نَصِيحَةُ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ – بِقَلَمِ / حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ

بُنَيَّ لَازِلْتَ لَا تَعْبَأُ بِقَدْرِ المَسْئُولِيَّةِ، وَلَا تُجْهِدُ ذَاتَكَ سَعْيًا بِالكُلِّيَّةِ؛ إذْ لَا تُقَدِّرُ لِلْأُمُورِ قَدْرِهَا، وَلَا تَضَعُ الأَشْيَاءَ فِي نِصَابِهَا، وَلَا تَزِنُ المُهِمَّاتِ بِمِيزَانِهَا.
يَا لِعَجَبِي مِنْ حَيَاتِكَ، وَتَعَجُّبِي مِنْ سِمَاتِكَ، فَوْضَوِيٌّ، مِزَاجِيٌّ، نَرْجِسِيٌّ، مِزَاحِيٌّ، مُرَاهِقٌ، صَلْدٌ، عَنِيدٌ، غَيْرُ رَحْبٍ بِتَعَقُّلٍ، وَذُو أفُقٍ دُونَ البَعِيدِ.
ــ بُنَيَّ لمْ يَمُتْ مَنْ سَهِرَ اللَّيَالِي، وَذَاقَ مُرَّ الأمَانِي، إنَّمَا مَاتَ مَنْ فَاتَ بِنَوْمِهِ كُلَّ عِزٍّ، وَغَالِي.
هَلْ أعَادَ التَّرَاخِيَ حَقًا؟، أمْ عَمَّرَ النَّوْمُ وَقْتًا ؟
ــ بُنَيَّ أنْتَ أذُنٌ مُصْغِيةٌ حَقًّا، لَٰكِنَّهَا حَتْمًا للآمَالِ مُضَيِّعَةٌ، مُرِيحٌ بالاسْتِمَاعِ مُحَالٌ الانْصِيَاعِ.
هَلْ أغْنَي التَّكَاسُلُ فَقْرًا؟ أمْ جَادَ المَعْدُومُ قِرًّا ؟
-بُنَيَّ كَيْفَ يَعْلُو البِنَاءُ بِهَدْمٍ؟ وَهَلْ تَبْدُوا المَآثِرَ بِطَوْدِ رَدْمٍ ؟
أيْنَ أنْتَ مِنِّي، لَا أجِدُ فِيكَ مِنْ جَهْدٍ فَرِيدٍ، وإصْرَارٍ شَدِيدٍ، أوْ حَتَّىٰ إشَارَةً عَنِّي ؟
ــ بُنَيَّ أبْحَثُ فِيكَ عَنْ سَمْتِي فَمَا أُلَاقِي، أخَذْتَ كُلَّ مَسَالِبِي، وَطَرَحْتَ حُسْنَ سِمَاتِي.
كَيْفَ تَحْمِلُ مَا يُثْقِلُ كَاهِلُكَ، وَتَغُضُّ الطَّرَفَ لِمَا يُنِيرُ حَاضِرُكَ، وَيَبْنِي مُسْتَقْبَلُكَ ؟
ــ بُنَيَّ احْمِلْ مَا تَسْتَطِيعُ؛ حَتَّىٰ لَا تَغْرِقَ بِالمَتَاعِ، وَيَصِيرُ أمْرُكَ لِلضَّيَاعِ.
يَا لِقِلَّةِ هِمَّتِكَ، وافْتِقِارِ عَزِيمَتِكَ، وَخُوَارِ مَشِيئَتِكَ.
ــ بُنَيَّ أتَدْرِي كَمْ عَنَائِي؟ اتَعْلَمُ مِقْدَارَ سَعْيِي، وَقَدْرَ شَقَائِي ؟
أتَدْرِي كَمْ أرَقْتُ مَاءَ وَجْهِي لِلُقْمَةِ عَيْشٍ عَلَيْهَا انْكِفَائِي ؟
ــ بُنَيَّ أتَدْرِي كَمْ أعْيَانِي الأَرَقُ ؟ ، وَكَمْ جَفَا النَّوْمُ عَيْنِي بِالغَسَقِ ؟
أتَدْرِي كَمْ شَهْرٌ يَطُولُ ؟ ، وَكَيْفَ حَوْلٌ يَحُولُ ؛ لِأجْمَعَ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةً، ثُمَّ أَنْثُرُهَا بِأَيْدِيكُمْ عَلِّي أُرَاضِيكُمْ ؟
ــ بُنَيَّ أتَعْلَمُ مَا أُلَاقِي مِنْ كَدٍّ صَبَاحَ مَسَاءَ ؟، وَكَمْ أدْفَعُ مِنْ عُمْرِي لِكِسْرَةٍ خُبْزٍ، وَشَرْبَةِ مَاءٍ ؟
أتَدْرِي كَمْ حَمَلْتُ عَنْكَ حِمْلَ بَعِيرٍ، وَلِسَعَادَتِي كَأنَّ الحِمْلَ فَوْقَ ظَهْرِي يَسِيرُ؟
ــ بُنَيَّ شَابَ شَعْرِي، وانْحَنَىٰ ظَهْرِي، وأكَلَتِ الأدْوَاءُ بَدَنِي، وَغَيَّرَ الزَّمَنُ قَسَمَاتُ وَجْهِيَ، فَمَتَيٰ أرَاكَ سَاعِدًا يَشُدُّ أزْرِي، وَعَاتِقًا أرْمِي عَلَيْهِ حِمْلِي، وَعُكَّازًا أسْنِدُ بِهِ انْحِنَاءَ عُمْرِي ؟
لَا أحَدَ يَسْعَدُ قَدْرَ سَعَادَتِي بِكَ، فَلَا تَخْذُلْ سِيرَتِي، وَتُقِلُّ مَسِيرَتِي؛ فَأنَا، وأنْتَ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِأيِّ وَجْهٍ صُرِفَتْ، وَإذَا أعْطِيَتْ نَفَعَتْ.
ــ بُنَيَّ أوْجَبَ الإلَٰهُ طَاعَتِي فِي غَيْرِ شِرْكٍ، فَهَلْ أمَرْتُكَ يَوْمًا بإفْكٍ ؟
أقْسُو عَلَيْكَ مَحَبَّةً لِنَمَاءٍ؛ فبَعْضُ لَسْعِ النَّحْلِ شِفَاءٌ.
ــ بُنَيَّ لَا تَسْتَهِنْ بِكَلَامِي؛ فَيَهِنْ أمْرُكَ، وَيَحْقِرُ بَيْنَ الوَرَىٰ شَأنُكَ.
لِتَكُنْ ذَا هِمَّةٍ، نَائِيًا عَنِ المَذَلَّةِ، وَالتَّعَلُّلِ بِالمَعَاذِيرِ، فاطْلُبْ بِعِزَّةٍ؛ فإنَّ الأمُور تَجْرِي بِالمَقَادِيرِ.
ــ بُنَيَّ إيَّاكَ، وإهْمَالُ نُصْحِي؛ فَتَكُونَ مِنَ الخَاسِرِينَ، فَقَدْ فَعَلَهَا وَلَدُ نُوحٍ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ، وَصَارَتْ زَوْجَتَا نُوحٍ، وَلُوطٍ بِالنَّارِ مَعَ الدَّاخِلِينَ.
طَالَ صَمْتُكَ، وَنَدُرَ فِعْلُكَ؛ فَمَتَىٰ يَأتِينِي الجَوَابُ؛ فَقَدْ أرْهَقَنِي التَّسَاؤلُ، وأتْعَبَنِي الخِطَابُ ؟
ــ بُنَيَّ أَرجُو أنْ يُبَادِرَنِي رَدُّكَ حَالَ حَيَاتِي قَبْلَ أنْ يَزُولَ بِالقَبْرِ رُفَاتِي.



