مقالات فكرية

الإستيلاب، ليس فعلا إجتماعيا – رامي حلبي

صورة شخصية لرجل يجلس في مكان مفتوح، يرتدي سترة خضراء مخططة، بشرة متوسطة وشعر داكن ومجعد، يظهر جزء من مباني خلفه.

كل فعل للإنسان متماثل مع فعل الآخرين هو ليس بالضرورة فعلاً إجتماعياً، كالصلاة منفردا في النوافل، يقوم عدد من الناس بالصلاة لكن كل على حدى فلا يعد ذلك فعلا تشاركيا رغم تماثله، ويصنف ماكس فيبر للأفعال غير الإجتماعية، منها الفطري، كإضطرار الناس الهروب من إعصار أو زلزال أو حتى المطر الخفيف، فشعورالحاجة إلى  النجاة لا يوصف مايترتب عنه فعلا إجتماعيا، وبصفة عامة يحددها ماكس فيبر بأنها الأفعال الناتجة عن حاجة داخلية، يتصرف الناس معها بسلوك تلقائي يكون اندفاعي في حالة النجاة ويكون بالعادة في حالة الصلاة الفردية، وأشكال الظاهر من الأفعال من ما يترتب عن هدوء عاطفي ونزعات وعي وإرادة هو ما يمكن وصفه بالفعل الإجتماعي، ففي حالة الزلزال والإعصار كحادثة عارضة فما يكون ما بعد الصدمة من محاولات إنقاذ وتداوي ومساعدة، يكون فعلا تشاركيا إجتماعيا، إذا الظاهر بعد هدوء إنفعالى وشعور واعي يكون في غالبه فعل إجتماعي. لكن هذا المفهوم سيتعارض حتما مع رؤية غوستاف لوبون،  أن المرأ قد يكون غير مسؤول عن تصرفه إن كان كائن بين الحشد، على العكس من القول أن الفعل الإجتماعي يحوي الإرادة، فهو واقع تحت ظروف القطيع التي في غالبها أفعال ظاهرية معبرة عن إرادة ما للجميع، إرادة في واقعها متحيزة و مُلقنة  يكون الإنسان مرغم عليها، فما القول الفصل و في إنسان سيذهب غدا للإقتراع للإختيار ما بين قائمة مرشحين لا تضم إلا مُنتخِب أوحد، كما يحدث مع الأنظمة الشمولية التي تضفي صفة الديمقراطية على عملية الإستئثار بالحكم تحت مسمى المبايعة أو تجديد العهد، أو مطالبته بثقته لشخص الحاكم وهو يعلم أنه ليس أهل لها، هل تلك حاجة للنجاة؟ فيكون الدافع فطري، أم هي مدرك واعي بالمآلات السلبية؟ فيحكم عليها بالعادة، وكلا الأمرين حالة إستيلاب، لكن ما بين سلبية وإيجابية.

وهنا يدمر  سبينوزا مفهوم الإرادة الحرة،  حيث يؤكد سبينوزا أن البشر ليس لديهم إرادة حرة، بل الإرادة الحرة عبارة عن وهم ناتج عن عدم فهم أسباب وبالتالي أهداف الأفعال، وأعاز الموقف إلى الرؤا العاطفية من مشاعر إيجابية وأخرى سلبية، فإن طغت المشاعر السلبية على الإيجابية فيكون ذلك دليل على غياب الوعي وبالتالي الإستيلاب بالصورة السلبية، وكلما كانت المشاعر السلبية قليلة عن الإيجابية، كان ذلك دليل على نوع من الأفعال النشطة حسب رأيه، حيث درجة أكبر من الوعي وتراجع لإستيتاب العبودية، تراجع لا يعد نفيا لها لكنه قد يكون إستيلاب بصورة إيجابية، فالإمتثال للدين في أوامره ونواهيه والإستسلام للصلاة  غالبه إستيلاب إيجابي نحو فضائل وقيم، بينما الشرور أفعال إستلابية سلبية نحو رغبات دونية. بوضوح أكثر إن شئنا القول أن الكل إتفقا على أن الإستيلاب كفعل غير إجتماعي، إن كان بارز المعنى خلال الإرادة الفردية عند ماكس فيبر أو بحاجة لتفصيل أكبر لرؤية غوستاف لوبون حيث الإرادة مستشكل عليها أو هو نسبي مع غياب الإرادة لدى سبينوزا.

هناك صورتان للإرادة  إن شئنا التعبير، أولهما تكون حقيقية محققة لذاتها، كطبقة البرجوازية في المجتمعات الرأس مالية، التي تُوهم الطبقة الكادحة أن إرادتها هي المسيطرة خلال التحكم في مدخلات الإدراك لدى الكادحين، من إستعمال للسياسة والإقتصاد والدين لأغراضها، بالإدعاء أن البرجوازية تتفوق ثقافيا على الطبقات الدنيا، وأنهم يمتلكون مثالية التصرف، وأنهم على درجة عالية من اللباقة للحديث بإسمهم، وإمتلاكهم حلول فارقة للأزمات الإقتصادية لتسيير معاشهم،  وأن أوضاع الكادحين إيمانية روحانية لأن الله يحب الفقراء أكثر من الأغنياء، هذه الصورة تحقق الإرادة الحرة للبرجوازية في المجتمعات الطبقية، وهي مرادفة طبقة النبالة في العصور المتأخرة، فالذي يمتلك ارادته يمتلك بسطها على غيره، أما بالنسبة للكادحين فالإرادة التي يوهمون بها هي إرادة كالتي للملاك الراغب في السقوط من الأعلى كي ينزف الدم ويكون بشريا، فالملاك في مرتبة السمو أُدخل علية أن الألم والنزف والجوع والعطش والحرمان بل والموت كل تلك صفات لكائن أسعد منه و هو الخالد إلا بأمر الله و المسير الغير محاسب على ذنب إقترفه أو خطيئه تؤدي به لعذاب في الآخرة، من شاهد City Of Angels سوف يدرك المعنى، وتلك هي الصورة الأخرى المتوهمة عن ارادة الإنسان الحرة. إذا الإرادة الحرة مابين حقيقية ومتوهمة، فإذا ما تسائلنا …هل الإستيلاب كفعل غير إجتماعي نابع عن اردة حقيقية أم متوهمة؟، يكون السؤال بنائيا صحيحا، أم سنجزم أن الإستيلاب حتما ضد الإرادة وعكسها تماما.

ويحدد ماركس أن العلاقة بين الإرادة ودونها علاقة تحالف أيديولوجي داخل المجتمع، فيصفها أنها تعميما لأيديولوجية الطبقة  المسيطرة على جميع الطبقات المختلفة مع وجود خصائص تنفرد بها كل طبقة عن الأخرى، فالبرجوازية تعيش الواقع لأنها تفرضه، بينما الطبقات الكادحة تعيش الوهم البرجوازي في حدود المأمول مع غياب الوعي بحقيقتها، أو كما يصفه ماركس، تعيش الحلم، فتعيش الطبقات الدنيا هذه الحالة من الإستيلاب الأيديولوجي على مستويات الثقافة والإقتصاد والسياسة والدين، ولهذا التحالف الأيديولوجي أدوات كما تم ذكره، فعناصر التحالف من دين واحد جامع وثقافة مفتعلة وموجهة و إقتصاد مبرم يحدد السيد والمَسُود وسياسة أمر واقع، يحدد في النهاية مفهوم واضح، أن البقاء للأقوى المسيطر، والسيطرة واقعها فعل إجتماعي بطاقة الإرادة، داخله تحالف يحتوي على عنصرين من الإرادة الفاعلة أو الحرة لجهة ما، والإستيلاب الخاضع لتلك الإرادة من جميع الجهات الأخرى.

وإن السيطرة في مفهوم الإستيلاب تواجه إشكالية الحرية، 

والحرية مفهوم مُسائل على الدوام، فإلى ماذا سوف يؤدي بنا الفهم وللعلاقة بين السيطرة كإرادة حرة وفعل إجتماعي، والحرية كوعي مفقود واقعه الإستيلاب الكامن في غياب الإرادة؟، قد درج أن الحرية في الأطر السياسية مفهوم تعاقدي، أو هو العقد الإجتماعي الذي يحفظ حقوق الحاكم والمحكومين حسب روسو ولوك وغيرهم، هذا من الجانب السياسي فحسب ففي النهاية العلاقة… علاقة تعاقدية وأي طرف يُخل بالعقد تعد هذه العلاقة لاغية، لكن الحكم هكذا لا يستقيم خاصة مع السيطرة الأيديولوجية التي تفرض مفردات أخرى غير مذكورة بين النصوص المنصوص عليها في العلاقة التعاقدية، نجد هذه الإشكالية حاضرة وبقوة في دفاع سارتر عن إرادة الحرية مقابل ما قد يسلب تلك الإرادة فاعليتها، حمل سارتر وجاهة نظر فلسفية وهي الأنسب للحد من مغالطات تستذرعها النصوص التعاقدية لنفسها، تقارب معها إلى حد ما هوبز من باب ثبت العرش ثم إنقش، حد سارتر الحرية بأنها الموقف من الهُوية، حيث يكون الإنسان أو لا يكون، بمعنى أنها وعي الطبقات الدنيا بمنطقها الطبقي وهذا  من منطلق فلسفي، ووعي الطبقة البرجوازية بحدود واقعها الطبقي بالإمتثال السياسي للصفة التعاقدية، حسب هوبز تكون الحرية إستحضار التوقف عند الحد التعاقدي، بوضوح أكثر… هو عكس ما تؤول إلية الأمور، إذ تتحمل الطبقة المسيطرة مسؤولية تطبيق العقد، بينما على عاتق الطبقات الأخرى حمايته.

والحل في فك ربط التحالف الأيديولوجي المؤدي إلى واقع الإستيلاب الإجتماعي  كما وصفه ماركس، أي أن تكون العلاقة ندية عبر فهم التداخل ما بين الحدود وادراك منطقا للعلاقة، حيث أنه لا طرف يمكنه البغي على الأطراف الأخرى، هذا الفهم ما ذهب إلية لوك فيري بوصفه الإرتكاسي مجتمع الخطر، وتوجيه الإنسان نحو نزعة التساؤل من أجل تحصيل المعرفة، وأن أول وعي سوف يدركه الإنسان بأنه غير واع، أو كما كان يقول سقراط على لسان أفلاطون، أنا أعرف بأنني لا أعرف، أو تحويل إدراكنا لجهلنا الذي لا نشعر به إلى إدراك نعرف به كما يرى علي عزت بيجوفيتش، ويتسائل لوك فير 

هل يرجع خوفنا لهذا الخلل الناتج عن المرض المعروف بالإستيلاب بشكله الواسع، والذي إعتدنا نعرفه بأنه مقاومة التغيير؟… ، هل نخشى التغيير؟ هل نمارس على أنفسنا دوغمائية كالتي تمارسها أي سلطة علينا؟، وعليه أولا لابد أن ننظر مليا في وضعنا ومنطقنا لنفهم الخديعة الكامنة في الإستقرار الزائف ونفهم… أننا نحن العقبة الأولى في سبيل الإرادة الحرة  وبالتالي الفعل النشط و ما يترتب عليه من مشاركة إجتماعية، ننظر مليا في القمع الطويل وتاريخنا فيه، وثانيا اننا في عوالم خاصة بنا قد يكون كل على حدى وكما يتفق عليه اتييان دولابواسييه كوننا عقبة لأنفسنا إبتداء وخشية التغيير لأن عوالمنا الخاصة متجمدة ومتحجرة، فيفرض علينا ما نتهاون فيه ونتطبع معه في خديعة الإستقرار.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading