مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

أنا نسخة أمي – سميرة جدي –الجزائر

امرأة ترتدي حجابًا أسود، مبتسمة في صورة مائية، تظهر تفاصيل وجهها ولون بشرتها بوضوح.

أنا نسخة أمي
كانت أمي كثيرة الكلام…كثيرة النصح…. كثيرة الشكوة…هكذا كنت أراها
لا يمر يوم دون وصية، ولا موقف دون نصيحة، ولا خطأ دون محاضرة قصيرة تنتهي دوما بعبارتها المعهودة:

  • سيأتي اليوم الذي تفهمي فيه.
    كم كنت أكره تلك الجملة.
    اراها استسلاما منها، وعجزا عن إقناعي.
    كنت أضن أن العالم يبدأ من رأسي وينتهي عند رأيي.
    عندما كانت تحذرني من السهر، أسهر أكثر.
    وعندما تطلب مني الادخار، أنفق ما في جيبي كله.
    وعندما تنصحني بالرفق في الكلام، أعتبر صراحتي فضيلة لا تناقش.
    كبرت وأنا أقاوم أن أكون مثلها.
    بل واقسمت في داخلي ألا أكرر مع أولادي ما كانت تفعله معي.
    مضت سنوات…
    رحلت أمي…
    رحلت بهدوء كما عاشت، تاركة خلفها غرفتها… مصحفها وعطرها الذي لا يزال يعبق أرجاء البيت.
    يوم دفنها… بكيت كثيرا… لكنني كنت أظن أنني أبكي فراقها فقط.
    لم أكن أعلم أن الفقد الحقيقي سيبدأ بعد ذلك.
    بعد أشهر… كنت أجلس على مائدة الطعام مع أولادي… كان ابني الأكبر يحدق في هاتفه غير مبال بطعامه.
    فخرجت الكلمات من فمي دون تفكير:
    -ضع الهاتف جانبا… نحن لا نجتمع إلا حول المائدة… وللطعام حرمته.
    ساد الصمت للحظة.
    تجمدت يدي فوق الملعقة… كانت الجملة نفسها…
    الجملة ذاتها التي كانت أمي تقولها لي.
    رفعت رأسي وكأن شخصا آخر نطق بها….
    وفي صباح آخر، خرجت ابنتي غاضبة من المنزل بعد شجار تافه.
    لحقت بها وقلت:
    -لا تغادري وأنت غاضبة …فبعض الكلمات لا يمكن إرجاعها.
    توقفت فجأة.
    شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
    هذا صوت أمي…
    ليس المعنى فقط…
    حتى النبرة.
    حتى طريقة الوقوف…
    حتى نظرة العين.
    وفي ليلة ممطرة عاد ابني محطما بعد خيبة صداقة فاشلة في حياته.
    جلس أمامي باكيا وقال:
    -أشعر أن شيئا بداخلي قد تكسر.
    وضعت يدي على كتفه وقلت تلقائيا تلقائية أمي ذاتها:
    -ما تشعر به انكسارا يا بني …ما هو إلا دروس تعلمك كيف تصبح أقوى.
    ثم ساد الصمت.
    لقد قالتها لي أمي يوم انكسرت للمرة الأولى.
    الكلمة نفسها.
    الحرف نفسه.
    وكأني استعرت لسانها للحديث مع ابني.
    في تلك الليلة. فتحت صندوقا قديما من أغراضها.
    وجدت صورة تجمعنا.
    كنت فيها مراهقة عابسة الوجه. وكانت هي مبتسمة.
    خلف ابتسامتها قرأت حديثا يسمع بالقلب لا بالأذن.
  • سيأتي يوم يرفض فيه أولادك نصائحك كما رفضتي نصائحي… لا تغضبي منهم …فهذه سنة الحياة، وسيأتي يوم آخر تسمعي فيه صوتي يخرج من فمكي دون أن تشعري.*
    انهرت باكية.
    فقد تحققت نبوءتها.
    في اليوم التالي، كان أبنائي يتحاورون في غرفتهم.
    سمعت ابنتي تفضي لأخيها سرا بضيق:
    -أمي لا تتوقف عن إسداء النصائح…
    ضحك الجميع.
    أما أنا فابتسمت وسط دموعي.
    لأول مرة فهمت أمي.
    ولأول مرة شعرت بثقل الحب الذي كانت تحمله وحدها.
    الحب الذي يجعلك تكرر الكلام نفسه ألف مرة، لا لأنك تحب سماع صوتك، بل لأنك تخشى أن تؤذي حياة من تحب.
    نظرت إلى صورة أمي المعلقة على الجدار وهمست:
    -سامحيني… لقد تأخرت كثيرا في فهمك.
    ثم ضحكت سرا وأنا امسح دموعي.
    فمنذ سنوات طويلة كنت أحارب كي لا أكون نسخة منك…
    لكني اكتشفت متأخرا أن أعظم انتصار في حياتي كان أن أصبح كذلك.
    سميرة جدي –الجزائر
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading