مقالات فكرية

المنهج: الفكر والمحرك:برجسون: فيلسوف الحياة✍️الدكتور حسن حنفي

غلاف كتاب يتضمن رسمًا لفيلسوف مع نصوص واسم الكتاب "برجسون: فلسفة الحياة".

(١) التفكير في المنهج

ليس برجسون فقط صاحب موضوع، بل أيضًا صاحب منهج. وهو على وعي به تمامًا نظريًّا، وطبَّقه عمليًّا، ويقوم هذا المنهج على التصدي لخطأ شائع مثل السيكوفيزيقا واكتشاف سببه، الخلط بين المستويات، ثم تفنيده عن طريق اختيار صورة متوسطة يتم الحفر فيها حتى تُنتزَع الرصاصة التي تهدِّد الجريح بالموت أو الداء الذي يهدِّده بالفناء.

ويعترف برجسون في مقدمة «الطاقة الروحية» بأنه شرع، بِناءً على اقتراح بعض أصدقائه، بجمع مقالاته التي ظهرت في أماكن متعددة والتي يصعب العثور عليها. ترجم البعض منها، ونشر نشرات مستقلةً في بلاد عديدة في كتيبات مثل «مقدمة إلى الميتافيزيقا» في ست أو سبع لغات مختلفة دون الفرنسية. وقد ألقى البعض منها كمحاضرات خارج فرنسا، ومنها ما هو فقط بالإنجليزية.

نُشرت هذه المقالات والمحاضرات في جزأين؛ الأول: يضم كل الأعمال حول مشاكل معينة في علم النفس والفلسفة، ترجع كلها إلى «الطاقة الروحية». بينما يضم الجزء الثاني الأعمال الخاصة بالمنهج مع مقدمة تُبيِّن مصادر هذا المنهج ومساره إلى التطبيق تحت عنوان «الفكر والمحرِّك».١

ويبدو أن برجسون كان يكتب محاضراته سلفًا وبعناية ثم يقرؤها وهو يلقيها دون ارتجالها، وهو ما يقلِّل من قيمة الخطاب الشفاهي في المحاضرات العامة، ويجعله ينعكس على المقال المكتوب في كثرة استعمال ضمائر المتكلم والمخاطب والجمع.

ويقدِّم برجسون نفس الكتاب في تصدير، مبينًا أنه يشمل محاولتين لتقديم الكتاب كتب خصوصًا لذلك، ومن ثم لم يُنشر من قبل. يمثِّلان ثلث الكتاب، والجزء الآخر مقالات ومحاضرات يصعب وجود معظمها، ظهرت في فرنسا أو في الخارج فيما بين ١٩٠٣–١٩٢٣م، وتنصَب كلها على المنهج الذي يوصي برجسون الفلاسفة باتباعه مع البحث عن أصل هذا المنهج وتحديد اتجاهه في البحث؛ وهذا هو موضوع المقدمتين الأولى والثانية.

أمَّا كتاب «الطاقة الروحية» الذي صدر عام ١٩١٩م فقد ضم «محاولات ومحاضرات» تشمل بعض نتائج أبحاث برجسون، أما هذا الكتاب فقد ضم مجموعةً من «المحاولات والمحاضرات»، خاصةً هذه المرة بعمل البحث نفسه؛ فهو يُكمِل الأول.٢

وقد سمحت «مفوضيات صحافة كلاريدون» في أكسفورد بإعادة إصدار محاضرتين بعد إعدادهما للطباعة بعنايتها بعد إلقائهما في جامعة أكسفورد عام ١٩١١م.

أما الأعمال الأخرى فهي مجموعة من المقالات مجمَّعة تحت عنوان واحد شامل يجمعها؛ مثل «الفكر والمحرك» و«الطاقة الروحية». الأول عن المنهج والبيئة الثقافية التي نشأ فيها، والثاني عن الموضوع. ويشمل «الفكر والمحرك» تسعة موضوعات: اثنان منها مقدمة. الأولى «نحو الحقيقة»، «الحركة التراجعية للحقيقي». والثانية في «وضع المشاكل». والثالثة «مقدمة إلى الميتافيزيقا». وثلاثة تطبيقية «الممكن والواقعي»، «الحدس الفلسفي»، «إدراك التغير». والثلاثة الأخيرة دراسات حول أهم الأعلام الذين أثَّروا فيه وكتب عنهم: «فلسفة كلود برنار»، «حول البرجماتية عند وليم جيمس»، «الحقيقة والواقع»، «حياة رافيسون وعمله». وقد كتب هذه الدراسات التسع على مدى عشر سنوات (١٠٠٣–١١٢٠م) وعمره ما بين ٤٤–٦١ عامًا، وكتب خمسةً منها عام ١٩١١م، واثنان قبلها ١٩٠٣ –١٩٠٤م واثنان بعدها ١٩١٣– ١٩٢٠م،٣ وكل مقال قائم بذاته بالرغم من دخول المقالات التسع كلها تحت عنوان واحد هو «الفكر والمحرك». وهما ليسا عنوان مقال، بل إن الفكر ليس مصطلحًا برجسونيًّا، «والتغير» هو المصطلح البرجسوني وليس المحرك.

ويعترف برجسون في أول هامش لمقاله «مقدمة إلى الميتافيزيقا» أنه منذ هذا العصر كانت مهمة الفلاسفة تحديد معاني هذه الألفاظ؛ «ميتافيزيقا» و«علم». والفيلسوف حر في أن يعطي الكلمة المعنى الذي يريد عندما يريد تحديدها. ولا شيء يمنع من تسمية «علم» أو «فلسفة»، وكما تم ذلك من قبلُ ولمدة طويلة كل نوع من المعرفة، بل يمكن أن يضم الكل في الميتافيزيقا. ومع ذلك تُحيل المعرفة إلى اتجاه معينٍ عندما تحصل على موضوعها من أجل قياسه. وتسير في اتجاهٍ آخر عندما تتخلَّص من كل خلفية فكرية حول العلاقة أو المقارنة من أجل التعاطف مع الواقع.

يتفق المنهج الأول مع دراسة المادة، والثاني مع الروح. وهناك تداخل بين الموضوعين، واعتماد متبادل بل وتعاون بينهما. في الحالة الأولى يتم التعاون مع الزمان المكاني والمكان، وفي الثانية مع الديمومة الفعلية. وظهر أنه من المفيد من أجل توضيح الأفكار تسمية الحالة الأولى «معرفة» والثانية «ميتافيزيقا». ولصالح الميتافيزيقا يقيم برجسون «فلسفة علم»، أو «ميتافيزيقا علم» التي في ذهن كبار العلماء داخل علومهم والملهم غير المرئي لهم. وفي هذا المقال يعمل برجسون لصالح العلم؛ لأن العلماء قد تناولوه أكثر ممَّا تعامل معه الميتافيزيقيون.

وقد كتب هذا المقال في عصر يُقبل فيه النقد عند كانط والقطعية التي وقع فيها خلفاؤه كنتيجة أو على الأقل كنقطة بداية للتأمل الفلسفي.٤

ويذكر برجسون من الفلاسفة أفلاطون وكانط كنموذجين للمعرفة العقلية، وتين ومل كنموذجين للمعرفة التجريبية. كما يذكر جاليليو أحد مؤسسي العلم الحديث. ومن القدماء يذكر أفلوطين وأرسطو، ومن الشعراء هوميروس «الإلياذة».٥

(٢) مقدمة إلى الميتافيزيقا٦

كُتب هذا المقال الطويل بين «المادة والذاكرة» (١٨٩٦م) و«التطور الخالق» (١٩٠٧م) ليحدِّد برجسون فيه المنهج وتصوُّره للميتافيزيقا؛ أي الفلسفة الخالصة والعلم، وهو ما كان سائدًا في عصره. وهي نفس المشكلة التي وضعها ديكارت في «شجرة المعرفة الشهيرة»، ثم كانط في «المقدمات لكل ميتافيزيقيا مستقبلة تريد أن تصير علمًا ليبين ارتباط الفلسفة بالعلم».

وبمقارنة تعريفات الميتافيزيقا يلاحَظ أن الفلاسفة وبالرغم من اختلافاتهم الظاهرية قد ميَّزوا بين طريقتين مختلفتين لمعرفة الشيء؛ الأولى الدوران حوله، والثانية الدخول فيه. يتوقف الأول على وجهة النظر ورموز التعبير. والثانية تتجاوز وجهة النظر ولا تستعمل أي رمز. الأول يتناول النسبي في حين يتعامل الثاني مع المطلق. مثال ذلك حركة الشيء في المكان، يمكن إدراكها من الخارج من وجهة نظر المتحرك والثابت طبقًا لمحاور الحركة الدائرية؛ أي طبقًا للرموز، وهي المعرفة النسبية. أما الحركة المطلقة فتُعزى إلى المتحرك من الداخل أو كحالات للنفس؛ أي التعاطف مع الحالات والنفاذ إليها بقوة الخيال كما هو الحال عند الروائي. الأولى معرفة متوسطة، والثانية معرفة مباشرة. الوصف والتاريخ والتحليل يقدِّم معرفةً نسبية. في حين أن الاتحاد مع الشيء يعطي معرفةً مطلقة؛ لذلك كان المطلق هو الكمال. أما الصور الضوئية وترجمات الشعر مثل شعر هوميروس من النوع الأول. المطلق شيء بسيط، وهو شيء آخر إذا تمَّت رؤيته من الخارج. لا يُدرَك المطلق إلا بالحدس، في حين يدرَك النسبي بالتحليل. والحدس هو التعاطف الذي يمكن من خلاله النفاذ إلى الموضوع من أجل الاتحاد بما يتفرَّد به، ولا يمكن شرحه. في حين أن التحليل على العكس، هو العملية التي تجمع حول الموضوعات معلومات معروفةً سلفًا؛ أي المشتركة بين هذا الموضوع وغيره من الموضوعات. التحليل هو التعبير عن شيء بغيره. وعلى هذا الأساس كل تحليل ترجمة، تطور الرموز، تمثُّلات جديدة متتابعة لنفس الموضوع أو قديمة معروفة. الحدس يُحيط بالموضوع في إدراك واحد، في حين أن التحليل يكرِّر إلى ما لانهاية وجهات النظر المعروفة حوله لإكمال التمثُّلات الناقصة، وإدخال التعديلات على الرموز غير الكاملة بطبيعتها. مهمة العلم الوصفي التحليلُ بما في ذلك علوم الحياة ورموزها المرئية، إلا أن علوم الحياة في حاجة إلى معرفة مباشرة بدلًا من المعرفة النسبية، والاتحاد معها بدلًا من تبني وجهات نظر حولها، وإدراكها بالحدس وليس بالتحليل وخارج كل ترجمة وتمثُّل رمزي، وهو ما تقوم به الميتافيزيقا. الميتافيزيقا إذن: «هي العلم الذي يتجاوز الرموز».٧

والحدس مرتبط بالشخص، والشخص تعاطف عقلي أو روحي، وهو مع الذات قبل أن يكون مع الموضوع. الحدس قلب النظرة من الخارج إلى الداخل كما هو الحال عند هوسرل. وفي الداخل هناك عالم الشعور والذكريات والتطلعات، الحاضر المنفتح على الماضي والمستقبل. هو زمان وديمومة وميول واتجاهات. الوعي هو الذاكرة، وكما عرض برجسون من قبل في «المادة والذاكرة» (١٨٩٦م).

والحقيقة أن الشعور ليس فك «رول» ولا ضمه؛ فلا توجد لحظتان متشابهتان في الشعور، فإذا تشابهتا يصبح الشعور بلا ذاكرة، ويتحولان إلى اللاشعور. تستبعد الديمومة كل فكرة عن التجاور والتخارج المتبادل والامتداد. الفعل الحركي لا ينقسم، وفعل التوتر حركة خالصة. ويمثِّل فك «الرول» وحدة حركة تتقدَّم فتتكشَّف حالات عديدة على امتدادها. الديمومة تواصل، والحياة الداخلية تنوُّع من الكيفيات، تواصل للتقدم، ووحدة الاتجاه. ولا يمكن تمثُّلها بالصورة ولا بالتصورات؛ أي بالأفكار المجردة أو العامة أو البسيطة. الصورة تعمِّم المتشابهات، والحدس يفرد الخصائص.

موضوع الفلسفة يخلقه العمل، وتثيره عادات الروح، ويفيد في الحياة العملية. وهو موضوع عياني لا يمكن أن يُستبدل به حدس الديمومة الذي يُدرك الشيء دون حجاب. ولا يمكن تناوله مع تصوُّرات الوحدة والتعدُّد والتواصل والقسمة النهائية أو اللانهائية. هذا هو الوهم، وهذه أيضًا هي الخطورة. تفيد الأفكار المجرَّدة في التحليل؛ أي في الدراسة العلمية للموضوع في علاقاته المتشابهة مع الموضوعات الأخرى على التبادل. ليس للتصور أي ثقل مثل ظل الجسم. خطورته ليست فقط في تغليفه الموضوع، بل في تعدُّد رؤاه بتعدُّد المذاهب الفلسفية، وتقسيم الوحدة الفعلية للموضوع في تعبيرات رمزية، وتقسيم الفلسفة إلى مدارس متميِّزة. كلٌّ منها يصارع من أجل جزء أو ادعاء تمثيل هذا الجزء للكل. وتتحوَّل الميتافيزيقا إلى لعبة أفكار، في حين أن دور الميتافيزيقا هو تجاوز هذه الأفكار للوصول إلى الحدس. تتضارب الرؤى المتعدِّدة ممَّا يحتاج إلى جهد الخيال للتوحيد بينها للوصول إلى وحدة الشيء من خلال وحدة الديمومة المتغيرة الحركية الحية الملوَّنة، وليست الوحدة الثابتة المجردة الفارغة كما هو الحال في تصدُّر الوحدة الخالصة.٨ لا خلط إذن بين دور التحليل ودور الحدس وهو سبب السجال بين المذاهب والمدارس الفلسفية.

ويستعمل علم النفس التحليل مثل باقي العلوم؛ يفك الذات كحدس أولي بسيط إلى إحساسات وعواطف وتمثُّلات … إلخ. يدرس كلٌّ منها على حدة، ويجعل هذه العناصر أجزاء الموضوع الواحد، الشخصية الإنسانية. الماضي والحاضر والمستقبل، تيار شعوري واحد، لا تجريد فيه ولا قسمة، لكل شخصية وحدتها وتفرُّدها ولونها وخصائصها المستقلة. لا تتكرَّر؛ لذلك نشأ «علم النفس الفردي» بجوار «علم النفس العام»، وكانت النتيجة تشَظِّي الشخصية الإنسانية إلى عناصر وتعبيرات جزئية. ليست الحروف أجزاءً تكوينية في العبارة، بل تعبيرات جزئية عن وحدات كلية بالرغم من قسمة الشعر إلى بحور، والعبارات إلى تراكيب، والإنسان إلى مجموعة من الأجهزة العضوية، والذَّرَة إلى جزيئات.

ولا فرق في ذلك بين التجريبية والعقلانية؛ إذ يأخذ كلاهما التعريفات الجزئية وكأنها أجزاء فعلية، خلطا بين وجهتي النظر التحليلية والحدسية، العلمية والميتافيزيقية؛ الأولى تجعل الإنسان مجرد حالات نفسية. وهو خطأ جون استيوارت مل، وتين، وخلط بين وجهة نظر الحدس ووجهة نظر التحليل، والبحث عن الأصل في الترجمة. وترتكب العقلانية نفس الخطأ؛ إذ تعتبر الحالات النفسية كشذرات مُتقطِّعة لذاتٍ تحاول تجميعها. وفي كلتا الحالتين، يتم الاستدلال على عناصر الترجمة كأنها أجزاء حقيقية.٩

الشخصية وحدة واحدة، والسؤال هو أي وحدة وأي تعدد وأي واقع؟ الحدس هو حدس الذات لنفسها بنفسها، وكل معرفة للأشياء هي معرفة عملية متجهة إلى مدى الفائدة منها. في حين أن الفلسفة هي اتجاه نحو الموضوع بقوة الحدس.

ومسار التصورات مسار ثنائي متعارض، دعوى ونقيض الدعوى، والواقع محاصَر بينهما، ويتحرَّر من خلالهما. والتفكير هو الانتقال من التصورات إلى الأشياء، وليس من الأشياء إلى التصورات. التصورات والمُخطَّطات التي يستعملها التحليل ثابتةٌ في حين أن الموضوع متحرك؛ ممَّا يؤدِّي إلى المفارقة بين التصورات والأشياء، والعلم الحديث دحرج البِلية على سطح مائل لدراسة الحركة من أعلى إلى أدنى. ولم يكتفِ بدراسة مفاهيم الأعلى والأدنى كالعلم القديم.١٠

يتجه التحليل نحو الثابت، في حين يتجه الحدس نحو المتحرك، وهي الديمومة. يبحث التحليل عن التعريف، وهو مخطط، إعادة بناء بسيط، وعادةً ما يكون مجرد رمز. الخطأ هو اعتبار هذه التمثلات والتصورات والمخططات بديلًا عن الواقع. وحروف القصيدة ليست أجزاءً منها، بل عناصر لرمز. ويرتبط الرمز بالعادات وطرق التفكير وأساليب التعبير. وإذا أمكن للتحليل أن يتناول الحدس ويحوِّله إلى تصورات جاهزة، فإنه ينتهي إلى تصورين متعارضين؛ فهناك تعدد حالات الشعور المتتالية، وهناك أيضًا وحدة تجمعها.

كما لا يوجد شعور بلا ذاكرة، لا يوجد تواصل في الحالات الشعورية دون قوة أو ضعف، زيادة أو نقصان، دون إحساس بالحاضر وتذكر اللحظات الماضية. وهذه هي الديمومة الداخلية، الحياة المستمرة للذاكرة من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل. وبقاء الماضي في الحاضر ليس هو الديمومة بل هي اللحظية. الديمومة في صيرورة مستمرة بعيدًا عن الزمن الحسابي الكمي المجرد.

ومشكلة الحركة مشكلة قديمة منذ خلط زينون الإيلي بين المكان والزمان، بين ما ينقسم وما لا ينقسم. أما الديمومة الفعلية فإنها لا تنقسم ولا تتعدد ولا تتبخر في لحظات لا يدوم أي منها.

منهج برجسون يتجاوز المثالية والواقعية، ويبدِّد الغموض المتراكم حول المشاكل الفلسفية الكبرى عن طريق الحدس. وهو ليس فعلًا واحدًا، بل سلسلة من الأفعال اللامتناهية.١١

وهناك فرق بين خلود الموتى وخلود الأحياء. التحليل أي التقسيم ثم التوحيد للتصورات خلود الموتى. أما الحدس، حدس الحالات الشعورية، فهو خلود الأحياء.

والواقع حركة مثل الحدس؛ فالموضوع والذات من نفس النوع وهي حركة تدريجية على النحو الآتي:

  • (١)هناك واقع خارجي، معطًى مباشر للذهن. وهو ما يؤيده الحس المشترك ضد المثالية والواقعية عند الفلاسفة.
  • (٢)هذا الواقع حركة وليس أشياء جاهزة، بل أشياء في طريق الوجود؛ ليس حالات ثابتة، بل حالات متغيره. كل واقع إذن هو ميل واتجاه في حالة النشأة والتكوين.
  • (٣)عندما يتبع الذهن مساره الطبيعي يبدأ بالإدراكات المتينة من ناحية وبتصورات ثابتة من ناحية أخرى؛ فالذهن يتمثل حالات وأشياء، إحساسات وأفكار.
  • (٤)يمكن للفكر استخراج تصورات ثابتة من واقع متحرك، ولكن لا يمكن تكوين حركة الواقع من ثبات التصورات. الخلاف بين المذاهب لأسباب عملية أكثر منها نظرية.
  • (٥)البراهين على نسبية المعرفة لها عيب رئيسي؛ فإنها تفترض مثل القطعية التي تنقدها أن كل معرفة لابد أن تبدأ بالضرورة من التصورات بحدودها المغلقة للوصول إلى الواقع السيال. وهذا عيب النظريات المثالية والنقدية ومذهب الشك.
  • (٦)التفلسف هو قلب الاتجاه العادي لعمل الفكر، والبحث عن تصورات كيفية تواكِب الواقع المتغيِّر. هذه هي الفلسفة الارتقائية الطبيعية وليست الفلسفة الثابتة المصطنعة.
  • (٧)موضوعات الميتافيزيقا الاختلافاتُ والتكاملات الكيفية، وعيب الرياضيات الحديثة التعامل مع أشياء اكتملت، وهي في طريق الاكتمال، بهدف التحقق العملي، والفلسفة لا شأن لها به. لا تنطبق الرياضيات إلا على الكميات وليس الكيفيات في حالة النشوء. الرياضيات الشاملة مجرد سراب الفلسفة الحديثة وقع فيه ليبنتز وهوسرل.
  • (٨)المعرفة النسبية هي المعرفة الرمزية بتصورات مسبقة، موجودة سلفًا من الثابت إلى المتحرك، وليست المعرفة الحديثة التي تقبع في المتحرك، وتتبنَّى الحياة بما في ذلك حياة الأشياء. وهو الحدس القادر على الوصول إلى المطلق، ولا شأن له بطرق التعبير أو التطبيق والعادات. يؤسَّس العلم من أجل العلم. ويمكن تطبيقه في العلم والميتافيزيقا على حد سواء. وتتواصل الحدوس فيما بينهم كما يتواصل موضوعها.
  • (٩) هناك إذن طريقتان لمعرفة الأشياء؛ أن يكون للعلوم المختلفة جذور في الميتافيزيقا وهو موقف القدماء؛ فالعمل ضعف التأمل، والديمومة صورة خادعة وحركة لخلود لا يتحرك. النفس سقوط للفكرة وهي فلسفة أفلاطون وأفلوطين، في الثابت أكثر مما في المتحرك، والانتقال من الثابت إلى المتحرك عن طريق التصغير. والعكس هو الحقيقة، في المتحرك أكثر مما في الثابت، والانتقال من الثابت إلى المتحرك عن طريق التكبير.١٢

والعلم الحديث ابتداءً من جاليليو درس الحركة من أعلى إلى أدنى كما وضح في مفهوم الجاذبية عند نيوتن دون تحليل مفهوم الأعلى والأدنى كما فعل أرسطو في تحليله الحركة. ويخلط العلم الوضعي بين الطبيعي والصناعي، بين معطيات الحدس المباشر وعمل التحليل الضخم الذي يقوم به الذهن خارج الحدس وحوله مما؛ أدى إلى افتراض نسبية المعرفة. وهو مجرد ادعاء ينطبق على التحليل وليس على الحدس.١٣

كيف كان أساطين الفلسفة الحديثة ميتافيزيقيين مجددين للعلم على غير وعي بالتواصل الحركي للواقع؟ كيف نسوا الديمومة العيانية؟ لماذا الاستمرار في استعارة لغة أفلاطون ونموذج نظرية المثل، والتأكيد على عقلانية سهلة، والنفس خلقه في الحياة، بل واعتبار النفس فوق الفكرة في الفلسفة الحديثة؟ ثم سار العلم الحديث في اتجاه معاكس لاتجاه الفلسفة القديمة. وأحاط نفسه بمجموعة من الرموز من اختراعات الذهن تم نقلها من العلم إلى الميتافيزيقا، وأصبح العلماء ميتافيزيقيين والميتافيزيقيون علماء. ليس العلم الحديث واحدًا ولا بسيطًا بالرغم من قيامه على أفكار واضحة، ولكنه فقد الاتصال بالواقع المباشر. أما أرسطو فقد وضع المنطق في الأشياء، وكان هذا هو اكتشافه وهو أفضل من اكتشاف المحدثين.

وقد بدأ كانط هذا الخطأ عندما دفع الميتافيزيقا والعلم إلى حدهما الأقصى في الرمزية بالحدس العقلي؛ فالعلم نسبي، والميتافيزيقا مصطنعة، ثم تحوَّل العلم والميتافيزيقا من الفلسفة النقدية إلى مذاهب قطعية عودًا إلى الأفلاطونية ونظرية المثل في المعبد اليوناني بفعل العقل والتمثُّل التصوُّري والأفكار الواضحة. «نقد العقل الخالص» نوع من الرياضيات الشاملة أو الأفلاطونية أو النسَق العقلي أو الانسجام المسبق؛ وبذلك استحالت الميتافيزيقا. انتهى «نقد العقل الخالص» إلى أن الأفلاطونية غير شرعية إذا كانت المُثُل أشياء، وشرعيةً إذا كانت المُثُل علاقات واختزال المثال الجاهز من السماء إلى الأرض، وهو الأساس المشترك للطبيعة. يقوم «نقد العقل الخالص» على مصادرة أن العقل عاجز عن إدراك أي شيء إلا الأفلاطونية؛ أي حسب كل تجربة ممكنة في قوالب مسبقة. ومع ذلك قضى كانط على النقد بنقائض العقل، ومن ثم انتهت الميتافيزيقا الحديثة والعلم الحديث كما بدآ معًا.١٤ الفلسفة النقدية نموذج للرؤية الخارجية على عكس هوسرل الذي أعاد بناءه على مستوى الشعور دون رفضه والبحث عن بديل له في الحدس كما فعل برجسون، ماتت الميتافيزيقا عند كانط، وتجسَّدت في دعاوى ودعاوى مضادة، وقد كانت من قبلُ حيةً عند الفلاسفة، بل إن اختلافهم كان يكشف عن أصل مشترك.

ليس الحدس سرًّا، بل هي مَلَكة طبيعية موجودة لدى كل إنسان، وبالرغم من أن العلم الحديث قد أمات العلم، إلا أن الحدس الميتافيزيقي قادر على تركيب المعرفة، ليس للميتافيزيقا أي علاقة مع تعميم التجربة. ومع ذلك، يمكن اعتبارها التجربة الشاملة.

(٣) مقدمة (الجزء الأول): نحو الحقيقة، الحركة التراجعية للحقيقي١٥

تنمو الحقيقة كما تنمو الكائنات الحية من الأميبة إلى الإنسان، وكما يتطور الوحي من أول الأنبياء إلى آخر الأنبياء. كل مرحلة سابقة تصب في المرحلة اللاحقة. وكل مرحلة لاحقة تتراءى بدورها في المرحلة السابقة. تتقدَّم الحقيقة إلى الأمام، وتتراجع إلى الوراء. وليست الحقيقة ثابتة. يكتمل أفلاطون في كانط، وكانط في هيجل. ويتراءى برجسون في هرقليطس وأوغسطين ومين دي بيران ووليم جيمس وهويتهد ورافيسون.

وأهم ما تحتاجه الفلسفة هي الدقة، وتعني الدقة القد على حسب الواقع، لا أكثر كما هو الحال في المثالية، ولا أقل كما هو الحال في الواقعية. إذن، تحتاج المذاهب الفلسفية إلى أن تُقد طبقًا للواقع؛ لذلك يُوجه هذا الجزء الأول من المقدمة ضد المذهبين الشائعين؛ المثالية كما يمثِّلها كانط، والواقعية كما يمثِّلها سبنسر وكومت.١٦

وقد وقع برجسون في شبابه في غواية الفيلسوف الآلي سبنسر بعد قراءة كتابه «المبادئ الأولى» بالرغم من غموض عمومياته وإسقاط مفهوم الزمان كما فعل زينون الإيلي من الحساب؛ فالزمان الفعلي يند عن الرياضة وعن تجاور الأجزاء، وقياسه عن طريق مسار المتحرك في خط مستقيم مع أن الخط ثابت وجاهز من قبل. الزمان هو الشعور المتحرِّك، الزمان الداخلي الذي لا ينقسم. والحياة الداخلية تيار متصل وليس ارتباطًا بين الظواهر وتداعي المعاني.١٧ تند الحياة الداخلية عن قوانين الارتباط وتداعي المعاني. صحيح أن فلسفة سبنسر فلسفة تطوُّرية من أجل إدراك الواقع في حركة وتقدُّمِه ونضجِه الداخلي. تستبعد الديمومة، وتكتفي بالتجاوز والتتابع. وتُعبِّر الديمومة عن نفسها بالموسيقى، وتُدرك بالحدس وليس باللغة وعادات التعبير وأساليبه الشائعة. ليست مهمة العلم تعميم الديمومة وتغطيتها وحجبها والتستر عليها سواء فيما يتعلَّق بالحركة أو بالتغيُّر. ليست الحركة مجرد سلسلة من المواضع، بل هي موضع واحد. ولا تنقسم إلى لحظات. لحظات الزمان ومواضع المتحرك مجرد لحظات وضعها الذهن على تواصل الحركة والديمومة.١٨

لذلك من الضروري استعادة الزمان الفعلي، واكتشاف تيار الشعور بعيدًا عن حجج زينون الإيلي والمفاهيم المصطنعة للعلم الحديث؛ حينئذٍ تصبح الميتافيزيقا التجربة نفسها، وتظهر الديمومة كخلق مستمر، وانبثاق لا ينقطع من الجدة. الديمومة حركة فعلية وليست حركةً متوهَّمة مثل الحركة السينماتوجرافية التي تقوم على وهم الحركة عن طريق السرعة وملاحقة الصور بعضها بالبعض الآخر في الزمان وبقائها في الذاكرة. يتراءى الحاضر في الماضي في التعرُّف على الأشياء وكأنه تمَّت رؤيتها من قبل. يُحيل برجسون إلى أوغسطين، وكانط إلى أفلاطون، وهيجل إلى أرسطو. وهي حقيقة شعورية وإن كان وهمًا موضوعيًّا. وتقوم علوم القراءة والتأويل على هذا الترائي للحاضر في الماضي. وفي تاريخ النبوة محمد هو آدم وإبراهيم وموسى وعيسى. كل الأنبياء صور مُتكرِّرة منه. وهو ثمرة الشجرة بعد أن اكتملت في التاريخ. فالجديد قديم، والحاضر ماضٍ، وكل حقيقة وقتية هي حقيقة خالدة؛ فالحقيقة ليست ثابتةً في مكانها، جاهزة في إدراك الحاضر، بل هي ممتدة في الماضي كبذور وفي المستقبل كتحقق. المنطق تراجعي. والآن بعد اكتشاف تيار الشعور، يُعاد اكتشاف الرومانسية في القرن السابع عشر عند روسو وشاتوبريان وفينيي، وهوجو. وهو منطق الضمني والممكن وليس منطق العادات.١٩

وينبثق من الديمومة اختيار حر لا يمكن التنبؤ بمساره. هي أشبه باللحن الداخلي. هناك فرق بين التطور وفك «الرول»؛ حيث تتجاور فيه الأجزاء سواء كان الفك سريعًا أم بطيئًا. الديمومة أشبه بالمنطاد الذي يشتد ويرتخي، يمتد وينكمش. وكلما كان الشعور في حالة توتر كان في حالة خلق وإبداع.٢٠

هناك معطيات مباشرة كما عرض برجسون من قبلُ في رسالته الأولى «رسالة في المعطيات البديهية للوجدان» (١٨٨٩م).٢١ لا فرق إذن بين كانط وسبنسر، بين العقلية والوضعية، بين القطعية واللاأدرية، بين الكانطية ومذهب الارتباط أو تداعي المعاني في تجاهل الديمومة. في حين أن وظيفة العقل في الإبقاء على بعض العادات من أجل الحياة العملية؛ لذلك يستعمل تصورات مصطنعة وأخرى زائفة من أجل إحداث الأثر المطلوب.٢٢

(٤) المقدمة (الجزء الثاني): في وضع المشاكل٢٣

وواضح من العنوان الطابع المنهجي للموضوع؛ فكيفية السؤال تتضمن نصف الإجابة، خشيةً من وضع السؤال وضعًا خاطئًا منذ البداية فتخطئ الإجابة عليه. وقد كُتبت هذه المقدمة أساسًا ضد العقلانيين الذين يضعون المسائل الفلسفية وضعًا خاطئًا؛ لذلك كثرت الإحالة إلى الكانطية والأرسطية واسبينوزا وشيلينج وشوبنهور والأفلاطونية وفشته وهيجل وغيرهم من العقلانيين الخُلَّص أو الحدسيين.٢٤ أما فلاسفة العلم فقد ذُكروا فقط في الهوامش.٢٥

الديمومة هو الموضوع الرئيسي في الفلسفة، والحدس هو المنهج الملائم لها. وهناك فلاسفة للحدس مثل شيلينج وشوبنهور، غير العقلانيين الخُلَّص مثل ديكارت واسبينوزا. عارضوا الحدس بالعقل؛ فالحدس هو البحث المباشر عن الخالد، والعقل المجرد الذي يعتمد على التصورات غير قادر على الإدراك مثل الحدس. الحدس مَلَكة فوق العقل. يخرج من الزمان كديمومة؛ إذ لا يدرك العقل إلا الزمان المكاني، الزمان الاعتيادي الشائع في الحياة اليومية. في حين يُدرك الحدس الديمومة في حركة الواقع وليس في ثوابت الفكر: الجوهر، الذات، المثال، الإرادة … إلخ. ليست الفلسفة استنباطًا من مقولات سابقة ولا عن تصورات مصطنعة، بل هو إدراك حدسي لتموُّجات الواقع. العالم واحد بالتجربة وليس كمصادرة مبنية يفرضها العقل. الحدس إدراك للديمومة في تواصلها من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل. إنها رؤية الروح بالروح بعيدًا عن اللغة، ألفاظ ومقولات، وبالدخول في الحياة الباطنية. يعني الحدس الوعي المباشر، ورؤية الشيء بالاتحاد به ضد المنطق الصارم والمعادلات الرياضية. إنه التعاطف مع الموضوع والاتحاد معه لإدراك ماهيته. إنه الحدس الحيوي وليس فهم الصوري، رؤية العياني وليس تصور المجرد. موضوع العلم هو الآلي الخالص الثابت الكمي الرياضي دون مشاركة روحية. العلم يتناول المجرد والمتواضع والمتفق عليه وما يمكن بناؤه وقسمته بالذهن والحس المشترك والتعبير عنه باللغة. يتجه الحدس نحو الديمومة وليس اللحظي، نحو المتحرك وليس الثابت.٢٦

1 2 3الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading