أجراس في أقراص – سميرة جدي – الجزائر

كانت المدينة تتظاهر بالنوم .
في الليل ، حين تخفت الأصوات و تختبئ الوجوه خلف النوافذ ، تبدأ حكايات أخرى في الظهور … حكايات لا تروى في وضح النهار . و في أحد تلك الأزقة ، حيث تتقاطع رائحة الغبار مع صدى الأقدام ، كان هناك صوت لا يسمع … لكنه يقرع .
أجراس .
ليس في مئذنة هذه المرة ، و لا في كنيسة ، بل داخل أقراص صغيرة بيضاء ، تمرر من يد إلى أخرى ، كأنها مفاتيح لعالم آخر .
كان ياسين يؤمن أن الحياة تضيق كل يوم .
ليس لأنه فقير فقط ، و لا لأن الحياة لم تعد تتسع لأحلامه الكبيرة … بل لأن داخله كان ممتلئا بأسئلة لا تجد جوابا . كان يرى أصدقاؤه يضحكون ، لكنه لم يكن يعرف لماذا لم يعد يستطيع الضحك مثلهم .
في البيت … كان الصمت سيد الموقف . أمه تتعب بصمت و أبوه غائب رغم حضوره و بين الجدران كان هناك شيء يتأكل … ببطء .
في الخارج … وجد ما يشبه الهروب .
” جرب فقط …. لن تخسر شيئا ” .
هكذا قال له سامي ، و هو يبتسم ابتسامة نصفها شفقة و نصفها خداع .
القرص كان صغيرا … لكن تأثيره كان بحجم الفراغ الذي يسكنه .
ابتلعه .
و في تلك اللحظة ، لم يشعر أنه أضاف شيئا إلى جسده … بل كأنه نزع شيئا من روحه .
اختفى القلق ، اختفى الخوف ، حتى وجه أمه الذي كان يطارده في الليل ، صار بعيدا …. بلا ملامح .
ضحك .
ضحك بطريقة لم يضحكها من قبل .
لكن داخل ضحكته ، كان هناك صوت خافت …. جرس أول لم ينتبه له .
الإدمان لا يأتي كعاصفة … بل كهمس .
في البداية ، كان ياسين يختار متى يتعاطى . ثم ، صارت الأقراص هي من تختار متى يحتاجها .
تغيرت الأشياء من حوله … أو ربما هو الذي تغير .
صار يرى العالم كأن عليه غشاء شفافا ، الناس يتحركون ، يتحدثون ، يعيشون … و هو فقط يشاهد ، لم يعد جزءا من أي شيء .
حتى الوقت ، لم يعد له نفس المعنى .
ساعات تمر كدقائق ، و أيام تضيع دون أثر .
و في كل مرة ينتهي مفعول القرص… يعود الألم مضاعفا .
كأن الحياة تعاقبه لأنه حاول الهروب منها .
بدأت الدائرة تضيق .
المال لم يعد يكفي .
الأصدقاء لم يعودوا أصدقاء .
و الجسد … بدأ يحتج .
يداه ترتجفان … قلبه يتسارع بلا سبب ، و نوبات خوف مفاجئة تهاجمه كوحش في الظلام .
لكنه رغم ذلك ، كان يعود .
ليس لأنه يريد …. بل لأنه لم يعد يملك خيارا أخر .
في إحدى الليالي ، جلس أمام المرآة .
نظر إلى نفسه طويلا .
لم يتعرف على ذلك الوجه المنعكس فيما .
عينان غائرتان ، بشرة شاحبة ، و شيء مكسور خلف النظرة .
من أنت ؟ سأل نفسه .
لكن الإجابة لم تأت .
بدلا من ذلك … سمع الأجراس .
هذه المرة كانت أعلى .
ليس كصوت الأذان الذي كان يطمئنه يوما ، بل كإنذار متكرر … حاد … مزعج.
حاول كتمها بقرص آخر .
لكن الأجراس لم تصمت .
بل ازدادت حدة .
في الخارج ، كانت الحياة تمضي .
أمه لم تتوقف عن الانتظار .
كانت تراقب الباب كل مساء ، كأنها تنتظر أن يعود ابنها …لا جسده فقط .
كانت تعرف .
الأمهات يعرفن ، حتى عندما لا يقال شيء .
لكنها لم تكن تملك إلا الدعاء … و الصبر .., و دموعا لا يراها أحد .
الإنهيار لم يكن مفاجئا .
بل كان نتيجة لكل جرس تجاهله .
سقط ياسين في الشارع ، بين أيد غريبة ووجوه لا تهتم . جسده استسلم أخيرا بعد حرب طويلة لم يعترف بها أحد .
في تلك اللحظة … حدث شيء غريب .
وسط الظلام ، سمع صوتا مختلفا .
ليس جرسا .
بل صمت .
صمت عميق …كأنه فراغ .
و في ذلك الفراغ ، ظهرت صورة أمه .
لم تكن تبكي هذه المرة .
كانت تنظر إليه فقط …و كأنها تساله : هل هذا ما أردته ؟
فتح عينيه في المستشفى .
الأضواء بيضاء … ساطعة
جسده ثقيل ، و روحه أثقل .
بجانبه ، كانت أمه .
يدها على يده .
لم تقل شيئا .
لكن تلك اللمسة … كانت كفيلة بأن تعيد كل الأصوات .
الأذان …
الضحك القديم .
و أخيرا …الأجراس .
لكن هذه المرة ، لم تكن تحذيرا .
بل كانت دعوة .
التعافي لم يكن قصة عابرة .
كان صراعا يوميا .
جسده يطالب . عقله يساوم ، و ذكرياته تهاجمه .
كل يوم كان بمثابة المعركة .
و كل ليلة … كانت اختبارا .
كان يسقط أحيانا … ثم ينهض .
يبكي … ثم يصمت .
يتقدم خطوة …. و يتراجع اثنتين .
لكنه ، و لأول مرة … كان يسمع .
يسمع الأجراس قبل أن تتحول إلى سقوط .
بعد شهور ، عاد إلى الزقاق .
نفس المكان … نفس الجدران … لكن ليس نفس الشخص .
مر بجانب مجموعة من الشباب .
سمع أحدهم يقول :
” جرب … لن تخسر شيئا “
توقف .
نظر إليهم .
ثم ابتسم … ابتسامة حزينة اختزلت كل المعاناة .
و قال بهدوء : ” بل تخسر كل شيء … قبل أن تدرك “
و مضى .
الأجراس لا تختفي .
هي تبقى دائما .
تقرع في لحظات الضعف ، و في زوايا الذاكرة ، و في كل قرار صغير .
لكن الفرق … أن ياسين تعلم أخيرا كيف يسمعها .
لا كصوت مزعج … بل كإنذار .



