انقلاب في مملكة الجسد – سميرة جدي -الجزائر

في مملكة خفية لا تظهر على الخرائط ، كانت الأعضاء تعيش تحت حكم القلب منذ أول نبضة ، لم يكن ملكا بالتاج و لا بالصولجان ، بل بإيقاع أحمر قان يتردد في كل زاوية من الجسد ، كل صباح كان يرسل دفعات الحياة عبر الشرايين ، فتستيقظ العينان على الضوء ، و تتحرك القدمان نحو المقاصد ، و تمتلئ الرئتان بالهواء .
و لسنوات طويلة ، لم يشك أحد في سلطته ، فقد كان القلب كثير التقلب ، سريع العطف ، واسع الأحلام ، يفتح أبواب المملكة على مصرعيها لكل شعور عابر ، و يستقبل الأمنيات كما تستقبل الأرض المطر .
لكن ، شيئا ما بدأ يتغير .
ففي كل مرة كان العقل يرفع تقريرا محذرا من خطر قادم ، كان القلب يمزقه باسم الأمل ، و كلما أشارت العينان إلى حقيقة مؤلمة ، أصر على رؤية ما يرغب في رؤيته لا ما هو موجود فعلا . و مع مرور الأيام ، أخذت آثار قراراته تتراكم في الممرات و أروقة الشرايين ، حتلا صارت الأعضاء تتبادل نظرات القلق في صمت .
كانت المعدة أول من تذمر من اضطراب الأحوال ، و كانت الرئتان أول من مر بثقل الأنفاس ، أما العينان فكانتا تخفيان خلف الجفون بحارا من الدموع لم تجف بعد .
ورغم ذلك ، ظل القلب على عرشه مطمئنا ، يظن أن المملكة ما زالت تهتف باسمه كما كانت من قبل .
لم يكن يعلم أن همسات خافتة بدأت تتسلل عبر الأعصاب ، و أن اجتماعات سرية قد انعقدت في أروقة الدماغ ، و أن كلمة واحدة كانت تردد بين الأعضاء كشرارة تنتظر الريح.
في ليلة ثقيلة ….و قد أنهكت العواطف الجسد ، دق جرس المحكمة الكبرى ،… اجتمعت الأعضاء جميعها في قاعة واسعة تتوسطها منصة العدالة ، …جلس العقل على كرسي القضاء ، بينها وقف القلب في قفص الاتهام ، يخفق باضطراب لم يعتده .
نودي على المدعي الأول
تقدمت الرئتان أولا و قالتا :
-سيدي القاضي …كم مرة اضطررنا إلى اللهاث لأن هذا المتهم ركض خلف أوهام الحب ؟ كان نبضه يسرع كلما لمح وجها أو سمع كلمة ، فنجد أنفسنا نعمل فوق طاقتنا .
ثم نهضت المعدة و هي تتأفف :
-و أنا شاهدة على أفعاله ، في أيام الفرح يمنعني من الإحساس بالجوع ، و في أيام الحزن يعقدني بالعقد و يملؤني بالمرارة ، لا يعرف الاعتدال .
جاء دور العينين :
-بسبب قراراته ذرفنا أنهارا من الدموع ، كان يصدق الوعود البراقة ، و يأمرنا بالنظر إلى السراب كأنه حقيقة .
أما اليدان فرفعتا شكواهما :
-كم كتبنا رسائل ندم و أمسكنا هدايا لم يكن ينبغي تقديمها ، كل ذلك بأوامره .
و أضاف الساقان :
-كم مشينا في دروب مظلمة على أمل اللقاء …لم تنهكه المسافات بقدر ما أنهكتنا و لم يخفه الظلام بقدر ما أخافنا …تورمنا و هو لا يبال .
ساد الهمس أرجاء المحكمة ، و القلب يطأطئ رأسه .
عندها أذن العقل له بالكلام .
-نعم أخطأت كثيرا …انفعلت ، وثقت بمن لا يستحق ، و جررت الجميع إلى التعب ، لكن من منكم يعرف معنى الحياة بدوني ؟ أنا من منحكم الدفء و الشغف و الأمل ، إنني لم أكن أبحث إلا عن السعادة .
ساد الصمت لحظة…..
أجاب العقل :
-لا أحد ينكر فضلك …لكن المشكلة ليست في وجودك ، بل في حكمك المنفرد ، لقد نصبت نفسك ملكا على الجسد ، فأصدرت القرارات دون مشورة ، و كانت النتيجة فوضى و آلاما متكررة .
وقف العقل ، و ضرب بمطرقته معلنا الحكم النهائي :
– بعد الإستماع إلى كافة الشهادات ، تقرر إدانة القلب بتهمة التهور و سوء التسيير ، و يحكم عليه بالسجن المؤبد خلف قضبان القفص الصدري ، و منعه من اتخاذ إي قرار مصيري دون موافقة المحكمة العقلية العليا .
ارتجت القاعة بالتصفيق .
اقتيد القلب إلى سجنه المعروف خلف الأضلاع ، و من خلف قضبانه ظل ينبض في صمت ، يؤدي واجبه دون أن يحكم .
أما العقل فاعتلى المنصة العليا ، و أصبح المرجع الأول و الأخير لكل قرار ، و منذ ذلك اليوم ساد النظام أرجاء الجسد و خفتت العواصف .
غير أن بعض الأعضاء كانت تسمع ، في الليالي الهادئة ، صوت نبض خافت يأتي من خلف قضبان القفص الصدري ، يذكرها بأن العقل قد يقود السفينة ، لكن القلب هو وقود السفينة الذي يمنح الرحلة معناها .



