الكتَّاب الروس في القرن العشرين، أعمالهم ومصائرهم/فلاديمير أكيموف – ترجمة أنور إبراهيم
أعمال إ. إ. بابل
الأعمال الكاملة في جزأين (جمع وإعداد النص أ. ن. بيروجكوف، المقال الافتتاحي ج. م. بيلايا، تعليق س. ن. بوفارتسوف)، موسكو، «خودوجيستفينايا ليتيراتورا»، ١٩٩١م.
مختارات، موسكو، «خودوجيستفينايا ليتيراتورا»، ١٩٥٧م.
أعمال عن إ. إ. بابل
إ. بابل، ذكريات المعاصرين، موسكو، «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٧٢م؛ ف. ليفين. إ. بابل، مقال في الإبداع، موسكو، «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٧٢م؛ ذكريات عن بابل، إعداد: أ. ن. بيروجيكوف، ن. ن. بورجينيف، المقال الختامي: س. بوفارتسوف، موسكو، «كنيجنايا بالاطا»، ١٩٨٩م.
(١-٣٣) ميخائيل ميخايلوفيتش زوشينكو
(٢٩ يوليو/١٠ أغسطس ١٨٩٤م، بطرسبورج – ٢٢ يوليو ١٩٥٨م، ليننجراد، دُفن في سيستروريتسك).
وُلد م. م. زوشينكو في عائلة فنان، وبعد أن أنهى المدرسة الثانوية الْتحق للدراسة بكلية الحقوق بجامعة بطرسبورج، لكنه لم يُكمل الدراسة بها بعد أن قضى فيها بضع سنوات ليتركها ويتطوَّع للذهاب إلى الجبهة، وهناك خاض غمار الحرب في البداية في الجيش القديم (وصل في الخدمة إلى رتبة ضابط أركان وقد حصل على عددٍ من الأوسمة) ثم استمر بعد ذلك في الخدمة في الجيش الأحمر. تقلَّب في العديد من المهن، ومنذ عام ١٩٢١م بدأ في العمل بالأدب، وكان واحدًا من جماعة «الإخوة سيرابيون».١٦
بدأ م. م. زوشينكو نشاطه الأدبي بكتابة عدد من القصص القصيرة تتناول الحياة اليومية، وسرعان ما أصبح واحدًا من أشهر الكتَّاب وأكثرهم شعبيةً لدى جمهور القراء. حملت أول مجموعة قصصية له اسم «حكايات نازار إيليتش، السيد سنيبريوخف» (١٩٢٢م). ومنذ هذا التاريخ وحتى عام ١٩٤٦م، أصدر العديد من القصص القصيرة والطويلة والمسرحيات طُبعت فيما يقرب من مائة كتاب.
ولكنه في الحقيقة لم يُصدر على مدى العشر سنين التالية، من ١٩٤٦م وحتى ١٩٥٦م، أي كتاب (يعود السبب في ذلك إلى النقد «الحزبي» الذي وُجِّه لأعماله).
وتعد أكثر أعماله شهرةً (إلى جانب أفضل قصصه التي صدرت في العشرينيات): «الكتاب الأزرق» (١٩٣٥م)، «الشباب المستعاد» (١٩٢٣م)، «خطابات إلى الكاتب» (١٩٢٩م)، قصص للأطفال من سلسلة «ليليا ومينكا»، وكذلك كتابه «قُبيل شروق الشمس» (١٩٤٣م). وفي الفترة من ١٩٢٩م إلى ١٩٣٢م صدرت لزوشينكو «الأعمال الكاملة في ستة أجزاء». وقد بلغ عدد النسخ التي صدرت في العشرينيات والثلاثينيات عدة ملايين.
ما تفسير هذه الشعبية التي حظي بها زوشينكو؟
لقد وجد الفنان ضالَّته في موضوع الكارثة الثقافية، التي عاشتها الجماهير في سنوات ما بعد الثورة، عندما وجدت نفسها فجأةً في واقع شديد التغير. وفي سياق سعيه للتأقلم مع الحياة الجديدة، كان بطله يقع دائمًا في مواقف سخيفة؛ فكان لسلوكه تأثيرات كوميدية شديدة. لقد استطاع م. م. زوشينكو بدقة فائقة أن يخلق سمات لغويةً ونفسية للدراما الثقافية التي يعيشها أبطاله؛ ممَّا جعله فنانًا «سهل المنال» بالنسبة للقارئ العادي، فنانًا أصيلًا على نحو يصعب تكراره. ومع ذلك فقد كان قدره أن يظل في حالة مقاومة مستمرة للوسط المحيط به، وكان هذا الوسط يتطلَّب بدوره التكيُّف والمواءمة من جانب الكاتب نفسه (وهو السبب الذي جعله يتنازل أمام الضغوط التي تعرَّض لها، وذلك في روايته «الجزاء»، التي كتبها عن كيرينسكي، ثم في رواية «تاريخ حياة»، وهي عن التزييف الذي حدث في قناة بيلومور وما إلى ذلك). لكن الأمر الأساسي هو أن م. م. زوشينكو لم يتنازل عن تقديم الصورة الحقيقية للحياة، متجنبًا وضع أي «أصباغ» وهو يرسم صورًا للشعب السوفييتي. ومن ثم فإن شخصياته قد «ابتعدت» كثيرًا عن التطابق مع الخرافات الدعائية وفقًا للتوحيد القياسي الشمولي للمعايير والأخلاق. ولم يكن من الممكن لكل هذا إلا أن يجعل من الكاتب كاتبًا غير مقبول، سهل التعرُّض للتجريح والإساءة، وخاصةً في سنوات ما بعد الحرب. وفي عام ١٩٤٦م، تم طرده من الأدب بشكل فظ، وفي الواقع، من الحياة ذاتها. لم يبرأ الكاتب، حتى أيامه الأخيرة، من الجرح الذي أصابه في عام ١٩٤٦م، وكذلك من القرار الخاص بمجلتَي «زفيوزدا» و«ليننجراد»، الذي لم يتم إلغاؤه إلا بعد ثلاثين عامًا من وفاة زوشينكو.
أعمال م. م. زوشينكو
الأعمال الكاملة في ثلاثة أجزاء، ١٩٨٦-١٩٨٧م.
خطابات إلى الكاتب، الشباب المستعاد، قبيل شروق الشمس، موسكو، ١٩٨٩م.
أعمال عن م. م. زوشينكو
تشوداكوفا م. الإبداع الفني عند ميخائيل زوشينكو. م، ١٩٧٩م.
ستراخوف أز ميخائيل زوشينكو، مصير فنان، موسكو، ١٩٩٠م.
جرانين د، ظاهرة عابرة، في كتاب جرانين د، عن قضية ملحَّة، ليننجراد، ١٩٨٨م.
ميخائيل زوشينكو في مذاكرات معاصريه، ليننجراد، ١٩٨١م.
ذكرياتي عن ميخائيل زوشينكو، مجموعة مقالات، موسكو، ١٩٩٠م.
(١-٣٤) جيورجي فلاديميروفيتش إيفانوف
(٢٣ سبتمبر/١١ أكتوبر ١٨٩٤م، ضيعة ستودينكا بمحافظة أوفينسكايا – ٢٦ أغسطس ١٩٥٨م، مدينة إيير لو بالما، فرنسا).
ينحدر ج. ف. إيفانوف من عائلة عسكرية وعريقة، تلقَّى تعليمه في الفيلق الثاني للكاديت في بطرسبورج (حتى عام ١٩١٠م، لكنه لم يستكمل الدراسة به).
بدأ في نظم الشعر ونشره في سن مبكرة في عام ١٩١٠م. في البداية كان قريبًا من النزعة المستقبلية، وقع تحت تأثير إ. سيفيريانين، ثم أصبح واحدًا من المشاركين في «ورشة الشعراء»، حيث اجتاز بنجاح هذه المدرسة المتخصِّصة في حِرفة الشعر. كان أول ديوان له هو «الإبحار إلى جزيرة تسيتيرا» (يرتبط اسم الديوان بلوحة للرسام أ. فاتو وصدر في عام ١٩١٢م). ويتجلَّى في هذا الديوان تأثير الشاعر م. كوزمين. أما الدواوين التالية لإيفانوف فتظهر في ثناياها روح المدرسة الذُّروية، وهي «غرفة في بيت ريفي» (١٩١٤م)، «تمثال للمجد» (١٩١٥م)، «نبات الخلنج» (١٩١٦م). وقد تميَّزت دواوين ج. ف. إيفانوف منذ البداية بالحرفية الشعرية الرفيعة، وفي الوقت نفسه كان الجانب الإنساني فيها واضحًا دون أي غموض. كانت «متقنة»، على حد تعبير ألكسندر بلوك، تجد فيها الموهبة والفكر والذوق الرفيع، لكنها تفتقر إلى الدراما النفسية بما فيها من مشكلات حيوية. ولعل أفضل مجموعات ج. ف. إيفانوف الشعرية التي كتبها قبل الثورة كان ديوان «الحدائق» والذي صدر في عام ١٩٢١م، لكننا نلمح في هذا الديوان محاولة الشاعر القوية أن يردِّد نغمةً شعرية واحدة، مغلقًا قلبه عن كل كلمة تبتعد عن سياق التقاليد.
إن ج. ف. إيفانوف شاعر كبير أصيل اتخذ طريقه إلى المهجر بعد كارثة من كوارث الثورة، وهي جريمة قتل جوميلوف، وبعيدًا عن الوطن ظل يعاني مأساة الوحدة والعزلة، التي فجعته حتى آخر يوم في حياته، وكان ج. ف. إيفانوف قد أعدَّ للنشر قُبيل رحيله إلى المهجر كتاب جوميلوف: «أشعار ما بعد الموت» و«خطابات عن الشعر الروسي».
كان عام ١٩٢١م بداية سنوات المهجر في برلين بالنسبة لإيفانوف، لينتقل منها بعد ذلك إلى باريس، وقد استكمل في هذه السنوات أشعاره التي ظهرت في دواوينه الأولى، إنها أشعار واحد من أفضل شعراء المهجر، أشعار تراجيدية مغرقة في الأسى الكوني واليأس الوجودي، تكمن قوتها في البصيرة الروحية وفي تلك المأساوية التي تربط بينه وبين ليرمونتوف في استهانته المتكبرة، وبين بلوك في رؤيته «النزقة» المتعالية تجاه العالم. ربما يكون إيفانوف أكثر الشعراء الروس تشبُّعًا، بعد بلوك، بروح بطرسبورج. وقد أصدر في المهجر عددًا من الدواوين: «ورود» (١٩٣١م)، «الإبحار إلى جزيرة تسيتيرا» (١٩٣٧م)، ليكرِّر بذلك اسم أول دواوينه، أما ديوانا: «صورة لا مثيل لها» (١٩٥٠م)، و«أشعار ١٩٤٣–١٩٥٨م» فيعبِّران تمامًا عن صفات ج. ف. إيفانوف الشاعر. ويُعَد ج. ف. إيفانوف أديبًا شيقًا أيضًا وكاتب مذكرات متميزًا، تحوَّلت يومياته «فصول شتاء بطرسبورجية» (١٩٢٨م) إلى قصة، وكذلك كانت له روايات قوية كتبها في الثلاثينيات، وهي: «روما الثالثة» و«كتاب المملكة الأخيرة»، وله مقال بعنوان «انهيار الذرة».
عاش ج. ف. إيفانوف، كما عاش الكثير غيره من المهاجرين، في فاقة، ومات في بيت للمسنين.
أعمال ج. ف. إيفانوف
أشعار؛ روما الثالثة، فصول شتاء بطرسبورجية؛ ذكريات؛ ظلال صينية، صور أدبية، موسكو، ١٩٨٩م.
أشعار مختارة، في كتاب القوس، موسكو، ١٩٩١م.
كتاب المملكة الأخيرة، مجلة «أكتوبر»، ١٩٧٢م، العدد ٧.
أعمال عن ج. ف. إيفانوف
أودويفتسيفا إ، على ضفاف النيفا، موسكو، ١٩٨٨م.
أودويفتسيفا إ، ١٩٨٩م؛ كرييد ف (عن ج. إيفانوف)، في كتاب القوس، موسكو، ١٩٩١م.
(١-٣٥) يوري نيكولايفيتش تينيانوف
(١ / ١٨ أكتوبر ١٨٩٤م، مدينة ريجيتسا بمحافظة فيتيبسك – ٢٠ ديسمبر ١٩٤٣م، موسكو).
وُلد ي. ن. تينيانوف في عائلة طبيب، درس في مدينة ثانوية تقليدية، وفي عام ١٩١٨م أنهى كلية الآداب والتاريخ في جامعة بتروجراد. عمل مترجمًا بالكومنترن (القسم الفرنسي، ١٩١٨–١٩٢١م)، ثم عمل من عام ١٩٢١م وحتى عام ١٩٣٠م أستاذًا بمعهد تاريخ الفنون في بتروجراد، ليننجراد.
سافر إلى الخارج عدة مرات (إلى ألمانيا ١٩٣٢م، وإلى فرنسا ١٩٣٦م). اختير في المؤتمر الأول للكتَّاب، الذي عُقد في عام ١٩٣٤م، ليكون عضوًا في مجلس إدارة الكتَّاب السوفييت. عاش في ليننجراد حتى منتصف الثلاثينيات، ليعيش بعد ذلك في موسكو.
انتمى ي. ن. تينيانوف في البداية لِما عُرف باسم «المدرسة الشكلانية»، ثم انضم إلى أوبوياز. وهو واحد من كبار علماء الدراسات الأدبية، وظل زمنًا طويلًا مرتبطًا بحبه الأول وهو الشكلانية، لكنه أصبح بعد ذلك مراقبًا بارزًا للحياة الأدبية التي ولَّت والتي لا تزال قائمة، مستقلًّا عن قوالب «النزعة الشكلانية»، وعن المدرسة الاجتماعية المبتذلة. وهو من أوائل الذين كتبوا عن هذا الفن الجديد آنذاك، فن السينما. كان ي. ن. تينيانوف أكثر من معاصريه إيمانًا بالثقافة التي جاء بها «العصر الفضي»، وبتعدُّديتها الإبداعية، لقد انطلق من الشعور بوحدة الأدب، ورأى الروابط الداخلية الخالدة للأحداث الأدبية. وباعتباره أديبًا فقد توصَّل إلى نمطه الخاص في المصدر التاريخي، الذي أصبح أستاذًا بارزًا فيه ومبتكرًا أيضًا. جاء من العلم، من التاريخ ومن نظرية الأدب، ومن فن الإبداع «البويوطيقا»، جاء من المصدر التاريخي، من الوثيقة ليسير بعد ذلك أبعد وأعمق من الوثيقة. عرف الأدب الروسي وأحبَّه، من بوشكين إلى جوجول، ثم إلى معاصريه: بلوك، خليبنيكوف وماياكوفسكي.
عمل ي. ن. تينيانوف بعض الوقت في مجلة «ليف»، التي كان يُصدرها ماياكوفسكي، وكان قريب الصلة من هذه الجماعة (جماعة «ليف») وكذلك من «المدرسة الشكلانية». ويُعَد تأسيس ي. ن. تينيانوف لسلسلة «بيبليوتيكا بوييتا» (مكتبة الشاعر) الشهيرة، ومشاركته الفعَّالة فيها مؤثرة ثقافية وعلمية كبرى. ومن الجدير بالإشارة أيضًا ترجماته الرفيعة لأشعار هنريخ هينة.
لكن الأهم في إبداع ي. ن. تينيانوف هو نشره المستند إلى المادة التاريخية، التي كان أفضل من يعرفها من بين معاصريه. لقد تناول تينيانوف في قصصه ورواياته وقصصه القصيرة عن التاريخ الروسي، وعن مصائر المثقفين الروس، عن مفارقات ودراما النبلاء والإنتلجينسيا الروسية من المهن كافة، كما تناول كيفية صعود التاريخ القومي بكل هؤلاء ومن خلالهم، وهو الموضوع الذي لم يتناوله أحد قبله. وباعتباره كاتبًا تاريخيًّا، فربما بات من الممكن وضعه، بعد أن حدَّد اتجاهه، جنبًا إلى جنب ألكسي تولستوي وألكسي تشابيجين، وذلك عن استحقاق وجدارة.
لقد بدأ الأمر على النحو التالي: بعد أن عالج المواد التي لم تُدرس جيدًا والخاصة بتاريخ الديسمبريين،١٧ أُعجِب ي. ن. تينيانوف بشخصية فيلهلم كيوخيلبيكر١٨ الطريفة والواضحة. وهنا عُرض على هذا العالم أن يكتب عنه كتابًا مدرسيًّا موثقًا. وبدلًا من ذلك كتب ي. ن. تينيانوف روايته الرائعة «كيوخليا» (١٩٢٥م). ومنذ كتابه الأول وجد تينيانوف طريقته الخاصة الحادة والمؤثرة، عبَّر من خلالها عن رؤيته الفنية للتاريخ. وباعتباره روائيًّا تاريخيًّا كتب بالإضافة إلى «كيوخليا» روايةً عن الدراما الروحية للكاتب الروسي ألكسندر جريبويدوف (١٧٩٥–١٨٢٩م) بعنوان «وفاة الوزير مختار» ١٩٢٨م، «الملازم ثان كيجي» ١٩٢٨م، «رجل من شمع» ١٩٣١م وغيرها؛ وأخيرًا كتب روايةً عميقة لم تكتمل عن حياة وشخصية بوشكين بعنوان «بوشكين» ١٩٣٥ و١٩٤٣م. لقد قال ي. ن. تينيانوف كلمته عن التاريخ الروسي، وهي لا تزال، حتى يومنا هذا، الكلمة الأخيرة عنه. لم تكن مسيرته سهلة؛ فالحقيقة عن مصائر رجالات الثقافة الروسية وعن الحياة في الماضي في زمنه لم يكن من الممكن التعبير عنها آنذاك دون عائق.
اصطدم يراع تينيانوف — الروائي التاريخي طوال الوقت، كما قال هو نفسه — بأمور «موازية مع عصرنا». ولم يكن من الممكن ألَّا تنعكس خبرته في استيعاب التاريخ جزئيًّا في أشكال هجائية جروتسكية، الأمر الذي أصبح يقابَل يومًا بعد يوم بالمنع في إطار التفسيرات الرسمية في الماضي. لم يُغفر لتينيانوف امتلاكه لروح مستقلة، وما جُبلت عليه نفس من كبرياء وتمسُّك بالمبادئ، أما المرض المضني، الذي تعذَّب به طويلًا والموت المبكر، فقد حرماه من استكمال الكثير من مشروعاته.
أعمال ي. ن. تينيانوف
الأعمال الكاملة في جزأين (المقال الافتتاحي والتعليقات: ب. كوستيليانتس)، ليننجراد، «خودجيستيفينايا ليتيراتورا»، ١٩٨٥م؛ الحقيقة الأدبية، موسكو، دار نشر «فيشيا شكولا» (المدرسة العليا)، ١٩٩٣م.
أعمال عن ي. ن. تينيانوف
بيلينكوف أ. ف. يوري تينيانوف، الطبعة الثانية، موسكو، دار نشر «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٦٥م.
ذكريات عن ي. تينيانوف موسكو، «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٨٣م.
فيرين ف، نوفيكوف ف، رؤية جديدة، كتاب عن يوري شينيانوف، «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٨٨م.
(١-٣٦) بوريس أندرييفيتش بيلنياك
(٢٩ سبتمبر/١١ أكتوبر ١٨٩٤م، مدينة موجايسك بمحافظة موسكو – أعدِم رميًا بالرصاص في ٢١ أبريل ١٩٣٨م في موسكو).
الاسم الحقيقي له فوجاو. والده من ألمان نهر الفولجا، كان يعمل بيطريًّا. والدته روسية تنحدر من عائلة تجار عريقة من ساراتوف. قضى طفولته وشبابه في عدد من المدن والأقضية التابعة لمحافظة موسكو وفي مسقط رأس والديه في الفولجا الألمانية. بدأ تعليمه في ساراتوف، في المدرسة الثانوية، لينهي هذه الدراسة في معهد فلاديميرسكي في مدينة نيجني نوفجورود، ثم في معهد موسكو التجاري عام ١٩٢٠م.
بدأ ب. أ. بيلنياك في نشر أعماله مبكرًا، قبل اندلاع الثورة، لكن أفضل سنوات إبداعه وافقت العشرينيات. عاصر بيلنياك أحداث الثورة والحرب الأهلية وتتبَّع أخبارهما في أثناء وجوده في الريف، وعن هذه الأحداث كتب روايته الأشهر «العام العاري» (١٩٢١م). طوَّف ب. أ. بيلنياك في بلدان عديدة، فسافر إلى ألمانيا (١٩٢٢م) وإنجلترا (١٩٢٣م)، وفي نهاية العشرينيات ذهب إلى الصين واليابان والشرق الأوسط، وفي بداية الثلاثينيات سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية …
امتلك ب. أ. بيلنياك شخصيةً متميزة بارزةً على خلفية الأدب السوفييتي في تلك الفترة. وكان لبيلنياك رؤاه الفنية المهمة والشجاعة، التي سبق بها العديد من الكتَّاب الشباب من أبناء الجيل الذي جاء بعد الحرب. تعلَّم على يد كلٍّ من بيلي وزامياتين وريميزيف. لقد علَّمته دروس وخبرات السابقين أن يقول كلمته. وحتى الزمن نفسه، هذا الزمن العاصف الكارثي، الذي انهار فيه كل شيء، والذي فقدت الأمور فيه أشكالها وأُطُرها، قد جعل من أدبه، أدبًا فطريًّا واضحًا ومتميزًا.
على أن مصير الكاتب اتخذ مسارًا متقلبًا للغاية.
ظل هناك عملان فقط في الأدب الروسي يمثِّلان ب. أ. بيلنياك: روايته الأولى «العام العاري» و«قصة قمر متألق» (١٩٢٦م). وقد حاول الكاتب أن «يلعب على الوجهين» مع النظام؛ فتارةً يثير حفيظة هذا النظام باستقلاله، وتارةً يقوم بأداء «طلباته». أما السلطة، فتارةً لم تكن تشعر بقوته، وتارة، وهو الأكثر، كانت «تلعب معه أيضًا على الوجهين» بالتناوب (وخاصةً بشأن «ليبراليي» العشرينيات)؛ فتارةً تتغاضى عن «جماعة بيلنياك»، وتارةً تنهره في غضب، ولكن تبقى الكلمة دائمًا لها، للسلطة. وقد جرى ضم بيلينياك إلى زامياتين وبولجاكوف وكليويف (الذين تم اعتبارهم كتَّابًا معادين للنظام السوفييتي بامتياز) بهدف تخويف الأدب المستقل بأسره على نحو التجريدة الأيديولوجية التي جرت في زمن «الانعطافة الكبرى»، زمن «نزع ممتلكات الكولاك» بشكل شامل، وعند تعرض ب. أ. بيلنياك للنقد الأيديولوجي، أعلن توبته على الملأ (خلافًا لكليويف وزامياتين وبولجاكوف)، الأمر الذي كان مقبولًا في تلك السنوات، ومن ثم أصبح بإمكانه الكتابة والنشر، ولكنه عندئذٍ لم يعد بيلنياك الذي كان من قبل، فراح يكتب ما ينبغي كتابته. أخذ بيلنياك يُعِد العدة للتصريح له للقيام بأسفار جديدة ليُحضر منها ما يتوقعه منه، وفي هذه الفترة تحوَّل أدبه إلى قَصص «سوفييتي» عادي. على أن ذنوبه القديمة لم تُنسَ؛ أحد أول هذه الذنوب أدَّى إلى التنكيل به في نهاية الثلاثينيات ليختفي دون أثر. وفي روايته «العام العاري»، التي تعد من أوائل روايات «الأدب السوفييتي»، كان ب. أ. بيلنياك تقريبًا أول من قدَّم الثورة الروسية باعتبارها ثورةً تعادي من داخلها ثقافة القرن العشرين، ثورةً كارثية تستمد مرجعيتها من مصادر بدائية زائفة، وهي بطبيعتها تُعتَبر عودةً إلى نموذج الحياة الغابرة. وقد تناولت الرواية «الشخصيات البدائية الفظة»، التي صعدت إلى سطح الأحداث قادمةً من أعماق الحياة المظلمة، بعد أن خلعت عن نفسها أغطية الثقافة. وقد أصبح تعبير «ذوي المعاطف الجلدية»، الذي أدخله ب. أ. بيلنياك، تعبيرًا شائعًا لعدة عقود، وهو يصف البلاشفة الذين يعملون ﺑ «حماس» وغباء.
ومن المعتاد القول بأن هذه «القصة» تعكس تاريخ العملية العسكرية، التي أُثيرت على مستوى «القيادات العليا»، والتي وجَّهت ضربةً قاضية للقائد العسكري الشهير فرونزه١٩ (يمثِّله في «القصة» القائد جافريلوف). لكن جوهر الأمر أكثر جديةً وعمقًا؛ فجافريلوف ونيجوربياشي (الذي رأوا فيه ستالين)، هما شخصيتان مختلفتان تمامًا بعضهما عن بعض، وإن تطابقا من ناحية كونهما عضوين في الحزب، على استعداد للتضحية، دون تفكير أو تمعُّن للأمور، من أجل «الضرورة التاريخية»، من أجل «الفكرة»، التضحية بأي شخص، بل بالبشرية جمعاء. هنا يكمن اكتشاف ب. أ. بيلنياك، السر الفظيع للبلشفية الذي أفشاه. أما العملية العسكرية التي أُجبِر عليها القائد العسكري، فلم تكن إلا محورًا لتطوُّر أحداث القصة.
وخلافًا لهاتين الروايتين، هناك أعمال أخرى لبيلنياك منها: «ماكينات وذئاب» (١٩٢٥م)، «نهر الفولجا يصب في بحر قزوين» (١٩٣١م)، «قصة أمريكية» «أو كي»، قصة «إيفان وماريا»، مجموعة مقالات بعنوان «جذور الشمس اليابانية» وغيرها. في ١٩٢٩-١٩٣٠م صدرت لبيلنياك «الأعمال الكاملة» في ثمانية أجزاء.
أعمال ب. أ. بيلنياك
قصص طويلة قصيرة (الإعداد والمقال الافتتاحي والتعليقات إ. أ. شيطانوف)، موسكو، دار نشر «سوفريمينيك» (المعاصر)، ١٩٩١م.
قصة قمر متألق، موسكو، دار نشر «برافدا» (الحقيقة)، ١٩٩٠م.
أعمال عن ب. أ. بيلنياك
المقال والتعليقات الموجودة في الطبعات المشار إليها سابقًا.
(١-٣٧) سيرجي ألكسندروفيتش يسينين
(٢١ سبتمبر/٣ أكتوبر ١٨٩٥م، قرية قنسطنطينوفو بمحافظة ريازان – ٢٧ / ٢٨ أكتوبر ١٩٢٥م، ليننجراد).
وُلد س. أ. يسينين في أسرة من الفلاحين، ترعرع في البداية في بيت أسرة والده، ثم انتقل ليعيش مع أسرة أمه. عاش والده في موسكو وكان يعمل بالتجارة. بدأ في نظم الشعر وهو في التاسعة من عمره، كان نهمًا للقراءة منذ صباه، وخاصةً قراءة الشعر الروسي. استوعب بداخله البيئة الشعرية الشعبية والمشاعر الروحية الدينية المحيطة به. تلقَّى تعليمه في مسقط رأسه، أنهى فصلين بمدرسة المعلمين. منذ عام ١٩١٢م، ذهب ليعيش في المدينة، في موسكو في البداية، ثم في بطرسبورج، ليعود مرةً أخرى إلى موسكو. عمل مع والده في محل تجارته، ثم عمل في مطبعة، وفي دار للنشر. لم يستمرَّ طويلًا في الدراسة بقسم الأدب والتاريخ بجامعة أ. ل. شانيافسكي الشعبية.
أبدى نبوغًا شعريًّا مبكرًا ومكثَّفًا. وكانت موضوعاته الشعرية الدائمة تدور حول الإحساس بالحب تجاه كل ما ينبض بالحياة، الحنين إلى انسجام الإنسان مع الطبيعة، الذي أثارته هواجسه بانهيار هذا الانسجام، ثم الخوف من ضياع الاندماج مع العالم، وأخيرًا حبه المضني لروسيا، التي حلَّت بها المصائب («غنيتُ آنذاك، عندما أصاب المرض بلادي»).
سافر يسينين إلى بطرسبورج في عام ١٩١٥م، وانضمَّ إلى الحياة الأدبية، فتعرَّف على بلوك وكليتشكوف وكليويف وريميزيف وجوديتسكي وغيرهم. وكان نجاحه في هذه الحياة نجاحًا سريعًا مدويًا على نحو لافت ومُميز، لقد نالت قصيدته «العصامي» استحسانًا كبيرًا. اكتسب شهرته عند القارئ الجاد بعد ظهور ديوانه الأول «رادونيتسا» (طقوس التأبين) (١٩١٦م).
عاش الشاعر لحظة اندلاع الثورة في عام ١٩١٧م بأمل باطل امتزج بأوهام طوباوية («إينونيا» ١٩١٨م)، ولكنه في السنوات التالية كتب («الأربعون يومًا» ١٩٢٠م، «بوجاتشيوف» ١٩٢٢م، «حانات موسكو» وغيرها). شهد س. أ. يسينين الانهيار الكارثي لعالم «القرية» الروسية، ينابيع الإنسان الروسي، بل انهيار روحه ذاتها. وفي السنوات الأخيرة ظهرت في أشعار س. أ. يسينين وبقوة موضوعات إدراك الذات والندم، الاستشراف الحاد لاستحالة قَبول هذه «الأحداث التي فرضها القدر»، التي حطَّمت الحياة الروسية القديمة.
وفي عامَي ١٩٢٢ و١٩٢٣م قام يسينين برحلة طويلة في الخارج، ولا تزال حادثة انتحار س. أ. يسينين غامضةً حتى الآن.
أعمال س. أ. يسينين
ظهرت دواوين س. يسينين على مدى العشرين – الثلاثين عامًا الأخيرة بأعداد كبيرة عدة مرات.
أعمال عن س. أ. يسينين
مراتشينكو أ. عالم يسينين الشعري، موسكو، ١٩٧٢م.
ذكريات عن سيرجي يسينين، الطبعة الثانية؛ حياة يسينين يحكيها المعاصرون، موسكو، ١٩٨٨م.
(١-٣٨) إيليا إيلف ويفجيني بتروف
إيليا أرنولدوفيتش فايزيليرج (الاسم الحقيقي لإيلف) (١٥ / ٣ أكتوبر ١٨٩٧م، أوديسا – ١٣ أبريل ١٩٣٧م، موسكو).
يفجيني بتروفيتش كاتاييف (الاسم الحقيقي لبتروف) (١٣ ديسمبر/٣٠ نوفمبر ١٩٠٣م، أوديسا – لقي حتفه في الثاني من يوليو ١٩٤٢م في حادث طائرة، لدى عودته من مدينة سيفاستوبول المحاصَرة).
وُلد إ. إيلف في عائلة موظف بأحد البنوك. أنهى المدرسة الفنية في عام ١٩١٣م، عمل في مكتب للرسوم الهندسية، ثم في محطة تليفونات وفي أعمال أخرى. في عام ١٩١٨م بدأ نشاطه الأدبي، فالتحق بالعمل في الصحف والمجلات بمدينة أوديسا وفي وكالة التليفون والبرق لجنوب روسيا.
أمَّا ي. بتروف فوُلد في عائلة مدرِّس ثانوي، ينحدر من أصول نبيلة. في عام ١٩٢٠م أنهى إيلف المدرسة الثانوية في أوديسا. اشتغل عميلًا بإدارة للبحث الجنائي ثم صحفيًّا.
وفي مطلع عام ١٩٢٠م انتقل إ. إيلف وي. بتروف، شأنهما شأن العديد من العاملين بالأدب في أوديسا إلى موسكو، حيث كان ف. ب. كاتايف، الأخ الأكبر ﻟ «ي. بتروف» يعمل في صحيفة «جودوك» (الصافرة). وهناك في صحيفة «جودوك» تعرَّف إ. إيلف ﺑ «ي. بتروف»، الذي اختار لنفسه اسمًا مستعارًا حتى لا يكرر اسم أخيه في الحياة الأدبية. وإلى جانب «جودوك» عمل إيلف وبتروف معًا في العديد من الصحف والمجلات، الساخرة على وجه الخصوص، في موسكو: «كروكوديل» (التمساح)، «تشوداك» (غريب الأطوار)، «سميخاتش» (الساخر).
وفي منتصف العشرينيات سافر إيلف إلى آسيا الوسطى، ولم يكن قد بدأ العمل بعدُ مع بتروف، الذي ذهب ليؤدِّي الخدمة العسكرية في الجيش الأحمر، وقد نجح بتروف في هذه الفترة في إصدار عدد من الكتيبات تحتوي على قصص قصيرة فكاهية («أفراح ميجاس» ١٩٢٦م وغيرها).
وفي عام ١٩٢٧م، وبناءً على نصيحة ف. ب. كاتاييف، بدأ إيلف وبتروف عملهما الأدبي المشترك (المقال الأول لهما بعنوان «الشيطان الأزرق» باسم مستعار هو ف. تولستويفسكي. وكانت لهما أسماء أخرى مستعارة، أكثرها شهرة: الفيلسوف البارد). أمَّا عملهما الكبير فكان القصة الساخرة «قصص غير عادية من حياة مدينة كولوكولامسك» (١٩٢٩م). أما العمل الأول الذي وقَّعاه باسم «إ. إيلف» و«ي. بتروف»، فقد أصبح واحدًا من أشهر الروايات وحمل اسم «اثني عشر كرسيًّا» (١٩٢٩م)، وأتبعاه بعمل آخر هو رواية «العجل الذهبي» (١٩٣١م). وقد تحوَّل ظهور هاتين الروايتين الفكاهيتين، الطريفتين، الجذابتين، «المتماسكتين فكريًّا»، إلى حدث هائل في الأدب السوفييتي الساخر، جعلا من إ. إيلف وي. بتروف يحظيان بشهرة عريضة، وفتحا أمامهما الطريق إلى دُور النشر ذات النفوذ، مثل «برافدا» و«ليتيراتورنايا جازيتا». ظلَّت قصص إيلف وبتروف القصيرة ومقالاتهما الساخرة تنشر طوال النصف الأول من الثلاثينيات.
في ربيع عام ١٩٣٠م، سافر إيلف وبتروف إلى مشروع تركسيبا (سكك حديد تركمانيا-سيبيريا)، وكان آنذاك واحدًا من أشهر مشروعات الخطة الخمسية الأولى.
وقد سافر إيلف وبتروف عدة مرات إلى أوروبا الغربية في أعوام ١٩٣٣-١٩٣٤م (إيطاليا، اليونان وغيرها) باعتبارهما مراسلين صحفيين سوفييتين، وفي الأعوام (١٩٣٥-١٩٣٦)، قاما برحلة طويلة بالسيارة عبر الولايات المتحدة الأمريكية، وصفاها في كتابهما «أمريكا ذات الطابق الواحد».
تُوفي إيليا إيلف في أبريل عام ١٩٣٧م، نتيجة إصابته بالسُّل الرئوي، وقد قام ي. بتروف بإعداد «مذكراته»، ونشرها في طبعة منفصلة في عام ١٩٣٩م (الطبعة المزيدة ظهرت في ١٩٥٧م).
بعد وفاة إ. إيلف عمل ي. بترو ففي عدد من المجلات الأدبية، ولكنه ظل صحفيًّا بصورة أساسية. وفور الْتحاقه بالحزب الشيوعي (البلاشفة) أصبح رئيسًا لتحرير مجلة «أجونيوك» (الضوء) (١٩٤١-١٩٤٢م)، ليسافر بعدها إلى الشرق الأقصى بوصفه مراسلًا لصحيفة «برافدا» ثم إلى سوق لايبتزيج (ربيع ١٩٤١) بوصفه مراسلًا لصحيفة «إيزفيستيا» (الأخبار). وفي هذه الفترة كتب مسرحيةً دعائية معادية لأتباع النهج المسالم بعنوان «جزيرة السلام». وقد وضع بالاشتراك مع ج. مونبليت سيناريوهات فيلمين نالا شعبيةً كبيرة: «قصة موسيقية»، «أنطون إيفانوفيتش يعلن عن غضبه»، وكذلك سيناريو فيلم «الحوذي الجوي»، وغيرها من الأفلام. وكانت له خبرة سابقة في العمل في وضع سيناريو الفيلم الشهير «السيرك» (بالاشتراك مع إ. إيلف).
في خضم الحرب الوطنية العظمى نشرت صحيفتا «البرافدا» و«كراسنايا زفيزدا» (النجم الأحمر) أن ي. بتروف، المراسل الحربي لدى مكتب الاستعلامات السوفييتي، أصبح مراسلًا حربيًّا خاصًّا لوكالة «نانا» الأمريكية. وقد لقي ي. بتروف حتفه في حادث سيارة، وحصل بعد وفاته على وسام لينين. وفي عام ١٩٦٥م، نُشرت أجزاء من رواية ي. بتروف التي لم تكتمل: «رحلة إلى بلد الشيوعية» (وهي عن الحياة في الاتحاد السوفييتي عبر ٢٥ عامًا). وقد مرَّت الرواية دون أن تحظى بأي اهتمام، وهو ما حدث مع الجزء الأكبر من أعمال ي. بتروف التي كتبها بعد وفاة إ. إيلف.
كلا الكاتبين، في الواقع، ظلا معروفين في الأدب الروسي في القرن العشرين باعتبارهما مؤلفَي روايتين ترتبطان بعضهما ببعض من ناحية الموضوع: «اثني عشر كرسيًّا» و«العجل الذهبي». ويكمن الدور الساخر في الروايتين في الاستهزاء بأبناء روسيا «الماضي»، حيث قدَّمتهم الروايتان باعتبارهم أناسًا بؤساء، يثيرون الشفقة، لا مكان لهم في «الحياة الجديدة» المنتصرة. قدَّم الكاتبان وصفًا لكافة «تفاصيل الماضي الصغيرة»، لصغار الناس من طبقات المجتمع وفئاته كافة؛ للمثقفين الثرثارين المدَّعين، لرجال الدين المغرضين المملين، والنبلاء المنحطين، وللجهلة الأغبياء من أصحاب الحرف وسكان المدن، وهلم جرًّا. على هذا النحو أنجز الكاتبان «المهمة الاجتماعية» لزمانهما، وهي تتلخَّص في فضح «رجال الماضي» البائد، والتهكُّم على آمالهم السخيفة في تحرير روسيا من البلاشفة. وقد تم بناء موضوع الروايتين وفقًا لهذه المهمة الأيديولوجية. ومع ذلك فينبغي الاعتراف أن العالم الفكاهي للروايتين يحمل في طياته جزءًا من الحقيقة، التي جاءت في وصف مظاهر ضعف الوعي الروسي الجماهيري، وكذلك الموقف التاريخي الصارم الذي عانته روسيا (وإن تم ذلك على نحو كاريكاتيري). لكن الشخصية النافذة في الروايتين؛ أوستاب بيندير، المغامر الدنيء والجذاب في الوقت نفسه لا يشعر بالثقة في نفسه إلا عندما يصطدم بضيقي الأفق، الذين لا حول لهم ولا قوة، وبالسخفاء غير الواعين بما يدور حولهم. وما إن يلتقي هذا البطل بالواقع السوفييتي المنتصر فإنه، وفقًا للقوانين الرسمية المؤكدة، يشعر بالهزيمة الحتمية الماحقة. وفي رواية «العجل الذهبي» يسخر الكاتبان سخريةً لاذعة من الأدباء الفاشلين الانتهازيين، المؤهَّلين فقط للخنوع الساذج شبه الأمي أمام النظام المنتصر الجديد. لقد استطاع الكاتبان إيلف وبتروف، هم أنفسهم، أن يتأقلما، على نحو أكثر نجاحًا، ودون أن يفقدا شخصيتهما، مع النظام الجديد للحياة الاجتماعية والأدبية، وكانا يستحقان عن جدارة المكافأة من قِبل هذا النظام. لسنوات طويلة استمرَّت روايتا مغامرات أوستاب بينديرا تُنشر ويعاد نشرها، وظلَّت تحظى باستحسان النقاد والنجاح الكبير من جانب القارئ، الذي كان يسير في طريق التأقلم نفسه، محاولًا مع ذلك أن يحتفظ هو الآخر ﺑ «شخصيته».
على أي حال، فإن مستوى التهكُّم والسخرية من «بقايا الماضي» وما به من تشوُّهات، والذي استطاع إيلف وبتروف أن يسمحا به لأنفسهم في هذا الوقت، في ظروف الستالينية المتأخرة، قد جرى بحيث يمكن استيعابه دون السماح له بأن يُلقي بظلاله على النظام الاشتراكي. ويرتبط ذلك بالنقد السلبي، الذي تعرَّضت له الروايتان في نهاية الأربعينيات وفرض بعض القيود على إعادة طبعها. على أنه ومع بداية «ذوبان الجليد» عادت أعمال إ. إيلف وي. بتروف للظهور مرةً أخرى، فكان أن طُبعت أعمالهما الكاملة في خمسة أجزاء. كان لإيلف وبتروف مكانة راسخة بين الكتَّاب السوفييت، الذين أحاطت بهم هالة الليبرالية مع ظل خفيف من الانشقاق. لقد كان نجاح روايتَي إيلف وبتروف، اللتين كُتبتا على نحو مبتكَر شديد التألق والجاذبية، مليء بالحيوية والسخرية، على خلفية مؤلفات معيارية تمامًا لكتَّاب محافظين دعائيين لنمط الحياة السوفييتية، أمرًا مفهومًا وحتميًّا.
أعمال إ. إيلف وي. بتروف
الأعمال الكاملة في أربعة أجزاء، موسكو، دار نشر «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٣٨-١٩٣٩م.
الأعمال الكاملة في خمسة أجزاء، موسكو، دار نشر «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٦١م؛ انظر أيضًا الطبعات العديدة لروايتي «اثني عشر كرسيًّا» و«العجل الذهبي»، «أمريكا ذات الطابق الواحد» وغيرها.
أعمال عن إ. إيلف وي. بتروف
ذكريات عن إيليا إيلف ويفجيني بتروف، موسكو، دار نشر «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٦٣م.
لورييه ي. س. في بلاد البلهاء الشجعان، كتاب عن إيلف وبتروف، باريس، ١٩٨٣م.
(١-٣٩) أندريه بلاتونوفيتش بلاتونوف
(٢٠أغسطس/١ سبتمبر ١٨٩٨م، فورونيج – ٥ يناير ١٩٥١م، موسكو).
وُلد أ. ب. بلاتونوف (الاسم الحقيقي للكاتب: كليمينتوف) لأب يعمل بالبرادة في مصنع فورونيج لإصلاح القطارات، وترعرع في يامسكايا سلوبودا على أطراف مدينة فورونيج. وعندما بلغ الثالثة عشرة من العمر بدأ في العمل في هذه السن المبكرة. وقد درس أ. ب. بلاتونوف في إحدى الأبرشيات، ثم استكمل الدراسة في أحد معاهد المدينة. وقضى خدمته العسكرية إبَّان سنوات الحرب الوطنية في الجيش الأحمر باعتباره مساعدًا لسائق قطار (كان مساعدًا لوالده نفسه)، ثم اشترك بعد ذلك في المعارك في الوحدات الخاصة.
الْتحق أ. ب. بلاتونوف بالمعهد الصناعي بفورونيج بقسم الكهرباء (تخرَّج فيه في عام ١٩٢٤م). عمل طويلًا في إصلاح الأراضي وإدخال الكهرباء إلى القرى في محافظة فورونيج.
بدأ بلاتونوف الكتابة في سنوات الحرب الأهلية، فجرَّب كتابة الشعر والمقال والقصص القصيرة في صحف ومجلات الأقاليم. وكان أول كتاب منشور له هو «دخول الكهرباء» (١٩٢١م)، ديوان «العمق الأزرق» (١٩٢٢م)، أمَّا أول نثر ناضج له فكان بعنوان «بوابات هويس يبيفان» (١٩٢٧م).
أقام أ. ب. بلاتونوف في موسكو بدءًا من عام ١٩٢٦م، ومنذ ذلك الوقت بدأ في كتابة أفضل أعماله عملًا وراء الآخر: «مدينة المدن» (١٩٢٦م)، «تشفينجور» (١٩٢٩م)، «ماكار ينتابه الشك» (١٩٢٩م) وغيرها. تعرَّض أ. ب. بلاتونوف لاضطهاد من الحركة النقدية في فترة «الانعطافة الكبرى» بسبب روايته «ماكار ينتابه الشك»، ثم جاءت روايته «للصالح العام» (١٩٣١م) لتثير رد فعل عدوانيًّا من جانب ستالين. وكانت روايته «تشفينجور» قد قوبلت بالرفض من جانب الناشرين، ولم يكن من الممكن على الإطلاق نشر روايته «الحفرة» (١٩٣٠م).
كان الطريق الإبداعي لبلاتونوف في الثلاثينيات مملوءًا بالمخاطر والشك فيما يكتب، فضلًا عن سياط التوبيخ، ومن ثم وُوجهت أعماله بالرفض. وعندما لم تُتَح أمامه أي فرصة لطبع أعماله، فقد راح يكتب من حين لآخر مقالات نقديةً واجتماعية (باسم مستعار هو ف. تشيلوفيكوف)، وقد جرى جمع هذه الأعمال فيما بعدُ في كتاب «تأمُّلات قارئ». ولم تظهر له بعد ذلك أي كتب إلا في عام ١٩٣٧م، عندما نُشرت قصصه القصيرة الجديدة في كتاب بعنوان «نهر بوتودان». وعلى مدى هذه السنوات من عمره اتخذت لغته الفنية سمات جديدةً فتخلَّصت من الكم الكبير من المجاز، وأصبحت أكثر بساطة. ومن أعماله الأدبية في تلك الفترة: «الابن الثالث»، «جان»، «فرو»، «الأراضي القِفار»، «عاصفة يوليو»، وقد اكتسبت جميعها صفات الأدب الكلاسيكي بوضوحه ونقائه.
ما إن اندلعت الحرب، حتى بدأ بلاتونوف، في أكتوبر ١٩٤٢م، عمله مراسلًا عسكريًّا على الجبهة لدى صحيفة «كراسنايا زفيوزدا» (النجم الأحمر). وقد أصدر في هذه الفترة عددًا من الكتيبات عن الحرب، قدَّم من خلالها رؤيته للحياة والموت.
تعرَّض بلاتونوف في السنوات الأخيرة من حياته مرةً أخرى إلى عاصفة من النقد، وخاصةً بعد أن نشر روايته «عائلة إيفانوف (العودة)» ١٩٤٦م.
وفي هذه السنوات لم ينشر شيئًا تقريبًا، فلم تصدر له اللهم إلا بعض المختارات القصيرة لحكايات شعبية روسية، قام بإعدادها للأطفال (قام ميخائيل شولوخوف بتحرير واحدة منها).
جاء الميلاد الثاني لبلاتونوف في السبعينيات والثمانينيات، عندما توالى نشر أعماله غير المعروفة من قصص قصيرة وطويلة وروايات ومسرحيات، وخاصةً أدبه المكتوب على تخوم العشرينيات والثلاثينيات.





