المنهج: الفكر والمحرك:برجسون: فيلسوف الحياة✍️الدكتور حسن حنفي
صحيح أن الوضوح والتميز من شروط صحة الفكرة، ولكنها الفكرة الجديدة وليست الفكرة القديمة في نظام جديد. هي الفكرة الجديدة تمامًا والبسيطة للغاية لأنها خالية من العناصر والتي يمكن فهمها بلا جهد. تضيء بذاتها على ذاتها وعلى غيرها. لا تحتاج إلى لغة أو تصورات أو تقطيع وتحليل وتجزئة ولا إلى تعميم وإطلاق. الفكرة الواضحة الجديدة فعل حر للوعي خارج نطاق الحتمية العقلية والعلم واللغة والحس المشترك والذهن. هي فكرة الفيلسوف وليس فكرة الكتبة والفريسيين.٢٧
موضوع الميتافيزيقا هو الروح ومنهج خاص هو الحدس، ومن ثم تتميَّز الميتافيزيقا عن العلم، والحدس عن العقل، ولكل منهما قيمته المتساوية. يقوم العلم الوضعي على الملاحظة الحسية، ثم يجرِّدها ويُعمِّمها ويُصدِر أحكامًا، ويُقيم استدلالات بالعقل. ويستعمل الرياضيات الخالصة في الميكانيكا ثم الفيزيقا ثم الكيمياء وأخيرًا في البيولوجيا. يتعامل مع المادة المصمتة، ويربط الظواهر الفيزيقية بالكيميائية والحيوية. وتبدأ المشكلة إذا ما تناول العلم الطبيعي الروح. وهو موضوع غامض وليس في متناول اليد، صورة مجازية وصياغات متشابهة.٢٨ واستدلالاته قد تند عن العقل الذي ما زال مرتبطًا بالحس. وقبل التأمُّل هناك الحياة، والحياة تسبق التأمل. يتجاوز العلم موضوعه دون أن يُغيِّر اتجاهه. والعقل متكيِّف مع المادة، والآلة من نفس نوع الموضوع، وبينهما علاقة تكوين وبناء وإعادة بناء. بينهما معايير النسق والتطابق. بدأ ذلك عند اليونان من قبل، واستمرَّ في العصور الحديثة. المادة والعقل من نفس النوع، لهما نفس الخصائص، الثبات والقسمة والنسق، وكلاهما قاصران عن الوصول إلى المطلق. يتعرَّضان للخطأ، والوقوع في الوهم، وتشويه الصور، والأبنية الخاطئة، في حين أن الروح مطاطي غير مستقر. ومن ثم المادة والروح نقيضان، كما أن العلم والميتافيزيقا ضدان. ولا يمكن إقامة ميتافيزيقيا للمادة أو علم للروح. لكل علم ميدانه وموضوعه ومنهجه ومستواه، الخارج والداخل، وأُفُقه، المنفعة والحكمة. المادة تنحرف بالروح كما أن الروح تنحرف بالمادة إذا تم الخلط بينهما. ترى الروح الروح، وتعقل المادة المادة، وقد يُعبِّر الحدس عن نفسه بالعقل، ويستعمل اللغةَ والأساليب المجردة أو الطرق البيانية من استعارة ومجاز ومقارنة ولغة مجردة ومعادلات.
والخلاف بين العلم والميتافيزيقا ليس فقط خلافًا في الموضوع والمنهج، بل هو أيضًا خلاف في القيمة؛ إذ يبحث الأول عن النسبي، في حين يبحث الثاني عن المطلق. يبدأ كلاهما بالتجربة نحو الأدنى أو نحو الأعلى. الأول يتعامل مع تصورات جاهزة، ويتعامل الثاني مع حقائق ما زالت في سبيل النمو وطور التكوين؛ لذلك يحتاج العلم الحديث إلى إصلاح يرفع مستوى العلم، كما تحتاج الميتافيزيقا المعاصرة إلى إصلاح بإنزال مستواهما الأفلاطوني الكانطي العقلي المجرد إلى مستوى عالم الحياة.
خطورة المذاهب الفلسفية تغليف الواقع أكثر من تعريته، وتغطيته أكثر من كشفه، وإظلامه أكثر من إنارته؛ فهي تتبع منهج العلم في الميتافيزيقا، وطريقة استنباط الحقائق بدلًا من البدء بالتجربة. مالت نحو الأفلاطونية والأفلاطونية الجديدة، بل وأحد جوانب الأرسطية، وهو الجانب المنطقي. واستمرَّ ذلك في العلم الحديث في تحويل الطبيعة إلى رياضة، والكيف إلى كم، والنفس إلى بدن، والدين إلى اجتماع، والأخلاق إلى عادات شعبية. ظن العلم الحديث أن أكبر ضمان له في الفكرة خارج التجربة. بل إن الله نفسه يستنبط من الفكر. هو المحرك الأول والعلة الأولى ومثال المُثُل كما كان عند قدماء اليونان. هو الله الثابت وليس المتحرك. كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهْ وليس كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ. خلط العلم الحديث بين الفكرة الشارحة والفكرة الفعَّالة، وآثر التمثيل الذي يقوم على المواضعة والعلامات مستبعدًا الشيء في ذاته عند كانط، والجوهر عند اسبينوزا والأنا عند فشته، والمطلق عند شيلينج، والتصور أو الفكرة عند هيجل أو الإرادة عند شوبنهور. الخطأ الرئيسي في المذاهب الفلسفية أنها تدَّعي أنها تدلنا على المطلق بمجرد تسميته. والتصور فارغ بلا مضمون. والحقيقة أن الوجود لا يعطي إلا من خلال التجربة. والتجربة رؤية واتصال مباشر، كما أنها إدراك حسي. التجربة حدس أشبه بالطريق الصوفي. والفلسفة ترفع الفيلسوف إلى ما هو أسمى من الوضع الإنساني.٢٩
والتصورات في الكلمات، وهي التي تُسمَّى الفكرة العامة. التصورات ألفاظ. لها وجود في اللسان وليس في الأذهان ولا في الأعيان كما يفصِّل المناطقة المسلمون. الدوافع عملية ومقتضيات اجتماعية؛ فاللغة أداة الفعل الجماعي. أمَّا الفلسفة فإنها تبحث عن المسألة ثم تجد لها حلًّا، ليس على سبيل الكشف بل على سبيل الاختراع.٣٠
وهذه هي نشأة الأفكار العامة وقيمتها في تاريخ الفلسفة.٣١ هي تمثُّلٌ يتضمن عددًا لا نهائيًّا من أشياء تندرج تحت هذا الاسم؛ فكل الكلمات هي أفكار عامة. السؤال هو كيف يتم ذلك، وبأي تمثُّل، ولصالح أي بنية للواقع؟ فمثلًا في علم النفس تعرف أولًا، الدلالة الحية ومظاهر الحياة الأولى مثل الذاكرة والخيال والتصور والإدراك، والتعميم. الفكرة العامة هي نسيج الكائن الحي بالرغم من التجريد والعمومية. تبدأ بالتصور والإدراك طبقًا للغرائز والحاجات. ثم يبدأ التعميم بناءً على أوجه التشابه بين الأشياء. وهو ما يميِّز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية، التعامل مع الأجناس والأنواع، وليس فقط مع الأفراد. وهو ما قاله علماء الكلام في علم الله بالكليات من أجل سرعة العمل والتعامل. ويدخل التقليد كأحد العوامل في التعميم، كما تدخل اللغة والتسمية، وإطلاق اسمه واحد على مسميات عديدة. وأخيرًا تدخل العادات الحركية والانتقال من ميدان العمل إلى ميدان الفكر، ثم تصبح الأفكار العامة نماذج لبعضها البعض لأن الفرد يعيش في مجتمع. وبتداخل الأفراد تتداخل النماذج من أجل إيجاد لغة مشتركة في الحوار بين الأفراد. ووجود وسائط للتفاهم هي الأفكار العامة، الموضوعية الداخلة في نسيج الأشياء.
وهناك ثلاثة أنواع من التشابه:
- الأول: المجموعة البيولوجية. فالحياة تعمل وكأنها تتضمن أفكارًا عامة. وهي الأجناس والأنواع التي تتفرَّع بدورها إلى فرعين، وتنقسم إلى قسمين. وتعني الغائية إعطاء المادة الحية بعض الخصائص.
- الثاني: من المادة الحية إلى المادة الصلبة، من العضوي إلى اللاعضوي، حيث توجد أنواع فعلية من نوع آخر، صفات مثل الألوان والمذوقات والمسموعات إذا تم الانتقال إلى عالم الأشياء. وهناك الأوزان والحرارة. ويؤدِّي هذا التشابه إلى التقارب، والتقارب إلى التماثل. ويتم الصعود في الأجناس والأنواع من الكيميائي إلى الفيزيقي، ومن الفيزيقي إلى الرياضي. وينتهي المنطق البسيط إلى أن التشابه تماثُل جزئي، والتماثل تشابه كامل. التماثل هندسي، والتشابه حيوي؛ يقوم الأول على المقياس، والثاني على الفن. وتكرار المحسوسات يُحيلها إلى تماثل. وتتدخَّل الحرية الإنسانية أحيانًا لتكسر رتابة هذا التكرار، وتجعله يتفرَّع إلى فرعين مختلفين؛ فالحياة تسير طبقًا لقانون الهُوية والاختلاف، جمع المتشابهين وتفريق المختلفين. كل منهما نظام من المقدار.٣٢ ويتحدَّد الاختيار بالقدرة على الفعل. وتُطابق الأفكار العامة خصائص المادة وأفعالها بفضل الرياضيات الحالَّة في الأشياء، وتقابل الهندسي مع الحيوي، والحيوي مع التشابه والتماثل.
- والثالث: الأفكار العامة عن طريق التأمل والفعل الإنساني؛ فالإنسان صانع بالأصالة. والعقل كقدرة على الاختراع قادر على ذلك، بِناءً على نموذج مُدرَك أو مُتخيَّل. وتقوم كل المدنية على عدد معين من الأفكار العامة تُعرف مضامينها وقيمتها، وهو ما يؤدِّي إلى الألوهية سواء في الفلسفة القديمة أو الحديثة. ولا تنطبق الصناعة فقط على المادة، بل على المجموعات الثلاث من الأفكار العامة العضوية واللاعضوية والإنسانية لتحقيق ثلاثة أهداف: تسهيل شئون الحياة الاجتماعية أو لتسهيل التأمُّل الخالص أو من أجل المتعة. وعلاقة الفرد بمجتمع هي علاقة حوار وفعل، مشافهة وممارسة، حديث وإنجاز.
وأحيانًا يستبعد الإنسان الفكر التصوُّري أو على الأقل يحاول إصلاحه بالفكر الحدسي، والابتعاد من المنظور الاجتماعي، والتحول من الإنساني إلى الإلهي؛ فالدافع الحيوي هو نفسه الذي يولِّد الأفكار العامة والذي يدفع نحو الذروة في الإلهي.
وخطورة الأفكار العامة الوقوع في أشباح المشاكل أو المشاكل الزائفة،٣٣ ومنها مشكلة «أصل الوجود» المادة أو الروح أو الله، وهي مشكلة النظام بوجه عام، وحلها الأسهل العلة الأولى.
ومن المشاكل الزائفة الفوضى والعدم مع أن الفوضى هي غياب النظام المتوقع، والعدم غياب الوجود المتوقع. الفوضى نظام سلبي، والعدم وجود سلبي، فهما لفظان مفرَّغان من المعنى بسبب التأمل وضرورات الحياة العملية. هي مشاكل تُعطِّل التقدم إلى الأمام. ومن هنا أتت أهمية الشك القديم والنقد الحديث خاصةً «نقد العقل الخالص» عند كانط. فالميتافيزيقا مستحيلة إن لم تبدأ بالتجربة.
هذا هو خطأ العلم والعقل،٣٤ وحِرصًا على تقدُّم العلم والعقل تُبين حدودهما معًا حتى يمكن بعد ذلك معرفة إمكانية الوصول إلى المطلق بنفس الوسائل أم بوسائل أخرى. وكما أن المصطنع لا يُعرف إلا بالمصطنع، فإن الطبيعي لا يُعرَف إلا بالطبيعي. ليس الفيلسوف مطالَبًا بوضع كل الفلسفة كالأستاذ، بل بالاقتراب منها كالتلميذ.
كما تمنع العادات العقلية من التفلسف، وذلك مثل تصور الأشياء ثابتة. مسميات لأسماء، يمكن تصورها بالعقل كما يفعل أرسطو من أجل مقتضيات اجتماعية، وتلبية حاجات عملية، وهو ما يقتضي الانقلاب على الذات وعادات التفكير كما حاول كانط في النقائض التي هي من صنع الإنسان حتى يتحرَّر الإنسان منها، وينطلق إلى رِحاب أوسع واكتشاف منهج آخر للحياة الباطنية بعيدًا عن التجاور والجواهر ليبحث عن الديمومة الخالصة كاللحن الذي يدخل فيه الماضي في الحاضر.٣٥
تستطيع التجربة المباشرة القضاء على المشاكل الزائفة والعادات العقلية والتمثلات الذهنية والصور الخيالية. تلجأ التجربة المباشرة إلى حركة الواقع وتطور الأشياء بعيدًا عن الشذرات كما تقتضيه ضرورات الحياة العملية.٣٦ وتنبثق الحربة من التجربة المباشرة متجاوزةً كل البراهين العقلية على الاختيار الحر أو الحرية الطبيعية. ولا تستطيع أي نظرية أن تقاوم الواقع، ولا تستطيع أي نظرية فيزيولوجية أو نفسية أو سيكوفيزيقية الصلح بين النفس والبدن، وأن تثبت أو تنفي الحرية كتجربة مباشرة إلا عن طريق الانتباه إلى الحياة واللجوء إلى التجربة الباطنة. ولا تستطيع الوظائف العقلية أو الذاكرة أو تداعي الأفكار أو التجربة أو التعميم أو التفسير أو حتى الانتباه أن يصل إلى شيء لأنها كلها مرتبطة بالسيكوفيزيقا.
وللقضاء على المشاكل الزائفة يتم التدقيق فيها وإحكامها وضبطها مثل النظام الميتافيزيقي القائم على فهم الروح للمادة، ويُنهي الصراع التقليدي بين المثالية والواقعية، بين الذات والموضوع أو بين الروح والمادة، وتنتهي مشكلة بركلي كما أنهاها «المادة والذاكرة» وكل الخلاف بين الكانطيين وأعداء الكانطيين، ومن ثم من الضروري إعادة تحديد العلاقة بين الذات والموضوع.٣٧
ونقد العلم يؤدِّي أيضًا إلى نقد العقل. ويعني نقد العقلانية وممارسة النفي ونقد اللفظيات التي تشوِّه جزءًا من المعرفة. العقل هو طريقة التفكير من أجل توجيه السلوك، والسيطرة على الطبيعة، وسهولة التحرك في المكان غير المنظَّم. يتجه إلى الصنع كما يتجلَّى في فن الميكانيكا، وبلغة تُعلِن عن العلم. في حين أن العقلية البدائية اعتقاد وتراث. يتجه التطور الطبيعي للعقل نحو العلم والتقنية وما يُثيرانه من رياضيات ما زالت غامضة؛ فالعلم والفن آليتان للمادة ولكنهما ليسا طريقين للمطلق؛ في حين تلجأ الميتافيزيقا إلى الحدس. وبوجود علوم الحياة الأخلاقية والاجتماعية والعضوية والعقلية والحدسية تحوَّل الشعور إلى ميدان علم دقيق.٣٨
والأهم من ذلك كله هو «النقاش» أو الحوار حتى وإن لم يكن مضبوطًا، وهو منبع النقد. النقاش هو تبادل الأفكار عن طريق اللغة والكلمات وعادات الكلام وأساليب التعامل الاجتماعي. فالإنسان مدني بالطبع كالنملة في مجتمع النمل مع فرق أن النملة تمتلك وسائل جاهزةً للوصول إلى غرضها، في حين أن الإنسان يخلق وسائلة وطرقه. وقد أتقن اليونان منطق اللغة وأساليب الكلام في البلاغة والخطابة والنحو، الثلاثي في الفنون الحرة السبعة. وسُمي الحوار. ويعني اشتقاقًا الحديث المزدوج δaλEγείν. وهو الفن الذي أتقنه أفلاطون. الإنسان التخصُّصي هو الذي يتعامل مع العلم والعقل، والإنسان الذكي أو العاقل هو الذي يُحسن الكلام. الإنسان هو الإنسان العامل. ومن تفكيره على العمل يصبح الإنسان الحكيم، ثم يصبح الإنسان المتكلم من التفكير على الكلام. فالحقيقة جزء من الحراك الاجتماعي.٣٩
التوتر والتركيز كلمات تُعبِّر عن منهج الروح؛ فلكل مشكلة جديدة جهد جديد. وهو الفهم الذي اتَّبعه برجسون في «مؤلفاته التطبيقية السابقة» «رسالة في المعطيات البديهية للوجدان»، «المادة أو الذاكرة»، «التطور الخالق». مهمة الفلسفة إعادة وضع المشاكل وضعًا صحيحًا ثم رؤية موضوعاتها بالحدس، وتلك مهمة الكتاب الفلسفي.٤٠
(٥) الحدس الفلسفي٤١
الحدس الفلسفي هو الروح الفلسفي، والروح الفلسفي هو كل الفلسفة. والفلسفة بلا حدس مجرد نظريات فلسفية. والميتافيزيقا هذه اللحظة تريد أن تُبسِّط نفسها وأن تقترب أكثر من الحياة. ولا شيء جديد في ذلك، بل حاوله كثير من الفلاسفة من قبل. وتجميع الحروف أي المذاهب الفلسفية قد تُذهب الروح. لقد غرق تاريخ الفلسفة في رصد المذاهب الفلسفية الكاملة وإحكام أنساقها كأبنية شامخة سرعان ما تتهاوى على معاوِل التجربة. والمذاهب نفسها تيارات فلسفية عاش الفيلسوف بينها. ولها رائد أو مؤسس. وبدلًا من الالتفاف حول أفكار الفيلسوف يمكن النفاذ إليها.٤٢ الحدس الفلسفي بسيط على عكس المذاهب الفلسفية المُعقَّدة والتي يمكن النفاذ إليها.٤٣ ومعرفة الحدس الأول الذي قامت عليه قبل أن تُغلِّفه التمثُّلات والتصورات والتراكيب العقلية.
ويأخذ الحدس صورةً متوسطة بين بساطة الحدس العياني والتعقيد المجرد الذي يُعبِّر عنها. وهي صورة مراوغة هاربة تتراءى إلى الذهن دون أن يدركها. وما يميِّز هذه الصورة أولًا هي قدرتها على النفي مثل شيطان سقراط. وهو ما يهمس في أذن الفيلسوف بالاستحالة بعدما اعتقد أن الحل ممكن وواقعي ويقيني. وتأتي الاستحالة من الخلط. وتتنوع طرق الإثبات ولكن النفي واحد، وهو ما سمَّاه علماء الكلام اللاهوت السلبي الوحيد الممكن في نفي ما يستحيل على الله في حين يتعدَّد اللاهوت الإيجابي في إثبات ما يجب له.٤٤
وتأتي الصورة المتوسطة لحل الخلاف بين التيارات الفلسفية المتعارضة في كل عصر.٤٥ فالفيلسوف بهذا المعنى ابن عصره في تصوره للعلم والفلسفة وفي الصراع بين القديم والجديد؛ فالحديث يكرِّر القديم، تطويرًا له ومتطوِّرًا منه. الفلسفة كائن معنوي أكثر منها كائنًا تجميعيًّا، ولا تقول إلا نفس الشيء بلغات متعددة وبطرق مختلفة وأساليب متباينة. الحدس واحدٌ لا يتغيَّر، في حين تتعدَّد تطبيقاته. الحدس رؤية أكثر منه تركيب مذهب، واقع وحركة وليس بناءً معماريًّا. العصر مجرد مظهر، والحدس حقيقة.٤٦
وقد عاش برجسون هذه التجربة عندما اختير أستاذًا في الكوليج دي فرانس وقام بتدريس بركلي واسبينوزا لمدة طويلة مع التمييز بين العرض والجوهر، والصورة والمضمون في المذهب والعمل مثل «كتاب الأخلاق» لاسبينوزا، ومقولاته الرئيسية: الجوهر، الصفة، الفكر، الامتداد، بالإضافة إلى مقالات ثقيلة أخرى من التراث الديكارتي والأرسطي. مع أن الحدس بسيط، الإحساس بالاتحاد بين فعل الإدراك الكامل والفعل الإلهي ذاته الذي منه تتولَّد الأفعال. وهي فكرة الإسكندرانيين؛ أي أفلوطين ومدرسته في الفيض. يخرج كل شيء من الألوهية ويعود كل شيء إليها؛ فالفلسفة فعلان، ذهاب وإياب، أو بتعبير اللاهوت سقوط وخلاص.٤٧
ويقال نفس الشيء بالنسبة لبركلي الذي يمكن تلخيص فلسفته في أربعة دعاوى: الأولى تُعَد نوعًا من المثالية انطلاقًا من نظرية الرؤية، وخلاصتها أن المادة مجموعة من الأفكار، وهي تُشبه مذهب المناسبة عند مالبرانش وربما أيضًا عند ديكارت. والثانية أن الأفكار المجردة تُرَد إلى كلمات كما هو الحال في الاسمية. وهي من مشاكل العصر الوسيط قبل أن تُصبح جزءًا من الفلسفة الحديثة عند هوبز، والثالثة الجمع بين الروحية والإرادية كما هو الحال عند دنزسكوت وديكارت، والرابعة التأليه وهو وضع وجود الله على اعتبار المادة وحدها، وهو ما يوجد في اللاهوت.٤٨
فلسفة بركلي، وهو أكثر الفلاسفة ذكرًا في نظرية الرؤية، تتكوَّن إذن من ديكارت ولوك وهوبز، ضد القطعية الرياضية لأسقف فيلسوف أراد المصالحة بين العقل والإيمان (بوسويه) مع بعض صياغات الأفلاطونية الجديدة. وقع بركلي في الاسمية والمثالية المجدبة مع إلغاء وجود الجسد إلا في الذهن الإلهي؛ فالمادة مشارِكة في الامتداد مع التمثل. الوجود هو المظهر، والشيء مخزن للإمكانيات. المثالية والاسمية شيء واحد. المادة التقاء إرادتين؛ إرادة الإنسان وإرادة الله. يشارك الذهن الإنساني والمادة، والعقل الإلهي في نفس الوظيفة.٤٩
وفرق بين مقولات المذهب وروحه؛ فالمذهب كائن حي. والصورة المتوسطة مادة، ولكنها أيضًا روح، يدركها الحدس. وفي حالة بركلي هناك صورتان متوسطتان. المادة رقيقة شفافة بين الإنسان والله تكشف الله للإنسان، وتكشف الإنسان لله من خلال الرؤية. وهناك طريقتان للتعبير، التصور والصورة. التصور فارغ، والصورة مملوءة بالحياة. التصور كمي، والصورة كيفية.٥٠
ليست علاقة المذهب الفلسفي بالمذاهب السابقة علاقةً كمية، أثر ومتأثر، بل علاقة كيفية عن طريق روح المذهب؛ أي مسار الفكر واستمراره من السابق إلى اللاحق أو انقطاعه.
الفلسفة هي العلم الشامل وليست حصيلة العلوم الجزئية التي عاصرها الفيلسوف الذي يبحث عن توحيد المعارف الإنسانية. ويمكن أن يكون لكل علم جزئي فلسفة، وهذا لا يغني عن الرؤية الشاملة للعلم.٥١ ليست الفلسفة تركيبًا من علوم، بل ديمومة متصلة على مستوى الفكر والشعور؛ فالمادة والحياة في داخل الشعور الحدس الفلسفي هو هذا الاتصال. الفلسفة هي الدافع، والعلم مجرد تخارج بدافع من الأعماق. ولا يتجه الفيلسوف إلى الوحدة التي خرج منها.٥٢
والعلم عامل مساعد للفعل. ويهدف الفعل إلى تحقيق غاية. يبحث العالم عن المتكرِّر والثابت. ويحاول تطويع الطبيعة بل وخداعها أحيانًا. وقد وضع بيكون قاعدة العلم من الطاعة «أجل القيادة». والفيلسوف لا يطيع ولا يأمر، بل يحاول التعاطف. جوهر الفلسفة هو روح البساطة. التعقيد مصطنع، والبناء زائد، والتركيب ظاهري. التفلسف فعل بسيط.٥٣ الفلسفة تحيي، ومن ثم عليها أن تخرج من المدرسة إلى الحياة. التجربة علم ناشئ والعلم إدراك بالغ، والحركة سلسلة من المواضع، والتغير سلسلة من الكيفيات، والصيرورة سلسلة من الحالات. يتضمَّن الحدس مستويات من التوتر، والفلسفة مستويات من العمق، الفلسفة لحن متصل لا تنقسم، ويدركها الحدس.
وقد أخطأ كانط في اعتقاده أنه في الإمكان تجاوز الشعور والوصول إلى المتعالي، في حين أن الحقيقة في الباطن تحت الأبنية الذهنية. الفلسفة كالفن بداية مستمرة أو كما أطلق عليها هوسرل بداية جذرية. يستطيع العلم أن يعدنا بالحياة الراضية أو حياة المتعة، في حين أن الفلسفة تعطينا السعادة.٥٤
(٦) إدراك التغير٥٥
يمكن إدراك التغير بالحدس المباشر وليس بالتصور العقلي. التغير موضوع للإدراك ولكنه لا يُرى. وهو موجود؛ إذ إن كل شيء يتغيَّر؛ فالتغير هو قانون الأشياء. ومع ذلك يتدخَّل الاستدلال، ويتعامل مع التغير وكأنه غير موجود، ومن ثم، من الضروري أولًا لإدراك التغير استبعاد كل الأحكام المسبقة المصطنعة التي أصدرها التأمل الفلسفي المجرد، وكذلك الأحكام التي تقوم على الاعتقاد الشائع والحس المشترك. التصور أسوأ منهج إذا لم يسبقه الإدراك. دور الاستدلال هو ملء فراغ الإدراك أو من أجل دفعه إلى حده الأقصى. ومما لا شك فيه أنه لا يمكن إنكار مدى الفائدة من الأفكار العامة المجردة. ولا يمكن إدراك حقيقةٍ إلا إذا كانت واقعة، أو تصور شيء إلا إذا كان مدرَكًا.
وعدم كفاية ملكات الإدراك أحد أسباب نشأة الفلسفة. ويدل على ذلك تاريخ الفلسفة نفسه. كانت أفكار اليونان القدماء قريبةً من الحس، مثل إدراك العناصر الأربعة، ثم حاول فلاسفة إيليا إنكار التغير والحركة عن طريق الحجج السوفسطائية التي تقوم على القسمة، وتحويل الكيف الحاكم. هذا النقص في الإدراك الحسي هو الذي دفع الفلاسفة إلى تكملته بالتصورات المجردة، والنظريات المصطنعة، والمذاهب المركَّبة.٥٦ وإذا توقف الأمر على ذلك، الأفكار المجردة العامة والاستدلالات المصطنعة من ناحية، والإدراك الحسي الساذج من ناحية أخرى، تنتهي الفلسفة، ولا يبقى إلا فلسفات متعدِّدة ومتضاربة خارجة عن الموضوع. ويتحوَّل الموضوع من كيف إلى كم.
لذلك كان من الضروري توسيع الإدراك خارج ميدان الرؤية الحسية إلى الانتباه المركز الواضح كما يفعل الفنان الذي يدرك ما لا يدركه الإنسان العادي، وكما يفعل الشاعر الذي يستوحي الواقع ويستلهم الطبيعة، وكما يفعل الرسام مثل كورو وتيرنر. يثبت الفن إذن أنه يمكن توسيع مجال الرؤية كما هو الحال عند الصوفي، مع أن الصورة الشائعة عن الفنان أنه مثالي أو أنه تائه. إدراك الواقع في حاجة إلى خطوة إلى الوراء حتى يتخلَّص الإدراك من ضرورات الحياة العملية، وتقسيم الأشياء إلى وحدات صغيرة. ثم يتحول الإدراك عن الفنان من ضرورة الفعل إلى الإدراك من أجل الإدراك، لذة الإدراك، مستقلًّا عن العمل.٥٧
المطلوب إذن هو قلب الانتباه أو ما يسميه هوسرل قلب النظرة، والتحول من الإدراك الخارجي إلى الإدراك الداخلي؛ أي من الإحساس إلى الإدراك، ومن الانطباع الحسي إلى الانتباه. فكل فعل هو ضعف في التأمل طبقًا لأفلوطين، ومن ضرورة التحوُّل من الظاهر إلى الباطن، ومن الخارج إلى الداخل، ومن ثم خداع الحواس إلى حقيقة الموضوع، وهو ما ركَّز عليه كانط في العصر الحديث في «نقد العقل الخالص» بالتحول من الظاهر إلى الشيء في ذاته؛ فالظاهر لا يعطي إلا نقائض، والميتافيزيقا هي مجرد كيمياء عقلية. وتحوَّل كانط من الحس البسيط إلى العقل المجرد، تاركًا ميدان الشعور القادر على الرؤية. أراد كانط أن يتجنَّب خطأين؛ القطيعة والشك، فوقع في خطأ ثالث وهو التركيب بينهما على نحو آلي مجرد مصطنع، المضمون والصورة، البعدي والقبلي، الخارجي والداخلي، ومن ثم استحالة الميتافيزيقا.٥٨ لا فرق بين زينون وأفلاطون وكانط؛ زينون بحجه ألغى الحركة لصالح الثبات عن طَرق حجج سوفسطائية تقوم على قسمة الحركة، وجعل أفلاطون الحقيقة ثابتة، وربط كانط الميتافيزيقا بالزمان والمكان الحسيين؛ لذلك كان هؤلاء الثلاثة أكثر الفلاسفة ذكرًا.٥٩
الحركة والتغير لا ينقسمان،٦٠ ولا يُوجد ثبات حقيقي؛ الثبات من متطلبات الفعل، يخترعه الإنسان ويحوِّله إلى مطلق. وهذا هو خطأ زينون في قسمته حركة أشيل التي لا تنقسم. الحركة موضع ثم موضع جديد، والذهن هو الذي يتصوَّرها على خط مستقيم، يسير عليه متحرك. كل حركة فعلية لا تنقسم.٦١
ولا تحتاج الحركة إلى حامل متحرك أو ثابت؛٦٢ هناك حركة، ولكن لا يوجد تحتها أشياء تتحرك. هناك حركات ولكن لا يوجد شيء مصمت لا يتغيَّر يتحرَّك؛ فالحركة لا تتضمن متحركًا. لا تتطلب الحركة عربة، الحركة في الحقيقة هي حركة الحركات.





