فِي سَاحَةِ الْقَضَاءِ قَتَلَهُ خِصَامُ زَوْجَةٍ، وَجُحُودُ أَبْنَاءٍ- حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ

مَا أَقْسَى الأَيَّامَ حِينَ يَنْقَلِبُ الوُدُّ خُصُومَةً، وَالمَحَبَّةُ عَدَاوَةً، وَالقُرْبُ تَنَافُرًا، وَالوَصْلُ قَطِيعَةً، وَالكَرَمُ بُخْلًا، وَالشَّهَامَةُ نَذَالَةً، وَالرِّفْعَةُ خِسَّةً، فَيَغْدُو الأَبُ الَّذِي كَانَ عِمَادَ البَيْتِ، وَقِوَامَهُ وَاقِفًا وَحِيدًا فِي قَاعَةِ مَحْكَمَةٍ، تُحَاصِرُهُ الدَّعَاوَى مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَأَعَزِّهِمْ لَدَيْهِ؟! ، وَأَيُّ وَجَعٍ هَذَا الَّذِي يَجْعَلُ يَدًا طَالَمَا امْتَدَّتْ بِالعَطَاءِ تُوَاجَهُ بِأَصَابِعِ الِاتِّهَامِ بِجَفَاءٍ، وَتُوصَمُ بِالخَوَاءِ؟! ، وَأَيُّ قَلْبٍ يَحْتَمِلُ القَهْرَ، وَمَرَارَةَ الدَّهْرِ بِحُرْقَةٍ وَاكْتِوَاءٍ؛ حِينَمَا يَرَى أَبْنَاءَهُ الَّذِينَ حَمَلَهُمْ صِغَارًا عَلَى كَتِفَيْهِ، يَقِفُونَ اليَوْمَ فِي صَفِّ الشَّاكِينَ عَلَيْهِ؟
أَيُّ زَمَنٍ هَذَا الَّذِي تُسَاقُ فِيهِ الأُبُوَّةُ إِلَى قَاعَاتِ المَحَاكِمِ كَمَا يُسَاقُ المُتَّهَمُ وَالسَّارِقُ؟!
وَأَيُّ قَسْوَةٍ تِلْكَ الَّتِي تَجْعَلُ رَجُلًا أَفْنَى عُمْرَهُ بِبِنَاءِ سَقْفٍ لِأَبْنَائِهِ، فَيَنْتَهِي بِهِ المَطَافُ تَحْتَ سَقْفِ المَحَاكِمِ جَانِيًا لِمَنْ كَانُوا يَوْمًا يَخْتَبِئُونَ فِي صَدْرِهِ مِنْ عَوَاصِفِ الأَيَّامِ، وَرِيَاحِ الأَحْلَامِ؟
ــ إِنَّ الأَبَّ لَيْسَ رَجُلًا يَسْكُنُ البَيْتَ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ البَيْتُ الَّذِي يَسْكُنُهُ الكُلُّ، وَالدَّارُ الَّتِي تَسَعُ الجَمِيعَ، وَالقَلْبُ الَّذِي يَشْتَرِي الحُبَّ؛ فَلَا يَبِيعُ، وَهُوَ السَّقْفُ الَّذِي لَا نَشْعُرُ بِقِيمَتِهِ إِلَّا حِينَ تَتَسَاقَطُ فَوْقَ رُؤُوسِنَا أَثْقَالُ الأَيَّامِ، وَنَوَائِبُ الأَحْلَامِ.
هُوَ اليَدُ الَّتِي تَمْتَدُّ؛ لِتُبْعِدَ عَنْ أَبْنَائِهَا أَشْوَاكَ الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ تَطَأَهَا أَقْدَامُهُمْ، وَهُوَ القَلْبُ الَّذِي يَئِنُّ بِصَمْتٍ، وَيَشِيخُ بِلَا صَوْتٍ، وَيُطْفِئُ أَحْلَامَهُ؛ كَيْ تَبْقَى أُمْنِيَاتُ أَبْنَائِهِ مُضِيئَةً.
ــ الْأَبُ حِكَايَةُ الْأَمَانِ، وَرَبِيعُ الْحَنَانِ، وَمَلَامِحُ الطُّمَأْنِينَةِ الَّتِي لَا تَتَكَرَّرُ بِإِنْسَانٍ. فَإِذَا مَا ضَاقَتِ الدُّنْيَا، كَانَ صَدْرُهُ وَطَنًا رَحْبًا يَسَعُ الْجَمِيعَ، وَإِذَا قَسَتِ الْأَيَّامُ، كَانَ صَوْتُهُ طُمَأْنِينَةً، وَأُنْسًا لِكُلِّ وَحْشَةٍ، وَإِذَا تَعَثَّرَتِ الْخُطَى، كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَمُدُّ يَدَهُ بِالْعَطَاءِ، بِكُلِّ سَخَاءٍ، دُونَ طَلَبٍ مِمَّنْ تَعَثَّرَ، وَيَجُوعُ؛ لِيَشْبَعَ أَبْنَاؤُهُ، وَيَتَأَلَّمُ؛ لِيَنْعَمُوا بِالرَّاحَةِ، وَيَخَافُ؛ لِيَأْمَنُوا.
ــ يُخْفِي انْكِسَارَاتِهِ خَلْفَ ابْتِسَامَةٍ مُطْمَئِنَّةٍ، وَيُوَاجِهُ عَوَاصِفَ الْحَيَاةِ ،كَالْجَبَلِ الرَّاسِخِ ، فَلَا تَهُزُّهُ رِيحٌ، وَكَالشَّجَرَةِ الْعَتِيقَةِ؛ تَكْتَوِي بِقَيْظِ الشَّمْسِ وَحْدَهَا، بَيْنَمَا تُظَلِّلُ الْجَالِسِينَ تَحْتَ أَوْرَاقِهَا، فَمَا الْأُبُوَّةُ إِلَّا مُعْجِزَةُ عَطَاءٍ لَا تَنْضُبُ، وَرَحْمَةٌ مُمتَدَّةٌ، وَمَحَبَّةٌ لَا تَجِفُّ، وَعَطَاءٌ لَا يَتَوَقَّفُ، وَوَصِيَّةُ وُدٍّ يَكْتُبُهَا الْأَبُ عَلَى جُدْرَانِ عُمُرِهِ بِعَرَقِهِ، وَصَبْرِهِ، وَقَلَقِهِ الدَّائِمِ عَلَيْهِمْ ؛ فَالْأَبُ لَا يُقَاسُ بِمَا يَمْلِكُ، بَلْ بِمَا يَمْنَحُ؛ فَكَمْ مِنْ أَبٍ كَانَ فَقِيرَ الْيَدِ، لَكِنَّهُ أَغْنَى أَبْنَاءَهُ بِالْأَمَانِ، وَالْكَرَامَةِ، وَالْحَنَانِ. وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ رَحَلَ، وَبَقِيَتْ ظِلَالُهُ تَمْلَأُ الْبَيْتَ دِفْئًا، كَأَنَّ رُوحَهُ مَا زَالَتْ تَحْرُسُ الْأَبْوَابَ، وَتُرَبِّتُ عَلَى الْقُلُوبِ كُلَّمَا أَوْشَكَتْ عَلَى الِانْكِسَارِ؛ لِذَلِكَ، لَا يُدْرِكُ الْإِنْسَانُ عَظَمَةَ الْأَبِ إِلَّا حِينَ يُثْقِلُهُ الْعُمُرُ، فَيَرَى فِي مَلَامِحِهِ صُورَةَ أَبِيهِ، وَيَكْتَشِفُ مُتَأَخِّرًا أَنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ يُشْبِهُونَ الْآبَاءَ لَا يَتَكَرَّرُونَ.
ــ يَدْخُلُ الْأَبُ قَاعَةَ الْمَحْكَمَةِ مُتَّكِئًا عَلَى سَنَوَاتِ عُمْرِهِ الثَّقِيلَةِ، كَجَبَلٍ نَخَرَتِ الرِّيحُ مِنْ أَطْرَافِهِ، لَكِنَّهُ ظَلَّ شَامِخًا؛ لِأَنَّ فِي قَلْبِهِ بَقِيَّةً مِنْ حُبٍّ. وَعَيْنَاهُ اللَّتَانِ طَالَمَا سَهِرَتَا عَلَى أَبْنَائِهِ، كَانَتَا تَدُورَانِ فِي الْوُجُوهِ تَبْحَثَانِ عَنْ لَمْعَةِ رَحْمَةٍ، عَنْ ارْتِعَاشَةِ حَنِينٍ، عَنْ دَمْعَةِ وَفَاءٍ، عَنْ بَرِيقِ أَمَلٍ وَاعْتِرَافٍ بِالْجَمِيلِ، عَنْ تَقْدِيرٍ وَلَوْ بِكَلَامٍ بَسِيطٍ، عَنْ ابْنٍ يَتَذَكَّرُ يَدًا رَبَّتَتْ عَلَى كَتِفِهِ صَغِيرًا، فَلَا يَجِدُ إِلَّا وُجُوهًا جَامِدَةً، وَقُلُوبًا جَاحِدَةً، كَأَنَّ الْمَوَدَّةَ لَمْ تَمَسَّ قُلُوبَهُمْ يَوْمًا، وَالرَّحْمَةَ لَمْ تُخَالِطْ أَرْوَاحَهُمْ أَبَدًا.
فَمَا أَشَدَّ وَجَعَ الْأَبِ حِينَ يَتَحَوَّلُ مِنْ ظِلٍّ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ، إِلَى خَصْمٍ تُرْفَعُ الْعَرَائِضُ عَلَيْهِ!، حِينَ تُصْبِحُ الْيَدُ الَّتِي كَانَتْ تُقَبَّلُ صَبَاحَ الْعِيدِ، يَدًا يُشَارُ إِلَيْهَا بِالِاتِّهَامِ فِي سَاحَاتِ النِّزَاعِ! ، وَحِينَ يَغْدُو صَوْتُهُ الَّذِي كَانَ يَمْلَأُ الْبَيْتَ سَعَادَةً، مُجَرَّدَ رَقْمٍ فِي مِلَفِّ قَضِيَّةٍ.
ــ دَخَلَ الْأَبُ قَاعَةَ الْمَحْكَمَةِ بِأَعْوَامٍ مِنَ التَّعَبِ، وَالْكِفَاحِ، وَالصَّبْرِ، يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ بَقَايَا أُبُوَّةٍ كَانَتْ تَظُنُّ أَنَّ الْبَيْتَ مَهْمَا تَصَدَّعَ ؛ سَتَظَلُّ قُلُوبُهُمْ مَأْوًى لَدَيْهِ، وَأَنَّ الْأَنْفُسَ مَهْمَا قَسَتْ ؛ سَتَلِينُ يَوْمًا عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْكَلِمَاتِ حِينَ تَخْرُجُ بَارِدَةً، وَتَصْدُرُ جَامِدَةً مِنْ أَفْوَاهِ الْأَبْنَاءِ؛ تَكُونُ أَمْضَى مِنَ السِّهَامِ، وَالْخُذْلَانُ حِينَ يَأْتِي مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ، لَا يَتْرُكُ فِي الرُّوحِ مَوْضِعًا سَلِيمًا، فَسُحْقًا لِنَهْجِ اللِّئَامِ، وَشَرَارِ الْأَنَامِ.
ــ سَقَطَ الْأَبُ لَا خَصْمًا مَهْزُومًا، بَلْ قَلْبًا أَنْهَكَهُ الْأَلَمُ، وَأَرْدَاهُ النَّدَمُ؛ حِينَ سَقَطَ الْأَعِزَّةُ مِنْ عَيْنِهِ، وَفَرُّوا مِنْ قَلْبِهِ، فَانْكَسَرَتْ فِيهِ الْقِيَمُ، وَعَلَا بِهِ الظُّلْمُ، فَوَقَعَ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ الْقَاضِي بِالْحُكْمِ، كَأَنَّ الْقَدَرَ يُعْلِنُ أَنَّ بَعْضَ الْقَضَايَا لَا تُفْصَلُ فِي الْمَحَاكِمِ؛ لِأَنَّ أَوْرَاقَهَا مَكْتُوبَةٌ بِالدُّمُوعِ، وَأَحْكَامَهَا مَحْفُورَةٌ فِي الْقُلُوبِ، وَسَبِيلَهَا ذَهَابٌ لَيسَ بِهِ رُجُوعَ. فَمَا أَقْسَى أَنْ يَمُوتَ الْأَبُ وَاقِفًا فِي سَاحَةٍ كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ تُنْصِفَهُ، لَا أَنْ تُطْفِئَ آخِرَ مَا تَبَقَّى فِي قَلْبِهِ مِنْ نُورِ الْحَيَاةِ.
ــ فَأَيُّ قَلْبٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَرَى عُمْرَهُ كُلَّهُ وَاقِفًا فِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِنَ الْقَاعَةِ كَخَصْمٍ؟، أَنْ يَجْلِسَ الْأَبُ وَحِيدًا، بَيْنَمَا تَقِفُ الزَّوْجَةُ الَّتِي كَانَتْ يَوْمًا سَكَنَهُ، وَالْأَبْنَاءُ الَّذِينَ اقْتَطَعَ لَهُمْ مِنْ صِحَّتِهِ، وَعُمْرِهِ، وَرَاحَتِهِ، خُصُومًا فِي وَجْهِهِ؟ ، وَأَيُّ مَرَارَةٍ تِلْكَ الَّتِي تَجْعَلُ الرَّجُلَ يُحَاكَمُ بِيَدِ مَنْ كَانَ يَضُمُّهُمْ إِلَى صَدْرِهِ؛ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنْ نَسَمَةِ بَرْدٍ؟
ــ لَقَدْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ لَا كَخُصُومٍ، بَلْ، كَأَجْزَاءِ مِنْ رُوحِهِ انْفَصَلَتْ عَنْهُ قَسْرًا، وَسَقَتْهُ الْمَرَارَةَ قَهْرًا، كُلُّ وَجْهٍ بَيْنَهُمْ كَانَ يُذَكِّرُهُ بِلَيْلَةِ تَعَبٍ، أَوْ ثَوْبٍ جَدِيدٍ، أَوْ دُعَاءٍ خَفِيٍّ رَفَعَهُ إِلَى اللَّهِ سِرًّا أَنْ يَحْفَظَهُمْ مِنَ الضَّرَرِ، وَكَانَ يَسْمَعُ كَلِمَاتِهِمْ ، فَتَسْقُطُ عَلَى قَلْبِهِ، كَالْحِجَارَةِ ، هَذَا يُطَالِبُهُ، وَتِلْكَ تَشْكُوهُ، وَآخَرُ يُعَدِّدُ أَخْطَاءَهُ، وَكَأَنَّ السِّنِينَ الطِّوَالَ مِنَ الْعَطَاءِ لَمْ تَكُنْ إِلَّا هَامِشًا فِي مِلَفِّ اِلِاتِّهَامِ، فَلَيْسَ الْقَاضِي مَنْ أَوْجَعَهُ، وَلَا الْقَانُونُ مَنْ أَسْقَطَهُ، وَلَكِنَّ الَّذِي حَطَّمَ قَلْبَهُ أَنَّ الَّذِينَ أَفْنَى عُمْرَهُ لِأَجْلِهِمْ لَمْ يَرَوْهُ إِلَّا خَصْمًا يَجِبُ أَنْ يُنْتَصَرَ عَلَيْهِ. فَتَذَكَّرَ وَهُوَ وَاقِفٌ كَيْفَ كَانَ يَعُودُ مُتْعَبًا آخِرَ اللَّيْلِ، يَحْمِلُ هَمَّ الْبَيْتِ كَجَبَلٍ، ثُمَّ يَبْتَسِمُ حِينَ يَرَاهُمْ نَائِمِينَ بِسَلَامٍ. وَتَذَكَّرَ كَيْفَ كَانَ يُقْتَطَعُ مِنْ رَغَبَاتِهِ لِيَزْرَعَ الْفَرَحَ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَيُخْفِي أَوْجَاعَهُ لِئَلَّا يَصِلَ الْحُزْنُ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ أَحَدٌ ذَلِكَ، وَفِي لَحْظَةٍ ثَقِيلَةٍ، شَعَرَ الْأَبُ أَنَّ قَلْبَهُ لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ. غُصَّةٌ مَرِيرَةٌ ارْتَفَعَتْ إِلَى صَدْرِهِ، غُصَّةُ رَجُلٍ اكْتَشَفَ مُتَأَخِّرًا أَنَّ الْحُبَّ الَّذِي زَرَعَهُ عُمْرًا كَامِلًا، عَادَ إِلَيْهِ قَسْوَةً، وَجَفَاءً، وَدَعْوَى مُخَاصَمَةٍ.
ــ نَظَرَ إِلَيْهِمْ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ، لَا بِغَضَبٍ، بَلْ بِدَهْشَةِ الْمَكْسُورِ، كَأَنَّهُ يَسْأَلُ فِي صَمْتٍ: «أَلِهَذَا الْحَدِّ كُنْتُ غَرِيبًا عَنْكُمْ؟». ثُمَّ مَالَ جَسَدُهُ قَلِيلًا، وَانْطَفَأَتْ عَيْنَاهُ بِهُدُوءٍ مُوجِعٍ، وَسَقَطَ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ الْقَاضِي بِالْحُكْمِ، كَأَنَّ قَلْبَهُ اخْتَارَ أَنْ يَرْحَلَ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ الْكَلِمَاتِ الأَخِيرَةَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الأَبْنَاءِ كَانَ أَقْسَى مِنْ حُكْمِ الْمَحْكَمَةِ، وَلِأَنَّ بَعْضَ الْآبَاءِ لَا تَقْتُلُهُمُ الأَمْرَاضُ، بَلْ يَقْتُلُهُمْ انْكِسَارُ الْقَلْبِ.
ــ فَأَيُّ جَفَاءٍ هَذَا الَّذِي يُقَابَلُ بِهِ قَلْبٌ أَفْنَى عُمْرَهُ فِي الْعَطَاءِ؟، وَأَيُّ قَسْوَةٍ تِلْكَ الَّتِي تَجْعَلُ الأَبَ، وَهُوَ مَوْطِنُ الرَّحْمَةِ وَالسِّتْرِ، مُتَّهَمًا بِالْخَوَاءِ؟، وَأَيُّ مَرَارَةٍ تُذَاقُ حِينَ تَتَحَوَّلُ الأَيْدِي الَّتِي كَانَ يَمْسِكُهَا خَوْفًا عَلَيْهَا مِنَ السُّقُوطِ، إِلَى أَيْدٍ تَدْفَعُهُ نَحْوَ الشَّقَاءِ؟
ــ لَقَدْ كَانَ الأَلَمُ بَالِغَ الأَثَرِ، نَافِذًا إِلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، كَنَصْلٍ بَارِدٍ، وَكَانَ الْقَهْرُ ظَاهِرًا فِي عَيْنَيْهِ كَلَيْلٍ طَوِيلٍ لَا يَنْقَشِعُ، وَحَاوَلَ قَلْبُ الأَبِ أَنْ يَصْبِرَ ، وَأَنْ يَتَمَاسَكَ ،كَمَا اعْتَادَ دَائِمًا، وَلَكِنَّهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَ يَئِنُّ بِصَمْتٍ مُوجِعٍ، كَجِدَارٍ عَتِيقٍ تَصَدَّعَ مِنَ الدَّاخِلِ، وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، فَلَمْ يَحْتَمِلْ مَا رَأَى، وَلَا مَا سَمِعَ، وَلَا مَا شَعَرَ بِهِ مِنْ خَذْلَانٍ يُشْبِهُ الْمَوْتَ الْبَطِيءَ، فَآثَرَ الرَّحِيلَ، رَحِيلًا لَا عَوْدَةَ بَعْدَهُ، وَصَمْتًا لَا شَكْوَى فِيهِ، وَسَفَرًا بَعِيدًا لَا طَرِيقَ بَعْدَهُ لِلِقَاء.
ــ كَأَنَّ رُوحَهُ تَعِبَتْ مِنْ مُقَاوَمَةِ وَجَعٍ جَاءَهُ مِمَّنْ كَانُوا مَوْطِنَ حُبِّهِ، وَسَنَدِهِ؛ فَالطَّعْنَةُ إِذَا جَاءَتْ مِنْ غَرِيبٍ أَوْجَعَتْ، أَمَّا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ أَقْرَبِ النُّفُوسِ، وَأَعَزِّ الْقُلُوبِ كَانَتْ أَمْضَى مِنَ السُّيُوفِ، وَأَثْقَلَ مِنَ الْجِبَالِ، وَأَقْسَى وَقْعًا عَلَى الْفُؤَادِ؛ لِأَنَّ الأَبَ لَا يَخْشَى تَعَبَ الْحَيَاةِ، وَلَكِنَّهُ يَنْكَسِرُ حِينَ يَرَى أَبْنَاءَهُ قَدْ صَارُوا غُرَبَاءَ عَنْهُ.
ــ وَهَكَذَا رَحَلَ، لَا لِأَنَّ الْمَوْتَ كَانَ أَقْوَى مِنْهُ، بَلْ لِأَنَّ قَلْبَهُ كَانَ أَرَقَّ مِنْ أَنْ يَحْتَمِلَ خِيَانَةَ الْمُحِبِّينَ؛ فَبَعْضُ الْقُلُوبِ تَمُوتُ وَاقِفَةً، لَا مِنَ الْمَرَضِ، بَلْ مِنْ شِدَّةِ الأَسَى.
ــ مَاتَ الأَبُ دَاخِلَ الْقَاعَةِ، وَلَكِنَّ الَّذِي مَاتَ حَقًّا لَيْسَ رَجُلًا فَقَطْ، بَلْ صُورَةُ السَّنَدِ، وَهَيْبَةُ الْحَنَانِ، وَظِلُّ الأَمَانِ الَّذِي كَانَتْ تَسْتَظِلُّ بِهِ الأُسْرَةُ دُونَ أَنْ تَشْعُرَ. رَحَلَ مَنْ كَانَ إِذَا ضَاقَتِ الدُّنْيَا فَتَحَ ذِرَاعَيْهِ، وَإِذَا اشْتَدَّتِ الْحَيَاةُ احْتَمَى الْجَمِيعُ بَيْنَ رَاحَتَيْهِ.
يَا اللهُ… كَيْفَ يَحْتَمِلُ الْمَكَانُ صَوْتَهُ الْغَائِبَ؟، وَكَيْفَ يَعُودُ الأَبْنَاءُ إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَلا يُطَارِدُهُمْ نَظَرُ أَبِيهِمِ الأَخِيرِ، تِلْكَ النَّظْرَةُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَضَبٌ، بَلْ انْكِسَارُ مَحَبَّةٍ كَامِلَةٍ، وَأُبُوَّةٍ بِالْحَنَانِ غَامِرَةٍ؟
ــ فَمَنْ رَحَلَ أَبُوهُ؛ رَحَلَتْ مَعَهُ أَشْيَاءُ لَا تُعَوَّضُ؛ فَيَرْحَلُ الإِحْسَاسُ الْخَفِيُّ بِالأَمَانِ، وَتَفْتَقِرُ الْحَيَاةُ إِلَى الدِّفْءِ، والحَنَانِ؛ لَأَنَّ الأَبَ وَطَنٌ، إِذَا غَابَ عَمَّ الظَّلَامُ، وَاشْتَدَّ بَرْدُ الأَيَّامِ، وَيَبْقَى السُّؤَالُ مُوجِعًا: كَمْ مِنَ الْقُلُوبِ لَا تُدْرِكُ قِيمَةَ آبَائِهَا إِلَّا حِينَ يُوَارَوْنَ التُّرَابَ؟ فَحِينَ يَمُوتُ الْحُبُّ يَسْتَحِيلُ رُجُوعًا مِنْ أَيِّ بَابٍ؟





