السلطة والمقدس: جدل السياسي والثقافي في الإسلام-تأسيس التقديس:علي مبروك Mp3

من السلطان-الأب إلى النموذج-الأصل
هذا العمل من إنتاج مؤسسة هنداوي، منشور برخصة المشاع الإبداعي CC BY 4.0.
مقاربة أنثروبولوجية
رغم أن مفهوم «المقدس» ينصرف إلى موجود بعينه، مُتعالٍ ومُفارِق، وتكون قداسته من نفسه، ثم تتنزَّل إلى ما يَصدُر عنه ويرتبط به، من كتب ووصايا ووعود، وهياكل وأماكن وبيوت، بل وحتى أزمان وأيام؛ فإنه يُلاحَظ أن الثقافات لم تتوقف — على مدى تاريخ طويل — عن ممارسة التقديس، وإنتاج ضروب من المقدس يخضع لها، وبها، البشر، وتُلزمهم بعدم انتهاكها، أو حتى مجرد التفكير فيه، وذلك عبر التعالي بضروب من الأفكار والنصوص، بل حتى الأشياء والأشخاص، من حدود التاريخي والواقعي، وإطلاقها في فضاء المفارقة والتسامي، ليقدسها البشر، ويضعوها خارج حدود القابل للتفكير والفهم، ناهيك عن المساءلة والنقد. وإذا كان يبدو هكذا أن التقديس، كممارسة داخل الثقافة، إنما يُنتج مقدسًا، فإن ذلك يعني أن «المقدس» لا يكون من وضع نفسه دومًا، بل يكون من وضع الثقافة في الأغلب.
وإذ يرتبط ذلك بما صار إليه «دور كايم»، من أن القداسة لا تكون كافية في الأشياء نفسها بقدر ما تُضفي وتخلع عليها؛١ فإنه يلزم التأكيد على أن الأمر يتجاوز ما تصوره دور كايم — من أن هذا الوضع للمقدس إنما يجد أساسه فيما هو ديني بالذات — إلى اعتباره نتاج ممارسة أنثروبولوجية، قد يكون الديني أحد أهم عناصرها، ولكنه ليس الأوحد أبدًا.
إذ الحق أن عناصر شتى — يتشابك فيها النفسي والاجتماعي والتاريخي والمعرفي والسياسي، إضافةً إلى الديني بالطبع — تتضافر معًا في إنتاج هذه الممارسة على نحو يجعل منها ممارسة ثقافية بالمعنى الأتم.
وإذ يئول ذلك إلى مكان التمييز بين ضربَين من القداسة؛ تكون في أحدهما «هبوطًا من الأعلى»، حيث يُضفي المقدس المتعالي قداسته على كتبه ووصاياه، ليَهَبها دوام الحضور وأبدية البقاء، فيما تكون في الآخر «صعودًا من الأدنى»، حيث يخلعها التقديس — كممارسة داخل الثقافة — على ضروب من الأفكار والأشخاص، ليفك روابطها من التاريخ، حتى تسكن خارجه في سكون وثبات يستعصيان على أي تجاوز أو انكسار؛ فإنه يلزم التنويه بأن حدود الانشغال هنا لن تتسع لما هو أكثر من تفكيك هذا النوع من القداسة الذي تنتجه الثقافة، وأعني المنتج داخل الثقافة الإسلامية بالذات.
الحق أن نصوصًا وتجارب وخطابات قد راحت تتعالى في محيط هذه الثقافة، من حدود الإنتاج والتداول التاريخي، لتسكن فضاء تستحيل فيه إلى «مطلقات وأصول» لا يقدر الوعي على مقاربتها تحليلًا ودراية، بل يخضع لسطوتها «تكرارًا ورواية»، وهو ما يعني أنها تستحيل من موضوعات ﻟ «المعرفة والأسس»، إلى مطلقات ﻟ «الاجترار والتقديس».
ولعل هذه الاستحالة إلى مطلق للتقديس قد كانت من أهم أدوات الخطابات والنصوص، لا في مجرد تكريس هيمنتها، بل والأهم في تأييدها على الدوام. ومن هنا ذلك الارتباط بين كلٍّ من الهيمنة والتقديس من جهة، في مقابل الارتباط النقيض بين الإخضاع والتدنيس من جهة أخرى، وأعني أن بناء الخطاب — أيِّ خطاب — لهيمنته وإخضاعه لغيره، لا يتأتَّى فقط من إضفائه على نفسه لوصف المقدَّس، بل ومن وصمه للخطاب النقيض بوصمة المدنَّس.٢
والغريب حقًّا أن تعجز هذه الخطابات المدنسة النقيضة عن الانفلات من أحبولة التقديس والتدنيس، بل إنها، وعبر نوع من تبادل المواقع لا غير، قد راحت تعيد إنتاجهما على نحو كامل. وهكذا فإنها، وبدلًا من السعي إلى زحزحة الخطاب السائد عبر نقض قداسته وتفكيكها، وبما يعني تفكيك وردَّ الدنس عنها أيضًا، لم تفعل إلا أن راحت تعيد إنتاج القداسة لحسابها، والتطهر من الدنس بردِّه إلى الآخر؛ الأمر الذي بدا معه وكأنه صراع الخطابات بالتقديس والتدنيس.
وضمن سياق هذا الصراع، فإنه يُشار مثلًا إلى أن الخطاب الشيعي — وهو أحد أهم الخطابات النقيضة في الثقافة — لم يفعل في مواجهته لتلك القداسة التي راح يخلعها الخطاب السني المهيمن على نفسه، إلا أن راح يعيد إنتاجها لحسابه، وعلى طريقته؛ الأمر الذي بدا معه أنه لا يفعل إلا أن يعيد إنتاج نقيضه، بدلًا من أن يزحزحه وينقضه.٣
ولقد كانت تلك هي مفارقته التي تكاد أن تكون هي ذات مفارقة سائر الخطابات النقيضة في الإسلام، وأعني من حيث راحت جميعًا تعيد إنتاج ما راحت تُخايل بأنها تنقضه. وإذا كانت الهيمنة، في الثقافة، قد تحققت كليًّا لذلك الخطاب الذي دشَّنه الشافعي (في الفقه) على رأس المائة الثانية، وراح الأشعري يكرِّس هيمنته (في العقيدة)، بعد ما يربو على القرن بقليل؛ ففي ضرب من التجاوب بين «الفقهي» و«العقيدي»، يكاد أن يبلغ حد انصهارهما فيما يمكن اعتباره «الخطاب الشافعري»،٤ الذي راح الغزالي، والرازي من بعده، يُلاشِيان أي تمايز بين جناحيه الفقهي والعقيدي، حيث سيخضعان عندهما لعملية انبناء يزول معها تمايزهما المتوهَّم؛ فإن ذلك يعني أن رصدًا لمسار التقديس، وتفكيكًا لآليات إنتاجه وطرائق اشتغاله في الثقافة، لا يقبل التحقق إلا من داخل هذا الخطاب، لا من خارجه.
وإذ يتقنَّع التقديس في هذا الخطاب خلف نوع من التكريس (في المعرفي) لسلطة نموذج-أصل يعيِّن حدود القابل، وغير القابل، للتفكير ومجاله؛ فإنه يبدو أن هذا القناع المعرفي لم يكن، هو نفسه، إلا قناعًا لنوع من التكريس (في السياسي) لسلطة الحاكم-الأب، والذي يعيِّن بدوره حدود المسموح، وغير المسموح، السياسي. والحق أن جوهرية «الأصل» في هذا الخطاب قد بلغت حدود توظيفه في تسمية الخطاب لنفسه، ومع الإدراك، بالطبع، لحقيقة أنه لم ينشغل — كخطاب — بمجرد تعيين الأصل، وحدود اشتغاله، وعلاقته بغيره، على نحو يجعل منه موضوعًا يبدأ منه الوعي سيرورة اشتغاله مستوعبًا ومجاوزًا، بل انشغل بترتيب علاقته وتأسيس سلطته وتثبيتها على نحو يستعصي على أي تجاوز، وأعني أن مدار الانشغال في الخطاب، هكذا، لم يكن إلا تأسيس سلطة الأصل وإطلاقها إلى فضاء تهيمن فيه على الوعي على نحو يئول إلى إلغائه، بدلًا من صوغه وبنائه.
وإذا كان التجاوز في سيرورة التقديس من «السياسي» إلى هذا «المعرفي» قد راح يتحقق عبر توسط «الديني»؛ فإنه يلزم التنويه بأن واحدًا من عناصر «السياسي» و«المعرفي» و«الديني»، المتضافرة في إنتاج وتأسيس «التقديس»، لا يعمل ولا يكتسب دلالته إلا من خلال علاقته بغيره. وبالرغم من ذلك، فإن ما سيكشف عنه التحليل من أن «الواقع» لم يكن نقطة البدء فقط، بل والمنتهى أيضًا، في سيرورة التقديس الطويلة، كان لا بد أن يجعل من رصد إنتاج التقديس في «السياسي» بمثابة التوطئة لتأسيسه في «المعرفي»، كخطاب لن يفعل إلا أن يعيد إنتاج التقديس أبدًا. وإذن فإنها «السياسة» هي نقطة البدء في التقديس.
وهكذا، فبالرغم مما يبدو من أن قداسة الديني لم تطل المجال السياسي في الإسلام على نحو مباشر، وأعني من حيث تخلو نصوصه المؤسِّسة مما يمكن أن يقيد الممارسة في هذا المجال، ويضعها تحت سطوته؛ فإنه يبدو أن كافة الممارسات في هذا المجال، لم تخلُ من أي حضور أو مخايلة بالقداسة أبدًا، وأن الأمر لا يتجاوز حينذاك أن يتعلق فقط بأن «مقدس الدين» قد كان عليه أن يتخلف في البدء قليلًا، ليفسح المجال أمام «مقدس القبيلة»، الذي سرعان ما أجبرته الأحداث على أن يتخفَّى، هو نفسه، وراء مقدس الدين، حين بدا أن التطورات — على عهد معاوية بالذات — قد راحت تُخلخِل بعض عناصر هذا المقدس، أعني مقدس القبيلة.
وهكذا فإن المجال السياسي في الإسلام قد تبلور تحت سطوة القداسة المزدوجة لكلٍّ من الدين والقبيلة، ولم يحدث أبدًا أن تبلور بعيدًا عن أي حضور للقداسة. وضمن سياق هذا التبلور، فإنه يبدو أن العلاقة بين كلا المقدسَين (الدين والقبيلة) قد راحت تتأرجح بين التماهي الكامل بينهما في البدء — حين راح مقدس القبيلة يحيل نفسه إلى مقدس إلهي — وبين التخفِّي اللاحق للواحد منهما (أو مقدس القبيلة) وراء الآخر (أو مقدس الدين)، ولكن من دون أن تنفصم عُراها أبدًا. بل إنه يبدو أن نفس المراوحة بين التماهي والتخفِّي تظل هي التي تنتظم مسار العلاقة بينهما للآن.





