ماذا يعني «التراث والتجديد»؟ حسن حنفي(Mp3)
التراث إذن ما زال قيمة حية في وجدان العصر يمكن أن يؤثر فيهم، ويكون باعثًا على السلوك، تجديد التراث إذن ضرورة واقعية، ورؤية صائبة للواقع، فالتراث جزء من مكونات الواقع وليس دفاعًا عن موروث قديم، التراث حي يفعل في الناس ويوجه سلوكهم، وبالتالي يكون تجديد التراث هو وصف لسلوك الجماهير وتغييره لصالح قضية التغير الاجتماعي، تجديد التراث هو إطلاق لطاقات مختزنة عند الجماهير بدلًا من وجود التراث كمصدر لطاقة مختزنة، لا تستعمل أو تصرف بطرق غير سوية على دفعات عشوائية في سلوك قائم على التعصب أو الجهل أو الحمية الدينية والإيمان الأعمى، أو يستعملها أنصار تثبيت الأوضاع القائمة لحسابهم الخاص من أجل الدفاع عن الثبات الاجتماعي، وقد لجأ الثوريون المعاصرون إلى المأثورات الشعبية وإلى تراث الجماعة الممثل في أمثلتها العامية ودياناتها القديمة من أجل تجنيد الجماهير، وصب طاقتها في واقعها المعاصر،٣ تجديد التراث هو حل لطلاسم القديم وللعقد الموروثة، وقضاء على معوقات التطور والتنمية والتمهيد لكل تغيير جذري للواقع، فهو عمل لا بد للثوري من أن يقوم به وإلا ظل القديم شبحًا ماثلًا أمام الأعين يمثل أرواح الأسلاف التي تبعث من جديد، تتربص بالأبناء شرًّا إذا هم خرجوا من جبتهم، ورفضوا سلطانهم، ولم يدينوا لهم بالطاعة والولاء أو يقوم أنصار المحافظة والإبقاء على الأوضاع القائمة باستغلال هذا المخزون لصالحهم، وأخذ الجماهير من جانبهم، وقطع خط الرجعة على أنصار التغيير والتقدم، وسحب البساط من تحت أرجلهم.
والتراث والتجديد يعبران عن موقف طبيعي للغاية، فالماضي والحاضر كلاهما معاشان في الشعور، ووصف الشعور هو في نفس الوقت وصف للمخزون النفسي المتراكم من الموروث في تفاعله مع الواقع الحاضر، إسقاطًا من الماضي أو رؤية للحاضر، فتحليل التراث هو في نفس الوقت تحليل لعقليتنا المعاصرة وبيان أسباب معوقاتها، وتحليل عقليتنا المعاصرة هو في نفس الوقت تحليل للتراث لما كان التراث القديم مكونًا رئيسيًّا في عقليتنا المعاصرة، ومن ثَم يسهل علينا رؤية الحاضر في الماضي، ورؤية الماضي في الحاضر، فالتراث والتجديد يؤسسان معًا علمًا جديدًا هو وصف للحاضر وكأنه ماضي يتحرك، ووصف للماضي على أنه حاضر مُعاش، خاصةً في بيئة كتلك التي نعيشها حيث الحضارة فيها ما زالت قيمة، وحيث الموروث ما زال مقبولًا، فالحديث عن القديم يمكِّن من رؤية العصر فيه، وكلما أوغل الباحث في القديم وفك رموزه، وحل طلاسمه، أمكن رؤية العصر، والقضاء على المعوقات في القديم إلى الأبد، وإبراز مواطن القوة والأصالة لتأسيس نهضتنا المعاصرة، ولما كان التراث يشير إلى الماضي، والتجديد يشير إلى الحاضر فإن قضية التراث والتجديد هي قضية التجانس في الزمان، وربط الماضي بالحاضر، وإيجاد وحدة التاريخ، فكثيرًا ما سمعنا في عصرنا هذا عن انفصال الماضي عن الحاضر أو عن قطع جذور الحاضر من الماضي أو عن ماضي عظيم ولَّى ولن يعود أو عن حاضر أصيل جديد عبقري المثال لا أصول له إلا من ذاته، ربط الماضي بالحاضر إذن ضرورة ملحَّة حتى لا يشعر الإنسان بغربة عن الماضي أو بغربة عن الحاضر أو بوضع طبقة من الجديد فوق طبقة من القديم مما ينشأ عنه في كثير من الأحيان لفظ القديم للجديد، ورجوع للقديم كرفض العضو للجسم الغريب،٤ فهي إذن مشكلة واقعة تبدأ بمعطى واقعي، وهي كيف يمكن لشعب من الشعوب تحقيق تجانسه في الزمان والبحث عن مسار طبيعي لتطوره، والإبقاء على الاستمرارية في تاريخه، قضية التراث والتجديد إذن هي قضية التجانس الحضاري لشعب من الشعوب، فلا يعني انتقال شعب ما من مرحلة إلى أخرى حدوث قطع أو انفصال حضاري بل يعني استمرار الحضارة ولكن على أساس جديد من احتياجات العصر،٥ قضية التراث والتجديد هي إذن الكفيلة بإظهار البُعد التاريخي في وجداننا المعاصر، واكتشاف جذورنا في القديم حتى يمكننا الإجابة على سؤال: في أي مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟ وحتى نعود إلى تطورنا الحضاري الطبيعي، فتحل مشكلة الجمود والتوقف من ناحية، وتحل مسألة التقليد للآخرين والتبعية لهم من ناحية أخرى.
التراث والتجديد يمثلان عملية حضارية هي اكتشاف التاريخ، وهو حاجة ملحة ومطلب ثوري في وجداننا المعاصر، كما يكشفان عن قضية «البحث عن الهوية» عن طريق الغوص في الحاضر إجابةً على سؤال: من نحن؟ واكتشاف أن الحاضر ما هو إلا تراكمات للماضي بالإضافة إلى واقع جديد هو نفسه نتيجة لضياع الجهاد القديم، والتخلف قد يكون لضياع النظرة العلمية الحضارية القديمة، والفقر قد يكون نتيجة لغياب النظم الاقتصادية القديمة، وإذا كان البحث عن الهوية يأتي عن طريق تحديد الصلة بين الأنا والآخر فإن عملية «التراث والتجديد» هي الكفيلة بتحقيق ذلك؛ لأنها اكتشاف الأنا وتأصيلها وتحريرها من سيطرة الثقافات الغازية، مناهجها، وتصوراتها، ومذاهبها، ونُظمها الفكرية، وتساعد أيضًا على مواجهة التحديات الحضارية والغزوات الثقافية التي نحن ضحية لها في هذا القرن، وتنقلنا من وضع التحصيل والنقل إلى وضع النقد والخلق والابتكار.٦
(١-٢) إعادة الاختيار بين البدائل
قضية «التراث والتجديد» هي أيضًا قضية إعادة كل الاحتمالات في المسائل المطروحة، وإعادة الاختيار طبقًا لحاجات العصر، فلم يعد الدفاع عن التوحيد بالطريقة القديمة مفيدًا ولا مطلوبًا، فكلنا موجدون منزهون، ولكن الدفاع عن التوحيد يأتي عن طريق ربطه بالأرض، وهي أزمتنا المعاصرة.
فالتجسيم، وهو الاختيار القديم المرفوض، قد يثير الأذهان حاليًّا في الربط بين الله وسيناء، بين التوحيد وفلسطين، فالفصل القديم بين الخالق والمخلوق كان دفاعًا عن الخالق ضد ثقافات المخلوق القديمة، ولكن الحال قد تغير الآن، وأصبحت مأساتنا هي مكاسبنا القديمة، الفصل بين الخالق والمخلوق، ومطلبنا هو ما هاجمناه قديمًا، الربط بين الله والعالم، لقد ساد الاختيار الأشعري أكثر من عشرة قرون، وقد تكون هذه السيادة إحدى معوقات العصر لأنها تعطي الأولوية لله في الفعل وفي العلم وفي الحكم وفي التقييم في حين أن وجداننا المعاصر يعاني من ضياع أخذ زمام المبادرة منه باسم الله مرة، وباسم السلطان مرة أخرى، ومن ثَم فالاختيار البديل، الاختيار الاعتزالي، الذي لم يسد لسوء الحظ إلا قرنًا أو قرنين من الزمان، بلغت الحضارة الإسلامية فيهما الذروة، هذا الاختيار قد يكون أكثر تعبيرًا عن حاجات العصر، وأكثر تلبية لمطالبه، ما رفضناه قديمًا قد نقبله حديثًا، وما قبلناه قديمًا قد نرفضه حديثًا، وما قبلناه قديمًا قد نرفضه حديثًا، فكل الاحتمالات أمامنا متساوية كما كان الحال عند القدماء، فقبلوا منها ما عبر عن حاجات عصرهم، وخطؤنا نحن أننا نأخذ نفس الاختيار بالرغم من تغير حاجات العصر، فقد رُفض المذهب الطبيعي قديمًا لأنه كان خطرًا على التوحيد وفاعليته،٧ ولكنه قد يُقبل حاليًّا لأن فيه عود الإنسان إلى الطبيعة منظِّرًا إياها، وفاعلًا فيها، ومكتشفًا لقوانينها بدلًا من فصم نفسه عنها، وإسقاطها من حسابه بالتركيز على التوحيد القديم، مهمة «التراث والتجديد» إذن هي إعادة كل الاحتمالات القديمة بل ووضع احتمالات جديدة، واختيار أنسبها لحاجات العصر، إذ لا يوجد مقياس صواب وخطأ نظري للحكم عليها، بل لا يوجد إلا مقياس عملي، فاختيار المنتج الفعال المجيب لمطالب العصر هو الاختيار المطلوب، ولا يعني ذلك أن باقي الاختيارات خاطئة، بل يعني أنها تظل تفسيرات محتملة لظروف أخرى، وعصور أخرى ولت أو ما زالت قادمة، وهذا لا يعني أن أصول الدين واحدة في كل زمان ومكان لا تتغير وإلا خلطنا بين الأصول والفروع، بين الدين والفقه، فالتوحيد ثابت ولكن تختلف أوجه فهمه طبقًا لحاجات العصر، وحرية الإنسان وعقله ومسئوليته ثابتة أيضًا، ولكن تختلف طرق ممارستها من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى بيئة، ومن وضع اجتماعي إلى وضع اجتماعي آخر، والتصور الدينامي للأصول هو أيضًا احتمال مع التصور الثابت لها، والتصور العملي للعقائد هو أيضًا احتمال أمام التصور النظري لها، ومن ثَم يكون اتهام حضارتنا بأنها حضارة وحدة لا تعدد، وبأنها حضارة اتفاق لا اختلاف اتهامًا باطلًا؛ لأن أهم ما يميز تراثنا القديم هو أنه أعطى مجموعة من الاحتمالات المتعددة تطايرت من أجلها الرقاب حين الاختيار بينها،٨ فالاجتهاد ليس فقط منهجًا في أصول الفقه، بل هو أيضًا منهج في أصول الدين، وليست وظيفته فقط هي القياس في الأحكام، وهي أفعال السلوك، بل أيضًا في اختيار النظريات وأنسبها طبقًا لحاجات العصر، فالاجتهاد يقوم بالتأسيس العلمي في علم أصول الفقه طبقًا لقدرات الفرد ويقوم بالتأسيس النظري في علم أصول الدين طبقًا لمتطلبات العصر.
وعندما نقول روح العصر أو احتياجات العصر أو واقعنا المعاصر، فإننا لا نشير إلى أية جماعة بشرية تنتمي إلى جنس معين، فالبشر لا تصنف إلى أجناس أو إلى جماعات بيولوجية بل تشير إلى أبنية نفسية ولأوضاع اجتماعية وهذه الأبنية والأوضاع هي التي تحدد الهوية،٩ وأي تفسير عنصري أو قومي أو جنسي للوقائع هو تفسير يخضع للأهواء والأمزجة ولا يخضع للعلم ولتحليل الواقع، أو يكون تفسيرًا ناشئًا عن انحراف في الموقف الحضاري، وتبعية لمسار الحضارة الغربية وبيئتها.
ومن الصعب تناول قضية «التراث والتجديد» والاستقرار على أسلوب متسق للتحليل، فقد يغلب أحيانًا تحليل القديم مما يؤدي إلى الأكاديمية الخاصة، وما تتصف به من برودة، وتعالم، وانعزال عن الواقع، وقد يغلب أحيانًا أخرى تحليل الواقع المعاصر؛ مما يعطي البحث طابع التحليل الاجتماعي الذي لا شأن له بالتراث القديم، والواقع أنها معادلة صعبة في النظر إلى الواقع كحصيلة للتراث القديم، والنظر إلى التراث القديم من خلال الواقع، قد يقع الباحث في عيب الثقل الأكاديمي الذي يصل إلى حد التعالم، ولكن هذا العيب أخف كثيرًا من ترك القديم بطلاسمه ورموزه، وقد يقع الباحث في عيب الوصف الاجتماعي للواقع المعاصر، ولكن هذا العيب أيضًا أخف كثيرًا من الثقل الأكاديمي وانعزال التراث عن واقعه الذي يتحرك بفعل التراث.
(١-٣) التراث قضية وطنية
وتراثنا القديم ليس قضية دينية لانطباعه بصبغة دينية، ولأنه قام ابتداءً من الدين، ولكنه قضية وطنية تمس حياة المواطنين وتتدخل في شقائهم أو سعادتهم، والدافع على التجديد ليس عاطفة التقديس والاحترام والتبجيل الواجبة لكل موروث ديني بل انتساب الإنسان المجدد إلى أرض وانتماؤه إلى شعب،١٠ قضية «التراث والتجديد» قضية وطنية لأنها جزء من واقعنا، نحن مسئولون عنه كما أننا مسئولون عن الشعب والأرض والثروة، وكما أننا مسئولون عن الآثار القديمة والمأثورات الشعبية؛ لذلك آثرنا لفظ «التراث» وليس «الدين»، فالدين جزء من التراث، وليس التراث جزءًا من الدين، ويمكن التعامل مع التراث كما نتعامل مع المأثورات الشعبية بتطويرها، وصياغتها، وإبرازها تعبيرًا عن روح الشعب وتاريخه، القضية إذن ليست قضية دينية بل قضية اجتماعية أو سياسية أو فنية أو تاريخية، تجديد التراث إذن ليس غاية في ذاته، بل وسيلة للبحث عن روح الشعب وتطويرها كوسيلة لتطوير الواقع ذاته ولحل مشاكله، تجديد التراث هو دراسة للبعد الاجتماعي لقضية الموروث أو دراسة للموروث في بُعده الاجتماعي، فهو أُدخل في علم الاجتماع الديني أو علم الاجتماع الحضاري، ومن ثَم كان أحد مشاكل العلوم الإنسانية، الحديث عن التراث إذن ليس حديثًا عن الدين، فالتراث حضارة، والحضارة ناشئة بفعل الزمان والمكان، وكل ما في التراث ليس في الدين، وكل ما في الدين ليس في التراث، فقد ظهر التأليه والتجسيم والتشبيه في التراث ولم يظهر في الدين، وظهر الجبر في التراث ولم يظهر في الدين، وظهرت دعوات في التراث إلى الخنوع والاستكانة والرضا والقناعة والخوف ولم تظهر في الدين، فالتراث إن هو إلا عطاء زماني أو مكاني، يحمل في طياته كل شيء، «ودين الثورة» موجود في الدين وليس موجودًا في التراث، «ودين التحرر» موجود في الدين وليس موجودًا في التراث، والنزعة اليسارية موجودة في الدين وليست موجودة في التراث، والتاريخ موجود في الدين وليس موجودًا في التراث، والإنسان موجود في الدين وليس موجودًا في التراث، ومن ثَم كانت أحكامنا على التراث بالرفض أو القبول أحكامًا لا تمس الدين في كثير أو في قليل، وكان اختيارنا من التراث لا يؤدي إلى تكفير أو تضليل في الدين، فالدين ذاته أصبح تراثنا؛ لأن الدين قد تمثلته جماعة وحولته إلى ثقافة طبقًا لمتطلبات العصر، لا يوجد «دين في ذاته»، بل يوجد تراث لجماعة معينة ظهر في لحظة تاريخية محددة ويمكن تطويرها طبقًا للحظة تاريخية قادمة.
لذلك تحاشينا استعمال لفظ «إسلامية» كوصف للحضارة لأنه لفظ ديني والقضية حضارية بالأصالة تفرض أسلوبها العلمي الذي يمكن التعامل به مع عديد من الباحثين، وفي حالات الاضطرار القصوى فإن أمثال هذه الألفاظ الدينية لا تدل على أي معنى ديني بل تعني وصفًا حضاريًّا صرفًا، أي الحضارة التي نشأت حول الإسلام باعتباره معطًى تاريخيًّا وليس باعتباره دينًا، ولا يعني كونه معطًى تاريخيًّا إنكارًا للوحي؛ فالإسلام هنا واقعة حضارية حدثت في التاريخ، ويهمنا ما نشأ منه كحضارة وليس مصدره من أين أتى، تهمنا حضارته بعد حدوثه بالفعل، تجديد التراث لا يبحث عن النشأة بل عن التطور، والمجدد هنا كعالم الحديث مهمته البحث عن صحة الحديث في التاريخ وليس عن مصدر الحديث في النبوة وصدقها.
والتراث أيضًا قضية شخصية؛ لأننا نتعامل مع موروث شخصي يربطنا به، وهو موصوف بنفس الصفة، فهو «إسلامي» ونحن «مسلمون»، والنسبة تشير إلى الحضارة أكثر مما تشير إلى الدين، وتعني أننا والتراث من منطقة حضارية معينة كما يعيش الغربي في تراث مسيحي ولا يكون هو مسيحيًّا، أو كما يعيش الهندي في تراث هندي ولا يكون هندوكيًّا أو بوذيًّا، التراث قضية شخصية نلتزم بها، وتختلف دراستنا له عن دراستنا مثلًا للتراث الهندي أو الفارسي أو الصيني أو الغربي؛ لأننا في هذه الحالة نكون مجرد باحثين، في حين أننا في الحالة الأولى نكون أكثر من باحثين، بل نكون ملتزمين بقضية شخصية، تجديد التراث هو حياة المجدد نفسه، وجزء من التحليل النفسي لشخصيته الوطنية؛ من أجل التعرف على مكوناته النفسية. فتراث المجدد في نفس الوقت ذات وموضوع؛ لأن موضوع البحث هو ذاته أي وجوده التاريخي في اللحظة الحاضرة بين الماضي والمستقبل، لا ينظر الباحث إلى التراث إذن نظرة سائح إلى عالم غريب؛ لأن التراث جزء من ثقافة الباحث الوطنية، والباحث مسئول عنه مسئولية قومية، فالأحكام الخاطئة لا ترصد بل يعاد صياغتها، وأوجه النقص في التراث لا تبرر أو تنقد بل تكمل وتزاد، فالباحث عن نفس مستوى مسئولية المفكرين القدماء وهم أترابه وليسوا غرباء عنه، فإذا انفصل الباحث عنهم وقع في الغربة، وأصبحت مسئوليته هو وليست مسئولية التراث أن يقضي على اغترابه حتى يشعر بالانتماء وبأنه جزء من التراث وبأن التراث جزء منه،١١ ولا ينقص الالتزام بالقضية من حياد الباحث أو من نزاهته أو من موضوعيته، فلا تعني الموضوعية التخلي عن الحكم أو عدم الغوص في الأشياء وأخذ موقف، فالباحث عالم ملتزم، والتزامه أساس علمه ويقوم على علم، بل إن علمه هو التزامه بقضايا التغيير الاجتماعي، وهذا الالتزام هو نفس موضوع العلم، وبتعبير معاصر نقول: الأيديولوجية هي العلم والعلم هو الأيديولوجية؛١٢ ولذلك تتكشف المشاكل القديمة في شعور الباحث المعاصر كمشاكل شخصية في حياته، وحيوية لثقافته الوطنية، ويتحول التراث القديم بالفعل إلى مشكلة الثقافة الوطنية، فهو مصدر الثقافة باعتباره مخزونًا نفسيًّا موجهًا لسلوك الجماهير، وهو موجه نحو الواقع باعتباره أسسًا لنظرية ممكنة للتغير والتنمية، وإذا كانت ثقافتنا الوطنية ما زالت تتأرجح بين القديم والجديد، بين الماضي والحاضر، فإن تجديد التراث يعطي لثقافتنا الوطنية وحدتها الضائعة، وتجانسها المفقود؛ ولذلك نستعمل ضمير المتكلم الجمع في «واقعنا» و«حضارتنا» و«موقعنا» و«عصرنا»، لا لندل على موقف حضاري خاص، أو على أسلوب شخصي جماعي، بل للإشارة إلى الحضارة كموقف شعوري، وإلى أن الغاية هو البحث عن أسباب التوقف التاريخي أو الانحراف الفكري أو الاغتراب الوجداني أو التغير الحضاري، وهو ما يحدث في كل حضارة تصنع نفسها موضع البحث، وتجدد صلتها بالتراث القديم والواقع المعاصر.١٣
فإن قيل: هل «التراث والتجديد» يقدم منهجًا أم يؤسس علمًا أم يكشف ميدانًا؟ قيل: إن كل تجديد يصعب تصنيفه إلى منهج أو علم أو ميدان، فالمنهج هو ذاته علم لأنه تأسيس للعلم، والعلم إذا كان تأسيسًا للعلم فهو ميدان، ميدان التأسيس، فتحليل الواقع المباشر ورؤية التراث فيه، أو تحليل التراث على أنه مخزون نفسي عند الجماهير، هو في نفس الوقت منهج نفسي اجتماعي، نفسي لأنه يقوم على تحليل شعور الناس وسلوكهم، واجتماعي لأنه يهدف إلى تحليل الواقع وإلى أي حد ترتكز هذه الأبنية على أبنية نفسية أخرى عند الجماهير، ولما كانت هذه الأسس النفسية ذاتها ناشئة من موروث حضاري، فإنه يتعين تحليل هذا الموروث ومعرفة ظروف نشأته، «التراث والتجديد» إذن يغطي ميادين ثلاثة:
- (١)تحليل الموروث القديم وظروف نشأته ومعرفة مساره في الشعور الحضاري.
- (٢)تحليل الأبنية النفسية للجماهير وإلى أي حد هي ناتجة عن الموروث القديم أو من الأوضاع الاجتماعية الحالية.
- (٣)تحليل أبنية الواقع وإلى أي حد هي ناشئة من الواقع ذاته ودرجة تطوره أم أنها ناشئة من الأبنية النفسية للجماهير، الناشئة بدورها عن الموروث القديم، وإن شئنا، فالتراث والتجديد يود الانتقال من علم اجتماع المعرفة إلى تحليل سلوك الجماهير، أي من العلوم الإنسانية إلى الثقافة الوطنية، ومن الثقافة الوطنية إلى الثورة الاجتماعية والسياسية.
والموضوع ليس جديدًا بل هو ما يتحادث فيه العامة والخاصة، وما تتناوله الجماهير والمثقفون، ويكاد يجمع الكل على أن هذا موضوع العصر، وأن البداية في شق طريقه هو سبيل الخلاص، وهو الموضوع الذي بدأه المصلحون الدينيون كما سار فيه بعض الباحثين المعاصرين، ولكن التحليلات كلها إما جزئية ولا تشمل الكل، وإما تكتفي بمجرد التعبير عن الأماني والنيات الحسنة في تجديد التراث، وإما تعبيرات خطابية وأساليب بيانية تلهب حماس الناس وتعلن عن الكاتب أكثر مما تكشف شيئًا، وإما أسيرة قوالب التراث الغربي تجدد من خلاله، فهو تجديد من خارج التراث وليس من داخله.
وهذه مهمة جيل واحد، هو جيلنا، بعدها يكون المخزون من الطاقة قد تصرف أو يكون المنصرف منها قد توجه إلى تغيير الواقع، ولكن بعد أن يتم البناء الفكري والشعوري لا يعود لتجديد التراث القديم أي معنى لأن الموروث القديم قد تحول إلى تحليل مباشر للواقع، بل يكون التراث كله قد تحول إلى طاقة عملية ولم يعد له وجود مخزون، قد تطول المدة إلى جيلين أو ثلاث، خاصةً لو ركز كل جيل على جانب، ولكن بعدها يأتي التحليل المباشر للواقع، ويكون التراث حينذاك هو أيديولوجية الجماهير، وروحها المعنوية، وطاقاتها النضالية، وهذا ما لا ينتهي بانتهاء الأجيال.
ومهمة التجديد لا تقع على عاتق فرد واحد، بل هي مهمة طليعة المثقفين، وجمهور الباحثين نظرًا لتعدد جوانب التراث وحاجته إلى باحثين متخصصين، كل في ميدانه، ولما كانت المهمة سياسية بالأصالة فإنها تقع على عاتق الحزب التقدمي الوطني، فالحزب هو عصب الجماهير وروحها الذي يعبر عن متطلباتها، وهو الذي يرث الماضي ويعبر عن وجدان العصر، الحزب هو الذي يقوم بتجديد التراث لأنه هو المعبر عن الجيل — والممثل لروح العصر، لا تقع مهمة التجديد على عاتق فرد بعينه — وإن كان الفرد يستطيع إعطاء وحدة العلوم، ووحدة النظرة، ووحدة المنهج — فهو ليس عملًا بطوليًّا يعبر عن عبقرية فردية، بل هو عمل جماعي يقوم به من يتحمل تبعة تغيير الواقع، ومن هم هؤلاء إن لم يكونوا طليعة الجماهير، وما هي الجماهير إن لم توجد نفسها بإيجاد الحزب؟





