مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

الدين والرأسمالية✍حسن حنفي

صورة لرجل مسن يرتدي نظارات، مبتسم، بجوار خلفية نباتية.

إنه لمن أشد الأمور عجبًا أن تُثار باستمرار قضية «الماركسية والدين» ويوميًّا، في جميع أجهزة الإعلام، وكأن الماركسية هي الخطر الداهم على ديننا ودنيانا، دون أن نعلم بأن هذه المعركة المفتعَلة المثارة هي في الحقيقة أثرٌ من آثار الاستعمار الثقافي في البلاد؛ هذا الاستعمار الذي أراد — حفاظًا على مصالحه الاقتصادية والعسكرية في المنطقة، ووقوفًا في وجه حركات التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي، وتشويهًا لمواقف كل من يساندونها من قوى الحرية والسلام — الترويج بأن الماركسية مضادةٌ لتعاليم الدين ومفسدةٌ لحال الدنيا وضياعٌ في الآخرة، وينصب نفسه مدافعًا عن الدين والدنيا معًا. والحقيقة ليس القصد هو حماية الدين؛ فالغرب ما زال يعيش صليبيته، ولكن بصورٍ جديدة، متعدِّدة الأشكال، يدافع عن الإسلام والمسلمين، والقصد من ذلك معاداة الحركات الوطنية والقوى التقدمية والنظم الاشتراكية حتى يخلو للاستعمار الجو، ويظل في نهبه للثروات، وفي إيقاع البلاد في شباك الأحلاف. وهو ما كانت النظم الرأسمالية تفعله في الغرب منذ القرن الماضي، وما زالت تروِّج له الكنيسة الغربية حتى اليوم دون جدوى، أمام تقدم الأحزاب الاشتراكية، واتساع قواعد الأحزاب الشيوعية، وازدياد شعبيتها بين الجماهير. وما لم تنجح النظم الرأسمالية فيه في الغرب، تُعيد الكرة الآن في البلاد النامية، مستغلةً عدم وضوح فكرها، وعدم تبلور أيديولوجياتها وتديُّنها وإيمانها، ومرورها بفترة من التخلف الحضاري، وتبعية مثقَّفيها للغرب، وتقليدهم له.

وإنه لمن أشد الأمور غرابة ألا تُثار قضية «الرأسمالية والدين»، وهي الأخطر بالنسبة لمجتمعنا الحالي؛ فإذا كنا نعني بجديةٍ ما نقوله باستمرار، وما سطَّرناه في مواثيق الثورة عشرات المرات، وما وقَّعنا عليه وأجزناه على مدى ربع قرن، أعني «حتمية الحل الاشتراكي» تكون «الرأسمالية» حينئذٍ هي الخطر الداهم على حياتنا. وإذا كان واقعنا في مصر بدخله المحدود، وكثافته السكانية يفرض الطريق الاشتراكي للتنمية، تكون الرأسمالية هي العدو الأكبر للتنمية، والمعوِّق الأساسي لها. إن عدم إثارة القضية، قضية «الرأسمالية والدين» تدُل على أننا لا نرى غضاضة في أن نكون رأسماليين ومتدينين، أو متدينين على الطريقة الرأسمالية، وأن الرأسمالية والدين متفقان فيما بينهما في الأهداف والوسائل؛ ففي الإسلام الأول كان الأغنياء يجهِّزون جيوش المسلمين بأموالهم، وكان منهم كبار الصحابة والمبشَّرون بالجنة؛ فلا مانع أن يقوم أغنياء المسلمين اليوم بما قام به أغنياؤهم بالأمس، حتى يبارك الله لهم في الرزق، ويضاعف الأجر والثروات. وإذا كانت الرأسمالية تقوم أساسًا على نشاط الفرد وحريته المطلَقة، فالدين أيضًا لا ينكر على الفرد حريته ونشاطه. والحقيقة أننا على هذا النحو نكون رأسماليين ونظن أننا متدينون، رأسماليون في الحقيقة، ومتدينون في المظهر، وكثيرًا ما ندافع عن الرأسمالية ونظن أننا ندافع عن الدين، وكثيرًا ما نظن أننا ندافع عن الدين، ونحن في الحقيقة ندافع عن الرأسمالية.

وهدفنا هنا هو توضيح هذا الخلط الشعوري أو اللاشعوري بين الرأسمالية والدين في وجداننا القومي، حتى يمكننا تخليص الدين مما علق به من آثار الاستعمار، أعني التصورات الرأسمالية للعالم، وأن نفسِّر الدين تفسيرًا يفرضه واقعنا الحالي، فيكون ديننا هو الصورة أو القالب، وواقعنا هو المضمون. وهذا واجبنا وواجب فقهاء المسلمين الذين نيط بهم الاجتهاد في الدين، وتطبيق أحكام شريعته، بدل أن نكون جميعًا ضحية الاستعمار الثقافي في البلاد، ونؤمن بالطاغوت ونظن أننا نؤمن بالله.

ومهمتنا هي تصحيح أوضاعنا الثقافية، والكشف عن المعارك الحقيقية التي يفرضها واقعنا، وتتحقق بها مصالحنا، واستبدالها بالمعارك الوهمية التي نشرها الاستعمار بيننا إبعادًا لنا عن واقعنا، وعن رؤية مواطن مصلحتنا الحقيقية إيهامًا منه وخداعًا. مهمَّتنا هي الوقوف أمام الأخطار الفعلية دون المتوهَّمة، وتوضيح موقفنا الحضاري. وكثيرًا ما يخطئ الغرب حساباته، ويظن أن الاستعمار الثقافي باقٍ إلى الأبد، وأن الجماهير في البلاد النامية ستظل راسخةً في تخلفها الحضاري، وأن مثقَّفيها سيظلون إلى الأبد ممثِّلين للثقافة الغربية في أوطانهم، يعملون لصالح الأجنبي، ويستغلهم الأجنبي للدفاع عن مصالحه، وإعادة حكم البلاد بطريقٍ غيرِ مباشرٍ عن طريق وكلاء في البلاد، ولكن إحساسًا منا بمسئولية المثقَّفين وهم طلائع الجماهير الشعبية، فقد آن الأوان لتوضيح هذا الالتباس في ثقافتنا الوطنية، ونحن بصدد إقامة النهضة الحالية، من أجل ترسيخ قواعد الثورة وأسسها النفسية والفكرية، والقضاء على جميع معوِّقات التنمية والتغير الاجتماعي.

  • (١) تحرص النظم الرأسمالية على أن تجعل الله خارج الطبيعة، فيما وراء العالم، خارج الزمان والمكان، يستحيل تصوُّره أو إدراكه، ولا يمكن رؤيته أو التفكير فيه، ولكن يمكن الابتهال إليه ومناجاته، وطلب العون منه عند الحاجة؛ وبالتالي يتوجه شعور الجماهير إلى خارج العالم، مبتعدًا عن هذا العالم، تاركًا إياه في قبضة صاحب رأس المال، بعد أن خلا له الجو من المنافسة، وسيطر عليه واحتكره. وكلما اتجه شعور الجماهير خارج العالم ازداد إحكام سيطرة صاحب رأس المال عليه. وفي ذلك يقول فلاحٌ سوداني: كنتُ سعيدًا في أرضي، أزرع حقلي، وأرعى ماشيتي، وفي يومٍ ما، أتاني إنسانٌ متوشح بالسواد وفي يده كتاب، وبعد مدة رحل، فوجدتُ الكتاب في يدي والأرض في يده!فإذا تأزمت أحوال الناس، واشتد الكرب، وعم الفقر، ابتهل الناس إلى الله، ودعَوه لقضاء الحاجة فيفرح صاحب رأس المال، ويتصدق، ويفرج الهم والكرب، ويقضي حوائج الناس، كالخليفة يقذف بأكياس النقود يمينًا ويسارًا وهو في موكبه على رافعي الأيادي إلى السماء؛ فالله هو الواهب والعاطي، الرازق والمنعم؛ وبالتالي يتعود شعور الناس على السؤال، وينتظرون العطاء. وهذا ما تريده النظم الرأسمالية من بناءٍ نفسي للجماهير. ونحن عندما ندعو الغني، ونسأل المعطي، ونبتهل إلى الوهَّاب إنما نكون أسرى التصورات الرأسمالية للدين، في حين أننا أصحاب حق ولسنا أصحاب سؤال، وأن لنا حقًّا في رأس المال نطالب به دون استجداء، وأن لنا حقًّا في الأرض ولسنا طلاب هِباتٍ أو معونات.وأحيانًا نتصور الله والعالم معًا في تصورٍ هرمي، كلما صعِدنا إلى أعلى وصلنا إلى كمالٍ أكثر ونقصٍ أقل، وكلما نزلنا إلى أسفل وصلنا إلى كمالٍ أقل ونقصٍ أكثر، وفي القمة يُوجد الكمال المطلَق الذي ليس به نقص، وفي القاعدة يوجد النقص المطلَق الذي ليس فيه كمال، وهكذا تتفاوت الدرجات والمراتب بين الأعلى والأدنى أو بين الكمال والنقص. والحقيقة أن هذا التصور ليس من الدين في شيء، بل هو التصور الرأسمالي للعالم الذي يعبِّر عن البناء الطبقي للمجتمع، والذي يرسِّخه النظام الرأسمالي في نفوس الناس والذي يعتمد على الحركة الاجتماعية الصاعدة والهابطة؛ فكلما صعدنا إلى أعلى ازدادت الأقلية غنًى وقلَّت فقرًا، وكلما هبطنا إلى أسفل ازدادت الكثرة فقرًا وقلَّت غنًى؛ فالصلة بين الواحد والكثير هي صلة الأقلية بالأغلبية، والصلة بين الله والعالم على هذا النحو هي في حقيقة الأمر الصلة بين صاحب رأس المال والعمال.وأحيانًا أخرى نتصور الصلة بين الله والعالم تصورًا ثنائيًّا يقسم الكون إلى قسمَين؛ أول وآخر، صوري ومادي، أبدي وزماني، باقٍ وفانٍ، خالق ومخلوق، علة ومعلول، ونظن أن ذلك التصور هو ما يفرضه الدين، وهو في الحقيقة ليس من الدين في شيء، بل هو وليد النظام الرأسمالي، أو هو صورة النظام الرأسمالي على المستوى النفسي والذهني؛ لأن ذلك من شأنه أن يجعل العالم سالبًا، لا قوام له بذاته حتى لا تعيه الجماهير ولا تشعر بقيمته، ولا تهتم به، وحتى يستطيع صاحب رأس المال الاستحواذ عليه، والسيطرة على مقدَّراته، واستغلال ثرواته، واحتكار أسواقه، فإذا كان المتدين قد أوعز إليه بإيثار الآخرة على الدنيا، والروح على البدن، والخالق على المخلوق، فإن ذلك يحدث حتى يمكِن للرأسمالي أن يعيش حرًّا طليقًا في الدنيا، يعمل في العالم كيفما يشاء، بل يقوِّي الرأسمالي الوازع الديني على هذا النحو الرأسمالي عند الجماهير، فيُكثر لها البرامج الدينية، وينشُر المدائح النبوية حتى تجد الجماهير ما يُلهيها عن الدنيا، ثم لا مانع أن يشارك صاحب رأس المال في هذه الشعائر الدينية مرةً كل أسبوع في المناسبات والأعياد حتى يلبس لباس التقوى، وهو في الحقيقة يتستَّر وراءها ويُخفي حقيقة أمره، وهو الاستحواذ على العالم، والسيطرة على ثرواته، واستغلال القوى البشرية لصالحه.
  • (٢) وكثيرًا ما نظن أن التديُّن هو العكوف على الغيبيات وعالم الأسرار، والمعجزات والكرامات، ونهزُّ رءوسنا إعجابًا وطربًا، وشوقًا وعجبًا. والحقيقة أن هذا ليس من الدين في شيء، بل ما تُصوره الرأسمالية لنا على أنه دين، مغالاةً منها في التديُّن من أجل التستُّر على ما يدور في نظامها من استغلال واحتكار، وتصريفًا لطاقات العامة ونشاطها فيما لا يقوِّض دعائم النظام، بل على العكس فيما يدعمه، ويقوِّي أركانه بالتفات الناس إلى ما هو أبقى وأروع، وطلبها السعادة في معرفة الله والاتحاد به، وفي الانفصال عن العالم وإسقاطه من الحساب؛ ولذلك تُكثر النظم الرأسمالية من بناء المساجد، وإقامة الشعائر، وتدعيم الطرق الصوفية، والاحتفال بالموالد، والتأليف في الغيبيات، وإدارة النقاش والمناظرة حولها. يجسِّد النظام الرأسمالي الغيبيات في مظاهرَ حسية حتى يكون للدين مضمونٌ من داخله، وليس مضمونًا اجتماعيًّا من واقع الناس.وكل ذلك ليس من الدين في شيء؛ ففي الإسلام لا يعلم الغيب إلا الله، أما الإنسان فلا يتعامل إلا مع عالم الشهادة، وكانت الشريعة الإسلامية كلها قائمةً على عالم الشهادة، بل كانت العقائد الإسلامية كلها تجد دليلها في عالم الشهادة؛ فإيماننا بالغيبيات، وحديثنا عنها، وتصويرنا إياها، وخلافنا حولها وتكفيرنا من ينكرها أو يُؤَوِّلها؛ كل ذلك إيمانٌ على الطريقة الرأسمالية؛ حيث نكون ضحية الإفراز الرأسمالي للدين؛ حيث نؤمن بالرأسمالية في الدين ونظن أننا نؤمن بالدين ذاته.ولما كان عالم الغيب والأسرار لا يمكن إدراكه بالعقل بل بالقلب، تحوَّل الدين إلى إيمانٍ صوفي تصبح فيه الإشراقيات موضوعًا ومنهجًا؛ ومن ثَم تكثر الطرق الصوفية، ونظن أن التدين هو التصوف، وكلما أوغلنا في الدين أوغلنا في التصوف، بكل قيَمه السلبية، ومواجيده وأذواقه، وخداعه وإيهاماته. وأصبح من العجيب أن يقوم النظام الرأسمالي على الترشيد في الاقتصاد وعلى التصوف في الدين، وكأن الإيمان على الطريقة الرأسمالية يجعل العقل وسيلةً لتدبير أمور الدنيا فحسب، بالحساب، والكم والقياس، والقوانين، أما شئون الآخرة وأمور الدين فلها الوجدانيات، والعاطفيات، والأذواق، والمواجيد؛ وبالتالي يتحقق كمال الإنسان وإشباعه لرغبات العقل ومقتضيات القلب، فينهب صاحب رأس المال ثروات الأمم، ويبتهل، ويتصوف، ويتعبد!وكل هذا ليس من الدين في شيء؛ فالدين لا يعتني إلا بهذا العالم الذي يسير وفقًا لقانونٍ يدركه الإنسان بالعقل، حتى يمكنه السيطرة عليه، وإخضاعه لسلطانه، للاستفادة منه في معاشه، والعقل يشمل الحس والتجربة الداخلية والخارجية معًا، ويقوم الإنسان بتنظيم العمل في العالم بكل قواه، لا فصل في ذلك بين عقل وقلب؛ فالتصوف، هو التصوف في العمل، وفي النشاط، وفي الإنتاج، وليس التصوف الفارغ الذي لا مضمون له.
  • (٣) يظن الناس أن الممارسة الدينية هي إقامة الشعائر، وأن المسلم هو من أقام قواعد الإسلام الخمس؛ الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج؛ فالشهادة نقولها، والصلاة نقيمها، والزكاة ندفعها، والصوم نحرص عليه، والحج نتسابق إليه. الشهادة لا تكلِّفنا إلا عبارتَين، والصلاة لا تأخذ من يومنا أكثر من نصف ساعة من أربعٍ وعشرين، والزكاة لا تأخذ من أموالنا إلا ربع العشر من فائض الأموال، ومَن له ذلك الآن؟! وزكاة الفطر شيء لا يُذكر بجانب نفقات إفطار رمضان وكمالياته المحلية والمستوردة. والحج نربح منه أكثر مما نخسر، نربح الدعاية والإعلان، ولباس التقوى للشهرة أو للتجارة، أو نكتفي بالعمرة السياحية أو التجارية التي نحمل فيها ما خف حمله وغلا ثمنه. ولا مانع من كتابة الشهادتَين في ملصقاتٍ مذهبة أو في لوحاتٍ مُبروَزة، ونعلِّقها في دُورنا ومكاتبنا أو نُشيِّد المساجد ونضيء مآذنها، ونضع فيها مكبرات الصوت، ونتألم من فوضى جمع الزكاة، ونطالب بإقامة مؤسساتٍ متخصصة يديرها أهل البر والتقوى ورجال الدين والحكومة لجمعها وصرفها، ونحمل هم شهر الصيام صيفًا أو شتاءً، عملًا أو راحةً، نفقات وتكاليف، ونبتهل إلى الله أن تصيبنا القرعة في الحج، وأن ييسر لنا سُبل الحصول على العملة الصعبة من السوق السوداء. هذا الخلط بين الدين والتجارة، بين هموم الدنيا وهموم الآخرة، هو الذي يكشف عن تسرُّب الفكر الرأسمالي ونُظمه في إيماننا وفي ممارستنا للشعائر. وفي أحسن الأحوال تُقام الشعائر في تقوى وصلاح دون إعلان أو متاجرة. وفي هذه الحالة يحفظ المسلم نفسه من شرور الدنيا ويتقي متاعبها، ويعكُف على العبادة، ويكون أقرب إلى الصوفي الذي يقاسم الرأسمالي الكون، للأول الآخرة وللثاني الدنيا، فيطمئن الرأسمالي على أرضه، ويضمن أنْ لا منافس له فيها.وفي كلتا الحالتَين، نكون ضحيةً، ضحيةَ التفسير الرأسمالي للدين الذي تروِّج له النظم الرأسمالية والممارسة الرأسمالية للدين؛ فنظن أننا نعبد الله ونطيعه ونحن في الحقيقة نعبد رأس المال ونطيعه عن وعي أو عن غفلة؛ فالإسلام كما هو معروف ليس عبادات بل معاملات، بل إن المعاملات ذاتها أعلى درجةً في العبادات. هذا هو الطريق الأصعب، والممارسة الشاقة؛ فكل عمل عبادة، الفلاح في أرضه، والعامل في مصنعه، والتاجر في متجره، والطالب في معهده، والجندي في ميدانه. ليست العبادة ماذا يفعل الإنسان في نصف ساعة يوميًّا خمسَ مرات، بل ماذا يفعل الإنسان في يومه على مدى أربع وعشرين ساعة. ليست العبادة ماذا يفعل الإنسان داخل دور العبادة، ولكن ماذا يفعل الإنسان خارجها، في منزله وفي الطريق العام. ولن يكون الحساب عن إقامة الشعائر، بل عن العقل فيم فكَّر؟ وعن المال فيم أُنفق؟ وعن الجهد فيم بُذل؟ وعن الوقت فيم ضاع؟ العلم عبادة، والعمل عبادة، والنكاح عبادة، وتحرير الأرض عبادة، والقضاء على التخلف عبادة، ومحاربة الاستعمار عبادة، والقضاء على الاستغلال والاحتكار عبادة، والدفاع عن حقوق المستضعفين في أي مكانٍ عبادة. إن كل مَن يريد قصر العبادة وحصرها في إقامة الشعائر لهو ضحيةٌ للاستعمار الثقافي في البلاد وللتصوُّر الرأسمالي للدين.إن الشهادة تعني رفض كل آلهة العصر المزيَّفة؛ فنقول «لا إله»؛ أي إننا نرفض مَن تصوَّرنا أنها آلهة؛ مثل الجاه، والقوة، والسلطان، والربح … إلخ، فإذا تخلصنا منها ظهر لنا الله الحق فنقول «إلا الله»، وهو المبدأ الواحد الشامل الذي يتساوى أمامه جميع العباد؛ فالشهادة ليست قولًا بل عمل وتضحية، ومعارضة وثورة، ومقاومة واستشهاد؛ فآلهة العصر ما أكثرها! ومناضلوها ما أقلَّهم! إن الصلاة لا تعني الشعائر بل تعني جهد الإنسان الدائم، وعمله المستمر من أجل تحقيق هذا المبدأ الواحد الشامل، وما يتضمنه من نظمٍ اجتماعية تجد الناس فيها صلاحها. ولا تعني الزكاة إرضاءً لنزعة الإنسان، وضمان الكسب له ما دام قد دفع ما طُلب منه؛ ففي المال حقٌّ غير الزكاة، لا تعني الزكاة تبرئةً للذمة من حقوق الغير، بل تعني بداية تأكيد حق الغير حتى يتساوى الإنسان مع الآخرين فيما بين يدَيه. ولا يعني الصوم الشقَّ على الأنفس ثم إرضاءها بعد ذلك، بل يعني مشاركة الناس فيما بين يدَي الإنسان، وأن المجتمع الإسلامي لا فقر فيه ولا جوع، ولا يعني الحج رحلةً سياحية أو تجارية أو دعائية أو تبرئةً للذنوب، بل يعني مؤتمرًا عامًّا للمسلمين جميعًا للاجتهاد في المسائل العامة، التي بها صلاح الناس وعموم البلوى، وكلنا نعلم ذلك ونوافق عليه، ولكن ممارسة الدين على الطريقة الرأسمالية هي في الغالب تقليد، وسهولة، وإرضاء للضمير بأيسر السبل وأرخصها.
  • (٤) وما زلنا نكرر خطأً شائعًا روَّجه فيما بيننا الاستعمار، الثقافي، وصدَّره إلينا الغرب بعد أن فشل في استعماله، ألا وهو الصراع بين الروحانية والمادية؛ فكل من يؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر يكون رُوحانيًّا، وكل مَن يؤمن بالمجتمع وبالتغير الاجتماعي وبالتحليل الإحصائي وبالعوامل الاقتصادية يكون ماديًّا، فندافع عن روحانيةٍ نظرية، وهي الروحانية التي تروِّج لها النظم الرأسمالية؛ إذ تريدها نظرية حتى يمكنها السيطرة على النواحي العملية، وتريدها مجردة حتى يمكنها أن تتعامل مع المحسوس وأن تستحوذ عليه، وتريدها فارغةً بلا مضمون حتى تحتكر هي المضمون وتبتلعه في بطونها. والحقيقة أن كل مَن يؤمن بالروحانية على هذا النحو الفارغ، الخالي من أي مضمون، يكون ضحية الفكر الرأسمالي والاستعمار الثقافي.وفي حقيقة الأمر هذه الروحانية العرجاء هي المادية بعينها؛ لأنها تجعل العالَم المادي لا روحانية فيه؛ ومن ثم تنشط النظم الرأسمالية في هذا العالم، وتفعل ما تريد، تستغل وتحتكر، وتسيطر وتتلاعب، فإذا تم لها ما تريد ذهبَت إلى الروحانية الفارغة ووفَّتها حقها بالكلمات والشعارات، أو الممارسة الشعائرية والطقوس، فتطمئن النفس وتبرأ، ثم تعود من جديد إلى العالم تفعل فيه ما تشاء بلا قانون أو حدود.هذه الروحانية المميتة القاتلة للروح هي التي حذَّر منها الإسلام مرارًا بقوله لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ … وهي التي نبَّه عليها الرسول في التطبيق، ونوَّه بها الصحابة في الممارسة؛ فالذي يعمل بيدَيه ويُطعِم أخاه العابد في المسجد يكون أخوه أعبد منه، واليد السوداء المشقَّقة من العمل الغليظ يدٌ يُحبها الله ورسوله، والقدَم التي تسعى في سبيل الله عونًا للجار أو دفاعًا عن الحمى قدمٌ تشبَّعَت بالروحانية؛ فروحانية الإسلام ذاتُ مضمون، روحانية الأرض والطبيعة والكون. وهنا تُمحى التفرقة بين روحانيةٍ فارغة وماديةٍ صمَّاء، وتكون الروحانية هي المادة النشطة المتحركة، والمادة هي الروحانية المتجسِّمة المتحققة؛ فالعالم كله روح وكله مادة لا انفصام بينهما، وهذا هو أحد معاني التوحيد، ولكننا حتى الآن ما زلنا ضحية الروحانية العرجاء، ونؤمن بالدين على الطريقة الرأسمالية.
  • (٥) ويظن الناس أن هذا العالم قد خُلق لينتفع به الإنسان الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ ومن ثَم تتحول قيَم الناس إلى قيمٍ استهلاكية خالصة، يكون مطلبهم هو إقامة مجتمع الرفاهية والوفرة. وما دام الإنسان قد آمن بالله، كتبه ورسله واليوم الآخر، وأقام الشعائر وأركان الدين، فإن من حقه أن يتمتع بما وهبه الله من رزق، فيتزوج أكثر من مرة، ويسكن، ويأكل، ويشرب، وينعم برزق الله، ويكون الأخ المسلم أول من يُهرَع إلى الموائد، وأول من يقفز إلى الصلاة، وأول من يجمع المال، وأول من يدفع الزكاة. وهذا أيضًا أثر من آثار الرأسمالية في الدين؛ فالدين يضع كل شيء في خدمة القضية، ألا وهي تحقيق الأمانة على الأرض، ويبعث على التعفُّف، ويدعو إلى تجاوز الحياة الدنيا إحساسًا منه بالرسالة؛ فالقيم الإسلامية قيمٌ إنتاجية خالصة فيها نفع للناس. وكلها تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، والأخلاق الإسلامية من عفة وزهد وتقشُّف وتقوى، هي في الحقيقة أخلاقٌ اجتماعية للحد من نمط الاستهلاك؛ لأنه في اليوم الذي يتحول فيه المجتمع من نمط الإنتاج إلى نمط الاستهلاك، ومن مجتمع النضال إلى مجتمع الرفاهية، ينهار كما لاحظ ابن خلدون.إن النعمة الحقيقية والسعادة الأبدية ليست في التنعُّم بمباهج الدنيا، بل في العمل على تحقيق الرسالة، وفي أداء الواجب، وفي أن يترك الإنسان وراءه أثرًا أو سنةً حميدة تتناقلها الأجيال وتتبعها بعده لأن «الآخرة خيرٌ وأبقى». ولا يُوجد مالٌ حلال لإنسان في مجتمع أغلبيته عارية بلا لباس، وفي العراء بلا مأوًى، وجائعة بلا طعام، وأمية بلا تعليم، ومريضة بلا استشفاء؛ فكيف ينعم الإنسان بالمال الحلال في واقعٍ كل ما فيه حرام؟
1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading