خرِيف الِانحناء/أ. حسناوي سيلمي

تحت سماء خريفية دافئة تلتحف الضباب، وفي أزقة مكسوة ببريق الندى، خطى ذلك الآدمي المنسي خطوته البطيئة نحو حتفه الفكري. كان رجلاً يقتات من حبر السجلات البالية، تلميذاً أزلياً في مدرسة الطاعة، شبّ وشاب بين رفوف المكاتب الرسمية حتى غدا ظلاً ملتصقاً بالجدران.
ذات مساء، أخذ مكانه مستتراً في ركن قاصٍ من بهو الفنون الكلاسيكية، يبتغي قسطاً من السكينة. لكن، جفاء الشتاء فاجأ صدره العليل، فخرجت منه زفرة عاتية مدوية، لم يملك لردعها سبيلاً، لتستقر نثاراتها على غطاء كتف رجل وارف الظل، مهيب الجانب، ممن يملكون زمام الأمور وتخضع لـ هيبتهم الرقاب في الدوائر الإدارية.
في تلك اللحظة، انفرط عقد الطمأنينة من صدره، ودبّ دبيب الهلع في عروقه.
انحنى مستسمحاً، وجلاً، يرجو الصفح بـ كلمات متلعثمة:
— “العفو من شيمكم.. لم يكن الأمر وراءه سوى عارض صحي ألمّ بي.”
أجابه الآخر بـ جفاء وهو يشيح بـ نظره:
— “تجاوزنا الأمر.. لا تلتفت خلفك.”
لكن عبارة العفو تلك لم تكن ترياقاً، بل تحولت إلى طوق خنق وجدانه. طوال تلك الليلة، ظل الرجل يتقلب على جمر الظنون، تغذّي مخاوفه رفيقة دربه التي همست له بـ وازع الحرص الشديد على رزق الصغار:
— “هؤلاء القوم عيونهم لا تنام، وضغينتهم لا تموت. بكر إليه في مقر ديوانه، واستدرِك زلتك قبل فوات الأوان.”
ومع بزوغ الفجر، وقف بـ باب الديوان كـ طيف عابر وسط الحشود. ولما أُذن له بالولوج, جثا بـ عبارات التبرير المكررة، يقسم بـ غالي المعتقدات أن غايته لم تكن الانتقاص من مقامكم الرفيع.
حينها، ضاق صدر الوجيه بـ إلحاح هذا الكائن الهزيل، واستشاط غضباً من ملاحقة هذا الوهم، فزجر بـ حزم صاعق:
— “أتهزأ بـ مقامي؟! تنحَّ عن ناظري، فـ دوني ما يشغلني!”
خرج المسكين تائهاً في الدروب، تتقاذفه الظنون بـ أن رزقه قد قُطع، وأن صك محوه قد وُقّع. أحس بـ الأرض تميد، وبـ الهوى يضيق، حتى غدت الروابي الشاهقة حوله كـ جدران زنزانة مغلقة.
ولما ولج عتبة داره، انزوى بـ صمت رهيب، وتوسد فراشه الخشبي مطرقاً بـ بصره نحو الفراغ. كانت الغُصّة قد بلغت مأربها من أنفاسه، حتى عجز الفؤاد المرتجف عن المضي قدماً في نبضه. ومع غياب الشفق، صعدت روحه إلى بارئها، مقتولاً بـ وهْم استصغار الذات وسياط الذعر الوظيفي التي تبرع الضحية في جلد نفسها بـ ها بـ نفسـها.



