ماذا يعني «التراث والتجديد»؟ حسن حنفي(Mp3)

هذا العمل من إنتاج مؤسسة هنداوي، منشور برخصة المشاع الإبداعي CC BY 4.0.
ماذا يعني «التراث والتجديد»؟ التراث هو كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارة السائدة؛ فهو إذن قضية موروث وفي نفس الوقت قضية معطى حاضر على عديد من المستويات.
وليست القضية هي «تجديد التراث» أو «التراث والتجديد» لأن البداية هي «التراث» وليس «التجديد» من أجل المحافظة على الاستمرار في الثقافة الوطنية، وتأصيل الحاضر، ودفعه نحو التقدم، والمشاركة في قضايا التغيير الاجتماعي، التراث هو نقطة البداية كمسئولية ثقافية وقومية، والتجديد هو إعادة تفسير التراث طبقًا لحاجات العصر؛ فالقديم يسبق الجديد، والأصالة أساس المعاصرة، والوسيلة تؤدي إلى الغاية. التراث هو الوسيلة، والتجديد هو الغاية، وهي المساهمة في تطوير الواقع وحل مشكلاته، والقضاء على أسباب معوقاته، وفتح مغاليقه التي تمنع أي محاولة لتطويره. والتراث ليس قيمة في ذاته إلا بقدر ما يعطي من نظرية علمية في تفسير الواقع والعمل على تطويره؛ فهو ليس متحفًا للأفكار نفخر بها وننظر إليها بإعجاب، ونقف أمامها في انبهار وندعو العالم معنا للمشاهدة والسياحة الفكرية، بل هو نظرية للعمل، وموجِّه للسلوك، وذخيرة قومية يمكن اكتشافها واستغلالها واستثمارها من أجل إعادة بناء الإنسان وعلاقته بالأرض، وهما حجرا العثرة اللذان تتحطم عليهما كل جهود البلاد النامية في التطور والتنمية؛ فالتصنيع والإصلاح الزراعي قد يتحطمان؛ لأن الإنسان وهو العامل والفلاح، لم تتم إعادة بنائه ووضعه في العالم، وظل متخلفًا عن مظاهر التقدم، فالثورة الصناعية والزراعية في البلاد النامية لا تتم إلا بعد القيام بثورة إنسانية سابقة عليها وشرط لها؛ لذلك تعثر العمل السياسي في البلاد النامية وفشلت الجهود لقيام أحزاب تقدمية وتنظيمات شعبية تملأ الفراغ بين السلطة والجماهير، فالنهضة سابقة على التنمية وشرط لها، والإصلاح سابق على النهضة وشرط لها، والقفز إلى التنمية هو تحقيق لمظاهر التقدم دون مضمونه وشرطه.
«التراث والتجديد» إذن يحاول تأسيس قضايا التغير الاجتماعي على نحو طبيعي وفي منظور تاريخي، يبدأ بالأساس والشرط قبل المؤسس والمشروط.
(١) تحديد معنى التراث
(١-١) مستويات التراث
يوجد التراث على عدة مستويات؛ فهو أولًا تراث موجود في المكتبات والمخازن والمساجد والدور الخاصة يُعمل على نشره؛ فهو تراث مكتوب، مخطوط أو مطبوع، له وجود مادي على مستوًى أوَّلي، مستوى الأشياء، وتُعقد المؤتمرات، وتُقام المعاهد، وتنشر الفهارس، وتعد الإحصائيات عن الموجود منه في مكتبات العالم، ما نُشر وما لم ينشر بعد، ما بقي منه وما ضاع.
وهي قضية مثارة في عصرنا على هذا المستوى المادي عندما يكثر الحديث عن إحياء التراث، وبعث التراث، ونشر التراث، وتحقيق التراث، وتُرسَل البعثات في شتى مكتبات العالم لجمعه وتصويره وتخزينه، وتصدر السلاسل التي قد تستمر وقد تتوقف، وتُرصد الأموال، ويوظف الباحثون، وتكثر الدعايات حول نشر التراث، وكأن البعث والإحياء والنشر يعني إعادة طبع القديم طبعات عدة، واختيار ما وافق هوى العصر دون متطلباته، فإذا لجأ العصر إلى التصوف تعويضًا عن روح الهزيمة أو طلبًا للنصر، فإنه يعاد نشر المؤلفات الصوفية، وإذا تشوف العصر إلى المدينة الفاضلة وتطلع إلى المجتمع الجديد تعويضًا عن الفساد الخلقي والانحراف السياسي نُشرت المؤلفات عن فضائل الصحابة، وعن العشرة المبشرين بالجنة، وإذا شاعت الخرافة في الناس، وساد الانفعال على العقل، واشتدت الحاجة، وزاد الضنك، نُشرت المؤلفات عن المعاد وعن عالم العدل القادم الذي تُملأ فيه الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا، وانقلب أهل السُّنة إلى شيعة بأحدِّ ما يكون التشخيص، وإذا قيل إن السبب في الهزيمة هو البُعد عن الكتاب والسُّنة أُعيد نشر الكتاب والسُّنة في طبعات مذهبة، منمقة مزركشة، لزيادة ثروات التجار، وليتبرك بها الناس وهم في بيوتهم، تقيهم الشر، وتمنعهم الحسد، وتجلب لهم الخير، ويتبادلها رؤساء الدول هدايا فيما بينهم، وترسلها المؤتمرات والجمعيات الإسلامية إلى الدول الإسلامية غير الناطقة بالعربية لنشر الوعي الإسلامي، ونكون جميعًا كالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا.
ولكن هذا التراث ليس مخزونًا ماديًّا فحسب، هذا الكم الهائل من المخطوطات القديمة المنشور منها وغير المنشور، والذي حُرر في عصور لم توجد فيها المطابع بعد، ولكنه أيضًا ليس كيانًا مستقلًّا بذاته يُدافَع عنه وكأنه يحتوي على حقائق نظرية مسبقة توجد بذاتها، مهددة بالضياع إن غابت، وتُحشد لها العقول في مرحلة الخطر، حقيقيًّا أم وهميًّا. ليس التراث موجودًا صوريًّا له استقلال عن الواقع الذي نشأ فيه وبصرف النظر عن الواقع الذي يهدف إلى تطويره، بل هو تراث يعبر عن الواقع الأول الذي هو جزء من مكوناته. وإن ما عبر عنه القدماء باسم «أسباب النزول» لهو في الحقيقة أسبقية الواقع على الفكر، ومناداته له، كما أن ما عبر عنه القدماء باسم «الناسخ والمنسوخ» ليدل على أن الفكر يتحدد طبقًا لقدرات الواقع وبناءً على متطلباته. إن تراخى الواقع تراخى الفكر وإن اشتد الواقع اشتد الفكر؛ فالتراث إذن ليس له وجود مستقل عن واقع حي يتغير ويتبدل، يعبر عن روح العصر، وتكوين الجيل، ومرحلة التطور التاريخي. التراث إذن هو مجموعة التفاسير التي يعطيها كل جيل بناءً على متطلباته، خاصةً أن الأصول الأولى التي صدر منها التراث تسمح بهذا التعدد لأن الواقع هو أساسها الذي تكونت عليه. ليس التراث مجموعة من العقائد النظرية الثابتة والحقائق الدائمة التي لا تتغير، بل هو مجموع تحققات هذه النظريات في ظرف معين، وفي موقف تاريخي محدد، وعند جماعة خاصة تضع رؤيتها، وتكوِّن تصوراتها للعالم.
لما كان التراث إذن ليس مخزونًا ماديًّا في المكتبات، وليس كيانًا نظريًّا مستقلًّا بذاته؛ فالأول وجود على المستوى المادي، والثاني وجود على المستوى الصوري، فإن التراث في الحقيقة مخزون نفسي عند الجماهير.١ فالتراث القديم ليس قضية دراسة للماضي العتيق، فحسب، الذي ولى وطواه النسيان، ولا يزار إلا في المتاحف، ولا ينقب عنه إلا علماء الآثار، بل هو أيضًا جزء من الواقع ومكوناته النفسية، ما زال التراث القديم بأفكاره وتصوراته ومُثله موجهًا لسلوك الجماهير في حياتها اليومية إما بعاطفة التقديس في عصر لا يسلك الإنسان فيه إلا مداحًا، أو بالارتكان إلى ماضٍ زاهر تجد فيه الجماهير عزاء عن واقعها المضني.
وإذا كانت البداية العلمية للتغيير تعني البدء بالواقع واعتباره هو المصدر الأول والأخير لكل فكر فإن القيم القديمة التي حواها التراث جزء من هذا الواقع؛ فنحن مثلًا نئن تحت الإيمان بالقضاء والقدر الموروث من أهل السلف، ونفسر هزيمتنا بأنه «لا يغني حذر من قدر»، والذي حاولت الحركات الإصلاحية الحديثة الخف من حدته، كما نرهق عقولنا بالتشبيه والتشخيص سواء في الأوليات — أي العقليات — مثل وجود حقيقة أولى أو أفكار عامة أو في الأخرويات فيما يتعلق بنهاية العالم، ونجد في ذلك عزاءً عن عدم الوعي بأنفسنا إما من حيث النشأة أو من حيث المصير. كما أننا نُلحِق عقولنا بالنصوص، ونقع في التأويلات، ونقطع الصلة بين العقل والتحليل المباشر للواقع باعتباره مصدرًا للنص، ونقبل الإمام بالتعيين، ونطيع له خانعين، ضعفاء أو خائفين، ثم ننتقي من التراث ما يدعم هذا الوضع. كما أننا نقف أمام الطبيعة سالبين عنها استقلالها، وعادمين وجودها، وقاضين على قوانينها، ونصفها بالشر والوبال، وندعو للخلاص منها، ومُتهمين كل اتجاه طبيعي بالمادية والإلحاد، وحاكمين عليه بالانحلال والسفور دون دراية منا بأن هذا الموقف يعبر عن تطهير أو حرمان أو نفاق. كما أننا نقطع وجودنا إلى جزأين؛ واحد نقذف به تحت التراب والآخر نرفعه إلى عنان السماء، متطهرين أو عاجزين أو منافقين، ومعاقبين البدن وهو لم يحصل على حقه منا، ومزكين النفس وهي عاجزة عن فعل شيء، ذاك بعض الموروث النفسي القديم من علم أصول الدين، أو يسمى بعلم التوحيد.
فإذا أخذنا موروثًا نفسيًّا ثانيًّا وجدنا أننا ما زلنا نعيش التصور الثنائي للعالم كما ورثناه من الكندي، وآثارَ ذلك على وحدة السلوك وما يترتب عنه من تطهير وتبرير للنفس، ونفاق وتغطية وتعمية وازدواجية، كما أننا نسلك طبقًا للتصور الهرمي للعالم الذي ورثناه من الفارابي خاصةً في تصور مجتمعنا ومؤسساته التي يقوم كل منها على الرئيس الذي هو وحده المُلهَم والقائد والمعلم والكامل والمقدس والمعبود، ثم تقل مراتب الشرف والكمال حتى نصل إلى المرءوسين الذين عليهم إما الطاعة والولاء وإما السجن والعقاب. وإذا كنا نخلط بين العقل والوجدان في فكرنا المعاصر، فنخطب ونظن أننا نفكر، وننفعل ونظن أننا نفعل فذلك لأن العقل في التراث القديم وما ورثناه من السلف كانت مهمته تبرير الدين على الأقل في علم أصول الدين وفي علوم الحكمة، وأن العقل لم يستقل على الإطلاق ولم يوجه نحو الواقع وهو طرفه الأصيل إلا في علم أصول الفقه الذي انتهى أيضًا إلى الثبات وتحجير الأصول وتغليبها على الواقع حتى إنه لم يبقَ إلا التقليد.
وإن كنا نقاسي في عالمنا المعاصر من إعطاء الأولوية للكليات النظرية على الكليات العملية، واعتبار الجامعات أعلى من المعاهد العليا والمدارس الفنية المتخصصة، وأن الذي يَعمل بعقله أفضل قيمة وأعلى شرفًا وأزهر منصبًا من الذي يعمل بيده، وأن الموظف أفضل من العامل، والمثقف أعلى من الفلاح، فإن ذلك كله قد يرجع إلى إعطاء الأولوية في تراثنا القديم للفضائل النظرية على الفضائل العملية، واعتبار التأمل قمة الفضائل النظرية. وإذا كنا نبغي تغيير واقعنا بين يوم وليلة، وطرد المحتل في التو واللحظة فقد يرجع ذلك إلى نقص في إحساسنا بالتاريخ لغياب البُعد التاريخي في تراثنا القديم الذي غرق في البعد الرأسي واضعًا الإنسان في طرف مقابل مع الله دون وضعه في التاريخ وفي طرف مقابل مع الجماهير، بل إن علم أصول الفقه الذي حوى بوادر لإمكانية قيام فلسفة في التاريخ من خلال الإجماع والاجتهاد قد انطوى على نفسه وغلَّب الكتاب والسُّنة، ولحقَ بالبُعد الرأسي مع علم أصول الدين وعلوم الحكمة وعلوم التصوف.٢ وإذا كان الإنسان بيننا يخرج من منزله في الصباح ولا يعود في المساء، ولا يعلم أحد عنه شيئًا، وإذا كان الإنسان يُحشر في المركبات وفي المكاتب وفي الطرقات، وإذا كنا نبني ونُعمِّر ثم ينهدم البناء ويخرب العمار فإن ذلك قد يرجع إلى غياب الإنسان كبُعد مستقل في تراثنا القديم وحصاره بين الإلهيات والطبيعيات في علوم الحكمة، وابتلاعه في علم التوحيد، وفنائه في علوم التصوف، ومحقه في علوم التشريع؛ فالأفكار إذن ليست مجرد آراء فارغة أو تصورات مجردة بل هي أنماط حياة، ومناهج سلوك، فنحن نعمل بالكندي في كل يوم، ونتنفس الفارابي في كل لحظة، ونرى ابن سينا في كل الطرقات؛ وبالتالي يكون تراثنا القديم حيًّا يُرزق يوجه حياتنا اليومية ونحن نظن أننا نبحث عن الرزق، ونلهث وراء قوتنا اليومي!
والأمثلة كثيرة أيضًا من تراثنا الصوفي: فكما نشأ هذا التراث كمقاومة سلبية لانحرافات في الحياة أصبح هو ذاته تقويمًا لهذا الانحراف بانحراف آخر، ودفاعًا بالرجوع إلى الوراء، فكل القيم الصوفية السلبية التي تدعو إلى الفقر والخوف والجوع والصبر والتوكل والرضا والقناعة والتسليم كلها دفاع عن النفس، ولكنه دفاع العاجز الضعيف الذي لا يرى فضائله إلا في أنه صاحب الحق الضائع، هذه القيم ما زالت تفعل في سلوك الجماهير، يذكرها في معازيه، ويعلق على جدران محاله العامة «الصبر مفتاح الفرج»، «توكلت على الله»، وتُغنى المواويل الشعبية وكلها يدور حول فضائل الصبر، والتحليلات الصوفية لعالم القلب ولأنواع المعرفة الإلهية يأس من العقل ومن تحليل الواقع، وإيثار لعلم آخر حيث يغيب العلم، ولمعرفة حيث تشح المعرفة، وما زلنا نأخذ بالعلم اللدني، ونقيم عليه حياتنا، ونطمع في الكشف وفي رفع الحجاب إلى درجة السفور، وأخيرًا تخيلنا الغاية وقد تحققت بالفعل، والعالم وقد أصبح واحدًا، والحقيقة وقد صارت واقعة، ورأينا وحدة الشهود رؤيا ذاتية خالصة تقرب من الوهم، وتحققنا بوحدة الوجود عن طريق الخيال، ومغرقين في عالم التمنيات، وكل ذلك لا يزيد على مجرد انفعال، وإحساس ذاتي بالانتصار، وشتان ما بين الإحساس والواقع، وفرق بين الانفعال الذاتي والحقيقة الموضوعية، فالقيم السلبية تسلبنا المقاومة الفعلية، ويقضي الحب على الصراع بين الأضداد، ويُهدم العقل تحت وطأة الانفعال، يحول الواقع إلى مثال، وهو ما زال الواقع المضني.
والأمثلة كثيرة أيضًا مما ورثناه من فقهنا القديم، إذ تتشعب المناقشات النظرية التي لا تغير من الواقع شيئًا، ويشتد الجدل الذي لا يدل إلا على احتراف أو تعصب أو ادعاء، وكأن المعركة الحقيقية هي معركة الفكر مع نفسه كما هو الحال في فقهنا الافتراضي القديم، تكثر الأحاديث حول النظريات وتتصارع الآراء، والواقع لم يتغير، وتظهر مهارة المفكرين والكتاب في عبقرية الصياغات، وتتناثر الشعارات عن العدل والظلم سائد، وتكثر الخُطب عن الفضيلة، والرذيلة هي الأساس، فواقعنا المنهار وجد في تراثنا القديم ما يبرر له انهياره ويؤكده، وكأننا لا نختار من القديم إلا ما نريد ونبغي، وإذا طبقنا الإسلام، وأردنا إعادة الدولة الإسلامية بدأنا بقانون العقوبات، وكأن الغاية هي العقوبة وليست الوسيلة، وكأن المسلم يعاقب وهو لا يعيش في دولة إسلامية، ولم ينشأ نشأة إسلامية، نطلب منه واجباته قبل أن تعطى إليه حقوقه، وإذا أردنا تطبيق الإسلام بدأنا بالمحرمات، ونادينا بتحريم الخمور، أما الرقص الشرقي، والعري، والأغاني الفاضحة، والمسارح العابثة، وأفلام الجنس فنتمتع بها، وكأن الإسلام أساسًا هو دولة المحرمات دون أن نبدأ بالمبيحات حتى ينعم الناس بالعالم ويبتهجوا بالطبيعة، وإذا طبقنا الإسلام بدأنا بقانون الأحوال الشخصية، الزواج والطلاق، والخطوبة والمهر، والخلوة والمحارم، أما النظام الاقتصادي السياسي الإسلامي فنطويه إلى ما وراء ظهورنا ونترك للحاكم أن يفعل ما يشاء، ونرضى بأي حكم، ونطيع أي نظام، وكأن الدولة الإسلامية هي الأسرة، وكأن المسلم هو رب الأسرة وليس المواطن الذي يعيش في دولة.





