أشباهي التسع و ثلاثون – سميرة جدي – الجزائر

يقولون ..* يخلق من الشبه أربعين *
كنت أضنها عبارة عابرة ، ….لطالما ضحكت منها و تخيلت أن لي تسعة و ثلاثين نسخة أخرى تتجول في العالم تحمل وجهي و عيناي و أحلامي و آلامي …. حتى جاء اليوم الذي التقيت فيه أشباهي التسعة و الثلاثين .
لم يكن ذلك في حلم كامل و لا في يقظة كاملة ، …كان مكانا بينهما ، حيث لا يكذب الخيال و لا تقول الحقيقة كل شيء .
وقفوا أمامي في دائرة واسعة .
أربعون وجها متطابقا.
الملامح نفسها …القامة نفسها …و حتى طريقة الوقوف نفسها .
مددت يدي نحو أقربهم ، فشعرت بالخوف ، لم أخف منه ، بل من فكرة أن أكون هو
سألته :
– من أنت ؟
قال : أنا أنت ….لو استسلمت أول مرة سقطت فيها .
ثم تقدم آخر :
– و أنا أنت …. لو انتقمت ممن ظلمك .
و قال الثالث :
– و أنا أنت … لو قلت كلمة الحب التي أخفيتها لسنوات .
أما الرابع ، فكان يحمل في عينيه حزنا عميق يشبه الحزن الذي في عيناي :
– و أنا أنت… لو رحلت يوم أردت الرحيل و لم تبق من أجل من يحبونك .
بدأوا يمرون امامي واحدا تلو الآخر .
كل واحد منهم كان نسخة من حياة لم أعشها ….
قرارا لم أتخذه ،… طريقا لم أسلكها …
كنت أراهم فأشعر أن بيني و بينهم خطوة واحدة فقط ، خطوة صغيرة كان يمكن أن تغير كل شيء .
هناك نسخة مني أصبحت مشهورة لكنها فقدت خصوصيتها .
و نسخة أخرى عاشت مجهولة لكنها احتفظت بقلبها .
واحد مات وحيدا لأنه اختار الكبرياء.
و آخر عاش محاطا بالناس لأنه تعلم الاعتذار .
عندها أدركت أن الإنسان ليس ما حدث له ، بل ما اختار أن يفعله بما حدث له .
و في آخر الدائرة وقفت نسخة صامتة .
لم تتكلم .
كانت تنظر إليّ فقط .
اقتربت منها و سألت :
– و أنت …من تكون ؟
فأجابت بصوت يشبه صوتي تماما :
– أنا الشخص الذي كان من الممكن أن تصبحه لو توقفت عن الخوف .
سكت الجميع .
أما أنا فشعرت أن الأرض تميد تحت قدميا .
التفت إليهم و سألت بثقة :
لكن …. أيكم الأسعد ؟
نظر بعضهم إلى الأرض ، و أشاح بعضهم بوجهه ، و ابتسم آخرون ابتسامات باهتة .
ثم أجاب أكبرهم .
– لا أحد .
– كيف ؟
– لأن كل واحد منا قضى عمره يتمنى أن يكون واحدا من الآخرين .
ساد الصمت …و عندها فقط فهمت المأساة .
لم يكن بيننا تعيس و سعيد…و لا رابح و خاسر .
كان بيننا أربعون إنسانا يحدق كل منهم في حياة ليست له ، و يظن أنها كانت ستكون الأجمل و الأفضل .
للمرة الأولى لم أر شبها في الملامح ، بل رأيت الفرق بين ما أنا عليه و ما يمكن أن أكون عليه.
و قبل أن يختفوا ، قالوا بصوت واحد :
– نحن لسنا أشباهك لأننا نحمل وجهك …نحن أشباهك لأننا نحمل احتمالاتك ….نحن لم نخلق إلا لنعلمك أن الندم يملك ألف وجه ، أما الرضا فله وجه واحد .
ثم تلاشى المكان .
و استيقظت.
وقفت أمام المرآة طويلا .
رأيت وجها واحدا فقط .
لكنني عرفت أن خلفه تسعة و ثلاثين إنسانا ماتوا حين عزمت الاختيار و عاشوا عين ترددت ، و انتظروا في الطرق التي لم أسلكها .
و منذ ذلك الحين …كلما سمعت المثل القائل * يخلق من الشبه أربعين * أبتسم و أقول في سري :
لا… * يخلق من الوجه أربعين * أما الروح فلا يخلق منها إلا واحدة ، و لذلك يكون فقدانها أفدح من فقدان العالم كله .





