مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

الطغيان الشرقي – إمام عبد الفتاح إمام

خامسًا: نتائج

لعلنا في النهاية نقول كلمةً موجزة عن الآثار السيئة التي يخلِّفها الطاغية في شعبه، ثم كيف يمكن أن نتخلَّص من حكم الطاغية.

  • (١) أما كيف يمكن أن نتخلص من حكم الطاغية، فلا سبيل أمامنا سوى حلٍّ واحد هو أن نفعلَ ما فعل الغرب، فنفرَّ منه إلى الحكم الديمقراطي، ونتمسكَ به ونحرصَ عليه، وعلينا أن نعي جيدًا درس «الاتحاد السوفييتي» المُنحل الذي لم يجد أمامه، بعد أكثر من سبعين عامًا من حكم الطغاة، سوى أن يلجأ إلى الديمقراطية، ويُمارسَها فعلًا لا اسمًا.
  • (٢) لا بد أن نكون على يقينٍ من أن الديمقراطية ممارسة، وأنها تجربةٌ إنسانية تصحِّح نفسها بنفسها — وبالتالي لا بد أن نتوقع ظهورَ كثيرٍ من الأخطاء في بداية المسيرة، لكن ذلك لا يصح أن يقلقنا وليكن شعارنا: إن أفضل علاج لأخطاء الديمقراطية هو المزيد من الديمقراطية!
  • (٣) ما يُقال أحيانًا من أن الشعوب المتخلفة لا تستطيع أن تحكُم نفسها بنفسها حكمًا ديمقراطيًّا صحيحًا، كما فعل «مِل»، أو أن الديمقراطية يستحيل تطبيقُها في شعبٍ أمي كما قال «رسل» ذلك كله مردودٌ عليه بسؤالٍ واحد: وما البديل؟ والجواب هو: البديل هو حكم الطاغية أو المستبد أو الدكتاتور أو ما شئتَ من أسماء. وإذا كانت الديمقراطية ممارسة، فإننا سوف نبدأ بعد أن يحكمنا الطاغية عشرات السنين، من البداية، من الصفر! والديمقراطية الناقصة، أو العرجاء، خيرٌ ألفَ مرة من حكم الطغيان، ولقد جرَّبنا نحن في مصر هذَين النظامَين وكانت الهوة بينهما شاسعة.
  • (٤) ما يقوله مونتسكيو من «أن الحكومة المعتدلة هي أصلح ما يكون للعالم المسيحي، والحكومة المستبدة هي أصلح ما يكون للعالم الإسلامي»،٨١ هو قول يكرِّر بصورةٍ باهتةٍ التعصبَ الأرسطي القديم، مع فارقٍ واحد هو أن تعصُّب أرسطو كان «عِرقيًّا» يفرِّق بين الأجناس في حين أن تعصُّب مونتسكيو تعصبٌ ديني يعمد إلى التفرقة بين الأديان؛ فليس في الدين الإسلامي ما يمنع من تطبيق الديمقراطية التي تعتمد على الحرية والعدالة والمساواة وغيرها من الأفكار التي تجد الدعوة إليها واضحةً صريحةً في آيات الكتاب الكريم، فإن احتج أحدٌ بأن التاريخ الإسلامي حكَمه طغاة، أشرنا بالرجوع إلى ما سبق أن ذكرناه بالتفصيل عن «الواقع … والمثال»، في الفصل الثاني من الباب الأول من هذا البحث.٨٢
  • (٥) وسائلنا في الوصول إلى الحكم الديمقراطي ثلاث:
    • (أ) التربية (في المدرسة، في المنزل … إلخ)، تعويد الطفل احترام الرأي الآخر، واحترام رأيه هو نفسه، كرامة الإنسان وقيمته، التفكير الحر، رأي الأغلبية … إلخ.
    • (ب) القانون واحترامه مما يُتيح ممارسة المبادئ الديمقراطية على مستوًى جماعي، فإن كان هناك مَن هو فوق القانون اختفت الديمقراطية.
    • (جـ) أجهزة الإعلام المختلفة؛ الإذاعة والتليفزيون، الصحف؛ فهي كلها يمكن أن تقوم بدورٍ بالغ الأهمية لبث المبادئ الديمقراطية.
  • (٦) ليس ثمَّة ضرورة لمحاكاة النموذج الأمريكي، أو الفرنسي أو الإنجليزي، في النظام الديمقراطي، فهذه كلُّها صور من الديمقراطية تختلف، فيما بينها اختلافًا ظاهريًّا، وفقًا لتاريخ كل بلد وثقافته، لكنها تتفق جميعًا في الأسس أو المبادئ العامة وهي:
    • (أ) أن يكون الشعب مصدر السلطات جميعًا (بالفعل — أي بالممارسة، وليس بالاسم — أي يكون ذلك نصًّا من الدستور وكفى!).
    • (ب) أن تكون الحرية (في الفكر والقول والعمل، حرية العقيدة وحرية التعبير … إلخ) مكفولةً للجميع (فعلًا، لا كلامًا؛ فقد شبعنا من الكلام!).
    • (جـ) أن تتحقَّق المساواة بين أفراد الشعب.
    • (د) احترام الإنسان؛ قيمته، وكرامته … إلخ.
  • (٧) هذه وسيلتنا الوحيدة للفرار من الطاغية، وإلا فإن علينا أن نختار عضوًا من العائلة الكريهة — عائلة الطغيان — التي سبق أن عرضنا لها في الفصل الثالث من الباب الأول من هذا البحث. وإن كان علينا أن نعلم أن للطغيان صورًا شتى، لكنَّ أسوأها جميعًا هو الطاغية الذي يرتدي صراحةً عباءة الدين، وإن كانت جميع صور الطغيان لا بد أن تعطي لنفسها صفة القداسة حتى يتحول الطاغية في نهاية الأمر إلى «ولي النعم»! على نحو ما كان لقب الحاكم عندنا إلى عهدٍ قريب. أما العهد البعيد فقد بدأنا فيه بتأليه الحاكم حتى أصبح هو: مَلك الناس، إله الناس!
  • (٨) لا جدال في أن انفصام الشخصية الظاهر جدًّا في الشخصية الشرقية جاء نتيجة لحكم الطاغية الذي يعتمد — كما رأينا مرارًا — على مبدأ الخوف وبث الرعب في قلوب الناس، فلا يستطيع أحدٌ أن ينتقد أو يناقش ولا أن يفكر بصوتٍ مسموع، فيلجأ إلى الرياء والنفاق والتملق في الظاهر، ولا يُفصح عما بداخله إلا إذا اختلى بصحبة يثق فيها، وهكذا يعتاد أن تكون له شخصيةٌ ظاهرةٌ علنية هي التي تقول «نعم» بصفةٍ مستمرة، وشخصيةٌ خفيةٌ مستترةٌ يمكن أن تقول: «لا» في أوقاتٍ خاصة!
  • (٩) سوف ينعكس هذا الانقسام في جميع سلوك الفرد وتصرفاته بحيث يكون نمطًا للشخصية؛ فتراه أولًا يهتم بالشكل دون الجوهر، فيكون تدينُه زائفًا لا يأخذ من الدين سوى جانبه الظاهري السهل ويترك الجوهر الذي يتجلى في الصدق، والإخلاص، والأمانة، والتعاون، والضمير، والعدل والإحسان … إلخ، وتراه ثانيًا يفصل نفسه عن وطنه؛ فالحكومة، والشرطة، والصحافة شيء ومصلحته هو الخاصة واهتماماته شيءٌ آخر، وهذه القسمة راجعةٌ إلى أنه لم يشترك في حكم بلاده، ولا في تشريع القوانين التي يخضع لها، ولا في إعداد الخطة التي يسير عليها … إلخ، فذلك كله كان متروكًا ﻟ «القائد الملهم»!
  • (١٠) أجمع علماء الاقتصاد من أمثال: عالم الاقتصاد الإنجليزي آدم سميث Adam Smith (١٧٢٣–١٧٩٠م) وعالم الاقتصاد الفرنسي روسي Rossi (١٧٨٧–١٨٤٨م) والفيلسوف الفرنسي جويو Juyau (١٨٥٤–١٨٨٨م) على وجود علاقة قوية بين الحرية والإنتاج؛ فالمواطن الحر ينتج أكثر وبنوعيةٍ أفضل، يقول سميث في كتابه الشهير «ثروات الأمم»:«إن العامل الحر يفضُل العبد في الإنتاج، إن القهر يحجُب نشاط الإنسان وذكاءه وإبداعه.»٨٣وعبودية الإنسان — فيما يقول روسي — تُعطل مواهبه، وتقيِّد إرادته، ولا يقتصر ضررُها على ميدان الأخلاق فحسب، بل يتعداه إلى الإضرار بالنظام الاقتصادي أيضًا.٨٤
  • (١١) إذا كان الناس على دين ملوكهم، وإذا كان هؤلاء الملوك طغاة، استطعنا أن ندرك بسهولةٍ أن أي مواطن في الشرق يتحول إلى طاغية؛ فالأب الشرقي طاغية، والزوج الشرقي طاغية، والمعلم الشرقي طاغية، والموسر الشرقي طاغية … إلخ ومن يتغنَّى، في الشرق، بالديمقراطية والحرية لا يريدهما إلا لنفسه فقط؛ أي أن يعبِّر هو عن آرائه في حريةٍ واطمئنان، لكنه يستبد برأيه عند النقاش، ويرفضُ أن يتنازل عن هذا الرأي لصالح الأغلبية! وكثيرًا ما يغضب ويهتاج لأنه لم يُؤخذ برأيه!
  • (١٢) إذا اختفت الحرية، كما هي الحال في نظم الطغيان، اختفى العقل معها؛ إذ ما قيمة العقل إذا لم يكن في استطاعتي أن أسترشد به؟ إذا كان لا بد لي من السير في طريقٍ واحد، هو الذي يرسمُه الحاكم، فماذا يمكن للعقل أن يفعل؟ الواقع أن الحرية والعقل وجهان لشيءٍ واحد؛ ولهذا فإن الله القادر على كل شيء عندما خلق الإنسان العاقل خلقه حرًّا، في اللحظة نفسها، وللسبب نفسه؛ ولهذا فإنه يسهل عليك جدًّا أن تفهم سرَّ العالم اللامعقول الذي نعيش فيه، والسبب في وجود التيارات اللاعقلية في حياتنا، وألوان الخرافة المتنوِّعة التي تحكم ثقافتنا وتراثنا … إلخ، السبب واحد: حكم الطاغية!
  • (١٣) عندما يمكِّن حكم الطاغية لنفسه لا يكون أمام الناس سوى الاستسلام والشكوى والأنين، ثم الالتجاء إلى سلاحٍ وحيدٍ صاحبه مجهول؛ ولهذا يتوارون خلفه، وهو سلاح النكتة والسخرية، «فالنكتة السياسية هي تعبيرٌ عن قصورٍ في البناء الديمقراطي … وهي وسيلة لتوصيل صوت الشعب إلى الحاكم … ولو وُجدَت الديمقراطية فسوف تبقى النكتة السياسية الموجَّهة ضد الحاكم الطاغية، أو ضد الحاكم الفرعون، لكن ستظل الناس تعبِّر عن نفسها بالنكتة في مجالاتٍ أخرى …»٨٥ فهل عرفت السبب في انتشار النكتة السياسية بيننا؟ السبب واحد: حكم الطاغية!
  • (١٤) ليس ثمَّة ما يدعو، في النهاية، إلى القول بأن حكم الطاغية يقضي على مبادئ الأخلاق؛ فهي نتيجةٌ حتمية لحكم يُبنى على الخوف، وبثِّ الرعب في قلوب الناس، واستخدام السيف أو التلويح باستخدامه في كل لحظة؛ فمن ذا الذي يستطيع في مثل هذا الجو الخانق أن يقولَ الصدق أو يشهدَ الحق؟ أو يتمسكَ بأهداب الفضيلة؟ أو يرفضَ أن يرتشي؟ أو يأبى شهادة الزور؟! ثم إذا كان الحاكم نفسه يدعو الأخ ليتجسَّس على أخيه، والطالب على معلمه، والموظف على رئيسه … إلخ، فكيف يمكن أن تكون هناك أخلاق؟! وهل يمكن أن تكون هناك مبادئ أخلاقية من دون فرد يحترم نفسه، وتحترمه الدولة وتصون كرامته؟!

سادسًا: خاتمة في توابع الطغيان

في استطاعتنا أن نقول إن الطاغية أشبه بالزلزال المدمر، غير أن «توابعه» أشد خطرًا، في آثارها من الزلزال الأرضي، إنها تعمل على تحطيم الإنسان، وتدمير النفس البشرية؛ بحيث تختفي إنسانية الإنسان وكرامته ويهبط إلى مستوى الدواب. وإذا تساءلنا عن هذه «التوابع» فهي كثيرة نذكر بعضًا منها فيما يلي:

(١) غياب العقل

أشرنا في الفقرة الثانية عشرة من النتائج السابقة إلى أنه إذا اختفت الحرية في نظام الطغيان، اختفى العقل معها، لكن ذلك يحتاج إلى قليلٍ من الإيضاح لأهميته القصوى، ولنبدأ من البداية لنقول: إن الله القادر على كل شيء، وهب الإنسان الحرية في نفس اللحظة التي وهبه فيها العقل ولنفس السبب، وقد صوَّرت الديانات المختلفة الإنسان الأول — آدم وامرأته وهما يعيشان في جنة عدن في انسجامٍ تام مع الطبيعة (وهي الحالة التي أطلق عليها هيجل اسم حالة البراءة الأولى)؛ فلا عمل، ولا معرفة، ولا اختيار، ولا حرية، ولا تفكير … ثم تروي القصة أن الله حرَّم على الإنسان أن يأكل من شجرة المعرفة (معرفة الخير والشر)، ولكنه عصى الأمر الإلهي وأكل منها، ولم يكن ذلك سوى تعبيرٍ عن الحرية البشرية التي اختارت فعلًا مخالفًا كان من نتيجته أن استيقظَ الإنسان وعرف أنه عريان،٨٦ ويقول إريك فروم:

«لقد كان ذلك أول فعل من أفعال الحرية، وأول فعل إنساني، وهو في مضمونه المادي — أي الأكل من شجرة المعرفة — بداية لاستخدام العقل.»

على اعتبار أن المعرفة «إشارة رمزية للعقل»، وهكذا يصبح فعل الحرية هو نفسه فعلًا عقليًّا، وبأي معنًى شئت أن تفهم به العقل، سواء قلت إنه مَلَكَة التمييز بين الحق والباطل، أو الخير والشر، أو إنه وسيلتنا للمعرفة، أو إنه مَلَكَة نقدية أو أداة إدراكية … إلخ، إلخ — فلا قيمة له بدون الحرية، فإذا غابت الحرية اختفى العقل معها في الحال. ولقد كان أديبنا الكبير نجيب محفوظ بارعًا حقًّا في تشخيص غيبة العقل نتيجة لغياب الحرية — الأمر الذي أدى إلى هزيمة يونيو ١٩٦٧م — في روايته الهامة والموحية «ثرثرة فوق النيل» التي صدرَت عام ١٩٦٦م، قبل النكسة بعامٍ واحد، وكأنها تتنبأ بقرب وقوع الكارثة، عندما صوَّر مجموعةً من المثقفين، وقد انسحبوا من الحياة العامة، وأدمنوا المخدرات، وغرقوا في غيبوبة فكر فقد قيمتَه فتحول إلى عبثٍ لا معنى له؛ لأنه إذا غاب العقل فقد تحوَّل كل شيء إلى عبث: «والعبث هو فقدان المعنى، معنى أي شيء، وانهيار الإيمان: الإيمان بأي شيء، والسير في الحياة بدافع الضرورة وحدها دون اقتناع، وبلا أملٍ حقيقي، وينعكس على الشخصية في صورة انحلال وسلبية، وتُمسي البطولة خرافة وسخرية، ويستوي الخير والشر …»٨٧ وإذا أصبح الفكر بلا قيمة، وتقطَّعَت الروابط بين المواطن ووطنه؛ بحيث يفقد انتماءه وولاءه ويهرب من مسئوليته، فإن النتيجة المؤكَّدة هي الهزيمة البشعة التي ما زالت آثارها المدمِّرة تطحننا حتى اليوم؛ سياسيًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا ودينيًّا فيما نسميه مرةً بالإرهاب ومرةً أخرى بالتطرف الديني — يقول واحدٌ من هؤلاء المثقفين وهو يدافع عن موقفهم:

«لسنا أنانين لهذه الدرجة، ولكننا رأينا أن السفينة تسير دون حاجةٍ إلى رأينا ومعاونتنا، وأن التفكير بعد ذلك لن يجدي شيئًا، وربما جر وراءه الكدر وضغط الدم.»٨٨

خلاصةُ ذلك كله أن الارتباط وثيقٌ جدًّا بين الحرية، والعقل والتفكير، والمعرفة فذلك طريقٌ واحد، فإذا غابت الحرية نتيجةً لحكم الطاغية ترتَّب على ذلك في الحال اختفاء العقل، ولم يعُد التفكير يجدي شيئًا، وسقط الإنسان في هوة الجهل واللامبالاة!

(٢) الحرية هي ماهية الإنسان

إذا كان العقل والحرية وجهين لعملةٍ واحدة، وإذا كان الإنسان هو الموجود العاقل المفكر — كان في نفس اللحظة هو الموجود الحر، ومن هنا كانت ماهية الإنسان هي الحرية بقدر ما هي العقلانية على حدٍّ سواء، فإذا فقد حريته فقد إنسانيته، وكرامته، وقيمته، وهبط إلى مستوى الدواب؛ ولهذا فإن أرسطو لم يخطئ عندما وصف العبيد بأنهم أدواتٌ وآلاتٌ في المنزل، أو حيواناتٌ تملكها الأسرة فيما تملِك من متاع. ونظام الحكم السيئ — وهو الحكم الاستبدادي الذي يسلب المواطنين حريتهم، ويُفقدهم فرديتهم، واستقلالهم وتمايزهم — يؤدي في الحال إلى عجن المواطن مع غيره من المواطنين في هويةٍ واحدة، ليتحول الجميع إلى قطيعٍ من الغنم؛ ولهذا السبب يغيب الآخر من أفق الأنا العربية حتى بين المثقفين، بل إن كلًّا منهم يتحول إلى شخصيةٍ مستبدة تريد أن تفرض رأيها على الغير؛ لأن الفكر عندنا يسير باستمرارٍ في طريقٍ واحد من أعلى إلى أسفل، ولا يرتد أبدًا ليكون حوارًا بين شخصياتٍ متكافئة!

(٣) غياب القيم الأخلاقية

من أخطر توابع الطغيان اختفاء القيم الأخلاقية التي تميز الإنسان عن الحيوان باعتباره كائنًا أخلاقيًّا؛ فالأخلاق — كما يقول هيجل بحق — طبيعة ثانية للإنسان؛ فهو على حد تعبير «هارتمان»: الموجود الحامل للقيم، ونحن نقصد هنا على وجه التحديد «الوعي الذاتي الأخلاقي» الذي يعتمد أساسًا على أخلاق الضمير؛ ذلك لأن القيم الأخلاقية التي يُبرزها نظام الحكم السيئ هي التي تنبع من الخوف والرهبة، وهي «أخلاق خارجية»؛ أي من الظاهر فحسب، تسعى إلى الجزاء الخارجي عريضًا، في حين تختفي الأخلاق الداخلية التي ترتكز على الوعي الداخلي — أي على الضمير. وهكذا يحل الكذب محل الصدق، والرياء والنفاق محل الإخلاص والوفاء، والجُبن محل الشجاعة … إلخ، ويصوِّر نجيب محفوظ نفاق الكُتاب في العهد الناصري في هذه العبارة الجميلة:

«كم قلمٍ يكتب عن الاشتراكية على حين تحلم أكثرية الكاذبين بالاقتناء، والإثراء، وليالي الأنس في المعمورة …!»٨٩

(٤) بلاش فلسفة!

هذه عبارة تتردَّد كثيرًا، في مجتمعنا العربي، على ألسنة الناس في الشارع حتى «أصبحَت الفلسفة في بلادنا سيئة السمعة، وهذا أمرٌ ليس غريبًا في مجتمعٍ يتخذ موقفًا عدائيًّا من العقل ويطمئن أقصى غايات الطمأنينة إلى الخرافة …»٩٠ ولقد روَّجَت أجهزة الإعلام المختلفة لهذه العبارة بتكرارها كثيرًا على ألسنة أبطال المسلسلات التليفزيونية والأفلام السينمائية … إلخ» ولا شك أن ترديدها يُعد من أخطر الأمور على مجتمعنا …٩١ والواقع أن هذه العبارة بالغة الأهمية؛ لأنها تلخِّص، في رأينا، موقفًا من العقل، فضلًا عن النفور من الفلسفة، وهما موقفان مرتبطان تمامًا؛ فما هي دلالة هذه العبارة؟ وبمعنًى آخر: لِمَ ينفر المجتمع العربي من الفلاسفة — بدرجاتٍ متفاوتة — ويهز المواطن كتفَيه، ويمطُّ شفتَيه استخفافًا إذا ما طرقَت هذه الكلمة مسامعه؟ الجواب باختصارٍ شديد، أن الفلسفة في النهاية «عقل» أو هي ترتكز، أساسًا، على العقل، ولمَّا لم يعُد للعقل قيمة في بلادنا — نظرًا لغياب الحرية — فلم يعُد ثمَّة أهمية للعقل ولا للفكر ولا لكل ما يرتبط بهما، فكأن كل من يقول لك «بلاش فلسفة» يقول في الواقع «بلاش عقل»؛ لأننا لم نعُد بحاجةٍ إليه ولا قيمة للفكر الذي ربما جر وراءه الكدر وضغط الدم، كما سبق أن ذكرنا، وهكذا أصبح الفكر بدوره، في بلادنا، مرادفًا للهَم، والغَم، والكرب العظيم … بحيث لا تجد الأم التي تحنو على أبنائها أجمل من أن تدعو الله أن يجنِّبهم «الفكر» (الذي يميِّز الإنسان عن الحيوان!) — وهو دعاءٌ يرتبط أوثق ارتباط بعبارة «بلاش فلسفة» السابقة؛ فمصدرها واحد، ألا وهو: غياب العقل نتيجة لغياب الحرية!

ولم يكن من قبيل المصادفات — صديقي القارئ — أن تظهر الفلسفة في أثينا المجتمع اليوناني الحر، لا في إسبرطة المجتمع العسكري المستبد، ففي أثينا تمتع المواطن بدرجةٍ كبيرة من الحرية، واستطاع أن يُعمِل العقل في شئون الحياة، وأن يحاول تفسير ظواهر الطبيعة — بعيدًا عن الأساطير — وظواهر المجتمع والتاريخ، بل أن ينقُد الأساطير نفسها، وأن يضع البشرية على طريق الخلاصِ من الخرافة والتفسيرات اللامعقولة، وأن يجعل شعاره عبارة سقراط الخالدة: «إن الحياة التي لا تخضع للفحص والنقد ليست جديرةً بأن يحياها الإنسان!» ومن هنا فقد ذهب هيجل إلى أن «ظهور الفلسفة يستلزم الوعي بالحرية، وذلك يعني أن الفلسفة تتطلب شعبًا يقوم وجوده على هذا المبدأ …»٩٢

(٥) الشخصية العاجزة

غياب الحرية نتيجة لحكم الطغيان، أدى إلى غياب العقل والفكر واختفاء الأخلاق، فما هي الشخصية التي تظهر لنا كمحصِّلة لذلك كلِّه؟ تظهر شخصية المواطن الذي تطحنه مشاعر العجز والدونية على المستوى النفسي.٩٣ وعلى المستوى العقلي الشخصية التي تحيا في عالم اللامعقول، وتُعشعِش الخرافة في ذهنها، وتحلُّ التفسيراتُ الغيبية للظواهر الطبيعية والاجتماعية والإنسانية، عند هذه الشخصية، محلَّ التفسيرات العلمية والموضوعية. وهكذا تظهر أمامنا أيضًا الشخصية السلبية العاجزة عن اتخاذ قرارٍ أو الإقدام على فعلٍ مسئول. ويصف لنا نجيب محفوظ الأسباب التي أدت إلى تكوين هذه الشخصية بقوله: «كان الحاكم في العهد الناصري، قد طلب من المصريين اعتزال السياسة فتحول المصري من كائنٍ فعَّال إلى سلبيٍّ متفرج، من موجودٍ مشارك إيجابي إلى «هيكل عظمي» يتقبل أي شيء. والأخطر من ذلك أنه سلب من داخل المواطن شجاعته، وإحساسه بالكرامة، وإحساسه بالأمان، وهذا شيءٌ فظيع إلى أقصى حد …»٩٤

(٦) التناقض

وأخيرًا إذا غاب العقل غابت قوانينه معه، ومركزها الاتساق و«عدم التناقض»؛ ولهذا فقد أصبح من الطبيعي جدًّا، ومن المألوف جدًّا أن نستمع في أحاديثنا اليومية، وأن نقرأ في كل مكانٍ آراءً وأفكارًا وتصريحاتٍ وعباراتٍ متناقضة دون أن يتوقف عندها أحدٌ من كثرة الإلف والعادة، أعني أنه كان من الطبيعي أن يقع المواطن العربي في التناقض دون أن يدرك ذلك — وليس المواطن العادي فقط، بل والمثقف أيضًا! بل حتى الرجل المتدين؛ فأنت لا تجد التناقض في سلوكه فحسب، وإنما في أقواله وأحاديثه؛ فهو لا يجد غضاضة في الحديث عن حرية الرأي والتسامح، والمسئولية الفردية التي يخضع لها كل مؤمن، وأن يقول لك في الوقت ذاته: «اعتنِق ما أعتنِق وإلا لعنك الله!» وهي الصيغة التي تحولَت الآن إلى: «اعتنق ما أعتنقُه وإلا قتلتك!»

وليس المواطن العادي … ولا المثقف، ولا المتدين — هو وحده الذي يقع في تناقضاتٍ لا حصر لها دون أن يعي ذلك، بل الحاكم أيضًا. ولمَّا كان من الصعب أن نتحدث عن الحكام الأحياء — لأسبابٍ يعلمها القارئ جيدًا؛ فليس ذلك من الفطنة ولا من الحكمة! فلا أقل من أن نترحَّم على الرئيس السادات الذي كان — رحمه الله — نموذجًا جيدًا للحاكم الدائم الوقوع في التناقض — وإنْ لم يكن بِدعًا بين الحكام العرب في ذلك! ومن أقواله الشهيرة والكثيرة — التي لا تنسى: «سوف أبطشُ بهم ديمقراطيًّا.» مع أن البطش والديمقراطية نقيضان!

١  Karl Wittfogel, Oriental Despotism: A Comparative Study of Total Power, p. 1, New Haven, 1957.

٢  ولم يجد الحاكم بأمر الله (٩٨٥–١٠٢١م) سادس الخلفاء الفاطميين في مصر، أيَّ غضاضة في ادِّعاء الألوهية، ولم يُنقذ البلاد من شرِّه سوى أخته «ست الملك» التي دسَّت له رجلَين اغتالاه وأخفيا أثره!

٣  يروي الأستاذ مصطفى أمين أن عبد الناصر أراد أن يضع «أنيس منصور» في السجن الحربي لأنه تجرأ وكتب مقالًا يتهم فيه «فلانًا» بأنه حرامي، وعندما قلتُ له: «ولكني كنتُ معك من أسبوعٍ واحد في بيتك وقلت لي إن فلانًا هذا حرامي بالفعل، وإنه يستغل نفوذه؟ قال الرئيس: معلش أنا أشتمه، أما أنتم فلا …!» ويستطرد مصطفى أمين قائلًا: «كان بين مكتب الرئيس في منشية البكري وبين مجلس الأمة ميكروفون يسمع منه الرئيس ما يدور في الجلسات! وفتح عبد الناصر الميكروفون فإذا بنائب المحلة الكبرى يهاجم الوزراء هجومًا عنيفًا، وقال لي عبد الناصر إنه في هذه اللحظة فكَّر أن يذهب إلى مجلس الأمة ليضربَ نائب المحلة، لكن النائب سكت فجأة! وهدأ عبد الناصر وعدَل عن ضرب النائب! جريدة الأخبار، عدد ٣ أغسطس، عام ١٩٩٣م.

٤  صلاح عيسى، «مثقفون وعسكر»، ص٥٠٣، مكتبة مدبولي، بالقاهرة، عام ١٩٨٦م.

٥  المرجع السابق، ص٥٠٤-٥٠٥.

٦  المرجع السابق، ص٥٠٥.

٧  المرجع السابق، ص٥٠٦.

٨  أرسطو، «الأخلاق»، ١١٦٦-ب؛ ومجموعة مؤلفاته، المجلد الثاني، ص١٨٣٤.

٩  أرسطو، «السياسة»، ١٢٨٥-أ.

١٠  مونتسكيو، «روح الشرائع»، المجلد الثاني، ص١٧٨، ترجمة عادل زعيتر.

١١  هيرودوت يتحدث عن مصر، ص٥٩، ترجمة د. محمد صقر خفاجة، ومراجعة د. أحمد بدوي، دار القلم، بالقاهرة، عام ١٩٦٦م.

١٢  المرجع السابق، في الصفحة نفسها.

١٣  «العقل في التاريخ»، ص٨٧، من ترجمتنا السابقة.

١٤  «العالم الشرقي»، ص٩٥، من ترجمتنا السابقة.

١٥  Karl Wittfogel, Oriental Despotism, p. 1.

١٦  Ibid..

١٧  أحمد صادق سعد، «تاريخ مصر الاجتماعي الاقتصادي»، ص٨، دار ابن خلدون، بيروت، عام ١٩٧٩م.

١٨  إبراهيم عامر، «مصر النهرية»، مقال بمجلة الفكر المعاصر، أبريل ١٩٦٩م.

١٩  المرجع السابق.

٢٠  K. Wittfogel, op. cit., p. 27.

٢١  K. Wittfogel, ibid., p. 39.

٢٢  أحمد صادق سعد، «تاريخ مصر الاجتماعي والاقتصادي»، ص٨، دار ابن خلدون، بيروت، ١٩٧٩م.

٢٣  K. Wittfogel, op. cit., p. 1137.

٢٤  Ibid., p. 138.

٢٥  Ibid..

٢٦  Ibid..

٢٧  Ibid., p. 138.

٢٨  Ibid., p. 139.

٢٩  Ibid..

٣٠  Ibid., p. 143.

٣١  Ibid..

٣٢  Ibid., p. 149.

٣٣  Ibid..

٣٤  Ibid..

٣٥  قارن ما سبق أن ذكرناه في بداية هذا البحث.

٣٦  K. Wittfogel, op. cit., p. 150.

٣٧  Ibid..

٣٨  انظر فكرة الولاء البنوي في تعاليم كونفوشيوس كتاب «المعتقدات الدينية»، ص٢٨٨، ترجمة د. إمام عبد الفتاح إمام، ومراجعة د. عبد الغفار مكاوي، سلسلة عالم المعرفة بالكويت، عدد ١٧٣، مايو ١٩٩٣م.

٣٩  K. Wittfogel, op. cit., p. 152.

٤٠  أسرة تشو Chou حكمَت الصين من (١٠٢٧ق.م. حتى عام ٧٧١ق.م.) وأُطلق على ملوكها اسم «الملوك الكهنة».

٤١  في الأصل قبائل من الرُّحَّل، ثم تعلَّمَت الزراعة واستقرت، وتمكَّنت من بسط سيطرتها على أجزاءٍ من الصين.

٤٢  Ibid..

٤٣  Ibid., p. 154.

٤٤  Ibid., p. 155.

٤٥  Ibid., p. 155.

٤٦  Ibid..

٤٧  Ibid., p. 156.

٤٨  Ibid..

٤٩  Ibid..

٥٠  Ibid., p. 156.

٥١  د. علي كمال، «الجنس والنفس في الحياة الإنسانية»، ص٢٢٩، دار واسط للدراسات والنشر، لندن، الطبعة الأولى، عام ١٩٨٥م.

٥٢  المرجع السابق، ص٢٣١-٢٣٢.

٥٣  Erich Fromm, Escape from Freedom, p. 16.

٥٤  Ibid..

٥٥  An Avon Library Book, NY, 1967.

٥٦  E. Fromm, ibid., p. 168.

٥٧  T. Hobbes, De Homine, p. 51 وقارن كتابنا «توماس هوبز، فيلسوف العقلانية»، ص٢٥٩، من طبعة دار التنوير، بيروت، عام ١٩٨٥م.

٥٨  T. Hobbes, Leviathan, p. 173, Fontana Edition وانظر أيضًا كتابنا السالف الذكر، ص٣٠٨.

٥٩  E. Fromm, op. cit., p. 189.

٦٠  E. Fromm, ibid., p. 173.

٦١  ولهذا يعتقد إريك فروم أن تعريف شليرماخر للتجربة الدينية بأنها تبعيةٌ مطلَقة هي نفسها تعريف التجربة المازوخية. انظر كتابه السابق، ص١٩٣.

٦٢  E. Fromm, ibid., pp. 177-8.

٦٣  Ibid., p. 179.

٦٤  Ibid., p. 180.

٦٥  مما يدعو إلى السخرية أن يدَّعي هتلر هو الآخر أنه «مبعوث العناية الإلهية»، وأن أي معارضة لفكرته عن الأجناس البشرية هي «خطأ يُرتكب في حق العناية الإلهية الأزلية»، أو ضد إرادة الخالق الأزلي، وأن الذي أمر برسالة ألمانيا هو «خالق الكون»، والسماء — على حد تعبيره — لا يمكن رشوتها! انظر كتاب إريك فروم السالف الذكر، ص٢٦٠-٢٦١، ويبدو أن جميع الطغاة لا بد لهم من التمسح في الدين ما داموا يخلعون على أنفسهم بعضَ الصفات الإلهية!

٦٦  E. Fromm, ibid., pp. 195-6.

٦٧  جميع النصوص مأخوذة من كتاب «إريك فروم» السالف الذكر، ص٢٤٧.

٦٨  المرجع السابق، ص٢٤٧-٢٤٨.

٦٩  إريك فروم، المرجع السابق، ص٢٤٨.

٧٠  المرجع نفسه، ص٢٤٨-٢٤٩.

٧١  المرجع نفسه، ص٢٤٩.

٧٢  إريك فروم، المرجع السابق، ص٢٥٨.

٧٣  اقتبسه إريك فروم، في الصفحة نفسها.

٧٤  اقتبسه إريك فروم، في الصفحة ذاتها.

٧٥  المرجع السابق، ص٢٥٨.

٧٦  المرجع السابق، ص٢٤٩.

٧٧  المرجع السابق، ص٢٥٠.

٧٨  المرجع السابق، في الصفحة نفسها.

٧٩  المرجع نفسه، ص٢٥١.

٨٠  المرجع السابق، في الصفحة نفسها.

٨١  مونتسكيو، «روح الشرائع»، المجلد الثاني، ص١٧٨، ترجمة عادل زعيتر.

٨٢  قارن ص١٣٥ وما بعدها من هذا البحث.

٨٣  اقتبسه الدكتور عبد السلام الترمانيني في كتابه: «الرق: ماضيه وحاضره»، ص٢٠٩.

٨٤  المرجع نفسه.

٨٥  د. سعد الدين إبراهيم، مجلة الوادي، عدد يناير ١٩٨٢م، ص٣٤ (نقلًا عن كتاب عادل حمودة): «كيف يسخر المصريون من حكامهم؟»، ص١٣٤، دار سفنكس للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٩٢م.

٨٦  راجع القصة وتفسيرها الفلسفي في موسوعة العلوم الفلسفية لهيجل، ترجمة د. إمام عبد الفتاح إمام، المكتبة الهيجلية، مكتبة مدبولي، بالقاهرة، فقرة ٢٤.

٨٧  قارن مقالنا: «نجيب محفوظ … والمسطول» في كتابنا «أفكار ومواقف»، ص٥٩٨، الناشر مكتبة مدبولي، بالقاهرة.

٨٨  نجيب محفوظ، «ثرثرة فوق النيل»، ص٥٦.

٨٩  نجيب محفوظ، «ثرثرة فوق النيل»، ص٥٢.

٩٠  د. حسين علي حسن، «الفلسفة والتليفزيون»، مقال بالأهرام المسائي، بتاريخ ١ / ١٢ / ١٩٩١م.

٩١  محمود أمين العالم، «معارك فكرية»، دار الهلال، بالقاهرة، عام ١٩٧٠م، ط٢.

٩٢  Hegel’s Lectures on the History of Philosophy. Eng. Trans. by T. M. Knox, p. 166.

٩٣  بل قد يفقد الإحساس بكل شيءٍ حتى الخوف نفسه! «لأننا نخاف البوليس، والجيش، والإنجليز والأمريكان والظاهر والباطن، فقد انتهى بنا الأمر إلى ألا نخاف من شيءٍ قط» (الثرثرة، ص٢٤).

٩٤  قارن مقالنا: «نجيب محفوظ … والمسطول» في كتابنا: «أفكار … ومواقف»، مكتبة مدبولي، بالقاهرة، ص٥٩٨.

الصفحة السابقة 1 2 3
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading