الدين والرأسمالية✍حسن حنفي
- (٦) يؤمن الناس بالفردية في الدين،٢ ويدافعون عن النشاط الحر القائم على المنافسة وبدافع الربح؛ فقد أكَّد الدين دَور الفرد، وأثبت المسئولية الفردية؛ فلا عجب أن يكون للفرد الحق في ممارسة نشاطه بلا حدود، واستثمار أمواله كما يشاء، وتأجير مَن يعملون له في الأرض أو في المصنع أو في المتجر. وهذا في الحقيقة تفكيرٌ رأسمالي تغَلغَل في الدين؛ فندافع عن الرأسمالية ونظن أننا ندافع عن الدين. صحيحٌ أن الإسلام يؤكد على المسئولية الفردية ولكن في الأخلاق والعمل الصالح، وفي الفَهم والتفسير والتمييز والإدراك، ولكن ليس في الاستغلال والاحتكار، والمضاربة في الأسواق والتلاعب في الأسعار؛ فالجماعة لها حقٌّ في مال الفرد، وليس عن طريق الزكاة فقط، بل كل ما تحتاجه الجماعة، وكل ما يمكن للفرد أن يقدِّمه من أموال للاستثمار؛ فإذا ما استغل الفرد أو احتكر كان من حق الدولة المصادرة للصالح العام، والتأميم ورجوع الملكية للمسلمين، كما أن من حق الدولة تحديد الأسعار، والرقابة عليها، كما هو واضح في وظيفة «الحسبة» في الإسلام.وقد امتد هذا التصور الفردي الرأسمالي القائم على المنافسة والربح في علاقة المتدين بالله؛ فهو يدفع قرشًا لبناء مسجد في الأرض حتى يبني الله له قصرًا في الجنة، ويسابق إلى الخيرات حتى ينال مكانًا عاليًا في الجنة؛ فالطبقات في المجتمع لها ما يرادفها في درجات الجنة، حتى يحصل الإنسان على أعلاها بالمنافسة والتسابق. وتقوم العلاقة أيضًا على الحساب الكَمِّي؛ فالحسنة بعشرة أمثالها. ويُضاعف الأجر إلى ما لا نهاية؛ ومن ثَم تكون تجارة رابحة تلك التي يعقدها المتدين مع الله.وفي مناهج الإصلاح تؤمن بأن صلاح المجتمع بصلاح الأفراد، وأن فساد المجتمع بفساد الأفراد، وأن الرسول قد عُني بتربية الأفراد أولًا على مدى ثلاثة عشر عامًا، ثم بعد ذلك أسس بناء المجتمع في عشرة أعوام، ونظن أن هذا هو منهج الدين وهو في الحقيقة أثرٌ من آثار الرأسمالية في الدين؛ فالأبنية الاجتماعية هي التي تحدِّد سلوك الأفراد، والطبقات الاجتماعية هي التي تُفرز قادتها. وقد كان الأفراد الذين رباهم الرسول إفرازًا لطبقة المضطهَدين والمستعبَدين والأذلاء، أو لطبقة الرافضين لفكر قومهم ودينهم وعاداتهم ومُثلهم ومعتقداتهم. وكان ذلك من أجل تربية القادة، وهي الطلائع الثورية للجماهير، وليس من أجل تربية الأفراد لذاتها، وذلك لأن الواقع كان مختمرًا بالثورة، وكانت الجماهير تحتاج إلى فكر يعبِّر عنها، وإلى قادة يوجِّهون نضالها، وهو ما أعطاه الإسلام.ونفسِّر الإسلام أحيانًا، ونصف انتشاره بأنه دينٌ أتى للصفوة المختارة قبل أن يأتي للدهماء، وأن الرسول ذاته كان من قريش، وهي قبيلةٌ من أشرف قبائل مكة، وأنه كان يدعو القبائل أعلاها فأقلها علوًّا، ويدعو وجهاء القوم ورؤساء العشائر وأغنياء الناس؛ فالصفوة هي النشِطة، القادرة، العالمة التي بها ينتشر الدين في حين أن العامة عاجزة، جاهلة ساكنة لا نصرة فيها أو لها. وهذا هو التفسير الرأسمالي لانتشار الإسلام. صحيحٌ أن الرسول قد دعا رؤساء القبائل وذلك لأنهم القادة، ودعوة القادة فيها دعوةٌ للجماهير ذاتها، وطبقًا للنظام القبَلي الذي تتبع فيها القبيلة رئيسها، إذا دخل الرئيس الدين الجديد دخلَت القبيلة كلها. وفي نفس الوقت لم يمنع ذلك من دخول أفراد القبائل الدين الجديد رغمًا عن رئيس القبيلة. ومع ذلك فقد رفض القرآن هذا المنهج في الدعوة في حادثةٍ مشهورة عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى، فحذَّر القرآن من التوجُّه إلى علية القوم وترك دهمائهم، وكم من القادة فيما بعدُ قد خرجَت من الدهماء!!كما ندعو إلى التغيير عن طريق إعطاء الأولوية للداخل على الخارج، ونستشهد بقول الله: إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ؛ وبالتالي فالأخلاق شرط السياسة، وإعادة بناء الضمائر شرطٌ لإعادة بناء المجتمع، ونذكُر القول المأثور «من أصلح جوانيَّه أصلح الله برانيَّه». وهذا هو الفكر الرأسمالي المتغلغل في الدين؛ إذ يريد النظام الرأسمالي أن يغطي معالم البناء الاجتماعي، وعدم لفت الأنظار إليه، وذلك بإحالة مشاكله وإرجاعها إلى نفوس الناس، وخراب الضمائر، وفساد الأخلاق، فيلتفت الناس إلى نفوسهم، ويتركون الواقع الاجتماعي كما يريده النظام الرأسمالي، ويقلبون النظرة من الخارج إلى الداخل، ويعكُفون على طهارة النفس وتزكيتها، ويكتشفون أن هذا العالم زائل، فيسعد الرأسمالي بما وصل إليه المتدين. وهيهات أن يتغيُّر الواقع بتغير النفس؛ فما دام الواقع كما هو فإن البناء النفسي يظل أيضًا كما هو، ولكن البداية بتغير الواقع، وتحقيق الإصلاح الاجتماعي من شأنه أن يُعيد بناء الأفراد. وهذا لا يمنع من أنه في مرحلة بناء القيادات، والطلائع الثورية يمكن البدء بتوعية الأفراد، وتوعية الجماهير، كجزء من البناء الأيديولوجي للواقع كله، وهي عمليةٌ مواكبة لعملية التغير الاجتماعي تحقيقًا لوحدة الشخصية القومية، وحتى لا يكون الواقع في جانب والأبنية النظرية في جانبٍ آخر.
- (٧) ويؤمن الناس بالملكية الفردية ويدافعون عن الملكية الخاصة؛ فالدين قد سمح بها، والإنسان هو صاحب الحق الأول والأخير فيما يملك، وهي ملكيةٌ شرعية لا يمكن لأحد أن يصادرها، أو أن يؤممها، أو أن يشارك فيها آخر. والعلم يؤيدها؛ فالطفل يقبض ما تناله يده ويرفض تركه، ويرفض أن يشارك لعبه مع الآخرين، والمرأة تحب الخزين. وهذه هي الرأسمالية في الدين، واستغلال الدين والعلم من أجل تأييد النظام الرأسمالي والأيديولوجية التي قام عليها؛ إذ يدافع الناس عن الدين في صورة الملكية الخاصة، وهم في الحقيقة يدافعون عن الملكية الخاصة في ثوب الدين، كأثرٍ من آثار الاستعمار الثقافي، وكتعبير عن حب الدنيا التلقائي عند الناس؛ فالملكية ليست بالضرورة الملكية الخاصة، بل هناك صورٌ مختلفة للملكية العامة، ملكية الله، وملكية الدولة، والملكية التعاونية، والملكية الجماعية. وهي ملكياتٌ يؤيدها الدين، وشرعَها الفقهاء، ومارستها النظم الإسلامية، ويقول بها عديدٌ من النظم الاقتصادية اشتراكية ورأسمالية على حدٍّ سواء.فالإسلام لم يعرف الملكية الخاصة ولكنه جعل الملكية لله، والإنسان مستخلَف فيما أودعه الله بين يدَيه، له حق التصرُّف، وحق الانتفاع به، فإذا أضرَّ بالغير، وإذا اختزن دون أن يستثمر كان من حق الحاكم أن يصادره، وأن يجعله ملكيةً عامة للمسلمين. هذا بالإضافة إلى أن لفظة «مال» في اللغة ليس اسمًا؛ وبالتالي لا تشير إلى شيء، بل هي اسم صلة «ما» وحرف جر «ل»؛ أي إنها لفظٌ مركَّب يدل على علاقة بين الشيء والإنسان، وهي علاقة التصرف والانتفاع فحسب. والملكية المذكورة في القرآن (حوالي ١٢٠ مرة) لا تعني الملكية الخاصة، بل الملكية المعنوية مثل ملك اليمين بمعنى الرعاية والعناية، وملك المفتاح بمعنى الائتمان، وملك النفس بمعنى القدرة، وملك خزائن رحمة الله، وملك النبوة، وملك السموات والأرض. المِلكية في الإسلام وظيفةٌ اجتماعية فحسب، يُحسن الإنسان إدارتها، فإذا أساء الإدارة وظف غيره. وتاريخنا مملوء بالحالات السابقة التي حرَّم فيها الحكام والفقهاء المِلكية الخاصة حتى لا يستكين الناس إلى الأرض، ويتركوا الغزو في سبيل الله، فضلًا عن أن المِلكية لا تنتُج عن ممارسة الأخلاق الإسلامية، التي تجعل علاقة المسلم بالعالَم علاقة أداء ورسالة وليست علاقة ملكية.وما نقوله في المِلكية نقوله أيضًا في الميراث؛ إذ نقاتل بعضنا بعضًا من أجل الميراث، ويفكر كلٌّ منا في نصيبه راضيًا أو كارهًا، ذكرًا أم أنثى إذا ما تُوفي الأقربون. وهذا أيضًا إيمانٌ بالرأسمالية في ثوب الدين، ودفاعٌ عن الدين وهو في الحقيقة ممارسة للرأسمالية؛ فالميراث، كالملكية، لله وحده في الإسلام، ولم يرد لفظ «الميراث» في القرآن، بل ورد لفظ «الإرث» بمعنى ميراث النبوة، والعلم، والحكمة، والكتاب، والأرض، والجنة، ولم ترِد في أي سياق بمعنى الإرث الشخصي الذي نفرح به ونناله دونما مراعاة لمبدأ تكافؤ الفرص. والآية المشهورة التي تنظِّم الميراث آيةٌ شرطية، قد تحدث الحالة وقد لا تحدث. وإذا كنا نعلم أن المال وظيفةٌ للاستثمار لصالح الجماعة، وأن الجماعة لا بد وأنها محتاجة إليه كان الأوقع أن يترك الإنسان هذا العالم دون أن يترك وراءه شيئًا إلا من العمل الصالح. وهل ورث الأنبياء أو ورِثهم أحد؟
- (٨) وكثيرًا ما ندعو إلى طاعة أولي الأمر، ونبرهن على ذلك بأن طاعة أولي الأمر من طاعة الله أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، وننصب أنفسنا دفاعًا عن السلطات الحاكمة ضد الشعوب. وهذا بالضبط هو الممارسة الرأسمالية للدين، والإيمان بالله على الطريقة الرأسمالية، والإيمان بالرأسمالية في ثوب الدين، وذلك لأن طاعة أولي الأمر تدفع الناس إلى التسليم، وتبعث فيهم الدعة والسكون، وخير وسيلة لذلك هي استغلال طاعة الله التي ترضاها الجماهير؛ فما دامت الجماهير مطيعة لله تكون أيضًا مطيعة للنظام. ولما كانت الجماهير متدينة، وستظل كذلك إلى أجيال قادمة، فإن طاعتها للنظام تكون مضمونة على الإطلاق؛ ومن ثم يتحقق للنظام الرأسمالي ما يبغيه من الإبقاء على الوضع القائم، واتهام كل صور المعارضة بالخروج على النظام؛ ومن ثَم، بالخروج على طاعة الله.وهذا خروج على الدين، وضياع للأمة؛ فقد قال الدين أيضًا: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.» ولما كان صاحب رأس المال قد عصى الله باستغلاله واحتكاره، وسيطرته على أرزاق الشعب، ونهبه لثروات البلاد، فإن الخروج عليه واجب، وتغيير النظام ضرورة. ولقد بشَّر الدين أيضًا كل من رفع سيفه في وجه حاكمٍ ظالم بالجنة، والرأسمالي ظلَم الناس باستغلالهم والسيطرة على أرزاقهم؛ ومن ثَم كان قلب النظم الرأسمالية وتقويضها واجبًا شرعيًّا على كل مسلم ومسلمة، وكذلك من الدين أيضًا «عجبتُ لرجلٍ لا يجد قوت يومه ولا يخرج للناس شاهرًا سيفه!» والرأسمالي منَع أقوات الناس وكنَزها، وترك المسلمين جياعًا؛ ومن ثم وجب إشهار السيف في وجهه. وقد عبَّر مصلحونا عن ذلك وعلى رأسهم الأفغاني بقوله «عجبتُ لك أيها الفلاح، تشُق الأرض بفأسك ولا تشق قلب ظالمك!» وملَّاك الأرض وأمراء الإقطاع استولَوا على أراضي المسلمين؛ ومن ثَم وجب على جماهير الأمة أخذ حقها واسترداد الأرض؛ لذلك تنشُر النظم الرأسمالية القيَم الخلقية التي تدعو إلى استتباب الأمر واستقرار النظام، وسيادة القانون، وتبشِّر بأخلاق الشرف والأمانة والاستحقاق، وكلها أخلاق تستفيد منها الطبقة الحاكمة والطبقة المتوسطة درعها ومنفِّذ قانونها، وهي التي تحرص على النظام، وتضمن الأمن؛ فهي المستفيدة من الأقلية الحاكمة بقَدْر ما تتلقى من موائدها، وبقَدْر ما ينالها من رشاويها، وهي المستفيدة أيضًا من الطبقة الدنيا باستغلالها لحسابها كما تفعل الطبقة العليا. وتتهم النظم الرأسمالية كل النظم المعارِضة بالإرهاب والعنف، وإراقة الدماء، والتعصب، والتبعية والعمالة، والخيانة، في حين أن الثورة على نظم الاستغلال والاحتكار جزءٌ من الجهاد المقدس، يحرص المؤمنون على نيل الشهادة فيه.
- (٩) وكثيرًا ما نقدِّس رجال الدين، نطيعهم طاعةً عمياء لا مراجعة فيها ولا استفسار، ونتخذهم قدوةً صالحة للسلوك، ونُسلمهم رقابنا وثرواتنا. وهذا بالضبط ما تريده لنا النظم الرأسمالية؛ إذ إنها تُقيم لنا مؤسساتٍ دينية، وتدعم رجال الدين كواسطة بين الحق والخلق — وهو ما حذَّر منه الفقهاء جميعًا — يمكن من خلالها السيطرة على المجتمعات، ورجال الدين، في نهاية الأمر، فئة اجتماعية من عِلْية القوم، ويكونون جزءًا من الطبقة العليا، يتمتعون بامتيازاتها، ويعيشون على حمايتها، ويتصدَّرون واجهة القوم، وتأتمر في النهاية بأمرها؛ فهي ولية نعمتها، وسبب بقائها؛ ومن ثَم، فالسلطة الدينية هي الحليف الطبيعي للسلطة السياسية. تستشهد السلطة السياسية برجال الدين كمثلٍ أعلى للسلوك في الطاعة والولاء. ولمَّا كانت الجماهير تثق برجال الدين، إيمانًا منها بالدين، فإنها تأخذ سلوكهم قدوة؛ وبالتالي يتحقق للنظام الرأسمالي ما يبغيه من طاعة الجماهير وولائهم له. وإذا أراد النظام الرأسمالي إصدار قانونٍ زيادةً في الضرائب، أو توفيرًا للعمالة، أو تحديدًا للأجور، فإنه يلجأ إلى رجال الدين، الذين يقومون بدورهم بتبليغه للشعب وتبريره، وتأييده بالنصوص الدينية، قال الله، وقال الرسول، وإلباسه ثوب الدين، فيقبله الشعب راضيًا مرضيًّا، فإذا ثار الشعب بقيادة طلائعه، فإن رجال الدين يقومون بامتصاص ثورته مطالبين بالطاعة والولاء، ومتوعدينه بالويل والثبور، والطرد والحرمان، ومتهمين قياداته بالخروج، وإثارة الفتن، وبث الشقاق، والقضاء على وحدة الأمة!وكل ذلك غريب على الإسلام؛ فليس في الإسلام رجال دين؛ من ثَم فإن ادعاء أية سلطةٍ دينية حقَّ التفسير للدين أو التوجيه للجماهير، فإنه يكون ادعاءً باطلًا لا يُقره الدين، ولا يبغي وجه الله، وكل توسُّط بين الإنسان والله هو توسُّطٌ غير شرعي؛ فلا وساطة في الدين بين العبد وربه. والاجتهاد حقٌّ مشروع للجميع، ولكل مسلم أن يجتهد إذا ما توافَرَت فيه شروط الاجتهاد، العلم بالكتاب والسنة والوعي بمصالح المسلمين، ولكل مجتهدٍ نصيب، وللمخطئ أجر، وللمصيب أجران، وقد حذَّرنا الرسول من تبعية مُدَّعي الاجتهاد وإلا كان ذلك شركًا بالله.
- (١٠) وعلى نطاق الأحلاف، يظن الناس أن الغرب المؤمن أقرب إليهم من الشرق الملحد، وأن الرأسمالية الغربية قائمة على الدين في حين أن الاشتراكية الشرقية قائمة على الإلحاد؛ ومن ثَم كان الغرب هو الحليف الطبيعي للمسلمين؛ فهو وإن كان يطمع في أموالنا وثرواتنا إلا أنه لا يطعن في ديننا، في حين أن المعسكر الشرقي يطمع في الأموال والثروات ويطعن في الدين، ويهدم العقائد، وينشر الكفر والإلحاد، ويهدم المعابد؛ فالاستعمار الغربي استعمارٌ للأرض دون هدمٍ للدين ودون قضاءٍ على العقائد والتراث، في حين أن الاستعمار الشرقي استعمارٌ للأرض وهدمٌ للدين وقضاءٌ على العقائد والتراث معًا. الاستعمار الغربي يسهُل استئصاله بالحرب أو بالسلم، في حين أن الاستعمار الشرقي يستحيل استئصاله لأنه يفرض وجوده بالقوة. الحليف الغربي صريح في معاملته، يريد الأرض ويؤمن بالله في حين أن الحليف الشرقي منافق يريد الأرض ويدَّعي الحرية، يسيطر على الشعوب ويرفع شعار الديمقراطية. الحليف الشرقي غير إنسانيٍّ في نظامه، يقهر الفرد، ويكبت الحريات، في حين أن الحليف الغربي إنساني في نظامه، كريم في معاملته، يحترم الفرد، ويدافع عن حرياته؛ هذا هو ما نؤمن به ونظن أنه من الدين، في حين أنه في حقيقة الأمر من ترويج الدعاية الاستعمارية في أذهان الشعوب النامية من أجل إعادة السيطرة عليها، وإدخالها في أحلافها العسكرية، ومناطق سيطرتها ونفوذها.فالغرب في حقيقة الأمر ينافق في الدين، ويظن أن الإيمان هو تستُّر وتعمية وتغطية على ما يدور في الواقع، ويتهم كل من يضع في الإيمان مضمونًا اجتماعيًّا بالكفر والإلحاد، ويحرص على نشر هذا التصور الضامر للدين، أنه نظرياتٌ أو عقائد أو شعائر أو طقوس. في حين أن المبادئ العامة للنظم الاشتراكية وأهدافها من تحقيق للعدالة الاجتماعية، وتذويب للفوارق بين الطبقات، ومن قضاء على روح الاستغلال ووسائل السيطرة والاحتكار، ومن جعل العمل وحده مصدرًا للقيمة، ومن جعل الحكم للأغلبية والتخطيط لصالحها؛ كل ذلك أقرب إلى روح الإسلام من التستر بالعقائد والشعائر على مظاهر الاستغلال والاحتكار. والذي يهدم العدالة الاجتماعية هو في الحقيقة هادمٌ للدين حتى ولو ملأ الأرض تكبيرًا، وعمرها معابد، وتناثرَت فوقها الصدقات.إن الشعوب المتحررة حديثًا بعد أن تحرَّرَت من الاستعمار الصريح، العسكري أو الاقتصادي، ما زالت تحت رحمة الاستعمار الثقافي، الذي يبغي الإبقاء على سيطرته على الشعوب وثرواتها، من خلال طبقة من أهل البلاد تدين له بالولاء، بولائها للثقافة الأجنبية وتقليدها لها؛ فبدل أن يحكم الاستعمار مباشرة فإنه يحاول أن يحكم الآن من خلال هذه الطريقة، وهي امتداده في البلاد النامية. وقد آن الأوان للقضاء على الاستعمار الثقافي في البلاد، وتنوير الناس، ورفع الخلط في أذهانهم، ورفع الالتباس في نفوسهم عما يظنون أنه من الدين وهو في الحقيقة من الرأسمالية. وهذا هو دور المثقَّفين الآن.
١ روز اليوسف، سبتمبر ١٩٧٦م، وقد وضع رئيس التحرير عنوان: الإسلام على الطريقة الرأسمالية!
وصدَّر المقال بالفِقرة الآتية:
الخطايا العشر في إسلامنا اليوم مستوردة من الغرب ولصالح الرأسماليين:
(١) البحث عن الله خارج العالم.
(٢) العكوف على الغيبيات والأسرار.
(٣) الفهم الشكلي للشعائر.
(٤) الصراع بين المادة والروح.
(٥) النزعة الاستهلاكية!
… وخطايا أخرى في العدد القادم.
قضية اليوم في بلدنا ليست «الإسلام أم الماركسية»، وإنما هي بالتحديد: الإسلام أم الرأسمالية!
فالرأسمالية هذه الموجودة في مجتمعنا، وخطرها هو الماثل أمام أعيننا؛ بدليل أن معظم تصوُّراتنا الإسلامية اليوم ليست من الإسلام، وإنما هي تصوراتٌ رأسمالية تسلَّلَت إليه، وإلينا، دون أن نشعر!
وعلى السطور التالية يكشف لنا الدكتور حسن حنفي، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، هذه الحقيقة المزعجة. ويدُق ناقوس الخطر، للذين هم حقًّا مؤمنون.
٢ روز اليوسف، سبتمبر ١٩٧٦م، وقد وضع رئيس التحرير عنوان:
خمس خطايا رأسمالية أخرى تسلَّلَت إلى الفكر الإسلامي.
في العدد الماضي ألقى الدكتور حسن حنفي، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، الضوء على خمس «خطايا» من الفكر الرأسمالي، تسلَّلَت إلى الإسلام في مجتمعنا.
واليوم يواصل الدكتور إلقاء الضوء على خمس خطايا أخرى — يختتم بها حديثه الخطير — وهي:
• حرية النشاط الفردي.
• حق الملكية المقدَّس.
• طاعة «أولي الأمر».
• تقديس رجل الدين.
• التحالف مع «الغرب المؤمن».





