مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

أشباهي التسع و ثلاثون – سميرة جدي – الجزائر

امرأة ترتدي الحجاب وتبتسم في صورة مائية، مع خلفية طبيعية.

يقولون ..* يخلق من الشبه أربعين *

كنت أضنها عبارة عابرة ، ….لطالما ضحكت منها و تخيلت أن لي تسعة و ثلاثين نسخة أخرى تتجول في العالم تحمل وجهي  و عيناي و أحلامي و آلامي …. حتى جاء اليوم الذي التقيت فيه أشباهي التسعة و الثلاثين .

لم يكن ذلك في حلم كامل و لا في يقظة كاملة ، …كان مكانا بينهما ، حيث لا يكذب الخيال و لا تقول الحقيقة كل شيء .

وقفوا أمامي في دائرة واسعة  .

أربعون وجها متطابقا.

الملامح نفسها …القامة نفسها …و حتى طريقة الوقوف نفسها .

مددت يدي نحو أقربهم ، فشعرت بالخوف ، لم أخف منه ، بل من فكرة أن أكون هو

سألته :

– من أنت ؟

قال : أنا أنت ….لو استسلمت أول مرة سقطت فيها .

ثم تقدم آخر :

– و أنا أنت …. لو انتقمت ممن ظلمك .

و قال الثالث :

– و أنا أنت … لو قلت كلمة الحب التي أخفيتها لسنوات .

أما الرابع ، فكان يحمل في عينيه حزنا عميق يشبه  الحزن الذي في عيناي :

– و أنا أنت… لو رحلت يوم أردت الرحيل و لم تبق من أجل من يحبونك .

بدأوا يمرون امامي واحدا تلو الآخر .

كل واحد منهم كان نسخة من حياة  لم أعشها ….

قرارا لم أتخذه ،… طريقا لم أسلكها …

كنت أراهم فأشعر أن بيني و بينهم خطوة واحدة فقط ، خطوة صغيرة كان يمكن أن تغير كل شيء .

هناك نسخة مني أصبحت مشهورة لكنها فقدت خصوصيتها .

و نسخة أخرى عاشت مجهولة لكنها احتفظت بقلبها .

واحد مات وحيدا لأنه اختار الكبرياء.

و آخر عاش محاطا بالناس لأنه تعلم الاعتذار .

عندها أدركت أن الإنسان ليس ما حدث له ، بل ما اختار أن يفعله بما حدث له .

و في آخر الدائرة وقفت نسخة صامتة .

لم تتكلم .

كانت تنظر إليّ فقط .

اقتربت منها و سألت :

– و أنت …من تكون ؟

فأجابت بصوت يشبه صوتي تماما :

– أنا الشخص الذي كان من الممكن أن تصبحه لو توقفت عن الخوف .

سكت الجميع .

أما أنا فشعرت أن الأرض تميد تحت قدميا .

التفت إليهم و سألت بثقة :

لكن …. أيكم الأسعد ؟

نظر بعضهم إلى الأرض ، و أشاح بعضهم بوجهه ، و ابتسم آخرون ابتسامات باهتة .

ثم أجاب أكبرهم .

– لا أحد .

– كيف ؟

– لأن كل واحد منا قضى عمره يتمنى أن يكون واحدا من الآخرين .

ساد الصمت …و عندها فقط فهمت المأساة .

لم يكن بيننا تعيس و سعيد…و لا رابح و خاسر .

كان بيننا أربعون إنسانا يحدق كل منهم في حياة ليست له ، و يظن أنها كانت ستكون الأجمل و الأفضل .

للمرة الأولى لم أر شبها في الملامح ، بل رأيت الفرق بين ما أنا عليه و ما يمكن أن أكون عليه.

و قبل أن يختفوا ، قالوا بصوت واحد :

– نحن لسنا أشباهك لأننا نحمل وجهك …نحن أشباهك لأننا نحمل احتمالاتك ….نحن لم نخلق إلا لنعلمك أن الندم يملك ألف وجه ، أما الرضا فله وجه واحد .

ثم تلاشى المكان .

و استيقظت.

وقفت أمام المرآة طويلا .

رأيت وجها واحدا فقط .

لكنني عرفت أن خلفه تسعة و ثلاثين إنسانا ماتوا حين عزمت الاختيار و عاشوا عين ترددت ، و انتظروا في الطرق التي لم أسلكها .

و منذ ذلك الحين …كلما سمعت المثل القائل * يخلق من الشبه أربعين * أبتسم و أقول في سري :

لا… * يخلق من الوجه أربعين * أما الروح فلا يخلق منها إلا واحدة ، و لذلك يكون فقدانها أفدح من فقدان العالم كله .

                                                                   

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading