📰 آخر الأخبار
Submission of Two Poems By Huguette Bertrand, Canadaغيثٌ وطوفان/أحمد أبوراشدلؤلؤة على كتف الماء/مصطفى معروفيجيل بلا وداع/فولفجانج بورشرت-ترجمة: سمير جريسلوحات تحكم/نبيل حامد-القاهرةلم يصدقني أحد/محمود حمدونThe kingdom of Sin/Sheikh Moniruzzaman Shawon - BangladeshUn viticcio tagliato con sospiri/Muhammad al-Gheddafi Masoudلم نصل / عارف عبد الرحمن-سوريةكَامـوُدِي/جواني عبدالانها الرغبة في التغيير/سالم الياس مدالوCaged Bird by Maya Angelouكلما زاد عتابي، زاد رجائي/ سارة القصبيPoems By Dr. Lee Hye -Seonزَهْرَةُ ٱلْيَاقُوتِ – للشاعرة الأمريكية لويز غلوك-ترجمة: آصال أبسالA Morning /Manik Chakrabortyحين تأخر الإنقاذ / عبدالستار الراشديستة قرون ونيف لا تختزلها مقولة أدونيس! هل الدولة العثمانية بلا قيمة تاريخية؟ أ.د. سيّار الجميلغواية الملامح السمراء.. كيف يعيد البُن صياغة قلقنا الوجودي؟علي نفنوف /دبيرثاء اللقاء /  سميرة جدي -الجزائرOn the Way Home, Without a Home/Menda VRETOMoon / Anjali Denandee, MOM سبعُ لغاتٍ فيْ بيتِ العائلةِ .... نظرةٌ لسانيةٌ فيْ كِتَاْبِ (اللغة والثقافة) لـ (كلير كرامش) كريم عبيد علويأخطاء كمال أبو ديب في ترجمة كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد/إبراهيم أبو عواد / الأردنخلف أبواب الخوف/هاميس جمال
Submission of Two Poems By Huguette Bertrand, Canadaغيثٌ وطوفان/أحمد أبوراشدلؤلؤة على كتف الماء/مصطفى معروفيجيل بلا وداع/فولفجانج بورشرت-ترجمة: سمير جريسلوحات تحكم/نبيل حامد-القاهرةلم يصدقني أحد/محمود حمدونThe kingdom of Sin/Sheikh Moniruzzaman Shawon - BangladeshUn viticcio tagliato con sospiri/Muhammad al-Gheddafi Masoudلم نصل / عارف عبد الرحمن-سوريةكَامـوُدِي/جواني عبدالانها الرغبة في التغيير/سالم الياس مدالوCaged Bird by Maya Angelouكلما زاد عتابي، زاد رجائي/ سارة القصبيPoems By Dr. Lee Hye -Seonزَهْرَةُ ٱلْيَاقُوتِ – للشاعرة الأمريكية لويز غلوك-ترجمة: آصال أبسالA Morning /Manik Chakrabortyحين تأخر الإنقاذ / عبدالستار الراشديستة قرون ونيف لا تختزلها مقولة أدونيس! هل الدولة العثمانية بلا قيمة تاريخية؟ أ.د. سيّار الجميلغواية الملامح السمراء.. كيف يعيد البُن صياغة قلقنا الوجودي؟علي نفنوف /دبيرثاء اللقاء /  سميرة جدي -الجزائرOn the Way Home, Without a Home/Menda VRETOMoon / Anjali Denandee, MOM سبعُ لغاتٍ فيْ بيتِ العائلةِ .... نظرةٌ لسانيةٌ فيْ كِتَاْبِ (اللغة والثقافة) لـ (كلير كرامش) كريم عبيد علويأخطاء كمال أبو ديب في ترجمة كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد/إبراهيم أبو عواد / الأردنخلف أبواب الخوف/هاميس جمال
القصة القصيرة

الغريب/يوسف إدريس

٨

وحتى تلك اللحظة لم أكن قد نظرت للغريب أبدًا باعتبار أنه إنسان مثلنا، ممكن أن تكون له زوجة أو يكون من عائلة وله والدان، وقطعًا لم يدُرْ بخلدي أن تكون له مثلًا زوجتان ومن يدري ربما أكثر … المشكلة أنه لم يترك لي وقتًا للتأمل أو الاندهاش، على الفور مضى يحدثني عن تفاصيل المهمة التي تنتظرني، والتي كان عليَّ فيها أن أوصل للزوجة الأولى ورقة بخمسة جنيهات، وأن آتي له بالثانية … والأولى كانت في بلده القريب من بلدنا، سمراء كالحدأة، جافة، رفيعة كعود السنط الجاف. وأولادها على الأقل أكثر من عشرة، وكلهم لهم نفس سمرتها وعودها الجاف. وطلعت عيني، وهي تسألني عن كل كبيرة وصغيرة من أمر الغريب وتستريب، وتعود وتلح لتتأكد حتى تشهدت حين انتهت المهمة وأفرجت عني.

أما مهمتي الثانية فكانت ﻟ «وردة» أحدث زوجاته التي لم أكن أتخيل أنها على هذا القدر المذهل من الأنوثة والليونة والجمال. لم أكن قد ذهبت أبدًا إلى العزبة التي وصفها لي الغريب، ولكني كنت أعرف أنها تقع في منتصف المسافة بين كيلو ١٤، وبين محطة الطلمبات التي ترفع مياه المصرف الكبير إلى مستوى ماء البحيرة … واخترت أن أذهب في شيخوخة العصر حتى أعود بها والدنيا ظلام، وكنت مضطربًا خائفًا أتحاشى الناس، وأتصور أنهم يعرفون وجهتي، ويعرفون حتى «الأمارة» التي زوَّدني بها الغريب لتؤمن «وردة» أني قادم من عنده … ويا لها من أمارة، أمارة ما طلبت منه أن يأتي لها بقلم حواجب أسود، أمارة لم أستَسِغْها أبدًا ولا هضمت أن ينطقها الغريب بلسانه، ويشغل نفسه بها إلى درجة أن يتذكرها.

حين وصلت كانت العزبة لا تزال خالية إلا من النساء العجائز والأطفال، وقُوبلت بعاصفة نباح هائلة من كلاب كثيرة هزيلة يكاد يقتلها الجوع، وظلت تطاردني حتى كدت أعود لولا الفلاحة الضخمة الملوثة الملابس بالطين، والتي ظهرت في الوقت المناسب لتحول بينها وبيني.

ثم تقودني لبيت «وردة» وتتطوع من تلقاء نفسها بتعليل زيارتي، فتسألني: إنت يا خويا من قرايبها بتوع المحطة؟

وكانت تقصد بالمحطة البندر حيث السكة الحديد، وحيث درج الناس على تسميته بالمحطة. وهي أيضًا التي دقت الباب بيدها الملوثة، ونادت على وردة، وطلبت منها أن تفتح «للضيوف» … وأجابها من الداخل صوت حافل بزغاريد أنثوية رقيقة، لكنها بندراوية راقية حلوة … صوت بدا غريبًا غير متوقع في ذلك المكان النائي الموغِل في بُعده عن كل ما يمت إلى الرقي والحلاوة بصِلَة … وفتح الباب، ولومضة خاطفة لمحت أجمل وجه وقعت عليه عيناي، وجه أبيض يكاد من بياضه أن يصبح شفافًا، ومن وسامة تقاطيعه أن يتحول إلى صورة من الصور التي نراها على عُلب الحلوى والملبِّس. وكان واضحًا أنها انتهت توًّا من استحمامها، فشعرها كان قد صُفف نصفه، ولا تزال قطرات الماء تتساقط من نصفه الآخر … ومضة رأيتها بعدها تختفي بحركة غريزية وراء الباب، ثم تعود للظهور، وقد وضعت فوق رأسها جلبابًا أخفى الشعر، وحاول فاشلًا أن يخفي الوجه. ولم يُتَح لي أن أرى أكثر؛ فقد أسقطت رأسي في الحال فوق صدري خجلًا، ولم أرفع عيني عن الأرض، وكدت آمر أذني ألا تسمع خاصة حين خرج صوت «وردة» مملوءًا بزغاريده الخافتة الداخلية يرحب بي، ويطلب مني أن أتفضل، مع أنها لم تكن قد عرفت بعدُ من أنا ولماذا جئت.

ووجدت نفسي أزداد خجلًا وتعثرًا، وأنا أشرح لها بأقل الكلمات وأسرعها سبب مجيئي، وتحمر أذناي وتسخنان وأنا أذكر لها الأمارة. ولم يغير ما قلته شيئًا من ترحيبها أو لهجتها، فمضت بنفس الروح ترحب بي، وتطلب مني أن أدخل وأجلس. وحين ترددت وجدتها تجذبني إلى الداخل بيد بضَّة لا تزال مبتلة بالماء وتقول: خش يا حبيبي … دا بيتك … اتفضل اسم الله عليك، اسم النبي حارسك.

ولم تترك يدي إلا حين أصبحت في حجرة داخلية كالمندرة، وإلا حين أمالت بيدها الأخرى «حصيرة» زاهية النقوش وفرشتها، ووضعت فوقها مسندين، وأصرت على أن أجلس على أحدهما، وأستند إلى الآخر.

ولم أكد أبدأ ألتقط أنفاسي حتى كانت عدَّة الشاي أمامنا، والشاي نفسه قد انتهى إعداده. وحتى كانت تناولني الكوب بنفس يدها التي بدت حمراء من كثرة بياضها ونعومتها، ثم تسألني عن رأيي فيه، وتقول إنها راعت أن تجعله خفيفًا ليكون «شاي أفندية» يليق بي.

ومع رشفات الشاي الأولى بدأت أفيق، فحتى ذلك الوقت كانت مشغوليتها الشديدة في إكرامي والترحيب بي لم تدَعْ لي فرصة أحدثها فيها عن سبب مجيئي بالتفصيل، أو حتى أذكر لها شيئًا عن كُنه علاقتي بزوجها الغريب. وكلما طال الوقت يزداد اهتمامها بي، وكلما زاد اهتمامها ازددت خجلًا واضطرابًا، حتى بدأت أفكر في وضع الشاي جانبًا، وتهيئة نفسي لإِعادة الرسالة عليها، ولكني فوجئت بها تقترب مني كثيرًا وتقول: إنت مكسوف ليه يا حبيبي؟ … هو ده مش زي بيتكم ولَّا احنا مش قد المقام؟ ما تنكسفش يا خويا اسم النبي حارسك وحاميك.

وأعقبت كلماتها الأخيرة بهدهدة حنونة عليَّ، هدهدة كادت تأخذني معها تحت إبطها.

وكان لا بد أن ينتهي خجلي ولو للحظة وأرفع بصري إليها، إلى تلك التي تعاملني كصبي صغير أو طالب، بينما هي لا تكبرني إلا بأعوام أقل من أن تُعَد. وحتى لو كانت أكبر مني بكثير؛ فهي امرأة وأنا شاب غلظ صوتي وبرزت حنجرتي. ثم إنها ليست صغيرة فقط ولكنها حلوة بطريقة لا يتصورها العقل، بيضاء جميلة ملفوفة في فستانها الحرير المحبوك، وكل ما فيها ناضج فائر يكاد يمزق الفستان. وحتى لو كان لها جسد رجل، فيكفي ما في عينيها من سواد جميل، يشع رغبات مجنونة تكاد تنطق وتصيح … ولا تجد في هذا كله حرجًا من الطبطبة عليَّ، وأخذي تحت إبطها، وإدارة وجهي ناحيتها كلما حاولت أن أغضَّ الطرف أو أستدير. بل لا تجد حرجًا في أن تعزم عليَّ بالدخان والمعسل، وأي مكيف أريد. وأحيانًا كثيرة تملس على شعري وتقول: الله … شعرك أصفر وحلو زي شعر الإنجليز … اسم النبي حارسك يا خويا وصاينك.

وتقول «أخويا» بطريقة يقشعر لها الجسد، بطريقة لا تمت إلى الأخوة بصلة.

وظللت طوال الوقت منبهرًا مما أراه وأسمعه ومن إحساسي الدائم أنها مع كل ما تفعله زوجة الغريب ذلك الجبار الرابض ينتظر عودتنا، وعلى فخذه الأيسر سكين. ويبلغ انبهاري قمته حين تتعمد بين كل حين وحين أن تخبط على كتفي خبطة دلال وتأنيب وتقول: اطلع من دول … دا زمانك مقطَّع السمكة وديلها، حاكم البنات تموت في شعرك ده … يحميك يا خويا لشبابك اسم الله عليك … إنت مش حتبات هنا إن شاء الله؟ والله ما سَيْبك تروح لوحدك أبدًا.

ويتولَّاني الضيق العظيم، ضيق المُوفَد في مهمة الذي يكتشف أنه هو الذي أصبح موضع الاهتمام، وأن كل الرسالة التي يحملها لم يعُدْ لها أهمية بالمرة وسط ازدحام الإِكرام الهائل، والأسئلة المتوالية عنه وعن شخصه ونفسه، والطبطبة والأحضان التي ظاهرها عطف خالص، والتي يدوخ التفكير في باطنها.

ويبلغ الضيق بي أن أقوم أحيانًا منتفضًا، وكأنني سأهم بالجري فتحيطني بذراعيها فورًا، وأحيانًا تمس شعري بقُبلة يقف لها شعري، وتسألني في دلال عما يدفعني للعجلة، وبأصبعها المكهربة تتحسس وجهي وذقني وشاربي المخضر. ويزداد ضيقي وأنا أُعامَل كاللعبة التي لا رأي لها ولا اعتبار. وآمر نفسي أن تظل صورة الغريب ماثلة أمام عيني، لا تختفي لحظة تحول بيني وبين هذه المرأة البندراوية التي لا يوقفها خجَل أو يمنع يدها حياء. امرأة تبدو كالمحرومة التي ما رأت في حياتها رجلًا … تراه ماذا يفعل معها؟ ومن الواضح أنها لا تخافه أبدًا، ولا تعمل له حسابًا قط.

وربما الضيق والاستنكار وغرابة الموقف هي التي دفعتني دفعًا لأن أجد نفسي أحس فجأة باحتقار هائل لوردة برغم جمالها الهائل وشخصيتها الطاغية المكتسحة.

الغريب بعيد عنها، والرجال يخافونها خوف الموت، ولم يبقَ لها في منفاها البعيد عن الرجال إلا تلك الصدفة التي ساقتني إليها، مَن تحسبني تلك المرأة الداعرة؟ ومن تحسب نفسها؟

هكذا بدفعة بُغض قوية خلصت نفسي منها، وحدجتها بنظرات خلت من كل ما يخجل أو يُربك، وأعدت عليها الرسالة كلمةً كلمة، وطلبت منها أن تصحبني. وكأنما صدمها تغيري؛ فقد وجدت الاضطراب يملأ عينَيها فجأة، ويدفعها للحركة بلا هدف داخل محجريهما. ولكن ذلك لم يستمرَّ إلا لهنيهة؛ فقد وجدت بريقًا ما يعود يشعُّ من نظراتها، ولم أحتج لذكاءٍ كثير لأدرك أنها فسرت نفوري على أنه فشل لأنوثتها معي، وأنها لكي تنجح، عليها أن تعيد سن أسلحتها، وتمضي في المعركة. وهكذا جذبني، وهذه المرة كانت أحضانها مكشوفة، وإن حرصت على أن تسبقها بقولها: اسم الله عليك، اسم النبي حارسك.

ووجدت نفسي أنا الآخر أبادلها البغض والنفور بطريقة مكشوفة، ويغادر الخجل نظراتي ليغرق نظرتها هي، حتى ليدفعها لأن تقول: هو أنا مش عاجباك يا حبيبي؟

وإلى هنا وجدت نفسي أصرخ، وأقول لها: أنا ما لي وما لك؟ … أنا باعتني عم الغريب … جاية ولَّا مش جاية؟

ويبدو أنها قرأت في عيني أن الضيق قد بلغ بي منتهاه، ولكنها لم تنسحب من الموقف فورًا، ظلت تحادثني وكأنما لتختبر إحساسي الأخير تجاهها، ولتزيل الجفوة التي حدثت. وفي النهاية قالت إن عليَّ أن أعود للغريب، وأخبره أنها لن تستطيع الذهاب إليه. أما لماذا؛ فقد أبت أن تجيب، وطلبت مني أن أبلغه ما قالته فقط وبلا أي تعليق، وبعد فترة قالت: وإذا كان عايز هو يشوفني … خليه ييجي.

وكانت تقول هذا، وكلانا مدرك أنه مستحيل، فمجيئه إليها خطر أكيد.

وحين لم أجِد فائدة اندفعت خارجًا، ولكنها أمسكتني واستَبْقتني إلى أن حشت جيبي بفطيرة لفتها في غلاف مجلة، وأصرت عليَّ أن آخذها. ولا أدري لماذا حين أخرجتها في منتصف الطريق وأنا عائد، وحاولت أن أقضم منها قضمة جزعت نفسي، ووجدتني أقذفها بكل قوتي في المصرف، وأتخيل المشهد الحافل الذي سيدور بيني وبين الغريب.

٩

وكان لقائي معه حزينًا لا أدري لم. كنت أحس من ناحيتي أني فشلت في مهمة كلفني بها، وأن علاقتي البسيطة الواضحة به قد حدث فيها شيء عقَّد من بساطتها، الغريب الذي ما رأيته إلا كبطل يرى، لا يمكن أن يربطه بأرضنا أو بحياتنا رابط فجأة اكتشفت أنه زوج، وزوج ﻟ «وردة» وأي وردة! اكتشاف جعلني أحس بالخجل … وكأنه كان من واجبي ألا أعرف، وكأنني ضبطته في موقف شائن أو لحظة ضعف.

أما الغريب؛ فكل ما فعله حين رآني أنه قال: هيه … ما جاتش؟

ولأول مرة في علاقتي به، أدرك أني لكي أجيبه؛ عليَّ أن أكذب. وكذبت. وحاولت أن أجد لها عذرًا وأبرر ولكنه هز رأسه وقال: طيب … هيه … حصل خير … وحد شافك لما رحت؟

ومن توهانه عرفت أنه يريد أن يغير الموضوع ليس إلَّا. وضايقني أنه لم يثُرْ ولم يغضب وينشب أظافره في عنقي، أو قام من فوره إلى العزبة، وانتزعها من مرقدها ونقَلها. حتى حين حاولت أنا أن أعود إلى الموضوع، وأستنكر موقفها استنكارًا خفيًّا لم يظهر عليه الضيق، وراحَ يسألني عنها وعن صحتها، وماذا كانت تفعله بالضبط حين وصلت. أسئلة كان يبذل الجهد لكي تبدو طبيعية كأسئلة أي زوج غائب عن زوجته البعيدة.

ومع هذا فكل سؤال من أسئلته كان ينبت العرق البارد تحت إبطي؛ مخافة أن يكتشف الكذب في إجاباتي، وكنت لا أبدأ التنفس بحرية وأرتاح إلا حين يهز رأسه وينتقل إلى سؤال آخر.

ولكني لا زلت أذكر رأسه هذا ذا الخمسين عامًا حين ارتفع فجأة من فوق صدره، وارتفعت معه عينان أخفي ظلام الليل ضيقهما وتفاصيلهما، وجعلهما تبدوان كما لو كانتا مجرد دائرتين مظلمتين على جانبي أنفه … لا زلت أذكر ارتفاعة رأسه، والوضع الذي اتخذه وهو يصب عليَّ صمته، وكيف طال الصمت، حتى بدأت أقلق وأحاول يائسًا أن أخترق نظارة الظلام الغامقة الموضوعة فوق عينيه لأفتش عما يريده مني، حين قال فجأة: اسمع يا فندي.

ومنعتني الرهبة عن أن أستحثه، أو أفتح فمي، أو حتى أموء في إصغاء. كان القمر يطل علينا من بعيد من فوق أشجار الظلام والكافور المحيطة بغيط الميامنة، وكان مكسورًا كأحد «متارد» اللبن التي يضعونها تبركًا بعد كسرها فوق قبر سيدي أبو لقان، وشعاعاته الشاحبة محمرة كضوء لمبة الجاز حين توضع في الفانوس ويمنع عنها الهواء، وكان رأس الغريب يواجهني كبيرًا بالنسبة لحجمه، ثابتًا واجمًا كأن صاحبه قد مات، ومن خلال فم لا يكاد ينفرج جاءني صوته: إنت بتكدب عليَّ يا فندي؟

ومت … أقسم أني أحسست وكأني أسقط من حافة الدنيا إلى هاوية الآخرة، السقطة توقف القلب وتشل العقل وتجمِّد الأطراف، ويدفع رعبها جلودنا لأن تفرز فزعها على هيئة عرق صغير ينبت … عرق الرعب. وحاولت التشبث بالهواء وقلت: ليه؟

ومرة أخرى، جاءني صوته، وكأنه صوت الظلام إذا تكلم الظلام: بتكدب عليَّ ليه يا أفندي؟

وابتلعت ريقي بصوت حاولت كتمه، وقبل أن أبتلعه مرة أخرى قال: إنت عملت حاجة مع وردة؟

ويبدو أنه لمحني أعتدل في مكاني ملسوعًا، فوجدته يستطرد معدلًا السؤال: ولَّا هي لعبت عليك يا أفندي؟

وفي جزء من الثانية كنت قد وطَّنت نفسي على أن أنهار أمامه، وأقول له كل شيء، وإذا نفدت بجلدي أقطع صلتي به وبوردة، وبتلك المشاكل التي لست ندًّا لها، والتي ورطت نفسي فيها بصبيانية قد تضيع حياتي. ولكني في الجزء التالي من الثانية، كدت أفقد وعيي بتأثير دفقة الحياة القوية التي عادت إليَّ مع أغرب وآخر ما كنت أتوقعه … ضحكة عالية ضخمة صدرت عن الغريب، وبددت عن الليل ظلامه، وانتزعت عقلي من مكانه، ضحكة … ويد قصيرة قوية امتدت تطبطب على كتفي، وصوت آخر كصوت النور إذا تكلَّم النور، يأتيني من ملامح بدأت تتحرك وتنفعل وتعود إليها الحياة: إنت خفت يا أفندي؟ … الله يجازي شيطانك … قول لي بقى … وردة عملت معاك إيه؟

•••

وأنى لي أن أعرف أن الغريب يعرف عن زوجته الجديدة وردة كل شيء، وأنها نقاوة عينه التي أخذها على عيوبها، وأنه رآها تغني في الأفراح مع الفرقة الموسيقية فأعجبته وعشقها وتزوجها بما يشبه القوة، وأنه يضعها في العزبة النائية كالطائر في قفص مفتوح يتحدى الرجال بها ويتحدَّاها وتتحداه، وأن العلاقة بينهما — على رأي عم خليل الذي شرح لي كل شيء — كالعلاقة بين الجني المارد والمرأة في ألف ليلة، يضعها في قمقم مفتاحه معه، وتحتفظ هي بصرة فيها خواتم مَن خانته معهم، رغم كل قمقمه وأقفاله وجبروته. غير أن وردة لم يكن لديها صرة خواتم، وواضح أن الغريب أقوى أثرًا من الجني المارد وأكثر حبًّا، فهو يقتِّر على نفسه وزوجاته وأولاده ويصرف عليها، ويعفيها من أن تخلص له أو تتصرف بشرف، ويقول لها: إذا استطعت أن تفعلي شيئًا؛ فحلال لك أن تفعليه.

وربما يقول هذا عجزًا، وليبرر لنفسه خطأها إذا أخطأت، ونار الشك تأكل قلبه، وعذابه لا ينتهي، والسؤال المضني يلح عليه: «تراها استطاعت وأخطأت، أم لا تزال عاجزة؟»

ولا يزال اسمه المرعب يحول بينها وبين الخطيئة … وكلما ازداد شكُّه فيها وازداد شكًّا في نفسه، اندفع يثبت لنفسه وللناس أنه قادر جبَّار، واندفع يضرب ويبطش ويبسط نفوذه على الجيرة وجير الجيرة، ويجعل من اسمه — من الغريب — القمقم الرهيب الذي يحول بينها وبين الرجال، ويحول بين الرجال وبينها. من أين لي أن أعرف أن الغريب اختارني بالذات ليرسلني لوردة، لا لشيء إلا لأكون كالطعم الحي يمتحن به حالتها ويتحدَّاها بي، وليريها أنه وهو بعيد قادر على أن يشل إرادتي أنا، ويضحك عليها بي؟ ومن أين لي أن أعرف أن وردة كانت تعلم أني آجلًا أو عاجلًا سأنهار وأحكي للغريب كل شيء، وأنها فعلت كل ما فعلته معي وهي متأكدة أن الغريب سيعرفه؟ فعلَتْه تحديًا وردًّا على تحديه؟ أنَّى لي أن أعرف أني كنت كالرسالة الحية المتنقلة التي أرسلها الغريب يسألها فيها عن أحوالها ومبلغ خضوعها له، وأنها أرسلت إليه الرد مكتوبًا على نفس الرسالة — عليَّ أنا — ردها المعتاد المملوء بتحديه وثورتها عليه؟ أنَّى لي أن أعرف أن الغريب اختارني بالذات ليثبت لوردة أن نفوذه عليَّ أشد أثرًا من كل أنوثتها وجمالها، وأنها أرادت بما فعلته أن تثبت العكس؟

أنَّى لي أن أعرف هذا كله؟

•••

أما ليلتها فكل ما فعله الغريب وأنا أحكي له ما حدث أنه استمع إليَّ وهو يضحك، ضحكات لا شخشخة في آخرها كضحكات صبي مراهق سعيد بنفسه ورجولته.

وسألني حين انتهيت بقليل من الجد: طيب يا فندي دي لو كانت مراتك وعملت كده، كنت تعمل فيها إيه؟

قلت بغضب حقيقي: كنت قتلتها من زمان.

فقال: كدهه؟ … هو القتل بالساهل كده؟

قلت بدهشة: بالنسبة لك على الأقل لازم يكون حاجة سهلة.

فقال وهو يعود يخفض رأسه: قتل الناس حاجة، وقتل مراتك حاجة تانية … مين عارف … بيتهيأ لي أن كل واحد تلاقيه بيفكر ساعات يقتل مراته … بس العيب إنه ما بيرسيش على رأي … ساعة تقول خلاص معدش فيها أمل، يلَّا ادبحها … وساعة تقول يا واد يمكن تصِّلح … وتفضل متردد بين كده وكده لغاية آخر يوم من عمرك … لو كان الواحد بيرسي على رأي، كان كل واحد زمانه قتل مراته من زمان.

ولم أفهم ما يريده بالضبط، كل ما فهمته أنه يريد مراوغتي وأنها ليست طريقته، وأني لأول مرة أراه يتساهل في أمر خاص به، فقلت: كان بيتهيأ لي إنك مش كده.

فقال بنصف ارتفاعة من رأسه، وبصوت حائر بين الجد والهزل: بكرة تكبر، وتعرف، وتقدر.

وعاد رأسه إلى الانخفاض، وأحسست به هذه المرة مدلدلًا، ورقبته كالعلم الحائر المنكس، وكدت أشفق عليه وأضيق به وبالجلسة وأقوم واقفًا لأروح، لولا أنه فجأة شبَّ من جلسته كالملسوع، وكأنما استطالت أذناه وارتفعتا إلى فوق كأذنَي كلب أحس بالخطر، ثم وجدته يقول في صوت يلهث بغير جري: خد توبك في سنانك وطير … واوعَ تبطل جري إلا أما تحصل الدار.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية