أي وقت، وأنه سيكون سعيدًا للغاية لو أنها فعلَت ذلك، وكثيرًا ما يعتصرها الألم حتى إنها لا تجرؤ على مغادرة المنزل. وهكذا يستمرُّ كلٌّ منهما في الاعتقاد بأن موقفه هو الموقف الصحيح، غير أن الزوجة لو انتابتها شجاعةٌ مفاجئة جعلَتها تجرؤ على القول بأنها ستتركه، فقد يحدثُ شيءٌ غير متوقع تمامًا بالنسبة لهما معًا؛ إذ يصبح الزوج بائسًا منهارًا يتوسل إلى زوجته ألا تتركه، وسوف يعلن كم هو يُحبها وما إلى ذلك. ولما كانت الزوجة تخشى، عادةً، أن تفرضَ حقوقها أو مركزها على أي نحو، فإنها تميل إلى تصديقه وتُغير قرارها وتبقى. وعند هذه النقطة تبدأ اللعبة من جديد؛ فالزوج يستأنف سلوكه القديم، والزوجة تجد الأمر يزداد صعوبة في البقاء معه، فتنفجر مرةً أخرى، وينهار الزوج من جديد، فتبقى معه، وهكذا يتكرَّر الموقف مراتٍ عديدة.»٥٤
ويعتقد «فروم» أن هذه العلاقة الزوجية تتكرَّر آلاف المرات، كما تتكرَّر بالطريقة نفسها في علاقاتٍ شخصية أخرى، والزوج لا يكذبُ عندما يعلن حبه لزوجته، أو أنه لا يستطيع الحياة من دونها؛ إذ بغَض النظر عن الحب، فهو فعلًا لا يستطيع أن يحيا من دونها، أو بتعبيرٍ أدق، من دون شخصٍ آخر يشعر أنه أداةٌ عاجزة في يده. وفي حالاتٍ أخرى كثيرة نجد الشخصَ الساديَّ يحب بوضوحٍ تام أولئك الذين يشعر معهم بقوَّته أو يمارِس عليهم سيطرته، سواء أكانوا زوجته أم طفله أم مساعده أم شحاذًا في الطريق؛ فهناك شعور ﺑ «الحب»، بل حتى شعور بالعرفان والامتنان نحو الموضوعات التي يُسيطِر عليها. وقد يعتقد أنه يرغب في السيطرة على حياتهم لأنه يحبهم كثيرًا، وهو بالفعل يُحبهم لأنه يسيطر عليهم، وهو يرشوهم بالأمور المادية، والمديح أو بتأكيد الحب، أو التباهي بالذكاء والبراعة أو إثارة الاهتمام، وقد يعطيهم كل شيء — كل شيء سوى شيءٍ واحد؛ الحق في أن يكونوا أحرارًا ومستقلِّين.٥٥
قد لا تبدو الشخصيةُ السادية محيرةً مثل الشخصية المازوخية؛ فإيذاء الآخرين، ومحاولة السيطرة عليهم قد لا يكون شيئًا «طيبًا» في ذاته، لكنه يبدو أمرًا طبيعيًّا تمامًا، وقديمًا ذهب «توماس هوبز» إلى «أن رؤية الشر الذي يلحق بالآخرين تَسُر الناظرين، لا لأنها شر، بل لأنها شرٌّ يلحق بالآخرين.»٥٦ وهو يقول أيضًا: «إني لأعتقد أن هناك ميلًا عامًّا، لدى البشر جميعًا، وهو تعبير عن الرغبة الدائمة التي لا تستقر نحو الحصول على القوة بعد القوة، وهي رغبة لا تهدأ أو لا تتوقف إلا بالموت …»٥٧ ومن هوبز إلى هتلر الذي شرح الرغبة في السيطرة على أنها النتيجة المنطقية لقانون صراع الكائنات الحية من أجل البقاء، وبقاء الأصلح. أصبحَت الرغبة العارمة في القوة والسيطرة تفسَّر على أنها جزءٌ من الطبيعة البشرية، ولا تحتاج إلى أي تفسيرٍ آخر غير ما نشاهده.
أما الشخصية المازوخية التي يميل فيها المرء إلى تقبُّل الألم، فإنها تبدو لغزًا محيرًا؛ إذ كيفَ يمكِن للمرء أن يفهمَ أن الناس لا يكتفون بالتقليل من أنفسهم أو إضعافها أو إيذائها، وإنما يستمتعون بذلك أيضًا؟ ألا يتناقض ذلك مع تصوُّرنا لطبيعة النفس البشرية التي تتجه إلى اللذة والمحافظة على الذات؟ هذا كله صحيح، غير أن النفس البشرية يمكن أن تميل كذلك، فيما يبدو، إلى البحث عن المعاناة، والألم، والضعف، والعذاب، بل إلى البحث عن البؤس واليأس والشقاء:
«وكل المطلوب في هذه الحالة أن يكون المرء ضعيفًا «أخلاقيًّا»، وذلك بأن يُعامَل معاملة الطفل الصغير، أو أن يُخاطَب على هذا النحو، وأن يُوبَّخ بعنف، أو أن يُذَل بطرقٍ مختلفة، في حين أنه يتم إشباع النزعة السادية بالوسائل المقابلة أعني بإيذاء الآخرين بدنيًّا، وتوثيقهم بالحبال والأصفاد، أو بإذلالهم بالأفعال أو الأقوال.»٥٨
ومن هنا فقد ذهب بعضُ علماء النفس، وكذلك بعضُ علماء الاجتماع، إلى القول إنه إذا كان هناك أناسٌ يسعَون إلى الخضوع والاستسلام، والمعاناة، فلا بد أن تكون هناك «غريزة» تستهدف تحقيقَ هذا الهدف على وجه التحديد، ثم جاء «فرويد» وألقى مزيدًا من الضوء، والتفسير النظري، على هذا الميل الذي اعتقد أنه نتيجة لما أسماه ﺑ «غريزة الموت»، غير أن ألفرد أدلر A. Adler (١٨٧٠–١٩٣٧م) هو الذي وضع هذه الميول في قلب مذهبه لا على أنها «سادو-مازوخية»، بل على أنها «الشعور بالدونية» من ناحية، و«الرغبة في القوة أو السيطرة» من ناحيةٍ أخرى، وهكذا أخذ التحليل النفسي للعلاقة الساودمازوخية، أبعادًا اجتماعية أكثر عمقًا على يد «فلهلم رايخ Wilhelm Reich» (١٩٠٠–١٩٥٧م)، و«كارن هورني Karen Horney» (١٨٨٥–١٩٥٢م)، و«إريك فروم Erich Fromm» (١٩٠٠–١٩٨٠م)، وكانت أهم هذه الدراسات جميعًا تلك التي قام بها هذا الأخير، والتي عرضها في كتابه الشهير «فرار من الحرية Escape from Freedom»؛ حيث قام بتحليل الشخصية المازوخية التي ترتكز أساسًا على «الخوف»، وتمتلئ رعبًا من الوحدة واللاجدوى «والفرد الخائف أو المذعور يبحث عن شخصٍ ما، أو شيءٍ ما، يربط به ذاته؛ فهو لم يعُد يطيق أن يكون ذاتًا فردية، فيحاول وهو في حالة هياجٍ شديد، أن يتخلَّص منها، وأن يشعر بالأمان، من جديد، بالتخلص من هذا العبء — أعني من الذات.»٥٩ والمازوخية هي إحدى الطرق لتحقيق هذا الهدف، «فالأشكال المختلفة التي تتشكَّل فيها لا تستهدف إلا شيئًا واحدًا هو أن يتخلصَ الفردُ من ذاته أو ضياع هذه الذات، وبعبارةٍ أخرى: أن يتخلص من عبء الحرية، وهذا الهدف واضحٌ في تلك النزعات المازوخية التي يسعى فيها الفرد للخضوع لشخصٍ ما، أو قوة أو سلطة يشعر أنها تغمره بقوَّتها (ومسألة القوة الفائقة لشخصٍ آخر، هي باستمرار مسألةٌ نسبية؛ فقد تعتمد على القوة الفعلية لهذا الشخص الآخر، أو على اقتناع المرء بعجزه الكامل وتفاهته التامة) والمهم أن الشخصية المازوخية تشعُر بضآلة ذاتها ويزداد إحساسها بالتفاهة، ربما لأن الشخص يجعل الخوفَ يتفاقم ويزداد سوءًا في محاولةٍ كي يُشفى منه، فيقع في صراعٍ وعذاب بين أن يكون مُستقلًّا وقويًّا وبين شعوره بالعجز والتفاهة، فإذا استطاع أن يصلَ إلى تحقير ذاته الفردية بحيث تتحولُ إلى «لا شيء»، استطاع في الوقتِ ذاته، أن ينقذَ نفسه من هذا الصراع، ويكون الشعور بالضآلة والعجز هو طريق إلى الخلاص، فإذا وجدَت الشخصية المازوخية نماذجَ حضارية أو ظروفًا اجتماعيةً مناسبة كالخضوع ﻟ «زعيم» أو قائد — كما هي الحال في نظم الطغيان — يمثِّل القوة التي تبتلعه، فإنه يشعر بالأمان، لا سيما إذا وجد نفسه متحدًا مع ملايينَ غيره من الذين يشاركونه هذه المشاعر نفسها؛ ذلك لأن الشعور بالعجز والتفاهة، واللاجدوى هي عناصرُ أساسية في الشخصية المازوخية، وفي سبيل البحث عن معنًى، والتغلُّب على الشعور بالدونية تُحاول هذه الشخصية أن تصبح جزءًا من كلٍّ أكبر وأعظم وأشد قوة خارجَ ذاتها تنغمسُ فيه، وتشاركُ فيه، وقد تكون هذه القوة الأكبر هي الزعيم القائد، أو قد تكون إلهًا، أو مؤسسة أو أمة … إلخ.»٦٠
وعندما يصبح جزءًا من هذه القوة أو من هذا الكل، يشعر هو نفسه بأنه أصبح شخصيةً قوية، وخالدة، وعظيمة، وصامدة لا تهتز؛ ومن ثم يتخلى عن ذاته، وعن قوَّته الخاصة، وعن كبريائه، وعن حريته ويحظى بكبرياءَ جديدة، وأمانٍ جديد من مشاركته في هذه القوة التي ينغمسُ فيها، والتي تُنقِذه من تحمُّل المسئولية واتخاذ أي قرارٍ في شأن حياته ومعناها، أو تحديد مصيره؛ كل ما يَعِن له من أسئلةٍ يجد له إجابةً عن طريق علاقته بالقوة التي ارتبط بها؛ فسيده هو الذي يحلُّ كل مشكلة، ويجيبُ عن أي سؤال، وهكذا يتحدد معنى حياته، وهويته، وذاته عن طريق الكل الأكبر الذي يغمُره ويضيع بداخله.٦١
تلك كانت، بإيجازٍ شديد الخصائص العامة للشخصية المازوخية الخاضعة المستسلمة، التي لا تجد لنفسها قيمة ولا لحياتها معنًى إلا من خلال شخصية أقوى وطاغية تُحيط بها وتُشعرها بالأمان وتقوم نيابةً عنها بالمسئولية … فما خصائص هذه الشخصية الأقوى، الشخصية السادية المسيطرة؟
«جميع الأشكال السادية التي يمكن أن نلاحظها ترتد، في نهاية الأمر، إلى دافعٍ أساسي واحد هو السيطرة الكاملة على الشخص الآخر، بأن تجعلَه موضوعًا عاجزًا تحت إرادتها، وتُصبح هي الحاكم المطلَق عليه، بل أن تُصبح إلهه، وأن تتصرَّف فيه كما تشاء، فتُذله، وتستبعده، ويكون هدفها الأساسي أن تجعله يعاني فلا توجد سيطرة على شخصٍ آخر أقوى من بثِّ الألم فيه لإرغامه على الإحساس بالمعاناة، دون أن يكون قادرًا على الدفاع عن نفسه. إن متعة السيطرة التامة على شخصٍ آخر (أو أية موضوعاتٍ حية أخرى) هي ماهية الدافع السادي.»٦٢
وهذا الميل للذات البشرية لأن تكون سيدًا مطلقًا على شخصٍ آخر هو الضد المباشر للميل المازوخي، وقد يبدو محيرًا أن يرتبط هذان الميلان المتعارضان ارتباطًا وثيقًا؛ فالرغبة في الخضوع والتبعية والمعاناة والعذاب هي عكس الرغبة في السيطرة، والتسلط، وجعل الآخرين يعانون. غير أن الحاجة الأساسية الكامنة في الميلَين هي في الواقع حاجةٌ واحدة تنبع من العجز عن تحمُّل العزلة والوحدة وضعف الذات. ويقترح إريك فروم تسمية هذه الحاجة المشتركة بين الميلين باسم «التكافل Symbiosis»، وهو مصطلح يعني اشتراك فردَين مختلفَين في معيشةٍ واحدة لفائدة كلٍّ منهما، ويقول موضحًا هذا المصطلح: «إن التكافل بالمعنى السيكولوجي الذي نقصده هو اتحاد ذات الفرد مع ذاتٍ أخرى (أو أية قوةٍ أخرى تقع خارج الذات) بطريقةٍ تجعل كلًّا منهما يفقدُ تكاملَ ذاته (أو استقلالها) ويعتمد على الآخر اعتمادًا تامًّا. وهكذا يحتاج الشخص السادي إلى موضوعه، بقَدْر ما يحتاج إليه الشخص المازوخي تمامًا.»٦٣ والفارق بينهما هو أن أحدهما يبحث عن أمانٍ في شخص يبتلعه، والآخر يسعى إليه عن طريق ابتلاع شخصٍ آخر، لكن في الحالتَين يضيع استقلال الذات، في إحداهما تذُيب نفسها في قوةٍ خارجية، وفي الحالة الأخرى توسِّع من ذاتها بحيث تجعل الآخر جزءًا منها؛ ومن ثم تحصل على القوة التي كانت تنقصها كذاتٍ مستقلة؛ فالعجز عن تحمُّل وحدة الذات هو باستمرار الدافع للدخول في علاقةٍ تكافلية مع شخصٍ آخر، وهكذا يتضح السبب في امتزاج الميول السادية والمازوخية بعضها مع البعض الآخر بصفةٍ دائمة، ورغم أنهما على السطح الظاهري يبدوان متناقضين، فإنهما من حيث الجوهر يضربان بجذورهما في حاجةٍ أساسية واحدة.٦٤
أما في ميدان العلاقات السياسية، فإننا نجد الشخصية السادية تتحول إلى شخصيةٍ استبدادية، هي شخصية الطاغية المتسلط، أو القوة الآمرة النشطة التي لا تعترف بالمساواة بين الناس؛ لأنها تتعارض مع الفلسفة التي تقوم عليها، صحيحٌ أنها تستخدم «كلمة» المساواة، لكنها لا تستخدمها بمعناها الحقيقي، بل وفقًا للأعراف والعادات، أو أنها تخدم مصالحَ معيَّنة مؤقَّتة. إن العالم عند مثل هذه الشخصية الطاغية، يتألف من نوعَين من البشر؛ الفئة الأولى هم الأقوياء المتميزون، والثانية هم الضِّعاف الذين لا حول لهم ولا قوة، أو هو يتألف من الأعلى والأدنى. والشخصية الأعلى المتميزة هي شخصية «القائد»، أو «الزعيم»، «مبعوث العناية الإلهية»،٦٥ الذي لا بد أن تخضع له الشخصيات الأدنى — المازوخية — السلبية العاجزة: «فليس هناك شيء، يفعلونه، أو يشعرون به، أو يفكِّرون فيه لا يرتبط على نحوٍ ما بهذه الشخصية القوية، إنهم يتوقعون الحماية منه هو، ويريدون أن يكونوا تحت رعايته «هو»، ويجعلونه «هو» مسئولًا كذلك عن نتائج أفعالهم.»٦٦ وهكذا يتحول هذا القائد الملهم إلى «ساحر» يُعينهم على الحياة، ويحقِّق لهم مطالبهم في الحماية والأمن، والنمو والتطور؛ ولهذا تراهم يحتجُّون إذا تركهم وذهب، أو هدَّد أن يتركهم، إنهم يشعرون ﺑ «الوحدة» من دونه، ويعجزون عن الفعل، ولا يستطيعون اتخاذ أي قرار! إنها شخصياتٌ هزيلة تريد باستمرار أن تكون تابعةً منقادة، معفاة من المسئولية، وذلك هو الفِرار من الحرية!
وأقوى مثالٍ للعلاقة «السادومازوخية» بين الطاغية وشعبه إنما يُوجد في ألمانيا النازية، وإن كان ينطبق على كل الطغاة في جميع مراحل التاريخ؛ فقد كان «هتلر» (١٨٨٩–١٩٤٥م) شخصيةً سادية متسلطة — على نحو ما كان موسوليني في إيطاليا (١٨٨٣–١٩٤٥م) — تهدف إلى السيطرة التي لا حد لها على الآخرين، ابتداءً من المحيطين به، وامتدادًا إلى الشعب الألماني، ثم إلى العالم بأَسْره! وفي استطاعتنا أن نجد تعبيراتٍ منوَّعة عن الرغبة السادية العارمة في الحصول على القوة والسيطرة في كتاب هتلر المعروف «كفاحي Mein Kampf» الذي يعرض بالتفصيل للعلاقة بين «الزعيم الملهم» الذي يفكِّر للآخرين، ويخطِّط ويوجِّه، وبين جميع أفراد المجتمع المستسلمين الخاضعين، ثم العلاقة بينهما، وهي علاقة يسودها ازدواج التناقض Ambivalence؛ فهو يحب الجماهير الألمانية ويحتقرها في وقتٍ واحد؛ فالشخصية السادية لا تستطيع الحياة من دون الموضوع الذي تُمارِس عليه سطوتها، وسيطرتها، لكنها في الوقت نفسه لا تحترمه؛ ولهذا فإننا نجد هتلر يتحدث عن رضا الجماهير بالخضوع لسيطرته يقول:
«ما تريده هذه الجماهير هو انتصار الأقوى، وسحق الأضعف، واستسلامه بغير شروط!» … ويقول أيضًا: «إن الجماهير كالمرأة … تريد أن تخضع لرجلٍ قوي لا أن يسيطر عليها رجلٌ ضعيف؛ ولهذا فإنها تُحب الحاكم القوي، لا الحاكم المتضرِّع المتوسِّل، وهي في أعماقها تكون أكثر اقتناعًا بالنظرية التي لا تتسامح مع الخصوم، لا النظرية التي تمنحُها حريةً ليبرالية، إنها تشعر بالضياع في تعاملها مع هذه الحرية، بل قد تشعر بسهولةٍ بأنها وحيدة مهجورة.»٦٧
ويعتقد هتلر أن «الزعيم» قادرٌ على الاستحواذ على إرادة الجماهير، بل تحطيم هذه الإرادة، إذا أصاخت السمع بعمقٍ لقوةٍ أعلى تتحدث إليها، وتلك في رأيه هي ماهية الدعاية، لكن الزعيم العبقري عليه أن يختار أفضلَ الأوضاع التي يمكن فيها لهذه الجماهير أن تفقدَ إرادتها وتذوبَ شخصيتها أمامه، وهو لا يتردد في الاعتراف بأنه عندما تكون الجماهير منهَكة بدنيًّا فذلك هو الوضع الأمثل للإيحاء إليهم، ومن هنا فهو يُحصي ساعات النهار أو الليل التي تكون مناسبةً أكثر لعقد الاجتماعات السياسية للجماهير، ويرى أن ساعات المساء أفضل، يقول:
«يبدو أن إرادة الناس تكون في الصباح، وطوال اليوم، قوية قادرة على التمرُّد على من يحاول إرغامها لقبول إرادة شخصٍ آخر، أو رأيٍ مختلف، أما في المساء، فإنهم يستسلمون بسهولةٍ شديدة لقوةٍ مسيطرة ذات إرادةٍ أقوى، وكل اجتماعٍ من هذه الاجتماعات يمثِّل مباراة في المصارعة بين قوتَين متعارضتَين، والخطيب الماهر البارع الذي يتصف بطبيعة الرسل المسيطرة ينجح الآن بسهولةٍ في أن يضُم إلى صفوف الإرادة الشعبية أولئك الذين خبروا بأنفسهم ضعفَ قوتهم على المقاومة وبطريقةٍ طبيعية، أكثر مما يضُم أولئك الذين يتلقَّون الأوامر من نشاطِ عقولهم وقوة إرادتهم …»٦٨
وهكذا كان «هتلر» على وعيٍ كامل بالظروف التي تخلق الرغبة العارمة في الخضوع والاستسلام، ولقد وصف هو نفسه، وصفًا رائعًا، موقف الفرد أثناء الاجتماع الجماهيري:
«الاجتماع الجماهيري ضروري، لا لسببٍ إلا لأن الذي يعتنق حركةً جديدة يشعر أنه وحيد، ويغمره الخوف بسهولةٍ من هذه الوحدة، وهو يتلقى في هذا الاجتماع للمرة الأولى صورة مجتمعٍ أعظم، وهي صورة تجعل معظم الناس أكثر شجاعة وأشد قوة … فإذا ما خطا الفرد لأول مرة — خارج «ورشته الصغيرة» أو خارج مشروعٍ كبير يشعر فيه بالضآلة البالغة — إلى الاجتماع الجماهيري، فإنه يجد نفسه محاطًا بآلافٍ مؤلَّفة من البشر يؤمنون بما يؤمن به … فإنه هو نفسه يستسلم للتأثير السحري لما نسمِّيه بالإيحاء للجماهير.٦٩
ويصف J. Goebbels (١٨٩٧–١٩٤٥م) — الزعيم النازي المعروف ووزير الدعاية في الحكومة النازية ابتداءً من عام ١٩٣٣م — الجماهير بهذه الخصائص نفسها: «فالجماهير لا تريد شيئًا على الإطلاق سوى أن تُحكم بطريقةٍ لائقة»، وعنده أن الجماهير بين يدَي الزعيم القائد أشبه بقطعة حجَر بين أصابع المثَّال، وليس ثمَّة مشكلة بين القائد وجماهيره إلا بقَدْر ما تكون هناك مشكلة بين الفنَّان الرسَّام والألوان التي يرسم بها!٧٠
أما علاقة «السادومازوخية»، التي يعتمد فيها كل طرفٍ على الآخر، فإن جوبلز يكشف لنا عن مدى ضيقِ القائد عندما يبتعدُ عن الجماهير.
«إن المرء لينتابُه أحيانًا يأسٌ عميق، ولا يستطيع أن يتغلب عليه، اللهم إلا إذا واجه الجماهير مجددًا، فالشعب هو ينبوع قوتنا …»٧١
وهكذا يكشف «جوبلز»، بوضوحٍ، عن اعتماد الشخصية السادية، شخصية القائد المستبد المتسلط، على الجماهير التي يستمد منها — أو قُل من ضعفها — قوَّته، حتى إنه ليشعر باليأس والقنوط، بل بالضعف والفراغ إذا لم يجدها أمامه! أما الجماهير نفسها فلا بد من ترويضها حتى نُنمِّي لديها الرغبة في الخضوع والاستسلام لقوةٍ أعلى، وسلطةٍ أعظم، وإن كان ذلك لا يعطيها شيئًا من القيمة الذاتية، إن قيمتها تكمُن فحسب في أنها موضوع يخضع للشخصية السادية لتُمارِس عليه تسلُّطها: «فالفرد ليس شيئًا، ولا قيمة له ولا اعتبار، وعليه أن يتقبل هذه التفاهة الشخصية، وأن يذيب نفسه في قوةٍ أعلى، وأن يشعر بالفخر لأنه يشارك في هذه القوة.»٧٢ ويقول هتلر موضحًا هذه الفكرة نفسها وهو يُعرِّف المثالية:
«المثالية هي وحدها التي تؤدي بالناس إلى الاعتراف طواعية بامتياز القوة والسلطة، وهكذا يصبحون ذرةً من الغبار في ذلك النظام الذي يشكِّل الكون بأَسْره …»٧٣
والرجل الاشتراكي، فيما يقول جوبلز، هو الذي يُخضِع الأنا للأنت، والاشتراكية هي التضحية بالفرد في سبيل الكل.٧٤ والتضحية بالفرد وجعله ذرة غبار، تعني إنكار حقه، في رأي هتلر، وفي أن يكون له رأيٌ خاص به أو مصالحُ شخصية، أو أن يبحث عن سعادته الخاصة؛ فهذه الأفكار هي جوهر التنظيم السياسي للعلاقة السادومازوخية بين القائد والشعب؛ إذ لا بد من التنازل عن الذات، وعن الأنانية، والمصالح الخاصة، والسعادة الشخصية، فليسقط ذلك كله وليذهب إلى الجحيم فيما يرى هتلر! ولا بد من تربية الطفل بحيث نغرس فيه هذه الأفكار:
«فهدف التربية ألا يؤكِّد الفرد ذاته، وأن الطفل في المدرسة ينبغي أن يتعلَّم الصمت، أن يكون صامتًا، ليس فحسب عندما يوجَّه إليه اللوم، بل عليه أن يتعلم أيضًا، إذا دعت الضرورة، أن يتحمَّل الظلم في صمت.»٧٥
وإذا كانت التربية النازية تستهدف هنا خلق شخصياتٍ مازوخية ضعيفة مستسلمة، فإنها لا تنسى الجانب الآخر، أعني خلق شخصياتٍ سادية تواصل ما يقوم به «الصفوة» من السيطرة على الآخرين، يقول هتلر أيضًا:
«إن تطوُّر التلميذ وتربيته بأَسْرها، لا بد أن يتجه إلى أن نغرس فيه الاقتناع بأنه متفوقٌ على غيره تفوقًا مطلقًا … كما ينبغي على الطفل أن يتعلم من ناحيةٍ أخرى كيف يعاني من الظلم دون أن يتمرَّد.»
وتلك هي الخاصية التي تتميز بها العلاقة السادومازوخية: علاقة ازدواج التناقض، القوة والضعف، السيطرة والاستسلام، الحب والكراهية، الامتنان والاحتقار، الرغبة العارمة في السيطرة، والرغبة العارمة في الخضوع والاستسلام في آنٍ معًا، وهي العلاقة التي تربط بين قادة النازية والجماهير؛ فالرغبةُ العارمة في القوة والسيطرة على الجماهير هي صفات «القادة» والزعماء والصفوة، تقابلها الرغبةُ العارمة في الخضوع والاستسلام من جانب الجماهير.٧٦
والحق أن هؤلاء القادة لم يُخفوا قط هذه الرغبة في السيطرة، بل كانوا يتحدثون عنها في صراحةٍ مذهلة، وإن كانوا يضعونها، في بعض الأحيان، في صورةٍ أقل عدوانية، عندما يتحدثون عن رغبة الجماهير في أن تحكم، وأن يكون لها قائد، و«القادة» و«الزعماء» هم وحدهم الذين يحق لهم الاستمتاع بالسلطة، والسيطرة والقوة (أو الجانب السادي في هذه العلاقة)، أما الجماهير فإن عليها أن تقنع بالخضوع والاستسلام، ولكنها إن أرادت ممارسة هذا «الجانب السادي» فلديها الأقليات العرقية، والأقليات السياسية، داخل ألمانيا وخارجها؛ ذلك أن الأمم الأخرى، تُوصف عند النازي، بأنها ضعيفةٌ عاجزةٌ عديمةُ الجدوى، وفي حالة انهيار؛ ومن ثم فهي موضوعاتٌ يمكن أن تتغذَّى عليها سادية الجماهير: «فعلى حين أن هتلر وبطانته من البيروقراطيين قد استمتعوا بالقوة والسيطرة على الجماهير الألمانية، فإن هذه الجماهيرَ نفسَها قد تعلَّمَت أن تستمتع بالقوة والسيطرة على الأمم الأخرى، وأن تندفع بانفعالٍ طاغٍ للسيطرة على العالم.»٧٧ ولا يتورع هتلر عن أن يُعلن رغبته، أو رغبة حزبه، في السيطرة على العالم باعتبار ذلك هدفه الرئيسي، يقول ساخرًا من نزعة السلام: «الواقع أن فكرة السلام البشري، ربما كانت فكرةً طيبة، كلما كان الإنسان ذا مستوًى أعلى، وبعد أن يكون قد قهَر العالم بالفعل، وأخضَعه لسيطرته، لدرجةٍ تجعله السيد الوحيد على هذه الأرض.»٧٨ ويقول مجددًا: «في هذه الحِقبة المسمومة بالعنصر العِرقي، فإن الدولة التي تنذر نفسها للمحافظة على أفضل العناصر العرقية ودعمها، لا بد أن تكون يومًا ما سيدة العالم.»٧٩ وهكذا يفسِّر نزعته للسيطرة على الشعوب الأخرى على أنها لمصلحة هذه الشعوب، بل لمصلحة الحضارة والثقافة البشرية بأَسْرها؛ فالرغبة في السيطرة تضرب بجذورها في القوانين الأزلية للطبيعة، وكل ما فعله «القائد» هو أنه تَعرَّف فحسب على هذه القوانين واتبعها؛ فهو نفسه تُسيِّره قوةٌ أعلى يسير تحت إمرتها هي الله أو القدَر أو التاريخ أو الطبيعة، وليست محاولته للسيطرة على العالم إلا دفاعًا ضد محاولات الآخرين للسيطرة عليه، وعلى الشعب الألماني. إنه في الحقيقة لا يريد إلا السلام والحرية،٨٠ لكنه لا يريد سلام النائحات الباكيات الممسكات بسعف النخيل، بل السلام الذي يقوم على السيف المنتصر لشعبٍ من السادة يضع العالم في خدمة ثقافةٍ أرقى. وهكذا امتد نطاق الرغبة في السيطرة، من السيطرة على الشعب الألماني، ليشمل السيطرة على كل البشر! فسيطرة الطاغية هي سيطرةٌ مطلَقة لا يحدُّها حد، ورغبته في السلطة رغبة نَهِمة لا ترتوي أبدًا.
تلك كانت مجموعةً متنوعة من النظريات التي تفسِّر ظاهرة الطغيان بصفةٍ عامة، والطغيان الشرقي بصفةٍ خاصة؛ بعضُها من منظورٍ فلسفي — كما هي الحال في نظريتَي أرسطو وهيجل وغيرهما، ومنظورٍ اقتصادي كما فعلَت الماركسية فيما أسمَتْه «بالنمط الآسيوي للإنتاج»، وهي النظرية التي طوَّرها كارل فيتفوجل على وجه الخصوص. وأخيرًا كانت نظرية التحليل النفسي التي ردَّت الطغيان، لا سيما عند إريك فروم، إلى العلاقة «السادومازوخية»، وهو إن كان قد ركَّز على طغيان النازية، فإن ذلك لا يعني أنه لا يمكن تطبيقه على الطغيان الشرقي؛ فالفكرة واحدة في طغيان أي شخصيةٍ استبدادية متسلطة تروِّض الجماهير الخانعة العاجزة على الاستسلام، وتقوم بالتفكير والتخطيط نيابةً عنها؛ بحيث تصبح هذه الجماهير مجرد أداةٍ طيِّعة في يد «القائد الملهم»، و«الزعيم الأوحد»!
وقد يجوز لنا أن نستبعد نظرية أرسطو التي تقول إن الشرقيين وُلدوا عبيدًا؛ فهم بطبيعتهم يتحملون الطغيان بغير شكوى أو تذمر … إلخ؛ فليس من الناس من يُولد عبدًا، وليست هناك شعوبٌ تعشق الحرية، وشعوبٌ أخرى تسعى إلى العبودية، لكن لا بد لنا أن نقول من ناحيةٍ أخرى إن الشرقيين ألِفوا الطغيان من طول معاشرتهم له، حتى أصبح لديهم «الاستعداد» — وهو طبعًا استعدادٌ مكتسَب — لقبول هذا اللون من الحكم على أنه أمرٌ طبيعي! أو أنه قدَرٌ مفروض عليهم — لا يستطيعون التخلص منه، وهو وهمٌ خلقه سلوك الطغاة طوال التاريخ!
أما النظرية الثانية — نظرية فيتفوجل — فقد تكون هناك اعتراضاتٌ كثيرة عليها، لكنها في الواقع — وهذا هو الجانب المهم — تُبرز دور العوامل الاقتصادية في نشأة الطغيان، وإن كان ذلك لا يمنع بالطبع من تضافر العوامل السيكولوجية معها؛ بحيث تتحول العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى علاقةٍ «سادومازوخية» كما أشار إريك فروم الذي لم يُغفِل هو نفسه أثر العوامل الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية التي أدَّت إلى ظهور النازية في ألمانيا.



