الغريب/يوسف إدريس
١٠
وبينما كنت أقضي ليلةً محمومة أتقلَّب فيها على لذع اضطراب غير مرئي أتساءل عما دعاه لأن يأمرني بالجري. وأحيانًا أعود إلى الحديث الذي دار بيننا، وأحاول أن أوفق بين صورة الغريب كما تصورته والغريب كما وجدته، الغريب القادر والغريب العاجز، الغريب الذي يُخيف الدنيا والغريب الذي لا تخافه وردة أولى الناس منه بالخوف، بينما كنت في هذا كان الغريب يقضي ليلة من أتعس لياليه كما علمت في اليوم التالي … فقد كان إحساسه مضبوطًا، وكانت دورية مكبَّرة على رأسها المأمور بنفسه قد خرجت للبحث عنه وفي حقول الأذرة بالذات، ولو طال كلامنا قليلًا، أو لو كان سمعه أقل حدة لأطبقوا علينا.
وفي الليلة التالية ذهبت إلى الغريب، ومعي البطيخة التي كان قد ذكر أن نفسه فيها، وشققتها لتبرد وجلست أنتظر، وطال انتظاري دون أن يظهر. وأخيرًا قنعت من الغنيمة بالتهام ما استطعته من البطيخة ودفن الباقي في الأرض، ثم عُدت وأنا حائر؛ أأفرح لانقطاع الخيط الذي كان يربطني به أم أحزن؟! كانت معرفتي به على الرغم من قصرها قد أشبعت قليلًا من نهمي لمعرفته، ولكنها — وهذا هو المهم — لم تكن قد حقَّقت الشيء الوحيد الذي أردتها أن تحققه؛ إذ لم يعلمني الغريب القتل كما حلمت، بل كدت أؤمن أنه هو نفسه لا يعرف كيف يقتل.
وانقضت أيام قليلة، ربما يومان ربما ثلاثة، قبل أن أصحو ذات ليلة على طلقة مكتومة صكَّت الحائط المجاور لفراشي. انتبهت من نومي تمامًا، وأصخت السمع هنيهة، وإذا بطلقة واضحة ثانية تأتي على هيئة حصاة صغيرة، تأكدت أنها قد قذفت عن عَمْد لتصيب نافذتي دون سواها وتناديني. وتساءلت: من تُراه يكون؟ فالغريب لا يعرف بيتنا على وجه التحديد، وحتى إن عرفه فكيف يعرف حجرتي، والنافذة التي أنام بجوارها. اعتدلت برأس أفرغه الاضطراب الشديد من كل محتوياته، فغدا كالصندوق الفاضي الذي يرن لأقل حركة أو خاطر. وفتحت النافذة باحتراس، ومن شبه الظلام المخيم خارج البيت، سمعت كلمة آمرة هامسة واحدة: انزل.
ثم أعقبتها أخرى: وهات الطلياني.
كلمات لمع في الظلام فَحيحها كنصل صولي حاد ثم اختفى. وكاد كل شيء في الخارج يعود إلى السكون المظلم الذي كانه، لولا أني لمحت أكثر البقعات سكونًا وظلامًا تتحرك وتتشكل على هيئة شبح، ثم تمشي آخِذَة طريقها إلى الغيطان.
والواقع، طغَت فرحتي على كل شيء؛ على اضطرابي وإشفاقي أن يكون ما حدث قد أيقظ أحدًا من أهل بيتنا، خاصة أبي ذلك الذي يستيقظ لأقل همسة. وكانت الفرحة لا تزال تعصف بي وأنا أتحسس طريقي إلى العشَّة الكائنة أسفل برج الحمام، حيث أخفيت المدفع الإِيطالي الصغير الذي أعطانيه الغريب. كنت خلال الأيام القليلة التي انقطعت فيها صلتي بالغريب، قد بدأت أعود إلى حياتي التافهة الخالية من الأسرار والليل والأحداث، وما أعظم ما بدا الفارق! … وما أكثر ما جُبْت الأذرة؛ لعل الخيط يعود مرة أخرى ويصلني به! وها هو ذا قد عاد بنفسه، وبصورة ألهبت خيالي.
طغت فرحتي على كل شيء، وفي غمضة عين، كنت أقف أمامه حيث تعودنا أن نلتقي، ألهث وأحدثه عن البطيخة، وأناوله المدفع، وأضع الظروف أمامه في الخزانة الفارغة كما علمني … وحين سيطرت على انفعالاتي وبدأت أنظر إليه، أدركت مشدوهًا أني أمام غريب آخر، أمام إنسان قد انعدمت كلماته ولمَّ نفسه، وتجمعت شخصيته في بذرة إرادية واحدة، وكان في سحنته شيء لم أرَه من قبل … حماس ربما جنون، روح جديدة تلبَّسته، شيء أسكت ثرثرتي مرة واحدة، فأرغمني على أن آخذ دور الجندي الذي ينتظر أوامر قائده، ويدرك أنها أوامر خطيرة بالتأكيد لها ما بعدها.
وبالفعل صحَّ ما توقعته، فقد وجدته بلهجة حامية سريعة وخطيرة: تروَّح ولَّا تيجي معايا؟
قلت بسرعة: آجي معاك … بس على فين؟
– ما تسألش … يمكن نقتل … يمكن ننقتل … تيجي معايا؟
قال هذا، ودون أن ينتظر إجابتي فرَّق بيديه عيدان الأذرة، ونفذ بجسده القصير بينها.
وكنت بعد ثانية تردُّدٍ أتبعه.
١١
ولم أحاول مرة أن أجره للحديث أو أسأله، كان يبدو كالمُقاد إلى هدف قوي بعيد يجذبه ويعيشه، ولا يدع له وقتًا للكلام أو الوقوف، ويتخطى بي كباري، ويلف حول خلجان ويزحف على يديه في بطون أحواض، وكأنما هو لا يراني أو يسمعني أو يحس أصلًا بوجودي. في الأحيان النادرة التي تكلم فيها كان يقول: إيه … هيه … بتقول إيه؟
فإذا حاولت استيضاحه، أجابني بغمغمةٍ أُدرك معها أنه مستغرق في تفكير من العبث أن أحاول استخراجه منه. كان الليل هائلًا كبيرًا كخيمة مأتم كُلِّلت بالسواد؛ حدادًا على وفاة النهار، وليس فيها سوى أنوار قمر شاحب ونجوم أضيئت لتهدي المعزِّين. وكانت الغيطان واسعة ممتدة أوسع من غيطان النهار … نترك حقول القمح المحصود لندخل حقول الأذرة، ونخرِّم وسط أقطان، ونرقب خيالاتنا المعتمة في الأرض الغارقة بالماء تنتظر زراعة الأرز. أرض كثيرة شاسعة وممتدة، كل شبر منها مزروع ومعتنًى به، وعرق من أجله هؤلاء الغلابى الراقدون في بيوتهم، وكأنما ناموا من الحزن، يتقلَّبون في انتظار أن يأتي النهار، ويغترفهم بقبضته، ثم بكل عزمه يبذرهم ليفرش بهم وجه الأرض، فيقلبوا سوادها خضرة، وخرابها عمارًا، وطميها خبزًا … إلى أن يجيء الليل وبمنجله يحصدهم، وبأسراره وخفاياه يخزنهم في صوامعهم الآدمية المصنوعة هي الأخرى من الطين. ما كان أبعدنا عن أولئك الذين يبذرهم النهار ويحصدهم الليل، وتنبتهم الأرض ليعودوا ينبتونها! ما كان أبعدنا عنهم وهم نائمون، بعيدين ينعمون بطاعتهم الشاملة للكون وأرضه ونهاره وليله! ما كان أبعدنا ونحن نخترق عالمهم وجهدهم في استخدامه وتجميله! الغريب أمامي قصير صغير اليد قوي الذراع … الذي ناضل حتى أفلت من قبضة النهار ومِنجل الليل، ويريد أن يُخضع الكون لنواميسه، وليكون له على الناس سلطان الكون ونواميسه، فيخشونه كما يخشون الله والآخرة وبرد طوبة. وأنا وراءه أتأمل حجمه الصغير حتى المدفع المعلَّق في كتفه، وأتأمل حجم الليل الكبير، وأجده أحيانًا أضأل كثيرًا من أن يملك زمام الليل ويصبح سلطانه.
ولكنا لم نكن وحدنا … كان يحدث أن أسمع الغريب يغمغم بخفوت، ثم يقول: دستوركم يا رجالة.
وأتفرَّس حينئذ فيما حولي، وبالكاد ألاحظ رجلين، أو بضعة رجال قد انتحوا من الليل ركنًا تحت كوبري أو في مدار ساقية، لا تدري لأي شيء هم جالسون ينتظرون، ولا لأي هدف يتحدثون في صمت ويتشاورون، ولا ما الذي جعلهم يتركون، هم الآخرون، مضاجعهم ويسهرون في تلك البقع المخيفة ورغم هذا الليل الشامل البهيم؟ ولكني كنت أهز رأسي وأقشعر، وأقول هم أولاد الليل الحريصون على تقاليد الليل حرص الغريب، والذين حين يحييهم تحيَّته تلك يأمنون ويؤمنونه، وكأنما ألقى عليهم كلمة السر، ويردون عليه قائلين: دستورك معاك.
وفيهم أيضًا كرم الفلاحين، فما أكثر ما كانوا يردفون: اتفضل.
وما أكثر ما كنت أفرح وأنتشي حين يلحظون وجودي، ويقولون: دستوركم معاكم، اتفضلوا يا رجالة.
شيئًا فشيئًا وبعد توغُّل طويل في الليل، وغَوْص أكثر في ظلامه ولقاء لأبنائه، بدأت أرى الغريب بعين جديدة، بدأت أراه بعين الليل الذي نحن فيه، فأحس أنه مع الليل أكثر انسجامًا. وكأن كلًّا منهما جزء متمم للآخر … حتى ليستحيل على المرء أن يتصوَّر الليل بغير الغريب والغرباء زملائه، أو يتصوَّر الغرباء بلا ليل يحجبهم ويسترهم ويحيون في كنفه … هؤلاء الهاربون من أُبوة النهار الواضحة إلى أبوة الليل الخفية، هؤلاء الذين يجذبهم الليل بكل وضوحه وقانونيته، من يراهم ويرى أُلفتهم مع الليل وترويضهم لوحوشه يُخَيل إليه أنه من المستحيل أن ينتهي أمرهم، حتى ولو ملأ العمران كل الأرض. سيظل هناك أولاد ليل ما دام هناك ليل، وما دام لليل سحره وجاذبيته التي لا تُقاوَم، فما ذنبهم؟ الليل هو الذي يجذبهم ويخلقهم وينتزعهم من النهار، وسيظل الليل يخلقهم ما وُجد هناك ليل وما ظل الماء يخلق السمك، والصحراء تخلق الرعاة، والغربة تخلق الحنين. منذ الأزل كان هناك الغرباء وإلى الأزل سيظلون. ومنذ الأزل وأشد العقاب ينزل بهم ويهلكهم، ورغم العقاب يعودون يُوجدون. فكما فقد الليل غريبًا جذب من أهل النهار آخر … ربما لكي تظل الدائرة تدور، ولكي يظل هناك أهل ليل وأهل نهار، ولكي يظل أهل النهار هم الكثرة وأهل الليل قلة، أو حتى ربما لنظل من أهل الليل أو النهار عن طواعية واختيار.
حين أوقفني الغريب بذراعه وواجهته، وراح يتفرس فيَّ، تساءلت بيني وبين نفسي ما الذي يمنع رجلًا كهذا أن يقتلني والبقعة نائية، ولن يشهد فِعلته أحد سوى الليل الذي لا يرى ولا يسمع ولا يفتن؟ والحجة موجودة — حكاية وردة — بل حتى بلا حجة، ما الذي يمنعه من قتلي إلا أنه يعرفني؟ ألأن بيني وبينه صلة هي التي تجعلني أحس بالأمان؟ من يدري؟ ربما لو عرف الناس بعضهم بعضًا معرفة وثيقة ما جرُؤ أحد على قتل أحد … ما خاف أحد من أحد. كنت أفكر في هذا حين سألني الغريب بصوتٍ أجشَّ، قد خشَّنه الصمت الطويل، وبلَّه الندى: إنت خايف؟
قلت على الفور: لا.
قال: مستعد لأي حاجة؟
قلت على الفور أيضًا: أي حاجة إيه.
ولم يجب … تأملني مرة أخرى، وقال: شايف النار دي؟
ولم أكن قد رأيت نارًا، ولكني حين تلفَّتُّ وجدت قبضة بعيدة كالجمرة تحسبها عين ذئب وحيد العين.
– عارف مين هناك؟
– مين؟
– شلبي.
– شلبي مين؟
– صاحبي وحبيبي، أنا جاي أقابله أصلي ما شفتوش من زمان، ونفسي هفِّتني عليه.
وشرح لي الغريب المطلوب مني. قال إنه يريد أن يخيف شلبي والرجل الجالس معه أمام النار، يشويان الأذرة وتملأ رائحتها الجو … كان عليَّ أن آخذ المدفع معي، وأمشي باحتراس حتى أصل منهما، ثم أخرج عليهما فجأة، وأقول: بتعمل إيه يابن الكلب إنت وهوه؟
وعليَّ أن أطمئن؛ فسرعان ما سيظهر هو، ونضحك جميعًا على ما حدث، ونجلس معهم نشوي الذرة ونأكلها.
وفي الحقيقة ظل قلبي يخفق، وكأنني ذاهب إلى حتفي، والمدفع يرتجف في يدي حتى اضطررت لإِمساكه بيديَّ الاثنتين وأضغطه في كتفي. وببطء شديد رحت أتقدم، وخُيل إليَّ أن وقتًا طويلًا قد مضى قبل أن تصبح المسافة بيني وبينهما كافية لأن أراهما وأرى وجهيهما. كانا اثنين؛ أحدهما شاب وسيم يرتدي طاقية صوف معوجَّة في عياقة على رأسه، والآخر كان واضحًا أنه خفير نظامي؛ فقد كانت بندقيته راقدة بطولها على ساقَيه المتربعتين، وهو مشغول بالهف على النار وتقليب الكيزان، بينما الأول جالس، وقد أحاط ساقيه بيديه، وعلى وجهه علامات تفكير.
ولولا خوفي من الغريب؛ لضربت فوقهما طلقة في الهواء، فقد كان المدفع معبَّأً في يدي يُغري بالإِطلاق … وإطلاق الرصاص من بعيد أسهل بكثير من أن أواجههما.
ظللت أتردد وأرتجف، حتى رأيت شبح الغريب يُطل من باب الحظيرة خلفهما … وحينئذٍ فقط، وكأنما أصدر لي أمرًا غير مسموع، وجدت نفسي أنطلق كالثور الهائج أصرخ وأدب بأقدامي، وأخترق المسافة الكائنة بيني وبينهما في قفزات واسعة ألقتني في لمحة البصر أمامهما، لا يفصلني عنهما إلا النار المحمرة الخافتة، والمدفع في يدي أصوبه بحماس بالغ مضحك … ولكن الحيلة نجحت بأكثر مما توقعت؛ فقد ارتدَّا إلى الخلف في جزَع حقيقي، بل اندفع الخفير يصرخ وكأنما فقد عقله … غير أن هذا كله استغرق … لم يستغرق في الحقيقة أي زمن، وكأنه لم يحدث بالمرة … إذ في نفس الوقت تقريبًا، كان شيء آخر يحدث … أفظع وأبشع شيء شاهدته، أو سأشاهده في حياتي.
والكارثة التي لا خلاص منها أني شاهدته بعينيَّ هاتين … رأيته ولم يكن أمامي إلا أن أراه … إلى هذه اللحظة بإمكاني أن أتذكَّر الغريب، وهو يتقدم ليصبح خلفهما مباشرة، وبإمكاني أيضًا أن أتذكر يديه حين ارتفعتا عاليًا فوق رأسه، ولكني لا أذكر أبدًا أني رأيتهما تهويان. كل ما أذكره هو ذلك الصوت الذي لم أسمعه قبلًا، والذي لا يشبه أي صوت من أصوات الوجود الأخرى، صوت كصوت كسر البيضة بالبيضة إذا كانت البيضة في حجم الرأس … كصوت الحديد المحمي حين يطشُّ إذا وُضع في الماء … ما أذكره هو … طس … وإذا بالشاب العايق يقوم نصف قومة، ولكنه لا يعود للجلوس، ترتفع ساق من ساقيه في الهواء، ثم تبدأ تهبط على دفعات متقاربة، وكأنها عقرب ساعة نطَّاط، وكذلك راح رأسه يهبط … ولكنه لم يكن نفس رأسه، كان قد تحول إلى كتلة، وقُسم إلى قسمين بينهما شيء لامع أسود تنخلع قلوب أكثر الرجال شجاعة إذا عرف أنها بلطة قد غوَّرت في الرأس، ووصلت خلال إحدى العينين إلى الوجنة.
١٢
لم تستغرق العملية كلها سوى ثوانٍ، ولكنها أخذت من عمري سنين أستعيدها، وأتأملها وفي كل مرة تخاطبني نفس الأحاسيس، وأرتجف تحت وقع القشعريرة نفسها، وأدوخ كما لو كنت أنا الذي شَطرت البلطة رأسه.
تُرى، أية قوة خفية تجعلنا نتألم إذا رأينا الغير يتألم؟ ونكاد نموت إذا رأيناه يموت؟ الشاب لم أكن أعرفه أو لي به صلة، ومع هذا؛ فقد ظل مصرعه يطاردني ويعذبني … وكأني أنا القتيل، بل كان يصل عذابي إلى درجة أكبر … وكأني أنا القاتل!
وإذا كنت قد رُوِّعت مرة لما حدث للشاب ليلتها، فروعي كان أكبر للدقائق القليلة التي أعقبت موته، وبالذات لرؤية وجه الغريب … وجهه حين انتزع البلطة من مكانها الموغل في عمقه وبشاعته، ووقف يلهث ويستند إليها … ويقلِّب نظره بيني وبين الخفير الذي كان قد تمدد على الأرض، لا نعرف إن كان إغماء أو رعبًا أماته وأوقف قلبه … يا له من وجه! … ويا لبصابيص النار حين أضاءته، وجسدت خلجاته، وجعلت قشعريرتي تتحول إلى رجفة مسموعة لا يمكن إيقافها.
عيناه … عيناه الضيقتان ما رأيتهما أبدًا بهذا الاتساع، بل ما اعتقدت أبدًا أن أي عين بشرية يمكن أن تتسع وتستدير، وتصل إلى ما وصلت إليه عين الغريب … لو كان الغريب هو المقتول؛ لما أوصل الرعب عينيه إلى هذه الدرجة من الاتساع، ولما حدث لوجهه كل ما كان يعانيه من شحوب … وكأنما الضربة التي فلَق بها رأس الرجل قد فتحت بابًا سريًّا له منه مارد أو جني ووقف قبالته يمسك هو الآخر بلطة، ويهم بتصويبها إلى أم رأسه … لا بد أنه كان يرى فعلًا شيئًا كهذا؛ وإلا لماذا كان يسيطر عليه كل ما كان مرتسمًا في عينيه ونظراته الزائغة من رعب؟ ولا بد أنه كان في تلك اللحظة بالذات فاقدَ الإحساس بنفسه وبما يفعله، فقد كان يدير رأسه وينقل البلطة من مكان لمكان، ويلف ويدور ويفعل هذا بحركة شيطانية سريعة ما عهدتها فيه وليست من خصائصه. وكأنه قد أصبح غريبًا آخر غير الغريب الذي صاحبني في رحلة الليل، أقسم أنه كان غريبًا آخر … غريبًا لم أستبعد أن يرشق بلطته في رأسي بلا سبب، أو يرفعها ثم يهوِي بها على الخفير الممدَّد، فيقسمه نصفين … كان واضحًا أن باستطاعته أن يفعل أي شيء، وهو في حالته تلك التي لا يدري فيها بما يفعله، بل كان واضحًا أنه وصل إلى درجة لا يمكن إيقافه عندها، وإنما عليه أن يستمر يبطش ويقتل ويكسر الرءُوس، وكأنما ليدافع عن نفسه ضد هذا الشيء الخارق المهول الذي كان منتصبًا أمامه يخيفه ويرعبه، ويُفقده من الرعب والخوف عقلَه.
وباستطاعتي أن أقول إنني والخفير قد نفذنا من تحت بلطته ليلتها بمعجزة. لقد كاد يدفعني وعيي لأن أضغط على زناد المدفع كما علمني، ولا أتركه حتى يفرغ في جسده كل رصاصِه … كنا أربعة كائنات حية، تسيطر عليها أقصى درجات الرعب … رعب القاتل لا يقل عن رعب القتيل … ورعب الخفير الفاقد الوعي من الرعب لا يقل عن رعب الغريب … ورعب القاتل المحترف لا يقل عن رعب الصبي الخام المغامر، وكلنا في حالة دفاع عن النفس … أنا مستميت على المدفع، والغريب مستميت على البلطة … مستميت في البحث كالمجنون عن الشبح الذي يرعبه … والخفير متشبث بإغمائه يحتمي به ولا يريد أن يفيق، ولو خُير القتيل نفسه، لاستمات على ميتته مفضلًا ألف مرة أن يموت مرة، ولا يعود للحياة؛ ليواجه ميتة البلطة مرة أخرى … وحتى النار الموقدة كانت تقاوم الفناء بإحراق كيزان الأذرة وشيِّها … والكيزان تقاوم النار ويدفعها الرعب عن المصير المحتوم لأن تئِزَّ وتشكشك، وتفرقع حباتها أحيانًا، وكأنها تستصرخ النار بآخر رمق وتطلب النجدة … رعب كامل من الموت، وتشبث كامل بالدفاع عن النفس في وسط ليل قد اشتدت ظلمته في محاولة أخيرة للوقوف أمام النهار الطالع. والشاهد الوحيد المحايد قمر أفطس الأنف مخنوق كالمشفق علينا مما نخوضُه … كالحزين على المصير.
حتى بدأنا نشم رائحة لحم آدمي مشوي، تختلط برائحة الذرة المشوية وتملأ المكان.
•••
وفجأة، بدأنا نتحرك.
وبدأت الحركة بضربة من قدَم الغريب أعادت الخفير إلى صوابه وأوقفته … وتعاون الرجلان على حمل القتيل، وإطفاء النار التي كانت قد بدأت تسري في لحم ذراعيه وملابسه … وحملت أنا المدفع والبلطة وسارا أمامي بحملهما … ولم نذهب بعيدًا، فبعد بضعة أمتار وصلنا إلى ساقية مهجورة … واحدة من تلك السواقي التي كانت تُستعمل لاستخراج الماء من جوف الأرض حين يشح ماء النيل، والتي بطل استعمالها من زمن ونبتت حولها الحشائش، وأصبح ماؤها آسنًا له لون الزيت المعدني ورائحته، لتبدأ تدخل في حوزة الليل وأبنائه، تؤخذ عندها المواعيد وتخفى في مياهها المسروقات. وحتى ذلك الوقت لم أكن أعرف أنها تُستخدم أيضًا كمقبرة لمن لا يستحب أن تحويهم المقابر … مقبرة تُلقى فيها الجثة بعد ربطها بحجر … وتتكفل مياهها بالتهام لحمها وعظامها وما ترتديه في أيام!
وعدنا في موكب صامت، أنا في المقدمة والخفير وسطنا والغريب في المؤخرة … وقد انتقلت إليه البلطة والمدفع. وسرعان ما اختفى الخفير بعد أن تبادل معه الغريب همسات، وأكملنا السير وحدنا.
وظللنا فترة لا نتحدث. وكان الغريب أول من نطق، وبدأ كلامه بنبرة عادية، وبلهجة حاول فيها أن يعتذر عن اضطراره لإِشراكي في تلك اللعبة الخطرة؛ فقد كان لا بد له من قتل شلبي … ولم يكن أمامه من يستعين به سواي.
وبكلمات أخرى قليلة، حكى لي قصته مع شلبي الذي لم يكن مجرد مساعد له أو عضو في عصابته، ولكنه كان صديقه وأخلص خلصائه، صداقة بدأت بخناقة في سوق الأربعاء … واستمرَّت عشر سنوات، ووصلت إلى حد أن سلم له الغريب نفسه واسمه وماله، وهو مؤمن أنه يسلمها لصديق … صديق لم يشكَّ في إخلاصه، حتى ذلك اليوم الذي واعده فيه على اللقاء عند نفس الساقية التي تركناه فيها من هنيهة. والتي وجد نفسه بعدها محاصرًا بخمسين بندقية ميري، وبمسدس الضابط فوق رأسه. لم يداخله الشك ساعتها، بل حتى لم يشك حين أخذوه هو في «البوكس»، وتركوا شلبي … أنَّى له أن يعرف أن الحسد كان يأكل قلبه طوال هذه السنين، وأنه ظل يدبر الخلاص منه ليستولي على العصابة، وعلى ما هو أهم من العصابة … على وردة … وأنه هو الذي اتَّصل بالمأمور ودبر معه الخطة؟
لم يكن الغريب يحكيها كحكاية … كان كأنما ينزف أو يتألَّم … وفي أحيان كان يسكت، ثم يقول فجأة وهو يطحن أسنانه بأسنانه: دا الطاقية اللي كان لابسها ليلة الساقية طاقيتي، اشتريتها باتنين جنيه من واحد عرباوي، وعجبته فحلفت أن يأخذها.
ويضحك فجأة ويقول: إنت عايز الحق … الحق مش هو اللي غلطان. آني الغلطان … بقى عايز في صنعة اللي بيشتغلوا لصوص وقتالين قتلة تتوجد خلصانية ولَّا صداقة؟ مفيش كلام من ده … في الليل كل واحد ونفسه … واللي يسلم دقنه لغيره، ما يلومشي على اللي يصح له.
ثم يلتفت إليَّ مرة ويحكي لي كيف دبَّر مقتل شلبي بنفس الطريقة التي دبر بها شلبي تسليمه … وفي نفس المكان تقريبًا … وبنفس السلاح … الصداقة والإخلاص … فالخفير خفير العزبة التي فيها وردة، وقد اندفع شلبي لصداقته والإِغداق عليه، ليتركه يحوم حول وردة، ويدبر معه أمر خطفها، تلك الليلة بالذات كانت موعد الاختطاف، وكان شلبي والخفير جالسين ينتظران مقدم رجلين آخرين من العصابة، ومعهما المطايا لتنفيذ الخطة. والشيء الذي لم يعرفه شلبي أبدًا أن الخفير باع سرَّه للغريب … والشيء الذي لم يعرفه الخفير أبدًا أن الأمر سيحسم بالبلطة.
وبينما الغريب يتكلم وأنا مندمج أسمع كلامه، كان خاطر يلح عليَّ إلحاح الناموسة: ترى ماذا يقول أبي الذي لا يفوته الفَرْض، لو تكشف له الغيب للحظة، وعرف ما أفعله ساعتها وما شاهدته، والرجل الذي أسير خلفه، وبحَديثه أغوص في ذلك العالم الشاذ الغريب، وأُلمُّ بتفاصيل أتْفَهُها يخلع القلب ويوقف الشعر؟
وربما إلحاح الخاطر هو الذي شَغَلني عن أن أدرك أننا كنا طوال الوقت قريبين من عزبة وردة، وأننا قد أصبحنا على أبوابها.
وربما هو أيضًا الذي صرف أنظاري عن الغريب، بحيث لم أفطن إليه؛ إلا وقد جلس وجذبني من جلبابي وقال: بص كده مش ده دم؟
وحين أمعنت النظر كانت يده بالفعل تقطر دمًا. وكلما تحسس فخذه وأخرجها تكاثر الدم، وحين عرَّاها ظهر الجرح … جرح بشع متهتك، وكأن شيطانًا مسعورًا قد نهش فخذه.
إحدى ضربات البلطة لا بد قد أفلتت وأصابته، وهو يخلِّص على شلبي.
١٣
وعولج الجرح طبعًا … قام بعلاجه الدكتور معروف الذي أخذ الطب بالممارسة … والذي كان يعمل حلاق صحة اسمًا … بينما شهرته كطبيب مِلءُ الأسماع، حتى كانوا يقولون إن يده النحيفة المعروقة التي تشبه في ليونتها ورقتها أيدي النساء أنجع من أيدي عشَرات الأطباء الحقيقيين.
وقصة علاجه نفسها ودَوري فيه قصة طويلة تصلح وحدها رواية، يكفي أن أقول إنها تمت تحت الكوبري المتحرِّك، حيث كان الغريب قد قرَّر أن يقيم إلى أن تُشفَى ساقه … ولم أكن أتصور أن تحت الكوبري سيكون بهذا الأمان والاتساع … وأن بإمكان الإنسان أن يعيش شهورًا تحته دون أن يُدرك المار فوق الكوبري من أمره شيئًا … لم أكن أعتقد أن الأمر سينقلب إلى متعة وتجربة جديدة مثيرة يحياها الإنسان وهو منحنٍ، كأنه يحمل الكوبري فوق كتفيه، ويحس بمشاعر غريبة والماء يجري بجواره، وتحت هذا الارتفاع المنخفض، والأصوات ترن في مزيج من صدى الأرض والحديد ورخامة الماء … أيام كثيرة قضيتها أحيا مع الغريب تحت الكوبري، وقد انقطعت صلتي بالعالم وبدنياي وعائلتي، وكأن لم تكن لي في يوم من الأيام حياة أخرى غير تلك … انقطعت هكذا من تلقاء نفسها … ودون أي قرار مني أو نيَّة … وقد أصبح شفاء الغريب هو كل ما أحفل له وأحيا من أجله … وما أعمق الصلة التي نشأت بيني وبينه في تلك الفترة، وأنا أراه عن قرب ضعيفًا قويًّا، عملاقًا ومتألمًا، نادر الكلام وصاحب حكمة … ما أكثر ما في صدره من أسرار، وما أقلَّ ما يفضفض بها!
ولكني لا أزال أذكر من حادثة علاجه لحظة لا يمكن أن أنساها، تلك التي كان يتهيأ فيها الدكتور معروف لإِعطائه حقنة المخدر الموضعي، حين بدأ وجه الغريب يشحب أمام عيني وعرَقُه ينبت، وعيناه تتسعان ونظراته تروغ.
تساءلت لحظتها لِمَ كل هذا؟ حسبته أول الأمر من مضاعفات الجرح … ولكن معروف حين سأله: إنت خايف ولَّا إيه؟
ونفى الغريب بسرعة، وبشدة أدركت ما لم أكن على استعداد لتصديقه أبدًا، أن الغريب الهائل المهول بكل هيلمانه وجبروته خائف كأي طفل من الحقنة، أكثر من هذا حين همَّ معروف بغرز الإبرة في جِلده وجَدْته يستمهله، ثم يشخط فيه ويأمره أن ينتظر حتى يلتقط أنفاسه، ثم يستسلم أخيرًا ليعود يتراجع وينسحب إلى الخلف حتى يوقف حائط الكوبري انسحابه، ويستعمل معروف الإِرغام حينئذ فيمسك بجلده، بقوة ويغرز فيه الإبرة … ويا لها من لحظة روعت فيها بالغريب، وقد انقلب شخصًا آخر! مجنونًا ربما، أو قطة تعاني من أقصى درجات الرعب على استعداد لأن تنقض وتغرز أنيابها وتنهش … لحظة أعادت إلى ذاكرتي ما حدث للغريب عقب مَصرَع شلبي، فعيناه فعلًا كانتا قد اتَّسعتا بطريقة غير بشرية، ونظراته قد أصبحت حممًا، والاصفرار لوَّنه ولم يترك حتى أظافره، وكأنه يرى ماردًا هائلًا يهم بالانقضاض عليه والفتك به … لحظة بلغ من بشاعتها أن الغريب حين انتفض مستديرًا لمعروف عقب انتهاء الحقنة … استدار بطريقة شيطانية مرعوبة حتى خِلت أنه يستدير ليطبق على رقبة الرجل، ولا يتركه إلا جثة هامدة … لحظة طالت وامتدَّت وارتسم خيالها على الماء المتموج الجاري قريبًا منا، كلوحة خالدة مهتزَّة للإِنسان حين تَقْلبه أقصى درجات الرعب إلى وحش غاضب مخيف.
•••
وفي ساعة راحة من الألم ناقشته في أمر وردة … كان احتكاكي بها قد ازداد في الفترة الأخيرة، وازداد معه اشمئزازي منها حتى بدأ يتحوَّل إلى اشمئزازٍ منه … كنت أشكو له منها، فيهز رأسه هزَّة مَن لا يبالي ولا يهمه الأمر … ولم أكن أستطيع أن أهضم أن يصر رجل مجرِّب خبير مثله على الاستحواذ على امرأةٍ مثلها لا تليق به ولا تقيم لسطوته حسابًا … كان راقدًا ينش الذباب عن وجهه بمنشة من الخوص صنَعْتها له فأغلق عينيه، وأحسست أنه خجلان مني ومكسوف، ولا يجد ما يقوله ليبرر موقفه … وماذا يقول؟ … ومن الواضح أنها لا تقيم لعلاقتها به وزنًا، ولا تحفل بطلباته ورسائله … والمرة الوحيدة التي زارته فيها تحت الكوبري كانت بإلحاح شديد مني، ولأجل خاطري أنا … وبثمن آهٍ لو عرفه الغريب! … أغلق عينيه طويلًا ثم فتحهما في النهاية، ليقول لي إنه خلاص قد انتهى من أمرها إلى قرار، وأنه سيطلقها ويدعها تذهب لحال سبيلها … ولكني من الطريقة التي قال بها «قراره» عرفت أنه قد يكون مخلص النية فعلًا. ولكن قراره هذا سيظل كلامًا في كلام ومع إيقاف التنفيذ.
لماذا يصر إنسان كالغريب صاحب السطوة والنفوذ على الاحتفاظ بإنسانة كوردة؟ أهو الحب كما يقولون؟ أم لكي تظل كالشاهد الحي على عجز نفوذه، وعلى أنه هو الآخر له حدوده مثل أي إنسان؟
القرار في الواقع جاء من ناحيتها هي حين ذهبت إليها في اليوم التالي فلم أجدها، وقال أهل العزبة إنها أخذت ملابسها، وكل ما يخصها وذهبت. إلى أين؟ لا أحد يعرف.
وبحماس الصبية نقلت له النبأ غير عابئ بما قد يحدثه فيه، ولم أعتقد للحظة أن سيكون للنبأ مثل هذا الوقع، وأني بعد ساعات سأجد في عيون الغريب آخر ما يتصوره العقل … دموعًا حقيقية.
المهم … كان الجرح قد قارب على الشفاء، ورائحته بدأت تُحتمل، والغريب تمالك نفسه بعض الشيء، وأصبح في استطاعته أن يتسلى في النهار بالسنارة واصطياد السمك، حين ظللت أدبر في نفسي أمرًا طول اليوم، وأنتظر حلول الليل لأواجهه به. كنت قد ألقيت نظرة تأمل على حياتي، فوجدت أني فعلت كمن رقص على السلم، فلا هو صعد أو هبط، ولا هو أصبح ابن ليل أو عاد إلى دنيا النهار. بكل تهور تركت حياتي وأهلي وانضممت للغريب أجري وراء أحلامي، فماذا فعلت بنفسي أكثر من أني بددت حياتي الواقعة، وبددت كذلك أحلامي، ولم يعد لي سوى دور الخادم أو الصبي؟ كنت قد وصلت إلى قرار، ورحت أنتظر على مضَض اللحظة التي أعلنه فيها.
وأخيرًا جدًّا وبعد لَأْي جاء الليل، ولم يكد العشاء يولي والليل تتدعم أركانه، حتى طلبت من الغريب أن يسمعني. وأدرك بذكائه الفطري أني أعاني من أمر لا يحتمل، فاستمع لي وطال إصغاؤه، وتركني أفضفض، وسألني في النهاية عما أريد. وببساطة قلت له ما أريد … قلت له إني أريد منه أن يكون أمينًا معي، وأن ينفذ وعده ويحقق لي الأمنية التي دفعتني لترك حياتي ووضع نفسي تحت أمره. استمع لي أيضًا، ثم سألني — وكأنه لا يعرف — ما أريده بالضبط.
فقلت: ما انت عارف … عايز اقتل.
– ما تقتل.
– ما أعرفش إلا أما تعلمني.
– القتل مش عايز عَلَام. اللي عايز يقتل بيقتل.
هنا بدأت ألمح أنه سيعود إلى مراوغتي فاعتدلت أكثر، وبلهجة جادة أعني كل حرف فيها رحت أعيد قولي، وأطلب منه أن يساعدني على تحقيق أملي؛ لأحسم موقفي وأنضم نهائيًّا له، وأصبح ابن ليل بحق وحقيق. وإلا فمعنى هذا أنه يستصغر شأني، ويضحك عليَّ، ويستبقيني لأقوم على خدمته.
وعض شفته السفلى تألمًا، وأغلق عينيه ثم عاد يفتحهما، ويقول: طيب … عايز تبقى واد ابن ليل يعني، وتعمل حاجة ما يقدرش عليها أولاد الليل؟ … اقتلني … أنا بقولك جد … أحسن ما المأمور يقتلني … وآني خلاص زي ما قال سعد باشا آني انتهيت … اقتلني ويبقي اسمك اللي قتلت الغريب.
ولولا أني أحسست أنه لا يهزل، وإنما يتكلم جادًّا؛ لثرت وتركته في الحال، ولِم لا أقول إني فكرت في اقتراحه للحظة؟
ولكني هززت رأسي هزة يائس … وسكت مغيظًا لا أعرف ماذا أقول.
أما هو؛ فقد ابتسم وطبطب على كتفي بغير خشونة، وكأنه يطبطب عليَّ بيد وردة وقال: طيب … ما تزعلش … حنخليك تقتل زي ما انت عايز، وتاخد الشهادة يا سيدي … المدفع أهه … وأول واحد بييجي عالكوبري سَوَا من الناحيادي أو الناحيادي … اقتله.
وانتفضت واقفًا من الفرحة انتفاضة خبطت رأسي في «كمرة» الكوبري الحديدية، وكادت تفقدني الوعي، وهتفت والألم يعصف بي: بتتكلم جد؟
قال: ما دام بتتكلم على الجد، فالحكاية معدش فيها هزار … آني مبسوط منك لأنك أفندي كده ومتعلم وبتفهم كأنك ابني … يمكن كان نفسي إني أبقى زيك، ولَّا يبقى ابني زيك، إنما ما دام انت عايز تبقى زيي أنا، ومش عاجبك تبقى تلميذ، فخلاص معدش هزار … يا حتقتل أول واحد يفوت … يا حاقتلك أنا … وده مش كلام أفندية.
١٤
وهكذا تركنا مجلسنا تحت الكوبري، وزحفنا حتى بلغنا الحائط الذي يمتد من درابزينه، والمدفع الإيطالي في يدي، وكلانا قابع في وضع استعداد، وعيوننا تخترق الظلمة؛ إذ كان القمر لم يطلع بعدُ لنلمح أول القادمين. وبهمس وبلهجة جديدة على أذني تمامًا، قال الغريب: لما تشوفه انسَ نفسك خالص، وبُصْ له هوَّه … وما تْنَشَّنش إلا أما يقرب … عند الشجرة اللي هناك دي … وساعة التنشين اكتم نفسك خالص، وخلِّي النيشان على وسط صدره … ولما تضبط النيشان اضرب على طول … اوعَ تتردد لَحْسن يقتلك هو … لازم تعمل حساب إنه مسلح، وأنك إن ما أصبتوش حيصيبك هو … يا قاتل يا مقتول … وإذا خفت فكر إن بينك وبينه حاجة … فكر إن ده اللي قتل أبوك حتى إن ما كانش أبوك مات … فكر تمام كده، وآمن بحق وحقيق إنه هو اللي قتله … وإذا ما وقعش بعد الأولانية … التانية على طول … والتالتة … وحتى لو وقع غيَّر النيشان، واضرب في المليان.
ولأول مرة في حياتي أجد نفسي أستمع لدرس يُلقى عليَّ وأنا متفتح كليًّا لتلقيه، وآذاني تسمع وأصابعي تفهم، وأنفاسي تعي ما يجب عليها أن تفعله، وروعة ما سيحدث قد طغت عليَّ واكتسحتني … وروعة ما يحدث تغرقني بنَشْوتها، فها أنا ذا أخيرًا جدًّا أتلقى أسرار أولاد الليل، وأتلقاها عن جدارة. فلولا ثقة الغريب فيَّ وفي قدراتي لما رضي أن أصبح تلميذه. الغريب الرابض بجواري، وقد بدأت تطرق صوته وحركاته ملامح الغريب الآخر، ملامح الغريب حين يقتل أو يهجم أو يقدم على أمر خطير. أما الشيء الذي لمحته، وجعل العرق البارد ينبع من جسدي كله ورقبتي، ويملأ بسريانه الملموس قناة ظهري، الشيء الذي رأيته وقلب نشوتي إلى رعب بارد لا رحمة فيه ولا هوادة، فهو البلطة التي لمحت الغريب يُطبِق عليها بيمينه ويخفيها عني بثيابه، البلطة التي أطاحت برأس شلبي، والتي تستعد قطعًا للإِحاطة برأسي إذا فشلت فيما أنا مقدم عليه.
فجأة أحسست وكأني كنت أحيا طول الوقت بأحلامي في وادٍ، وجسدي في وادٍ آخر، وأنه قد آن الأوان … أتت اللحظة لكي أنقل جسدي وكياني لأرض أحلامي، وأن نحلم شيءٌ وأن ننقل أجسادنا إلى أحلامنا شيءٌ آخر، فما بالك إذا أصبحت حياتنا نفسها تتوقف على هذه الخطوة؟
وقال الغريب: خد.
كانت سيجارة ملفوفة، وكنت أرفض أن أدخِّن أمامه، ولكني أخذتها بيد ثابتة وأشعلتها، ومضينا ندخن تدخين ندٍّ لندٍّ … وأُجبر نفسي على اعتقاد أنه تدخين ندٍّ لندٍّ.
وقال الغريب: بعد الحكاية ما تتم … نمشي من هنا.
ثم صمت برهة، وواجهني بعينين فيهما لمعة، وقال: يمكن حظنا يبقى كويس، ويطلع متريش … على العموم بعد ما تْخَلص عليه تروح ومعاك المدفع تفتشه، وتجيب أي حاجة تلقاها وتمشي … واوعَ تتلخبط ويقع منك انت حاجة وانت بتفتشه.
وهززت رأسي أطلب منه أن يطمئن.
ومر الوقت بطيئًا، ونحن نمد أبصارنا بأكثر مما نستطيع علَّنا نلمح ذلك القادم المجهول.
وطال انتظارنا، وأعصابي تزداد توترًا مع كل دقيقة منه، حتى لم أعُد في النهاية أستطيع. وهممت أن أقف أو أنفجر أو أصرخ لأخفف ما بي من بُخار مضغوط، ولكني قبل أن أفعل وجدت يده الصغيرة تمتد إلى ذراعي وتضغط عليها، ووجدته يقول: الصبر … طول بالك أمال … قلت لك انسَ روحك خالص … إنت لما بيعلموك ركوب العجَل بيقولوا لك إيه؟ مش بيقولوا بُص لقدامك، بص لبعيد؟ … وانت إياك تبص لروحك … تضيع … خلي همَّك في اللي جاي.
وكأن كلماته تحفل بالسحر؛ فقد وجدت الضغط يخف، ووجدتني أهدأ وأعود أنظر أمامي.
وطلع القمر ومضى نورُه الأول الذي يشبه نور الشروق، وبدأت شعاعاته تبيض، وقرصه الناقص يصعد قدمًا في السماء حتى كاد يتوسطها، وكأنه «كلوب» علق من سقف الدنيا، وكأنه شمس الليل أشرقت، فقد وجدنا ليلَ الليل يغيب ونهار الليل يحل، والظلمة الكاملة تستحيل إلى نور غير كامل، والطريق الزراعي المؤدي إلى الكوبري، والطريق الممتد منه والزرع القريب والأشجار البعيدة … وجدتها كلها تظهر نصف ظهور، وتتضح نصف اتضاح.
وطال تأملنا لكل ما حولنا ولكل ما حل بالكون من تغيير، وكذلك طال ترقبنا لنلمح وسط هذا السكون الشامل حركة … مجرد حركة.
وأول ما حدث أن دق قلبي دفعة دقات متتابعة سريعة، أعقبها خفوت وصمت وكأن لم يعُد يصدر عنه صوت، وأعقب هذا مباشرة صوتٌ بعيد ساحق في بعده. ولكنه كان يغنِّي.
وعاد قلبي يطلق دقَّاته من جديد.
وخيل إليَّ أني انتظرت عامًا كاملًا، حتى ظهر في أفق النهار القمري صاحب الصوت. بدا أول الأمر كنقطة بيضاء ساكنة، ثم بياض متحرك، ثم كائن نصفه الأعلى أبيض، والأسفل أسود، ثم ظهر أنه رجل يمتطي دابة ويغنِّي.
انتظرت أن يتكلم الغريب، ولكن لم يصدر عنه شيء، حتى خِلت أنه ما رأى أو سمع.
وأيضًا ما تكلم الغريب أو نطق … عيناه وكأنهما ضُمَّتا إلى الرجل المتحرك بخيط، ويده لا تزال مستميتة على البلطة. ولا ينطق حتى حين التفتُّ إليه طالبًا النجدة … طالبًا كلمة.
وعدت أنظر إلى الرجل من خلال العرق المملَّح الذي يسيل من جبهتي إلى عيني ويلسعها. ومسحت العرق، وسدَّدت فوهة المدفع ليصبح الرجل، و«ذبابة» الفوهة، وشق جهاز التنشين على خط مستقيم واحد، وفي نيتي ألا أبدأ في إحكام التنشين والتسديد على منتصف الصدر تمامًا؛ إلا حين يصير الرجل القادم بحِذاء الشجرة.
ومن أجل هذا، مضيت أتابع حركة الدابة بحركة يسيرة من الفوَّهة … ورغمًا عني رحت أتابع الموال الذي يغنِّيه الرجل … لم يكن صوته جميلًا أو يصلح للغناء … ولكنه كان عاليًا وقويًّا، وكان يقول «يا ليل»، وكأنما يستحلف الليل ويرجوه أن يمنع عنه شروره. ويا «عين» فأتصور أنه يبكي ويرثي نفسه، وكأن مسعاه لدى الليل فشِل. وكان الموال يتحدث عن بستان حبيبه، وما فيه من مشمش ورمان ونرجس، وكيف أنه سيدخله ويقطف من كل أثماره … وبدأت أرى أن بينه وبين الدابة شيئًا … كان «زكيبة» لا بدَّ أنها ملأى بالطحين، ولا بد أنه تأخر في «المكنة»، وكان الغريب لا يزال صامتًا صمتًا لم أرَ مثله، ولا يمكن أن يستطيعه بشر، صمتًا بلغ من عمقه وصدقه أنه جعلني أحس وكأنه غير موجود معي بالمرة، وكأنني أواجه الموقف وحدي. الرجل المجهول أمامي، والمدفع في يدي، ولا شيء سوى الليل معنا. ورغمًا عني أحسست وكأن شيئًا ثقيلًا قد انزاح عن صدري. فقد أحسست أن باستطاعتي أن أتصرف بمطلق إرادتي وأني حر، لا يحد من حريتي وجود الغريب أو بلطته. لأول مرة بدأت أشعر أني غير خائف أو مُرغَم … وكلما اختلست النظر إلى الغريب، ووجدته ساكنًا سكون الموتى أزداد إيمانًا بأني لا شريك لي فيما أفعله، وأني سيد الموقف والمدفع معي، والمفاجأة معي، والليل هو الآخر معي … لأول مرة أنفض عن نفسي رداء التلمذة وعقليتها، وأحس أني ابن ليل حقيقي وأني قادر.
وبكل تلك الثقة التي غزتني عُدت أنظر إلى هدفي. كان الرجل قد اقترب حتى لم يعُد بينه وبين الشجرة المعهودة سوى أمتار، وكان صوته واضحًا وألفاظ مواله ومعانيه منتظمة … وربما الغناء الذي بدأه وهو خائف قد عمِل عمله … وجعله يحس بالونَس والطمأنينة … فغناؤه كان قد بدأ يحفل بالنشوة، وكأنه يغني للغناء ذاته، ويقول «يا ليل» مسبحًا بأبنوسية الليل وجلاله، و«يا عين» متحسرًا على العين التي نامت، وحرمت نفسها من جماله.
وكان عليَّ أن أقتل هذا الرجل المنتشي بمواله وغنائه بعد أقل من دقيقة زمن. ففوهة المدفع تتحرك معه، وعند الشجرة تمامًا سأُحكِم التصويب وأطلق الرصاصة.
وأقول كان عليَّ أن «أقتله» فقط لمجرد القول. فالقتل ساعتها لم يعُد له في نظري أي هالة أو بشاعة. كان قد أصبح شيئًا عمليًّا بحتًا. شيئًا لن يكلفني أكثر من مجرد كتم أنفاسي والتنشين، وحركة صغيرة من سبابتي اليمني أجذب بها الزناد.
واقترب الرجل كثيرًا، حتى لم يعد بينه وبين الشجرة سوى قصبة.
وكتمت أنفاسي، وبكل ما أملك من قوة، حاولت أن أحمل يدي برصاص الدنيا كله، حتى تكف عن ارتجافتها الرقيقة، ويظل الخط الواصل من منتصف الصدر إلى جهاز التنشين قائمًا ومستقيمًا … وفي ثانية تصورت أن أبي قُتل في نفس الليلة، وأن هذا الرجل قتَله وقادم لتوه من هناك ولا بدَّ من قتله … حركة واحدة من الزناد وينتهي كل شيء، فأدخل عالم الليل من أرحب أبوابه … حركة واحدة، ضغطة صغيرة.
ولا أعرف ما حدث بعد هذا على وجه الدقة.
كل ما أذكره هو ضوء القمر، وجلباب الرجل الأبيض الزاهي البياض، ومواله الذي بدا جميلًا يكاد من جماله يوقف الطير على أشجارها تستمع، والشعور بالأمان والونَس الذي كان مسيطرًا عليه، والذي ظل مسيطرًا عليه، حتى وهو يحاذي الشجرة ويبدأ في تجاوزها … ربما لو كان قد خاف، ربما لو كفَّ عن غنائه أو شعَر بالخطر، ربما لو كنت قد آمنت إيمانًا كاملًا أنه قتل أبي، ربما لو كان حدث شيء خارج عن إرادتي وإرادته، شيء خدش سياج التحريم الذي يحيطه ويتحرك معه، ويتكفل بشل أي إنسان حوله عن أن يلحق به أذًى. ربما لو كان قد حدث شيء من هذا لتغير كل شيء … ولتغير مجرى حياته نفسه؛ إذ لا أستطيع إلى الآن أن أعرف لماذا لم يتحرك إصبعي تلك الحركة الصغيرة الهينة ويضغط على الزناد. وما سر هذا النداء الذي تصاعد من أعماقي، من أعمق أعماقي، من أقدامي وجوفي وأصابع يدي، وقمم شعري … نداء لم أسمعه قبلًا، ولم أكن أتصور وجوده، ولم أعمل له حسابًا، ولا اعتقدت أنني — في آخر لحظة — سيتصدى لي هاتف من داخل نفسي يقول لي: حرام … كلمة نتداولها ونقولها للغير ببساطة، ويقبلها الغير، أو يرفضها ببساطة أيضًا. أما أن أقولها أنا لنفسي، وفي لحظة كتلك، فهو ما حيَّرني وما جعلني إلى الآن أحتار، وما أنبت العرق الغزير من كل مكان في جسدي، وما جعله بحورًا في باطن يدي وباطن سبابتي بالذات … تلك التي كان عليها أن تقوم بالعمل الحاسم في المهمة، عرق غزير لزِج، كاد ينزلق معه المدفع من قبضتي، ويجعل سبابتي تنزلق على الزناد كلما أرادت أن تضغط. وهو أيضًا لا بدَّ سبب انزلاق إرادتي، كلما استجمعتها وقلت: الآن لأرد بها على النداء المتصاعد من داخلي يقول: حرام حرام! نداء ألعنه وأتساءل عن مصدره، وأستنكر أن تذيب كلمة كهذه كل طاقتي على الإرادة، ويصل ما تُحدِثه من شلَل إلى آخر عقلة في إصبعي.
نداء أدركت قرب النهاية مصدره … كان الرجل مصدره … كلما رأيته مطمئنًّا يغني ويرفع عقيرته، وكأنما الوجود كله ملكه، أحسست أنه لا يضمر شرًّا، ولا يتوقع شرًّا. وكلما سمعت كلماته، وتعرفت عليها ووجدت لها معاني، وكلما رأيت جلبابه الأبيض وعمامته، والدقيق الذي طحَنَه، أحسست أن المسافة بيننا تتلاشى، وأنه يغنِّي لي مثلًا، أو يحييني، وأنه إنسان، وأنه حرام … حرام … حرام … كل غنائه وخبطاته بالعصا على ظهر دابته، وهزات أرجله ورنات حنجرته، دون أن يقصد هو أو يعِي كانت تصلني على هيئة نداء أمر واحد يقول: حرام، حرام. بل تكاثرت النداءات في النهاية؛ إذ إن أي شيء كان يفعله كإنسان كان يطلق نداء، حتى جلسته الآدمية المنتصبة فوق الدابة كانت تطلق نداء … تكاثرت النداءات، حتى وجدتها في النهاية تصنع حوله سياجًا لا يمكن اختراقه. وكأنه أينما يتحرك تتحرك معه دائرة حرام واسعة لا بد أنها احتوَتْني وشلَّتْني، والتي بلغ من تأثيرها أنه حين أصبح قاب قوسين أو أدنى من الكوبري، ورآنا وألقى السلام، وجدت المدفع ينزلق من قبضتي ويَسقط، ووجدتني أقول: سلام ورحمة الله.
وحين حاذانا … وقال معتذرًا عن مروره علينا راكبًا: دستوركم يا رجالة.
وتصاعد من جانبي صوتٌ كنت قد نسيته تمامًا، يقول: دستورك معك … اتفضل.
بدأت أتذكر على وجه التحديد المصير الذي ينتظرني … والعجيب أني فعلت هذا بلا خوف وبلا مبالاة تامة … كنت على استعداد لمقاومة الغريب، إن هو حاول قتل الرجل، وإنجاز ما فشلت في إنجازه، مقاومته حتى ولو اقتضى الأمر أن أفقد حياتي.
١٥
ولكن الغريب لم يقتلني، وأيضًا لم يحاول قتل الرجل. وبدأت أتكلم وأحاول أن أشرح ما بدَر مني، أو على وجه أصح ما لم يبدُر مني، ولكنه وضع يده على كتفي، وقال: مفيش داعي … البلطة دي كنت مجهَّزْها ليك صحيح.
وسألته لماذا إذن لم يستعملها؟ وفوجئت به يقول إنه كان ينوي استعمالها حقيقة لو كنت قد أطلقت النار على الرجل وصرَعْته … إجابة أذهلتني، وجعلتني أستمع للكلمات التي قالها بانتباهٍ عظيم، ولكنه على أي حال لم يتكلم كثيرًا … قال ما معناه إنه، هو الغارق إلى أذنيه في عالم الجريمة والقتل، كان لا يمكن أن يسمح لي بأن أتردَّى فيه حتى لو أردت، فلو كنت قد فعلتها، لما كنت قد كففت أبدًا عن فعلها ولأصبحت مثله، ولعشت الحياة المؤلمة الرهيبة التي يحياها، ولاضطررت دفاعًا عن حياتي لأن أجتثَّ أعمارًا، وأيتِّم أولادًا وأملأ الأرض بشروري وآثامي، أتعذب وأعذب الناس، وأعاديهم إلى درجة الموت، ويعادونني إلى درجة البغض، لأصبحت في النهاية ابن ليل غادرًا خئُونًا كشلبي … إذا تعاملت بشرف فقدت حياتي، وإذا لم أشكَّ في كل الناس حتى أخلص الناس … ضعت.
– واخص على العيشة اللي لا تأمن فيها الناس ولا الناس يأمنوا لك … ولا تصدق حد ولا حد يصدقك، ولا تخلص لحد ولا حد يخلص لك … الموت أهون منها … والمصيبة إنك فيها ما تقدرش تقتل روحك، تقتل كل الناس ولا تقتل روحك … وعلشان كده كنت حالحقك وأرحمك وأخلص عليك، يا ريت ألاقي أنا حد يرحمني ويغلبني، ويخلص عليَّ.
وسكت برهة يتأمل القمر … ثم قال وكأنما يحدث نفسه: وعلى أقل تقدير لو كنت قتلته كنت حاعرف أنك ما عدتش تنفع الواحد يأمن لك … النفر لما بيقتل بيصبح زي الديبة، ماعندهاش مانع تاكل ولادها، بينسعر زي ما يكون عقر كلب مسعور، ويبقى مالوش شغلة إلا أنه يعض، ويفضل يعض حتى صاحبه وصديقه … وعلى أقل تقدير كنت حاتبلغ عني.
وسكت مرة أخرى وتناول مني المدفع وراح يتفحَّصه … ثم استطرد: الظاهر إني لازم أفوق … آني حاوديك في داهية معاية … آني عذبتك قوي … وطول المدة دي كنت باتمني أني أغمض وأفتح ألاقيني أبوك، وألاقيني راجل طيب وألاقيك ابني … إنما الظاهر أبوك الحقيقي أولى بك … اصلُب حيلك.
كنت سادرًا في إصغائي حين فاجأتني كلماته الأخيرة، فقد قالها بلهجة مغايرة تمامًا، وبصوت حاسم باتر لا تشوبه ذرَّة تردد أو رحمة … وحدقت فيه بعيون واسعة مدهوشة، وبملامح صارمة جامدة قاسية لا تضطرب … عاد يقول: فِز قوم … وما تبطَّلش جري إلا حدَا بيتكم.
ودوَّى انفجار رهيب، وفوق كتفي تمامًا، مرت لفحة هواء ساخن مضغوط كادت تقتلع أذني، وأفقت على نفسي وأنا أجري … ودوَّى انفجار بعيد آخر، وفوق رأسي مرت كتلة الرصاص تغلي وتطش وتثقب الهواء … ولكني وحتى وأنا مستمِّر في انطلاقي، جرؤت على إلقاء نظرة — كنت أعرف أنها الأخيرة — على الغريب … وربما كان خداعَ بصر، ولكني شعرت، وكأني أنا الثابت وكأنه هو الذي يجري ويتحرك … بملامح بدَت طاعنة في الكبر، وبأكتاف تنوء بما حملت، وبقامة قصيرة مضت تغوص مع الليل وتختفي في أعماقه، وتنضم إلى كتله السوداء المتراجعة أمام كاشفات الفجر وشعاعاته.



