الغريب/يوسف إدريس

من كان يظن أن «الشوربجي» ذا الشعر الأصفر المجعَّد، والوجه الخواجاتي الأحمر، والملامح الجذَّابة الحادة له مثل هذه القصة المذهلة مع قتال القتلة، وقاطع الطريق وسلطان الليل؟ أنا نفسي، قبل أن يحكي لي، كان من المستحيل أن أصدق أن الشوربجي، زميل ثانوي العتيد الذي علمني ركوب العجل وكتابة القصص، جعلني أدمن قراءة روايات الجيب … لم أكن أعتقد للحظة أن في حياته جانبًا بأكمله لا أعرفه، وكان مقدَّرًا ألا أعرفه، لولا تلك المصادفة التي جمعتني به … والمصادفة وحدها هي التي كانت تجمعني به. فعلى الرغم من أننا نعمل في نفس المدينة، في القاهرة، إلا أنني لم أكن ألقاه إلا صدفة. وفي كل مرة نأخذ العناوين ونضرب المواعيد ونحن نعرف سلفًا أننا لن نستعملها، وأننا لن نلتقي إلا كما تعودنا اللقاء صدفة … وأنا أعرف عن الشوربجي أشياء كثيرة، أعرف بلدهم، ورأيت أباه مرة، وأعرف ولَعه بالنساء، وضيقه الشديد بأننا على الرغم من أننا كبرنا وغادرنا ثانوي؛ إلا أننا لا نزال نسميه باسم جده، كما تعودنا أن نسميه. فاسمه في الحقيقة كان، ولا يزال طبعًا، عبد الرحمن صالح الشوربجي، ولكنا في ثانوي نضيق بالأسماء الأولى المتشابهة. وهكذا عرفناه بالشوربجي، وعلى الرغم من ضيقه بالتسمية ظللنا نعرفه هكذا إلى اليوم، إلى حد أنني كنت أستغرب حين تناديه زوجته أمامي بعبد الرحمن، أعرف عنه أشياء كثيرة، ولكني لم أكن أعتقد أبدًا أن في حياته أناسًا كالغريب أبو محمد وعم خليل، وحياة الليل وسفك الدماء. هو الرائع الأدب الذي تخدش خجَلَه الكلمة الخارجة حتى بعدما صار رجلًا كبيرًا وخلف أبناء، ولكنها الصدفة كما قلت، وربما الليلة أو الموضوع الذي طرقناه … موضوع السفاح. والشوربجي ليس محدثًا لبقًا ولا راوية ممتازًا، وعلى الرغم من أنه علمني كتابة القصص، ولكنه يتحدث أجمل بكثير مما يكتب.
لا أعرف ماذا دعا الشوربجي ليكشف لي عن هذا الجزء من نفسه في تلك الليلة … فربما الموضوع كما قلت، وربما الجلسة، وربما الساعة الواحدة والنصف التي بدأنا الحديث فيها، وربما قصته نفسها، أو لعل السبب هو تلك اللذَّة الواضحة التي كنت أراه مستمتعًا بها، وهو يغوص في نفسه ويحفر ويستخرج أشياء، وكأنما يكشف وجودها لأول مرة، ربما هذا هو ما جعله ينساق، ويقضي ليلة كلها يتحدث، وأقضيها وأنا أنصت … وأرتجف أحيانًا، ولكني أستمَّر أنصت بشغف وبلا انقطاع.
١
تصور أنني جاءت عليَّ فترات في حياتي، كان حلمي الوحيد فيها أن أقتل إنسانًا أي إنسان. أقتله هكذا بلا سبب وبلا رغبة إلا رغبة القتل في حد ذاتها … ولا تُنهك نفسك وتحاول أن تبحث في طبك، أو في كل علوم النفس الحديثة عن تفسير لهذه الرغبة؛ فأنا لم أكن مريضًا أو شاذًّا أو أعاني من مأساة عائلية. كنت تلميذًا عاديًّا جدًّا، بالكاد تعديت الرابعة عشرة من عمري، وكنت أعتبر رغبتي هذه رغبة طبيعية جدًّا لا شذوذ فيها ولا انحراف، وأنها لا تعنُّ لي فقط، ولكنها لا بد موجودة عند كل الناس، ولا بد قد استبدت بهم يومًا، خاصة وهم يضعون أقدامهم على عتبة الرجولة، أن يقوموا بعمل خارق يحسون بعد القيام به أنهم قد أصبحوا رجالًا … بعضهم يترك البيت مثلًا ويحاول البحث عن عمل يتقاضى عليه أجرًا، مثلما يفعل الرجال الكبار ومثلما يفعل أبوه. وبعضهم يبدأ يسهر في الخارج ويعود متأخرًا، ويصطدم بأهله ويقول لهم بأعلى صوته: «أنا حر أسهر على كيفي … أنا راجل». وبعضهم يبدأ بحمل بندقية أبيه على كتفه وإطلاق النار، فإذا اعترض أبوه على تصرفه هدد بقتل نفسه أو بقتل من يعترض طريقه «يقصد أباه»، وبعضهم يحلم بامتلاك مسدس … وكلها رغبات طبيعية الهدف منها أن يثبت كل لنفسه أنه قد أصبح رجلًا، ويثبت لها بطريقة الرجال الخشنة.
كل الخلاف بيني وبين من كانوا في سنِّي أني غاليت قليلًا في رغبتي، وأردت أن أدخل عالم الرجال بأن أقتل أحدهم، وهي على العموم كانت رغبة دفينة لا أجرؤ على إظهارها حتى لنفسي، ولكني أحس بوجودها وأسعى إلى تحقيقها وكأنما من وراء نفسي. ومن ورائها لأني كنت أخاف ألا أكتفي بقتل رجل واحد، وأن أنساق في هذا الطريق … ولكني كنت أطمئن نفسي وأقول إن هذا لن يحدث.
وأدلل لنفسي على هذا بأن أستعرض ما كنت أفعله مع القطط وأنا صغير؛ إذ كنت وأنا طفل أخافها جدًّا، أخاف شواربها الطويلة وتكشيرتها ومخالبها البشِعة، وكنت أرنو إلى اليوم الذي أكبر فيه وأستطيع إخافتها، وأنتقم لكل ما سببته لي من رعب … وارتبط الكبر في نفسي بقدرتي على إخافة القطط والكف عن الخوف منها؛ ولهذا لم أكفَّ عن مطاردتها أبدًا. وهدفي أن أنجح ذات يوم في حصارها وإرعابها، وإمتاع نفسي بمشهدها وهي خائفة مني … وكم طاردت من قطط، وكم نجحت في إغلاق الأبواب والنوافذ لمنعها من الهرَب، ولكني دائمًا كنت أفشل في حصارها وتهرب. مرة واحدة فقط نجحت في حبس قطة في إحدى حجرات بيتنا. كانت قطة الجيران وكنا نكرههم، وكنت قد اعتزمت في ذلك اليوم لا تخويفها فقط، والاكتفاء بسعادتي لرؤيتها خائفة، ولكن على تمويتها أيضًا.
ظللت أجري وراءها حتى دخلت حجرة المخزن وكل نوافذها وفتحاتها محكمة الإِغلاق، فدخلت وراءها مسلحًا بعامود حديد من عمدان نافذة قديمة. وأغلقت الباب واستمتعت أيما استمتاع بالورطة الكبرى التي حلَّت بالقطة، تقفز من الأرض إلى السقف ومن السقف إلى الأرض، وتبحث في هلَع عن مخرج، وتصرخ صرخات مرعوبة متصلة، وكل ما فيها قد وقف يرتجف ويرتعش، والباب من ورائي محكم الإِغلاق، وأنا أتقدم ناحيتها بخطًى بطيئة، والعامود الحديدي مرفوع فوق كتفي ومستعد لأخبطها به الخبطة الواحدة القاتلة.
مضيت أتقدم ببطء وأنا أنعم بحالة الرعب المميت التي تملكتها، وأستعيد كل ما قاسيته في صغري من رعب، وأسعد بنفسي وبكبري، وبهذا الانتقام الضخم الذي أُتيح لي أن أقوم به … وفجأة توقفت في مكاني، فالقطة كانت قد أدركت بعد مجهود هائل مريع ألا مخرج لها من الحجرة وأنها هالكة لا محالة … ولا أعرف إن كانت فعلًا قد أدركت هذا، ولكني لا أزال أذكر صرختها الأخيرة والركن المظلم الذي كنت قد أجبرتها على الانزواء فيه، ثم كيف كفَّت عن صراخها العالي المذعور، واستدارت لي تواجهني لأول مرة منذ أن بدأت مطاردتي لها، تواجهني بل وبدأت تمزق الأرض بمخالبها وتتقدم نحوي … و… أعوذ بالله، نظرتها … عيناها بالذات … لن أنسى ما حييتُ الرعبَ … أقصى درجات الرعب. حدقتاها مفتوحتان على الآخر وأنيابها مكشوفة كلها حتى آخر الفك، وهي تتقدم وقد بلغ رعبها درجة كنت متأكدًا معها أنها ستقفز حالًا، وتنشب أنيابها وأظافرها وشاربها والرعب المطل من عينيها … ستنشب هذا كله في وجهي، وتمزق لحمي وتفقأ عيني وتلتهم زوري.
ونظرة واحدة فقط هي التي ألقيتها عليها، وهي التي سمَّرتني في مكاني أنظر إلى رعبها اليائس المجنون وتتفكك أوصالي … ولا أدري كيف أنقذت نفسي في آخر لحظة، وفررت من الحجرة وأنا أجري خائفًا مرتعشًا لا ألوي على شيء، أبحث عن أمي لأحتضنها وأرتعش وأخفي وجهي وعيني في صدرها، وأتمنى لو استطعت أن أختفي بكلِّي داخلها!
•••
ربما مغالاتي في إثبات رجولتي بقتل رجل سبَبُها هذه المغالاة التي دعتني لأن أثبت أني تركت الطفولة وكبِرت، بتحولي من خائف من القطط إلى مخوِّف لها. تلك العادة التي تركتها تمامًا بعدما حدث لي مع القطة المرعوبة في المخزن. ولو كنت أعلم أن رغبتي هذه الثانية لإِثبات رجولتي ستقودني لموقف أكثر رعبًا وأشد بشاعة؛ لترددت قليلًا وأنا أركب رأسي، وأصمم وأبيت النية في صدري، وأتكتمها وأسعى حثيثًا حثيثًا لتحقيقها!
أما لماذا عن طريق القتل بالذات؛ فقد تقول إنها استمرار لنزعتي وأنا صغير، ولكن الواقع غير هذا؛ فالقتل في حد ذاته لم يكن هو ما يجذبني … القتلة هم الذين كانوا يجذبونني … هؤلاء الناس الذين يسمونهم في مديريتنا أولاد الليل، هؤلاء الذين يحكمون مملكة الليل ويقتلون من يعترض سبيلهم فيه … في تلك السن كنت شديد الإِعجاب بأولاد الليل هؤلاء إلى درجة أني في أحلامي؛ لكي أصبح رجلًا، كنت لا أريد إلا أن أصبح واحدًا من الذين يقشعرُّ لذكرهم العاديون القانعون بلقمهم وحياتهم … كانت الرجولة في رأيي مرتبطةً بأعمال غير عادية وبرجال غير عاديين. كانت الرجولة في رأيي هي رجولة أولاد الليل … كنت أريد إذا أصبحت رجلًا أن أصبح واحدًا من الذين يقشعر لذكرهم الرجال في بلدنا؟!
بالاختصار كنت أريد أن أصبح بطلًا باعتبار أن الرجولة لا بدَّ أن تكون بطولة، ومثلي الأعلى كان أولاد الليل … ولهذا كنت دائم التتبع لتحرُّكاتهم، وأتفه ما يحدث لهم تمامًا كما يتتبع شبَّان هذه الأيام أبطال السينما، ويتحرقون شوقًا إلى أخبارهم … وكان حلمي الدائم أن أتعرَّف بهم أو بأي منهم، وأن يصاحبني ويعلمني حرفة أولاد الليل ويجعلني أقتُل، وأصبح في النهاية رجلًا.
كنت في الرابعة عشرة كما قلت، نحيفًا شاحب الوجه هادئ الملامح، عمري ما تشاجرت أو اشتبكت أو شتمت أحدًا، حتى كان أبي وأمي وكل الناس يقولون عني إني طيب وابن حلال … ولم يكونوا يعرفون أبدًا أن في صدري بركانًا يريد الانفجار، وأن في رأسي أحلامًا وعالمًا غامضًا غريبًا مختلفًا تمامًا عن العالم الباهت الراكد الذي كنتُ أحيا فيه، عالم آخر فيه شجاعة وجدعنة ومخاطرة وصدام … عالم لا بد أنه لا يوجد إلا في الليل، ولا يسمح بدخوله والحياة فيه إلا لرجل بطل … لابن ليل!
٢
ولم أترك طريقًا أسلكه ليوصلني لأولاد الليل إلا طرقته … كنت أضيق بصحبة لداتي من تلامذة البلدة وطلَبتها، وأجوب الغُرَز والقهاوي بحثًا عن أخبار سرقة أو جريمة، أو أملًا في العثور على رجل شاف أو رأى وجالس يحكي … وكان منقذي الدائم هو عم خليل … كان عم خليل يعمل خفير طماطم في عزبةٍ قريبة مجاورة، وكان عجوزًا تخطى الخمسين، ولكنه قضى شبابه كله، وجزءًا من رجولته لصًّا كبيرًا وابن ليل؛ وربما من أجل هذا السبب اختاره صاحب العزبة وعيَّنه خفيرًا على المائة فدان.
كنت آخذ له باكو المعسل والسكر والشاي، والشاي بالذات؛ فقد كان كييف شاي، يضع الأُوقية كلها في التلقيمة الواحدة، ويعمل الشاي من ثلاثة أدوار، الأول سادة، والثاني بخدشة سكر، ولا يسمح لي بأن أشرب إلا من الدور الثالث الحلو … وكنت أجد في صحبة عم خليل متعة كبرى … فقد كان إذا تسَلْطن من الشاي والدخان، بدأ يحكي عن مغامراته وعن كبار اللصوص الذين عرفهم، وعن البهائم التي سرقوها، والجدران التي نقبوها، والمنازل التي دخلوها، وكنت أحب منه عدم مبالغته في ذكر بطولاته الشخصية وتمجيد أدواره، كان دائمًا يلعب لأي عصابة يعمل معها دور المراقب، أو المشاهد الذي يحمي ظهر المهاجمين ويحذرهم … وكان خليل هو الآخر يجد في صحبتي متعة، فهو وحيد عجوز تعدَّى الخمسين، يقبع طول الليل والنهار في ذلك العش الذي صنعه لنفسه على رأس المائة فدان المزروعة طماطم، وكان أعور يغطي نصف وجهه بمنديل محلاوي متَّسخ بطريقة لا يبدو معها أنه يُخفي عوَره. وكان يحب الكلام ويحب أن يحكي عما فعله في الزمن الخالي … وكان يجد فيَّ خير مستمع، وكان يقضي الساعات يحكي ولا يمل. ساعات يلتهب فيها خيالي البكر، وأجد نفسي بقوًى أكبر مني مدفوعًا؛ لا لكي أسمع فقط، ولكن لكي أعمل وأنضم إلى عصابة مثلًا، وأشاهدهم وهم يشتبكون … وكنت حينئذٍ أسأله إن كان يعرف أحدًا من أولاد الليل المعاصرين الذين كنَّا نسمع نتفًا متفرقة عن حوادثهم، كان حينئذٍ يقول باشمئزازٍ يكشف عن فكِّه الأسفل الأثرم، ويهز بيده علامة اليأس، ويقول: أولاد ليل إيه دول؟ دول عيال … أولاد الليل كانوا زمان … إنما دلوقتي … يا شيخ … دول شوية عيال.
وكنت أصدق عم خليل؛ إذ من الحكايات التي كنت أسمعها، كان واضحًا أن عالم البطولات والأمجاد قد ولَّى بعد أيامه وعصاباته. وكنت أتحسَّر حقيقية ويملؤني الضيق؛ لأني لم أوجد قبل وجودي بأعوام، وفاتني هذا الزمن القديم الحافل.
شخص واحد فقط كنت إذا سألت عم خليل عنه لا يشيح بيده أو يشمئز، وإنما يتولاه وُجوم ويقول: آه … الغريب أبو محمد … دا ما له ده؟ … أهو ده اللي فاضل من أيام زمان.
ذلك أن الغريب أبو محمد كانت شهرته، كابنِ ليل مدوخ بوليس، قد بدأت تعم الآفاق … وكان من غير الجيل الذي يتحدث عنه عم خليل، ولكني حتى وأنا في هذه السن، كنت أستطيع أن أدرك بوضوح أن عم خليل لا يستطيع أن ينكر على الغريب مكانته، ولكنه يفسر جدعنته ورجولته بادِّعاء أنه الجزء الباقي من الماضي الغابر!
وحين كنت أطلب من عم خليل وأُلِح في الطلب أن يجعلني أرى الغريب أبو محمد ولو مرة واحدة، كان يتنصَّل ويعتذر، ويبدو عليه أنه أفاق من حالة التفتُّح الوجداني الذي كان سادرًا فيه ويقول: ما لك إنت يا بني ومال الناس دول؟ … يكفيك شرهم.
فلا يفزعني رده، وأستنكر أن يكون هو نفس الشخص الذي كان من هُنيهة يشيد بأولاد الليل وحياتهم وأشخاصهم، وأنه هو نفسه كان منهم، فيعود ويقول في صوته الخائف خوف الموت من العودة … إن الله قد رضي عنه … وإنه تاب، وإن هذا كان زمان وأيام زمان … أما الآن فإنه يصلي والحمد لله يصوم رمضان. والحقيقة أنه لم يكن يصلي أو يصوم، وكنت أرى بعيني رجالًا يأتون إليه؛ ليخفوا عنده أشياء ويعودوا بعد أيام يستردونها. وأراهم وهم يغمزونه، وأراه وهو يعود إليَّ وفيه اضطراب ويقول: آه … أيوه … احنا كنا بنقول في إيه.
ويبدأ يتحدث فإذا بها نفس الحكاية التي قالها لي مرة، وأصبر قليلًا علَّها تكون مختلفة. وإذا بها هي بنفس تفاصيلها، فأقول له هذا، فينتقل إلى مغامرة أخرى لا جديد فيها، فهي أيضًا قد سمعتها. ومع أني كنت قد اكتشفت أنه لم يعد لديه شيء جديد؛ إلا أني لم أكفَّ عن التردد عليه في عشته التي كان يسميها «الطيارة»، ويراقب منها بعين واحدة كليلة عليها سحابة فدادين الطماطم الشاسعة … لم أكفَّ؛ لأني في قرارة نفسي كنت عن طريقه أريد أن أعثر على الغريب، وكنت أعرف أنه خيطي الوحيد الذي لا أعرف سواه، وكنت أطمع أن يحدث هذا يومًا ما مهما كثرت الأيام. وكانت الإِجازة الصيفية تنقرض وأيامها تسرع، وشغفي يزداد وأملي يكاد ينفد.
ولم أكن أتصور أن الإِجازة لن تنقضي إلا وقد عرفت الغريب، وعرفته بطريقة لم أكن أيضًا أتصورها.
٣
كانت الحرب العالمية الثانية على أشُدها وروميل في العلمين، والناس يتحدثون عن الحاج محمد هتلر وإشهار إسلامه، وبقدومه المتوقع ليخلصنا من الإِنجليز. أما عالم الليل في مركزنا؛ فقد كان مشغولًا بأمر آخر لا يمُت بصلة إلى هتلر أو روميل. أيامها كان ثمة أمر عسكري قد صدر بترحيل المجرمين المشبوهين إلى معتقل الطور، ونشط كل مأمور مركز، ونشط كل عمدة، ونشط الحاقدون ومحترفو كتابة العرائض. وفي كل بضعة أيام يتكوَّن فوج من المجرمين فعلًا، والأبرياء الذين اغتنوا، والأبرياء الذين زُجَّ بهم نكاية وزورًا، فوج يُربَط في سلاسل من حديد وكلابشات، ويُرحل إلى الطور. أما مركزنا فقد رزقه الله بمأمور كان قريبًا لأحد رجال السراي الذين تتحدث عنهم الصحف؛ ولهذا رأى أن يفسر الأمر العسكري بطريقته الخاصة. وبدلًا من أن يتعب نفسه في عمليات الترحيل ومكاتباته واستماراته، كان يتولى ترحيل المشتبه في أمرهم ليس إلى الطور ولكن إلى العالم الآخر، وبطريقة بسيطة للغاية لا سلاسل فيها أو كلابشات. كان إذا أفلح في القبض على أحدهم وجيء به إلى المركز لا يدخله السجن، وإنما يبقيه معه في حجرته يحدثه ويُؤانسه، ويقدِّم له الشاي والمزاج، ثم إذا هب الليل يدعوه إلى نزهة معه في «البوكسفورد». وهناك على حافة البحيرة أو أحد المصارف الكئيبة المؤدية إليها يُوقف العربة، وينزل هو ويدعو ضيفه للنزول، وبعدة طلقات ينتهي من أمره، ثم يدفعه إلى البحيرة، ولتظهر جثته بعد هذا أو لا تظهر، فلا أحد شاف ولا أحد درى! والحكومة أبدًا غير حريصة على حياة المجرمين والمشتبه في أمرهم، ولا يمكن أن يثبت أي تحقيق يجري طرف مسئُولية عليه أو على أحد.
وبعدد هائل من هذه — الفسح — التي أصبحت بعدَ هذا معروفة ومشهورة، استطاع المأمور الهمام أن يتخلَّص من عدَد لا بأس به من المجرمين السابقين والحاليين والمشتبه في سوابقهم أو لوائحهم، حتى أصبحت سيرة المأمور كقاتل أكثر سريانًا على الألسن من سيرة أي ابن ليل عتيد. وكان يصله ما يقوله الناس، وكان يضحك ضحكًا يُسمع من شباك مكتبه في المركز ويجلجل. ربما كان يجد هو الآخر لذة في الخروج على القانون تفوق لذة تطبيقه … المهم أنه كان في أحاديثه الخاصة ومجالسه وبين مرءُوسيه لا يكفُّ عن ترديد أن كل ما حدث لا يعدُّ شيئًا، وأن الفسحة الحقيقية التي لن يهدأ حتى يحقِّقها هي فسحته مع الغريب أبو محمد، عميد أولاد الليل في المركز بل في المديرية، وربما في كل وجه بحري. ولم يكن راضيًا أبدًا عن مجهود مباحث المركز وعساكره ومخبريه … في كل يوم كان يعقد لهم طابورَ توبيخ وتأنيب وتقريع. والعجيب أنهم كانوا يقولون إنه في طوابيره تلك يستعمل ألفاظًا لا يمكن أن يستعملها جامعو أعقاب السجائر، رغم أنه، كما يقولون أيضًا، يستمد نفوذه من صلته بالسراي والملك عن طريق قريبه هذا ذي المنصب الكبير … ورغم الألفاظ والطوابير والتوبيخ؛ فقد ظل الغريب مختفيًا لا يُقبض عليه، حتى حين وصل الأمر إلى حد التحدِّي السافر، وأصبح المأمور ينفق من ماله الخاص — وربما ليس بالضبط من ماله الخاص — ويرصد المكافآت، ويؤجِّر العيون، ويلعب من بعيد على شلبي الذي كان معروفًا أنه ساعد الغريب الأيمن ويُغريه — ويبدو أن هذا السلاح نجح؛ فقد فوجئ أهالي المركز ذات يوم بأن الغريب محبوس في المركز ينتظر مصيره المعلوم المحتوم، وأن القبض تمَّ بالاتفاق مع شلبي، وأن شلبي قد قُبض.
والمفاجأة التي لم يكن أي من أهل المركز وقُراه يتوقعها هي تلك التي جاءت مع غروب الشمس، حين قالوا إن الغريب قد هرب في عزِّ النهار، وإن الدنيا قامت وراءه ولم تقعد بعدُ، وإن وقعة من يخفيه، أو لا يبلغ عنه أسوَد من شعر رأسه.
تلك كانت المفاجأة التي لم يُفِق منها أحد في المركز أو قُراه، والتي ظلت حديث الناس أيامًا، والتي أصبح موقف الناس بعدها كموقف المتفرِّجين على عسكر وحرامية، ولكنها لعبة خطِرة يشاهدونها، ويتحدثون عنها في السر وبأصوات منخفضة. وينهر الجار جاره أو الصديق صديقه إذا رفع صوته وتحدث، مذكِّرًا إياه بالمخبرين الذين أطلقهم المأمور يتجسسون ويعدون الأنفاس، ويتسلمون غبار الغريب.
حتى نحن — شلة الطلبة والتلامذة الذين كنا نسهر على حائط الكوبري الأسمنت الناعم في ذلك المساء — نتسامر ونتحدث عن المطاردة الخطرة ونحن مطمئنون تمامًا ألا مخبر بيننا أو بوليس. كنا نتحدث في خوف وهمس، ويستغرقنا الحديث تمامًا حتى ننسى أنفسنا ولا نصحو إلا على تحذير صادر من أحدنا يقول: إن لليل آذانًا، وإن من المستحسن أن نسد أفواهنا ونسكت.
وكنا نصمت ويبدأ خوفنا يطغى، فالدنيا كلها كانت قد عرفت أن الغريب لم يبارح المركز أو قراه؛ زيادة في تحديه للمأمور، وأنه يستعمل الأذرة الصيفي بعيدانها الطويلة وتشابكها الذي يخفي الفيل لو أراد … وكان حديثنا عن الغريب خطرًا من الناحيتين؛ كنا نخاف المأمور وعيونه من ناحية، والغريب من ناحية أخرى؛ إذ من يضمن أننا إذا تحدثنا لن تُفلت من أحدنا كلمة … كلمة قد يشيد فيها بالغريب، فيغضب علينا المأمور ورجاله وآهٍ من غضبهم! أو قد نُشيد فيها بالمأمور، فيغضب علينا الغريب، وآه من غضبه هو الآخر وسكينه التي كانوا يقولون إنه يربطها حول سمانة رجله! … بل أكثر من هذا كانت جلستنا نفسها نوعًا من التهور، سننال عليه بالتأكيد علقًا وتأنيبًا؛ فأهلنا وأهل البلاد كلها يحيون في حالة رعب من اللحظة التي عُرف فيها أن الغريب قد هرب، وأنه يختفي في حقول الأذرة، وأنه يظهر بالليل أحيانًا ليغتصب الطعام والنقود … وكان رعبهم هو الآخر مزدوجًا. وكأن كلًّا منهم كان يتصور أن المأمور سيوجه إليه تهمة التستُّر على غريب، هكذا لله في لله، ودون حتى أن يراه. ولهذا كانت قرى مركزنا تشطِّب من المغرب، والبهائم تروح قبل ذهاب الشمس، وتصبح الحقول والشوارع صحراء ليلية جرداء، لا حياة فيها ولا حس، ليس فيها سوى دوريات رهيبة مسلَّحة ومصفَّحة، تجوب ظلام الليل وصحراءه؛ بحثًا عن الذئب المختفي في مكان ما منه.
ولأن كل هذا كان يدور في خواطرنا بسرعة إذا صمتنا، فصمتنا كان لا يطول … في الحال نجد أحدنا قد بدأ يتحدث والآخرين قد بدءُوا يشاركونه. وإذا بالحديث يعود رغمًا عنا سيرته الأولى، ويعود كل منا يسأل الآخرين، بينما هو في الحقيقة يسأل نفسه: ماذا يفعل الواحد منهم لو لقيه الغريب، وهو في طريق عودته إلى بيته؟ وعاصفة خوف هي التي كانت تجتاحنا لدى إلقاء السؤال. خوف مبالغ فيه؛ إذ الواقع أن هاتفًا خفيًّا في قرارة كل منا كان يتمنَّى لو حدث هذا، ولكن يتمنى ماذا؟ كان مليون هاتف آخر يتصايحون فورًا في جوفه، ويقتلون ذلك الهاتف الخافت. وبسرعة تتحرك دوافع الجبن لتأخذ من الشجاعة كل سماتها وأرديتها، وتحتل المقام الأول. وتجعل من دوافع الشجاعة حيثيات تهوُّر وجنون وقلة عقل …!
وفي تلك الليلة حين تكاثر الخوف حتى فضَّ سامرنا ومجلسنا، نفس الخوف الذي كان يُبقيه ويمنعنا من الحركة، وقام البعض يتشبث بزملائه ويحتمي بهم ويطلب منهم أن يوصلوه. وقام آخرون يختارون أسلم الطرق وأقربها إلى البيوت. وحين قمت بدوري لم أكن أعرف ولا كان حتى باستطاعتي لو أردت أن أتخيَّل أن الصدف اختارتني ليلتها؛ ليخرج عليَّ الغريب من بين عيدان الذرة، ويجفف الدماء من عروقي بمثل ما حدث …!



