📰 آخر الأخبار
أليف شافاك في حليب أسود/ د.علياء إبراهيمالإنسان ليس قاتلاً بطبيعته: جدلية الأخلاق والقانون والقوة العارية/ د. أحمد ديركيعشق الحقيقة والعدالة واشتراكية مارسيل بروست/ترجمة : الحسن علاجThe Plum Blossom Path/ Im Sol Naeايها الناقد السوري ( حسين علي الهنداوي ) إسمعني جيدًا:أين المقاربة الفنية والجمالية بين المتنبي ووليد الصراف! الناقد ياس الركابيكبرياء الألم بين أحمد شاملو ويانيس ريتسوس/إبراهيم أبو عواد / الأردنبيان الثّورة الثقافية لإنقاذ أدب الطفل العربي - حسين عبروسفرنسا و كرة القدم: من السيادة المؤجرة إلى السيادة الملهاة/تأليف و اعداد محمد مبارك الوحدانيدمٌ أصفر/ رانية مرجيةحَبٌ في جُبّ / سميرة جدي - الجزائرليل / عارف عبد الرحمنتراتيل على ركام الروح/ الداودي الخالدي/المغرب حين ترتدي الثقافة العربية ثياب المهرّج وتطالبنا بالتصفيق الأعمى/سيّار الجميلالكتابة كفعل نجاة / د. شهيرة لاشينعوالم كافكا الكابوسيَّة وانعكاساتها على الأدب العربي الحديث/ نمر سعديلماذا نقرأ الأدب؟محمد عالي الحيرش، باحث في الأدب المغاربيقهوةٌ وعينيكِ / إيمان صلاححمام سخن .. شاعرية الاحتجاج الأنثوي/عبد المنعم أديب30 ثانية للأبد / نانسي ساميفقاعة / أيار عبد الكريمقصائد تانكا للشاعر الامريكي  ساداكيشي هارتمان/ترجمة سالم الياس مدالوبعدَ ورديةِ ليل / رانية مرجيةقلْ للزّمانِ/أسامة محمد صالح زاملهورتنسيا أندرسون .. أحجار الماء : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالمدينة إفني حَارِسَةُ المَمَرِّ/محمد مبارك الوحداني 
أليف شافاك في حليب أسود/ د.علياء إبراهيمالإنسان ليس قاتلاً بطبيعته: جدلية الأخلاق والقانون والقوة العارية/ د. أحمد ديركيعشق الحقيقة والعدالة واشتراكية مارسيل بروست/ترجمة : الحسن علاجThe Plum Blossom Path/ Im Sol Naeايها الناقد السوري ( حسين علي الهنداوي ) إسمعني جيدًا:أين المقاربة الفنية والجمالية بين المتنبي ووليد الصراف! الناقد ياس الركابيكبرياء الألم بين أحمد شاملو ويانيس ريتسوس/إبراهيم أبو عواد / الأردنبيان الثّورة الثقافية لإنقاذ أدب الطفل العربي - حسين عبروسفرنسا و كرة القدم: من السيادة المؤجرة إلى السيادة الملهاة/تأليف و اعداد محمد مبارك الوحدانيدمٌ أصفر/ رانية مرجيةحَبٌ في جُبّ / سميرة جدي - الجزائرليل / عارف عبد الرحمنتراتيل على ركام الروح/ الداودي الخالدي/المغرب حين ترتدي الثقافة العربية ثياب المهرّج وتطالبنا بالتصفيق الأعمى/سيّار الجميلالكتابة كفعل نجاة / د. شهيرة لاشينعوالم كافكا الكابوسيَّة وانعكاساتها على الأدب العربي الحديث/ نمر سعديلماذا نقرأ الأدب؟محمد عالي الحيرش، باحث في الأدب المغاربيقهوةٌ وعينيكِ / إيمان صلاححمام سخن .. شاعرية الاحتجاج الأنثوي/عبد المنعم أديب30 ثانية للأبد / نانسي ساميفقاعة / أيار عبد الكريمقصائد تانكا للشاعر الامريكي  ساداكيشي هارتمان/ترجمة سالم الياس مدالوبعدَ ورديةِ ليل / رانية مرجيةقلْ للزّمانِ/أسامة محمد صالح زاملهورتنسيا أندرسون .. أحجار الماء : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالمدينة إفني حَارِسَةُ المَمَرِّ/محمد مبارك الوحداني 

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

الكتَّاب الروس في القرن العشرين، أعمالهم ومصائرهم/فلاديمير أكيموف – ترجمة أنور إبراهيم

أعمال أ. أ. بلوك

صدرت أعمال ألكسندر بلوك مرات عديدةً بأعداد كبيرة.

أعمال عن أ. أ. بلوك

جرموف ب. ألكسندر بلوك، سابقوه ومعاصروه، موسكو، ليننجراد، ١٩٦٦م؛ مكسيموف د. شعر ونثر ألكسندر بلوك، ليننجراد، ١٩٧٣م.

أورلوف ف. حياة ألكسندر بلوك، ليننجراد، ١٩٧٨م.

(١-١٧) أندريه بيلي

(١٤ (٢٦) أكتوبر ١٨٨٠م، موسكو – ٨ يناير ١٩٣٤م، في المدينة نفسها).

الاسم الحقيقي لأندريه بيلي هو بوريس نيكولايفيتش بوجايف. ابن لأستاذ الرياضيات ن. ف. بوجايف بجامعة موسكو، وكان عالمًا جادًّا، غريب الأطوار. أمه موسيقية، يقول عنها الأديب بوريس زايتسيف في مذكراته: «كانت امرأةً رائعة ذات طموحات خاصة وإن تميَّزت بالاندفاع الشديد في بعض الأحيان، ومن ثم جاء أندريه بيلي نتاجًا لهذه التناقضات.»

تلقَّى الكاتب المرتقب تعليمًا جادًّا في قسم العلوم الطبيعية بكلية الطبيعة والرياضيات بجامعة موسكو (ولكنه لم يُكمل الدراسة بها). كان مولعًا بالأدب والفلسفة منذ أن كان طالبًا في الثانوية، شديد الاهتمام بالمشكلات الدينية. وقد ظل قائمًا على هذه الاهتمامات طوال حياته. دخل إلى عالم الأدب في مطلع العقد الأول من القرن العشرين ملتزمًا بالنزعة الرمزية بصحبة جيل «الرمزيين الشبان»، كان على علاقة وطيدة بآل سولوفيوف، كما أمضى سنوات طويلةً مليئة بالمعاناة إلى جانب ألكسندر بلوك.

قام أندريه بيلي بتقديم أفكار عديدة خاصة به في تفسير الرمزية. وكان ديوانه الأول «ذهب في اللازورد» (١٩٠٤م) مليئًا بأفكار المسيح الجديد والمجيء الثاني، وقد رأى بيلي أن مغزى الفن يكمن في كونه يفتح الطريق نحو إدراك الله وأنه نوع من معرفة الله عن طريق «الكشف» الصوفي أو التأمل أو كليهما (الثيوصوفية).

من بين كتَّاب «العصر الفضي» الروس يُعد أندريه بيلي واحدًا من أكثر هؤلاء الكتَّاب تنوعًا وتقلبًا فيما يتعلَّق باهتماماته وطموحاته، التي تجمَّعت كلها في نهاية الأمر في نقطة واحدة هي معرفة الفنان لذاته. ومن أجل ذلك كان عليه أن يخوض عبر كل أشكال الحياة، وأن يتعرَّف على ذاته في كل شيء ومن خلال كل شيء. وقد جذبت هذه العملية اللانهائية إليها كل ثراء التجربة الروحية الثقافية لتتجه بها نحو «أنا» الفنان، نحو كشفه الكامل لذاته. أما الدين والفلسفة والموسيقى والرياضيات والعلوم الاجتماعية فجميعها أشياء كانت شديدة الأهمية لأندريه بيلي لتحقيق أهدافه. وها هو يضع «السيمفونيات» (١٩٠١–١٩٠٨م) وفقًا للقواعد الموسيقية.

ومثله مثل غالبية معاصريه كان أندريه بيلي مصدومًا من جراء أحداث الثورة الروسية الأولى، وقد سجَّل في أعماله انطباعاته عن واقع الحياة. وقد أصبحت الموضوعات ذات الصبغة القومية، والتي تسعى إلى اكتشاف روسيا والتعبير عن المأساة التي مسَّت روحها في اللحظات التاريخية الفاصلة هي الموضوعات الرئيسية في كتابه «الرماد» (١٩٠٩م)، وفي روايته «الحمامة الفضية» (١٩٠٩م). وقد جاء ديوانه الثالث «الوعاء» (١٩٠٩م) انعكاسًا لاهتماماته الفلسفية ودراسته لخبرة الشعر الروسي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر.

وفي العقد الثاني من القرن العشرين أُولع أندريه بيلي بمذهب الأنتروبوصوفيا، ومن ثم فقد سافر إلى سويسرا، حيث تعرَّف على د. شتاينر، زعيم أتباع هذا المذهب، وشارك في بناء معبد يوانوف في مدينة دورناخ، وهو المعبد الرئيسي لهذا المذهب.

وفي السنوات اللاحقة استمرَّت بحوث أندريه بيلي الفنية والدينية الفلسفية، والتي اتسمت بالتوتُّر الدائم في كتاباته النثرية أيضًا (والتي استخدم في غالبها قواعد لغة الشعر)؛ يتضح ذلك في قصته الطويلة عن الطفولة «القط ليتايف» (١٩١٨م)، ومذكراته الضافية «على تخوم قرنين من الزمان»، «مطلع القرن»، «بين ثورتين» (١٩٣٠–١٩٣٤م)، ثم ثلاثية «موسكو» («الموسكوفي غريب الأطوار»، «موسكو في خطر»، «الأقنعة» (١٩٢٠–١٩٣٠م)).

ممَّا لا شك فيه أن العمل الأدبي الأكبر الذي أبدعه أندريه بيلي هو رواية «بطرسبورج» (ظهرت الطبعة الأولى عام ١٩١٢م، والثانية عام ١٩٢٧م)، وهي الرواية التي وضعت نموذجًا غامضًا قدريًّا ومأساويًّا لهذه المدينة، فضلًا عن أنها قدَّمت لوحةً قاتمة وضفيرة من التناقضات المنافية للطبيعة، وربطت بين الإرهاب «الثوري» والفضاء البيروقراطي لروسيا. هنا ينظر الكاتب فيري، ليس فقط ما هو غير عقلاني، وإنما أيضًا الأساس الاجتماعي لانهيار الحياة الروسية، المعاناة التي ملأت العديد من مؤلفاته بكل ما هو مبهج ومظلم ومأساوي.

استقبل أندريه بيلي، شأنه في ذلك شأن ألكسندر بلوك، ثورة ١٩١٧م على أمل أن تكون ميلادًا جديدًا وتطهيرًا لروسيا (قصيدة «المسيح يُبعث» ١٩١٨م). في تلك السنوات كان بيلي يعمل في كتابة ملحمة سيرته الذاتية «أنا» (رواية «الصيني المسيحي» (جريمة القط ليتايف) ١٩٢٠م). في الفترة من ١٩٢١م وحتى ١٩٢٣م عاش أندريه بيلي في الخارج، في برلين، شبه مهاجر.

وفي الفترة السوفييتية بذل أندريه بيلي جهدًا ملحوظًا حتى يدخل إلى الثقافة الجديدة، وأن يتقبَّل العقيدة السوفييتية بعد أن يجمع بين الأنتروبوصوفيا والمادية الجدلية (تعود أعماله في الدراسات الأدبية إلى تلك الفترة: «حرفة جوجول»، «الفارس البرونزي» (عن بوشكين)، «الإيقاع باعتباره جدلية» وغيرها من أعمال). لكن كل ذلك لم يؤدِّ به إلى أي نتائج إبداعية كبيرة، ومن ثم ظل وحيدًا غامضًا بين أقرانه من أدباء تلك الفترة.

يُعد أندريه بيلي في تاريخ الأدب الروسي باحثًا موهوبًا مندفعًا، وفنانًا كان بحثه عن طرقات جديدة أعز لديه من كل إنجازاته.

أعمال أندريه بيلي

الأعمال الكاملة في جزأين. الجزء الأول: الشعر، النثر (المقال الافتتاحي، وضع النص وإعداده: ف. بيسكونوف؛ التعليقات: س. بيسكونوفا، ف. بيسكوف). موسكو، دار نشر «خودوجستفينايا ليتيراتورا»، ١٩٩٠م؛ الجزء الثاني: أشعار وقصائد (المقال الافتتاحي: ت. خملنيتسكايا؛ إعداد النص والملاحظات: ن. بانك ون. زخارينكو)، ليننجراد، دار نشر «سوفيتسكي بيساتل» (الكاتب السوفييتي)، ١٩٦٦م؛ بطرسبورج، رواية، موسكو، دار نشر «خودوجستفينايا ليتيراتورا»، ١٩٧٨م؛ بطرسبورج، رواية في ثمانية فصول ومقدمة وخاتمة، إصدار وإعداد: ل. ن. دزلجزبولوف. ليننجراد، دار نشر «ناءوكا» (العلم)، ١٩٨١م، (سلسلة الآثار الأدبية).

أعمال عن أندريه بيلي

أندريه بيلي: مشكلات الإبداع: مقالات، ذكريات، منشورات (إعداد النص: س. ليسنيفسكي، أ. ميخايلوف)، موسكو، دار نشر «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٨٨م، دولجوبولوف ل. أندريه بيلي وروايته «بطرسبورج». دار نشر «مونوجرافيا». ليننجراد، دار نشر «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٨٨م.

(١-١٨) ألكسي نيكولاي فيتش تولستوي

(٢٩ ديسمبر ١٨٨٢م / ١٠ يناير ١٨٨٣م، نيكولايف، محافظة سامارا – ٢٣ فبراير ١٩٤٥م، موسكو).

ينحدر ألكسي تولستوي من أصول نبيلة ضاربة في القدم. والده الأمير نيكولاي تولستوي، بينما تعود أصول أمه إلى تورجينيف. على أن مصير الكاتب المرتقب بدا بعيدًا تمامًا، لأسباب عديدة، عن تكرار مساره الطبقي. هجرت الأم الأمير تولستوي، الأب، قبل ولادة الابن، ليقوم على تربيته فيما بعدُ زوج الأم أ. أ. بوستر، وهو مالك أرض، مثقف، لا يمتلك حظًّا من المال. وقد تركت الأم ألكسندرا ليونتيفا، وكانت تمتلك موهبةً أدبية رفيعة، أثرًا كبيرًا على ابنها. قضى ألكسي تولستوي طفولته في منطقة ما وراء نهر الفولجا في قرية زوج أمه. لم يذهب للدراسة في الثانوية، وإنما الْتحق بأحد المعاهد الذي كان يؤهِّل تلاميذه للالتحاق بالتعليم الفني العالي. في عام ١٩١٠م، الْتحق بمعهد بطرسبورج الفني، وبعد أن قضى بالتعليم بضع سنوات (في البداية في بطرسبورج ثم في درزدن بعد ذلك وفي التخصُّص نفسه) ترك الدراسة دون أن يحصل على المؤهل الدراسي. انجذب في العامين ١٩٠٥-١٩٠٦م تارةً إلى الثورة، وتارةً أخرى إلى الحياة الاجتماعية الطلابية الهادرة، وتارةً ثالثة إلى الأدب. وقد ذهب في تلك الفترة إلى إيطاليا، فضلًا عن ألمانيا.

قدَّم ألكسي تولستوي، بعد أن أصبح كاتبًا مشهورًا، أول أعماله الشعرية: محاكاة «غنائية» (١٩٠٧م)، وكان يكتب الشعر تارةً تحت تأثير نكراسوف ونادسون، وتارةً تحت تأثير الشعراء الانحطاطيين المبكرين. ثم قدَّم ديوان «وراء الأزهار الزرقاء» (١٩١١م) تجلَّى فيه صوته الشعري الخاص بشكل أوضح وأكثر أصالة، مفعمًا بعَفْوية اللغة الشعبية المجازية، مستخدمًا الفولكلور دون تقليد، وإنما بشكل عضوي. وفي مسار هذا الولع ظهر كتابه النثري الأول تحت عنوان «أربعون حكاية» (١٩٠٩م)، وفي العام التالي أصدر «قصص وحكايات»، وفيه تناول أكثر الموضوعات قربًا منه بأسلوب السيرة الذاتية؛ انهيار وانحلال طبقة النبلاء في الريف. وقد اشتهر هذا المسلسل أكثر بعد ذلك باسم «ما وراء الفولجا». وقد ظهرت بعده تباعًا رواياته غير الطويلة «غريبو الأطوار» (١٩١١م)، و«الفتى الأعرج» (١٩١٢م). وفي هذه الأعمال عرض ألكسي تولستوي بطريقته ما ألَّف واحدةً من أهم صفحات دراما الحياة الروسية: خروج الطبقة العليا، طبقة النبلاء، من المشهد الاجتماعي والحكومي، ورفض هذه الطبقة المشاركة بدورها التاريخي النشيط. واقتفاءً لأثر إيفان بونين، الذي تناول هذه القضية في «تفاحات أنطون»، و«الوادي القفر» وغيرها من أعمال، راح ألكسي تولستوي يعالج هذا الموضوع ذاته في كثير من جوانبه، وإنما بطريقة مختلفة؛ فهو لم يكتفِ بأن يعرض الأمر من ناحية جوانبه المعيشية على نحو أكثر تفصيلًا، وإنما زاد عليه جانب السخرية، مقدِّمًا طبقة النبلاء بوصفها طبقةً تفتقر تمامًا إلى القوة، فضلًا عن كونها تعاني من الانحلال.

في أدب العقدين الأول والثاني من القرن العشرين أصبح ألكسي تولستوي خلَفًا موهوبًا للتقاليد الموروثة منذ منتصف القرن الأسبق؛ فقد عرض من دون رحمة وبنظرة عميقة ساخرة اختفاء طبقة بأكملها من خارطة المجتمع. كانت الفرصة الوحيدة لمشاركة «السابقين» في الحياة تتمثَّل في تكفيرهم عن ذنوبهم وإدراكهم لعدم جدوى وجودهم دون إنكار للذات. إجمالًا، فإن تولستوي تخلَّى في نثره المبكر عن طبقته، عارضًا بحيوية وبقدر من الانتقام عقم هذه الطبقة وافتقادها المهارة وضعفها وتناقضها مع مسيرة الحياة ومطالب العصر. تُرى هل كان الأمر على هذا النحو في حقيقة الأمر؟ وماذا عن ستولبين؟ فيتي؟ ميليوكوف؟ بريجفالسكي؟ كولتشاك؟ أغلب الظن أن الأمر لم يتوقَّف عند هذا الحد. ولكن لا يمكن ألَّا نأخذ شهادات ألكسي تولستوي الفنية على محمل الجد.

في نثره المبكر يكشف ألكسي تولستوي عن طبيعته الفنية والروحية الخاصة؛ فهو نفسه روسي «حتى النخاع»، حساس، سريع التأثر، قادر على الانسجام مع ما حوله، يشعر بالحياة بكل حدة، في حال ازدهارها أو تحلُّلها، يقبلها بعَفْويتها، وأكثر من مرة في انحدارها، لكنه يقف دائمًا حائرًا أمام دراميتها، غير مدرك للصراعات الروحية في داخلها.

واستنادًا إلى هذا النثر كتب ألكسي تولستوي مسرحياته (وقد جمعها تحت عنوان «كوميديا الحب»).

كان اندلاع الحرب العالمية الأولى لحظةً فارقة في تحول مصيره الأدبي؛ فقد أصبح مراسلًا عسكريًّا لصحيفة «روسكي فيدوموستي» (الوقائع الروسية)، الصحيفة الأكبر آنذاك. وعن هذه الفترة كتب تولستوي بعد مرور سنوات طويلة يقول: «لقد رأيت الحياة على حقيقتها وشاركت في أحداثها، بعد أن نزعت عن كاهلي هذا المعطف الأسود القاتم الذي يرتديه الرمزيون، وعندئذٍ رأيت الشعب الروسي.»

كان موقفه يتسم بالقومية والوطنية، على أنه كان ينظر في الوقت نفسه إلى حكم آل رومانوف المستبد باعتباره حكمًا ضعيفًا، الأمر الذي جعله يرحِّب بثورة ١٩١٧م بكثير من الحماس، ولكنه نفر منها بشدة بعد ذلك. وقد عاش ألكسي تولستوي عدة سنوات في المهجر، وهناك غيَّر من أفكاره تجاه مصير روسيا ما بعد الثورة بعد أن رأى أن البلاشفة يمثِّلون قوةً كبيرة أظهرت الوعي الإمبراطوري الجديد للدولة، ممَّا دعاه إلى العودة إلى الوطن «ليُسهم في إنقاذ سفينة الدولة الروسية التي تجتاحها العواصف» (هذا ما أعلنه في خطابه الشهير إلى الثوري الشعبي نيكولاي تشايكوفسكي في عام ١٩٢٢م). كتب ألكسي تولستوي، بعد أن قطع صلته بالمهجر، عددًا من الأعمال صوَّر فيها الروس في المنفى على نحو يظهرون فيه مفتقرين إلى الجاذبية («المهاجرون»، «يوم الجمعة الأسود»، والعديد من الأعمال الأخرى).

وفي المهجر كتب تولستوي واحدةً من أفضل رواياته: «طفولة نيكيتا»، وصف فيها الحياة في الريف بتعاطف شديد، لم يُظهره من قبل، وفي المهجر أيضًا بدأ في كتابة رواية «طريق الآلام»، صوَّر فيها حياة المثقفين الروس، بمن فيهم المثقفون النبلاء، إبَّان سنوات الكارثة بكل التعاطف والحب تجاههم. وقد أدخل الكاتب كثيرًا من التعديلات الجوهرية على هذه الموضوعات بعد عودته إلى روسيا السوفييتية لتتحوَّل هذه الرواية إلى ثلاثية ضخمة (أتم كتابتها في عام ١٩٤١م)، ويتلخَّص مغزى هذه الثلاثية في عرض حتمية ومنفعة القَبول التام للسلطة السوفييتية من جانب الإنتليجنسيا الروسية، التي تُعَد القوة الوحيدة، من وجهة نظر الكاتب، القادرة على قيادة البلاد وثقافتها نحو الازدهار. وتُعتبر رواية «الخبز» (١٩٣٧م) شاهدًا على الاعتراف بالتزييف الذي قام به ستالين لتاريخ الحرب الوطنية.

بعد عودة ألكسي تولستوي من المهجر، دأب بعض المتحمِّسين للأدب «البروليتاري» على رهنه بعض الوقت، فيما يمكن اعتباره نوعًا من «الحجْر» الأيديولوجي بوصفه كاتبًا «برجوازيًّا». لكن ألكسي تولستوي آثر الحكمة، فلم ينحرف معهم في أي نوع من الجدل، وإنما راح يؤلِّف الكُتُب كتابًا إثر كتاب، كاشفًا لهم أنه، بوصفه فنانًا، يستطيع أن يجد لغةً مشتركة مع العصر الذي يعيشه. في تلك السنوات راح تولستوي يتناول بالتحليل على نحو بسيط عبقري الموضوعات ذات الصبغة السياسية على الطريقة السوفييتية: الثورة البروليتارية على مَارْس (رواية «أيليتا» الخيالية الطوباوية، ١٩٢٢م)، فضْح العالِم صاحب ملامح الديكتاتور النيتشوي (في رواية «مبالغات المهندس جارين الخيالية» ١٩٢٤م). وكشف تولستوي في قصصه ومسرحياته انهيار الصفوة الروسية الساكنة القصور («مؤامرة الإمبراطورة»، كتبها بالاشتراك مع ب. ن. شيجولييف)، وقد شارك بآرائه في أعماله التي نشرها في العشرينيات فيما كان يُعرف باسم «ملامح النِّب»٦ («السافل»، «المدن الزرقاء»، «فاسيلي سوتشكوف» وغيرها)، وهي روايات من نوع روايات الجريمة والبحث الجنائي. وقد استمرَّ ألكسي تولستوي في كشفه لعالم المهجر («إيبيكوس، أو مسيرة نيفزوروف»).

لكن أهم أعماله في الفترة السوفييتية هي ثلاثية «طريق الآلام» (١٩١٨–١٩٤١م) وروايته التاريخية «بطرس الأول» ((١٩٢٩–١٩٤٥م، والتي لم يستكمل كتابتها). وقد تناول تولستوي موضوع فترة حكم بطرس الأكبر قبل ذلك في قصة من قصصه القصيرة المبكرة هي «يوم بطرس» (١٩١٨م) وفي مسرحية «على عروسة التعذيب» (١٩٢٩م). وبوصفه أديبًا يكتب الرواية التاريخية فقد استخدم ألكسي تولستوي على نحو ملحوظ الأبحاث التي توصَّل إليها علم التاريخ السوفييتي حول شخصية بطرس الأكبر وعصره بعد أن طوَّرها لتُلائم مقتضيات العمل الروائي. وفي الوقت نفسه يكرِّس تولستوي كل قوته، باعتباره رسامًا بارزًا وفنانًا بارعًا في الوصف اللغوي ومبدعًا للبناء الروائي بما فيه من شخصيات متعدِّدة وتركيب معقد، في جذب كل الطبقات الموجودة في الحياة الروسية بكل تنوُّعها إلى بؤرة الأحداث.

كان ألكسي تولستوي أديبًا كلاسيكيًّا معترَفًا به في الأدب السوفييتي، وقد فاز بجائزة ستالين من الدرجة الأولى عدة مرات، كما أصبح أكاديميًّا (منذ عام ١٩٣٩م)، ونائبًا في مجلس السوفييت الأعلى (منذ عام ١٩٣٧م) وما إلى ذلك. وفي الوقت نفسه كانت سنوات ذروة عطائه في الكتابة، سنواتٍ مليئةً بالمتناقضات والغموض؛ فقد وافقت هذه السنوات فترة الحرب الوطنية العظمى. كان تولستوي في بداية هذه الحرب كاتبًا جادًّا، شديد الحماس، كتب عددًا من القصص القصيرة المفعمة بالتفاؤل بعنوان «حكايات إيفان سوداريف»، ولكن النصف الثاني من الحرب أحدث في نفسيته شرخًا بالغًا. لقد تسنَّى له أن يكون عضوًا في لجنة البحث في المجازر الوحشية التي ارتكبها المُحتل الألماني الفاشي، وكان عليه أن يقوم بصفة شخصية بالتقصي عن الحقائق الخاصة بالقتل الجماعي، وأن يحضر بنفسه عمليات الإعدام وما إلى ذلك. لقد كشفت له الحرب عن بشاعة الصدام بين آليتين لدولتين شموليتين، ولم يكن من الممكن ألَّا يترك ذلك أثره على قلمه، وعلى المشاهد التاريخية التي سجَّلها هذا القلم بالدرجة الأولى. هنا رأى الكاتب بطرس الأكبر ولكن بعيون أخرى، فأحجم عن إنهاء روايته التي كانت تتحدَّث عن مآثره. وكذلك ظلَّت فكرته عن كتابة سلسلة من المسرحيات عن مستبدٍّ آخر هو إيفان الرهيب غير مكتملة، على الرغم من أن المسرحية الأولى في هذه السلسلة كانت تلقى تأييدًا كبيرًا لمنحها جائزة ستالين. لقد انتهى مصير هذا الفنان البارز إلى الانكسار نتيجةً للقهر السياسي والأيديولوجي، الذي لم يكن بمقدوره دائمًا أن يصمد أمام جبروته.

أعمال أ. ن. تولستوي

الأعمال الكاملة في خمسة عشر جزءًا، موسكو، دار نشكر «خودوجستفينايا ليتيراتورا»، ١٩٤٦–١٩٥٣م.

الأعمال الكاملة في عشرة أجزاء، موسكو، «خودوجستفينايا ليتيراتورا»، ١٩٥٨–١٩٦١م.

الأعمال الكاملة في ثمانية أجزاء، موسكو، «خودوجستفينايا ليتيراتورا»، ١٩٧٢م وطبعات أخرى.

أعمال عن أ. ن. تولستوي

شيربينا ف. أ، أ. ن. تولستوي، مسيرة الإبداع، موسكو، ١٩٥٦م؛ كريستينسكي ي. أ، أ. ن. تولستوي، حياته وإبداعه: بحث قصير، موسكو، ١٩٦٠م؛ سكوبيليف ف. ب. البحث عن الانسجام، التطور الفني عند أ. ن. تولستوي، ١٩٠٧–١٩٢٢م، مدينة كويبشيف، ١٩٨٢م.

أ. ن. تولستوي، سلسلة مواد وأبحاث (رئيس التحرير المسئول أ. م. كريوكوف)، موسكو، ١٩٨٥م.

(١-١٩) يفجيني إيفانوفيتش زامياتين

(٢٠ يناير/١ فبراير ١٨٨٤م، مدينة ليبيديان بمحافظة تامبوفسكايا – ١٠ مارس ١٩٣٧م، باريس).

ينحدر يفجيني زامياتين من أصول نبيلة، وإن لم تمتلك عائلته ثروةً كبيرة أو شهرة ذائعة؛ الأم عازفة بيانو، والأب قس. ظلت علاقته بأبيه منذ الطفولة مرتبكةً إلى حد كبير، وهو ما حدث للعديد من مثقفي هذا الجيل. كانت مسيرة زامياتين إلى الإيمان وإلى الكنيسة وإلى الله مسيرةً بالغة الصعوبة والوعورة، وهو نفس ما حدث له مع أبيه أيضًا.

مرَّت سنوات طفولته في مدينة صغيرة يُظلها جو أبوي هادئ، في جو قروي طبيعي بطيء الإيقاع. وبمرور الوقت أصبح انهيار هذا الجو واحدًا من أسباب الصراعات الدرامية الرئيسية في أدبه.

في عام ١٩٠٢م، أنهى زامياتين المدرسة الثانوية في فورونيج، حاصلًا على ميدالية التخرج الذهبية، ليلتحق بعدها بمعهد بطرسبورج البوليتكنيكي بقسم «بناء السفن»، وقد أنهى دراسته به بامتياز أيضًا. وقد قام هذا المهندس البارز وصانع السفن بالتدريس لسنوات طويلة في المعهد البوليتكنيكي بوصفه أستاذًا مساعدًا. وفي الوقت نفسه فقد أُولع بالثورة التي نشبت في مطلع القرن، وانضمَّ بعض الوقت إلى البلاشفة، بل إنه مارس العمل السري أيضًا. أُلقي به في السجن، وعاش فترةً من الزمن باعتباره خارجًا على القانون (١٩٠٦–١٩١١م). اختبأ في ضواحي بطرسبورج، في بيت شتوي خالٍ، حيث كتب قصته «شئون ريفية» (١٩١١م)، ثم «ألاتير» و«وراء الشمس» (١٩١٣ و١٩١٤م)، حيث واصل فيها تناوله لموضوع موت الريف الروسي وانهيار الإنسان الروسي «ابن الطبيعة». تعرَّف زامياتين عن قرب على «أنصار الأرض»: أ. ريميزوف، م. بريشفين، ر. إيفانوف-رازومنيك. يتميَّز زامياتين بأنه أديب بليغ، فنان مرهف في مجال القص، مناصر ﻟ «الواقعية الجديدة» في الأدب.

سافر زامياتين إلى الخارج عدة مرات، سعى خلالها للتعرُّف الدقيق على الإنسان الأوروبي من خلال الأسلوب الذي يتبعه في حياته، مقارنًا بينه وبين أسلوب الحياة الشعبية الروسية الفطرية، مدافعًا عن الإنسان «الطبيعي» ضد الإنسان «الآلي»، الذي يعيش وفقًا ﻟ «نظام» صارم («سكان الجزر» ١٩١٧م، «صياد الناس» ١٩١٨م).

دفعت ثورة ١٩١٧م بزامياتين للبقاء في إنجلترا، حيث أشرف على بناء كاسحة جليد، وفي الخريف عاد إلى روسيا. وقد استقبل الثورة في البداية بمزيد من الأمل، لكنه عانى بعد ذلك مشاعر الإحباط العميق. كتب على أثر ذلك عددًا من المقالات تحمل طابع الهجاء والسخرية من البلاشفة (١٩١٧-١٩١٨م). وفي عام ١٩٢٠م أبدع روايته المناقضة للطوباوية واسمها «نحن».

شارك يفجيني زامياتين إبَّان سنوات «الحرب الشيوعية» وبصحبته بلوك وجوركي وتشوكوفسكي وعدد آخر من الأدباء في إنقاذ الثقافة الروسية. وهو واحد من الذين أسَّسوا بيت الفنون ومعلِّم جماعة «الإخوة سيرابيون».

وفي عام ١٩٢٩م، أصبح زامياتين هدفًا للنقد الأيديولوجي المدمر، حتى إنه فقد إمكانية العمل والنشر. وبعد وساطات طويلة مضنية قام بها جوركي، وافق النظام على التصريح له بمغادرة البلاد في نهاية عام ١٩٣١م. كانت السنوات الست الأخيرة من حياته، بصفة عامة، عقيمة (لم يستطع إكمال روايته الضعيفة «سوط الله» حول حياة أتيلا، كما أعد عددًا من السيناريوهات لأعمال كتبها أدباء آخرون، وهلم جرًّا). وتمثِّل الأعمال التي كتبها يفجيني زامياتين خلال الخمسة عشر عامًا الأولى من نشاطه الأدبي إحدى القمم الرفيعة في الأدب الروسي في القرن العشرين. وبعد نصف قرن من النسيان والمنع عادت أعماله لتُنشر من جديد في وطنه.

أعمال ي. إ. زامياتين

مختارات في جزأين، موسكو، ١٩٩٠م.

المؤلفات، موسكو، ١٩٨٨م (سلسلة التراث الأدبي).

نحن، روايات، قصص، قصص قصيرة، حكايات، موسكو، ١٩٨٩م.

أعمال عن ي. إ. زامياتين

تشوداكوفا م. زنديق أم بحَّار على الصاري في كتاب زامياتين ي. المؤلفات، موسكو، ١٩٨٨م.

شيطانوف إ. «… لكن روسيا كانت وحدها …» في كتاب زامياتين ي. نحن، روايات، قصص، قصص قصيرة، موسكو، ١٩٨٩م.

ميخايلوف أ. أستاذ الأدب، في كتاب زامياتين ي. مختارات في جزأين، الجزء الأول، موسكو، ١٩٩٠م.

أكيموف ف. الإنسان والدولة الموحدة (العودة إلى يفجيني زامياتين)، في كتاب قراءة جديدة: مقالات في النقد الأدبي، ليننجراد، ١٩٨٩م.

(١-٢٠) نيكولاي ألكسيفيتش كليويف

(١٠ / ٢٢ أكتوبر ١٨٨٤م، قرية كوشتوجا، مركز فيتيجورسكي، محافظة أولينيتسك – تُوفي بين ٢٢–٢٥ أكتوبر ١٩٣٧م في سجن تومسك).

وُلد ن. أ. كليويف لعائلة من فلاحي أولينتسيك، تعود جذوره إلى أصول بعيدة شاركت في حركة الانشقاق الديني التي وقعت في القرن السابع عشر، وتمتلك عائلته ثقافةً ريفية عميقة. كان والده جنديًّا متقاعدًا، عمل «بائعًا في إحدى الحانات الحكومية»، أما والدته فكانت تغنِّي الأغاني الروسية الملحمية القديمة (وقد خلَّد كليويف ذكراها في واحد من أفضل دواوينه؛ «أغاني الكوخ») وقد تلقَّى الشاعر تعليمه في مدرسة تتبع إحدى الكنائس، ثم قضى عامين في أحد المعاهد بالمدينة، وكذلك في مدرسة بتروزافودسكي للتمريض. طاف بمعظم أنحاء الشمال الروسي لسنوات عديدة، كما زار عددًا من البلدان في الخارج (من المرجَّح أنه زار إيران والهند والصين). يُعَد ن. أ. كليويف شاعرًا ذا خبرة فريدة بالثقافة الشعبية الشفاهية، يمتلك إحساسًا مرهفًا تجاه الكلمات الأصيلة في اللغة، وهو فنان واسع الاطلاع على الثقافتين الأوروبية والعالمية، وصل إلى ما وصل إليه من استنارة وثقافة بالعمل الفكري والروحي الدءوب الهادف.

بدأ في كتابة الشعر في سن مبكرة، وقدُّمت دُور النشر في بطرسبورج أول أعماله في عامَي ١٩٠٤-١٩٠٥م. شارك في حركة الفلاحين في الثورة الروسية الأولى، وقد أُلقي القبض عليه آنذاك ليقضي ستة أشهر في السجن. دخل إلى الأوساط الأدبية منذ بداية العقد الأول من القرن العشرين؛ حيث تعرَّف على بلوك وكليتشكوف ويسينين، ثم بدأ في نشر العديد من الأعمال («رنين أشجار الصنوبر» ١٩١٢م، «حكايات الغابة» ١٩١٣م وغيرها). قاد مجموعةً من شعراء الريف عُرفوا باسم شعراء «الجمال». ظهرت حصيلة أشعاره التي نظَمها قبل الثورة في ديوان من جزأين باسم «كلمات للغناء» ١٩١٩م.

استقبل أحداث ١٩١٧م باعتباره فلاحًا يتطلَّع إلى حصول الفلاح الروسي على الأرض والحرية، حتى إنه انضم في عام ١٩١٨م إلى حزب البلاشفة، لكنه لم يستمرَّ عضوًا به سوى لفترة قصيرة؛ إذ وجد اختلافًا كبيرًا بين معتقداته الدينية الريفية وبين البلشفية. وقد كان لهذا الاختلاف أثره على مصير كليويف فيما بعد؛ لم تترك صورة الشاعر الوطني ذي الشخصية الأصيلة المتفردة أي انطباع عميق في الأدب «السوفييتي»، أما شعره العاطفي المأساوي الذي كتبه في العشرينيات، وخاصةً قصيدته «الحريق» فقد قضيا على كل أمل في التصالح مع الواقع. وبحلول عام «الانعطافة الكبرى» نال كليويف سمعةً راسخة باعتباره شاعرًا من «الكولاك»٧ «الأعداء».

في عام ١٩٢٨م، ظهر ديوانه المسمى «الكوخ والأرض»، وهو الديوان الأخير له قبل وفاته.

وبدءًا من الثلاثينيات لم يكن كليويف ليظل على قيد الحياة لولا ما كان يتلقَّاه من الهبات والإحسان. وفي فبراير ١٩٣٤م، تم نفيه إلى قرية كولباشيفو في إقليم ناريمسكي، لينتقل منها في أكتوبر من العام نفسه إلى مدينة تومسك بعد مساعٍ طويلة. وهناك عاش كليويف في ظروف بالغة القسوة ثم ليُصاب بالشلل، على أن موهبته الشعرية لم يُصِبها التدهور ليواصل عمله الروحي، «كانت الموسيقى السماوية تأسر روحي أكثر فأكثر»، هذا ما كتبه كليويف في واحد من خطاباته التي كتبها في تلك الفترة.

في يونيو عام ١٩٣٧م، عاودت السلطات اعتقاله مرةً أخرى ليقضي في السجن أربعة أشهر بعد أن لُفِّقت له قضية «اتحاد إنقاذ روسيا»، وبناءً على الحكم الذي صدر بإدانته تم إعدامه رميًا بالرصاص في الفترة ما بين ٢٣ و٢٥ أكتوبر ١٩٣٧م. وهكذا انتهت حياة واحد من أكثر شعراء القرن العشرين أصالة، فنان للكلمة الروسية الساحرة، ولم تُنشر مؤلفاته لأكثر من نصف قرن.

أعمال ن. أ. كليويف

قصائد وأشعار، مدينة أرخانجلسك؛ كلمات للغناء، قصائد وأشعار، بتروزافودسك، ١٩٩٠م.

الأعوام الأخيرة من حياة نيكولاي كليويف: خطابات ووثائق: مجلة «نوفي مير» (العالم الجديد)، ١٩٨٨م، العدد ٨.

أعمال عن ن. أ. كليويف

س. كونيايف، الحياة، محيط متعدِّد الأصوات … في كتاب كليويف ن. قصائد وأشعار، أرخانجلسك، ١٩٨٦م.

أزادوفسكي ك.، نيكولاي كليويف، مسيرة شاعر، ليننجراد، ١٩٩٠م.

(١-٢١) ألكسندر قنسطنطينوفيتش فورونسكي

(١٩ / ٣١ أغسطس ١٨٨٤م، قرية دوبرينكا بمحافظة تامبوف – ١٣ أغسطس ١٩٣٧م، في أحد السجون بمدينة موسكو).

وُلد أ. ق. فورونسكي لعائلة قس ريفي. في البداية سار على أثر والده، فالتحق بثانوية تامبوف الدينية، على أنه قطع دراسته ليتحوَّل إلى العمل الثوري في عام ١٩٠٤م، ويصبح بلشفيًّا وينخرط في العمل السري. يتم اعتقاله وإيداعه أحد السجون لينتقل منه إلى المنفى. بعد انتهاء زمن الرومانسية الثورية، يشغل أ. ف. فورونسكي مكانةً متميِّزة في الحزب ليصبح عضوًا بارزًا ضمن ثمانية عشر فردًا يمثِّلون وفدًا مهمًّا شارك في مؤتمر براج الذي عُقد عام ١٩١٢م. وإبَّان سنوات الثورة والحرب الأهلية كان على قمة العمل الحزبي في أوديسا، وفي إيفانوفو-فوزنيسينك وغيرها من المدن، وفي تلك الفترة كان يعمل بالصحافة. وفي عام ١٩٢١م دعته نايجدا كروبسكايا٨ إلى موسكو، وقد سافر إلى هناك ومعه خطة إصدار مجلة أدبية سميكة ذات توجُّه مؤيِّد للحركة الشيوعية. وقد نجح في مهمته منذ اللحظة الأولى؛ فبدءًا من يونيو ١٩٢١م، بدأت مجلة «كراسنايا نوف» (الأرض البكر الحمراء) في الظهور. على أنه بانتهاء سنوات الانتصار الصعبة لهذه النهضة «العابرة»، إذا بألكسندر فورونسكي يجد نفسه مطرودًا من «كراسنايا نوف» على يد أتباع جماعة «راب».٩ وفيما بعد، وإلى أن لقي حتفه في عام ١٩٣٧م، راح يكتب أعمالًا ذات طابع نقدي ولينهمك تمامًا في الأحداث الأدبية، وعندما أصبح من المستحيل أن يمارس هذا الدور بدأ في كتابة أدب المذكِّرات، وينبغي القول بأنه أحسن كتابة هذا النوع من الأدب، وعندما سُدَّت أمامه الطرق حتى لهذا العمل، كتب فورونسكي كتابين؛ أحدهما عن جيليابوف والآخر عن جوجول. وفي السنوات والأشهر الأخيرة من حياته انشغل بدراسة الأدب الروسي القديم.

إذن لماذا علينا أن نعود اليوم لنتعرَّف على فورونسكي؟

لأن القدَر وضع هذا الإنسان الموهوب، عاشق الكلمة، في طرقات الأدب الروسي الجديد (وقد قال عن نفسه في تلك الأيام الصعبة: «كان رجلًا شديد الحماس، وجد غايته في الأدب؛ ولهذا جرى إعدامه.») على أن «أصحاب النفوذ» أعلنوا في عام ١٩٢٣م أنه: «يجب إزاحة فورونسكي!» الذي لم يكن بلشفيًّا متطرفًا على الإطلاق. وبالإضافة إلى ذلك فقد وجد فورونسكي في نفسه الشجاعة والفكر والجدارة لأن يقف في مواجهة مولوخ، رئيس الجمعية الروسية للكتَّاب البروليتاريين، عندما رأى أن الفكرة من إنشائها قد تحوَّلت إلى صنم، وأن عليه، باعتباره محررًا وناقدًا ومنظِّرًا ومن الأوائل الذين رأوا أن طاعون الشمولية راح يلتهم إبداع الأديب على نحو مميت، أن يحارب هذا الصنم. كان فورونسكي رجلًا شديد المِراس، نادر الشجاعة، وقد ذهب إلى أقصى ما يستطيع في مقاومة النظام، وقد حاول هذا النظام مرارًا أن يخضعه (في عام ١٩٢٤م، عندما أرادوا استبدال راسكولنيكوف به في رئاسة تحرير مجلة «الأرض البكر»). وعلى أي حال فقد نجح القائمون على جمعية «راب» في إبعاده عن المجلة التي هو مؤسِّسها، وأخيرًا تم القبض عليه في عام ١٩٢٩م ونفيه، ولمَّا لم ينجح النظام في إذلاله، قرَّر أن يحطِّمه، فتم إعدامه رميًا بالرصاص في عام ١٩٣٧م، وكان فورونسكي قد أعلن في عام ١٩٣٠م، إبَّان حكم ستالين، أنه لم يتراجع عن آرائه. ولعل فورونسكي لم يحقِّق الكثير ممَّا يطمح إليه، على أنه لو لم يوجد على ساحة الأدب الروسي في العشرينيات، لتغيَّر مصير هذا الأدب؛ فلولا مجلة «الأدب البكر»، ولولا جماعة «بيريفال»١٠ لمَا ازدهر إبداع أدباء من أمثال أوليشا وزوشينكو وبابل وبيلنياك ويسينين (بالمناسبة فقد أهدى الأخير ديوانه «أنا سنيجينا» إلى فورونسكي).

أعمال أ. ق. فورونسكي

مقالات مختارة عن الأدب، موسكو، ١٩٨٢م؛ فن رؤية العالم، موسكو، ١٩٨٧م.

مختارات أدبية، موسكو، ١٩٨٧؛ عين العاصمة، قصص، مدينة فودونيج، ١٩٩٠م.

أعمال عن أ. ق. فورونسكي

انظر المقالات الافتتاحية لكل من: أ. ديمينتيف، ج. بيلاياوف، أكيموف في الطبعات المشار إليها آنفًا.

(١-٢٢) فيليمير خليبنيكوف

(٢٨ أكتوبر/٩ نوفمبر ١٨٨٥م، في إحدى قبائل مالوديربيتوفسكي بمحافظة أستراخان – ٢٨ يونيو ١٩٢١م، في قرية سنتاليفو بمحافظة نوفجورودسكي، في عام ١٩٦٠م تم نقل رفات الشاعر إلى جبَّانة نوفوديفيتشي في موسكو).

وُلد فيليمير (فيكتور فلاديميروفيتش) خليبنيكوف، كما يتذكَّر هو نفسه، في معسكر لقبيلة من الرحل المنغوليين، الذين ينتمون إلى العقيدة البوذية. «… تجري في عروقي دماء أرمينية … ودماء زابوروجية أيضًا … وأنتمي إلى المكان الذي يلتقي فيه نهر الفولجا ببحر قزوين … وهو المكان الذي ظل لقرون طويلة يتحكم في مصير روسيا، تارةً لصالحها، وتارةً ضدها …» كان والده اختصاصيًّا في علم الطيور والغابات، وهو واحد من مؤسسي محمية أستراخان الطبيعية. غادر خليبنيكوف مسقط رأسه في السادسة من عمره، ليعش أولًا في فولين، ثم لينتقل منها إلى سيمبيرسك، وهناك الْتحق بالصف الثالث بالمدرسة الثانوية، لكنه أنهى الثانوية في كازان. وفي عام ١٩٠٣م، أصبح طالبًا في جامعة كازان (حيث درس بها الرياضيات)، وقد فُصل خليبنيكوف من الجامعة لمدة عام لاشتراكه في إحدى المظاهرات الطلابية، ثم استقرَّ بعدها في كلية العلوم الطبيعية. ولكن الدراسة بها لم تلبِّ حاجته كشاعر (كان يشعر بجاذبية شديدة إلى الشعر وهو لا يزال بعدُ طالبًا في الثانوية). وفي صيف عام ١٩٠٨م، تعرَّف في القرم على فياتشيسلاف إيفانوف، وفي خريف العام نفسه سافر إلى بطرسبورج، حيث راح يدرس تارةً في كلية الطبيعة والرياضيات، وتارةً أخرى في كلية الدراسات الشرقية، وأخرى في كلية التاريخ والآداب، وكلها تتبع جامعة بطرسبورج، وأخيرًا تم فصله نهائيًّا لعدم سداده مصروفات الجامعة. لكن العلوم الطبيعية لم تستهوِه على الإطلاق. كان مُولعًا بالأدب، فانضمَّ إلى زُمرة «برج» فياتشيسلاف إيفانوف (وهناك، بالمناسبة، خلعوا عليه اسم فيليمير على الطريقة السلافية الأسطورية)، وفي بطرسبورج تعرَّف على مجتمعها الأدبي وليبدأ فيها طريقه إلى النشر. لم يكن الرمزيون على أي حال، هم الأقرب إليه، وكان قد تعرَّف عليهم في «البرج»، وإنما «اليساريون»، الذين ظهرت من بينهم جماعة «جيليا» المستقبلية، وقد ضمَّه فاسيلي كامينسكي إليها. سرعان ما أصبح خليبنيكوف المنظِّر الأول للجماعة والمشارك النشيط في إصداراتها كافة، بدءًا من «فخ من أجل القضاة» (١٩١٠م)، وفي «صفعة لذوق المجتمع» (١٩١٢م). ويعود نصف ما كُتب من مطبوعات هذه الجماعة إلى قلمه. وقد بدأت كتبه في الظهور بعد ذلك كتابًا وراء الآخر سواء شعرًا أو نثرًا، سواءً بالاشتراك مع آخرين (منهم أ. كورتشينيج) أو بمفرده («المدرس والتلميذ») ١٩١٢م، «اللعب في جهنم» ١٩١٢م، «العالم من النهاية» ١٩١٢م، «الكلمة كما هي» ١٩١٣م، «مختارات شعرية» ١٩١٤م وغيرها.

تميَّز أسلوب حياة خليبنيكوف ومظهره بالجنوح نحو البوهيمية والتطرف على غرار ما كان سائدًا في الوسط الأدبي في تلك السنوات، كما كان شديد الميل للنُّخبوية، غير عملي في نظرية الحياة اليومية؛ فهو مغرق في التنظير لإعادة صياغة اللغة الشعرية، ولم يكن حريصًا على الإطلاق على الوجود في الأوساط الشعبية، والتواصل ولو مع عدد قليل من جمهور القراء العريض. كان خليبنيكوف يستخدم لغةً ذات طابع تجريبي، وكثيرًا ما كانت هذه اللغة تتسم بالطوباوية والغموض، مع مسحة علمية كانت تستنفد كل قوته ووسائله. وعندما بدا أنه موجود بقوة في قلب طموحات الأدب المستقبلي الطليعي، إذا به ينكبُّ على حياة قضاها وحيدًا في عزلة شديدة، شريدًا يجوب أنحاء روسيا.

لا يمكن تصوُّر الطليعة الروسية في مطلع القرن (العشرين) من دون فيليمير خليبنيكوف. لقد كان الفن بالنسبة له ولدائرة معارفه تجاوزًا للتقاليد الثقافية. كان الشعر عنده يعني تحرير الكلمة من الأفكار والمعاني التي اكتسبتها على مدى ألف عام في خدمة الثقافة. كان الإبداع الفني وفقه اللغة والأدب عند خليبنيكوف يتجهان ناحية «نزع القداسة» عن الكلمة والعودة إلى فطرية «الشعر الجزل»، وإزاحة هالة الذكرى الروحية عنه.

لقد أصبحت الكلمة «في حد ذاتها»، «كما هي»، «خارج الحياة اليومية المعتادة ومصالحها»، شيئًا، «علامة»، سبيكة من الزمن والمكان.

إن «الخيال» من وجهة نظر فيليمير خليبنيكوف والقريبين إليه ممن أسماهم بالمستقبليين، يكشف المعنى الحقيقي والطبيعي للكلمة، هذا المعنى المختفي وراء المعاني الشائعة والمُقحمة على الكلمة. أما العنصر الأدبي الوحيد الموجود في أعماق الحياة فيكتشفه الشاعر فقط في «أحلامه ما وراء البشرية»، ومن ثم فإنه يفتح أمام هذه الأحلام بابًا لتجسيد هذا العنصر في إبداعه. إن «الخيال» عند خليبنيكوف، على حد قول الشاعر أوسيب مندلشتام، ليس سوى مجرد أشكال انتقالية لم تنجح بعدُ في اكتساب قشرة المعنى الحقيقي الصحيح، وذلك بسبب كون اللغة لا تزال في طَور التكوين.

وقد قام خليبنيكوف بوضع توليفة ما، بحيث تُعبِّر الكلمة عن المعرفة الفلسفية والتاريخية والرياضية والعلوم الطبيعية، مستهدفًا بذلك تحرير الكلمة «الجاهزة» من ثقافة المعاني «الحقيقية الصحيحة» التي تُكبِّلها. وهو يعرِّف هذه التوليفة باعتبارها نوعًا يسميه «ما فوق القص» («خدش السماء» ١٩٢٠م، «زانجيزي» ١٩٢٢م وغيرها). هنا تقف نماذج روسيا وآسيا، الشرق والغرب، أقدار أوروبا ومصائر روسيا في الحاضر والمستقبل أمام خليبنيكوف بكل ما فيها من إشراقات («زمن قياس العالم» ١٩١٦م، «ألواح القدر» ١٩٢٢م وغيرها).

اتسم عمل خليبنيكوف بالفاعلية والنشاط، وخاصةً في تلك السنوات التي تميَّزت بالأحداث الكبرى — الحرب والثورة — وفي البيئة التي هوت فيها الثقافات استمد خليبنيكوف طاقته الإبداعية وشحذ قواه اللازمة لخلق رؤاه الطوباوية الهائلة.

كان خليبنيكوف يرى نفسه، باعتباره شاعرًا مبدعًا للكلمة، في قلب الأحداث العالمية، وفي البيان الجماعي الذي صدر إبَّان سنوات الحرب العالمية الأولى تحت عنوان «بوق المريخ»، والذي نشره خليبنيكوف (بالاشتراك مع كلٍّ من ن. آسييف وج. بيتنيكوف). وبناءً على «أوامره»، التي كان يوقِّعها باسم «فيليمير الأول ملك الزمان»، تم الإعلان في «بوق المريخ» عن تقسيم البشر كافةً إلى «مخترعين» و«مالكين»، إلى «نبلاء» و«مبدعين»، وقد أُضيف إلى الصنف الثاني منهم، بطبيعة الحال، الفنانون الطليعيون. وبعد الإطاحة بالنظام الملكي رأى خليبنيكوف أن من الضروري إنشاء جمعية عالمية للشعراء يمثِّلون الكرة الأرضية بأسرها، ويبلغ عددهم ٣١٧ شخصًا. ومنذ ذلك الحين راح يوقِّع بياناته وتصريحاته باسم «ممثل الكرة الأرضية».

عمل خليبنيكوف جنديًّا في أثناء الحرب الروسية الألمانية لفترة قصيرة، بعد أن بذل قصارى جهده لينأى بنفسه عن أعباء الخدمة العسكرية.

كانت الثورة تمثِّل لخليبنيكوف، ولغيره أيضًا من المستقبليين الآخرين، زمنًا لتحقيق آمالهم في انهيار «الثقافة» القديمة وإعادة صياغة العالم وفقًا للخطط التي اقترحوها لتوحيد البشرية جمعاء وتغيير الكون نفسه، تبعًا للقوانين التي استنُّوها. وافترض خليبنيكوف، أن من الممكن في المجتمع الجديد المنتظر «حساب كل جهد يُبذل بدقات القلب، والتي تُعد هي وحدة الحساب النقدي في المستقبل، بحيث يصبح الجميع متساوين في الثراء». وقد أكَّد خليبنيكوف على الأحداث الجارية وتقبَّلها باعتبارها الطريق إلى المستقبل المأمول، وعبَّر عن ذلك في أعماله التي كتبها في تلك الفترة («الليل قُبيل السوفييتات»، «ليلة في النافذة»، «الحاضر»، «تفتيش ليلى»، «لادومير» وغيرها).

قضى خليبنيكوف أعوامه الأخيرة كسابق عهده شريدًا لا مأوى له، ينتقل من مدينة إلى أخرى لا يعرف مستقرًّا له ولعائلته. عاش في موسكو وفي نيجني نوفجورود وأستراخان وخاركوف وباكو، وفي ربيع عام ١٩٢١م، ذهب مع إحدى وحدات الجيش الأحمر إلى بلاد فارس «لمساعدة الثوار الإيرانيين». وفي خريف العام نفسه سافر إلى جيليزنوفودسك وبيتيجورسك، وفي الشتاء ذهب ليعيش في موسكو، ثم عاد في ربيع عام ١٩٢٢م ليسافر إلى قرية سنتالوفو بمحافظة نوفجورود بدعوة من الفنان بيوتر ميتوريتش، وهناك قضى نحبه ودُفن (في البداية في قرية روشتا).

نُشرت أعماله جميعها تقريبًا ولكن في طبعات قليلة؛ إذ لم تتفهَّمها سوى دائرة محدودة من الخبراء والباحثين للمذهب الطليعي الروسي. وفي الآونة الأخيرة بدأت مؤلفاته وشخصيته تجتذبان إليهما اهتمامًا ما فتئ يتزايد يومًا وراء الآخر.

أعمال ف. خليبنيكوف

إبداعات (المحرر العام والمقال الافتتاحي: م. بولياكوف؛ إعداد النص والتعليقات: ف. جريجورييف وأ. بارنيس)، موسكو، دار نشر «سوفيتسكي بيساتل» (الكاتب السوفييتي)، ١٩٨٦م.

مختارات (المقدمة، سيرة الحياة والإبداع والتعليقات: ف. سميرنوف)، موسكو، دار نشر «ديتسكايا ليتيراتورا» (أدب الأطفال)، ١٩٨٥م.

قصائد وأشعار. مسرحيات، أعمال نثرية (المقال الافتتاحي، إعداد النص والتعليقات: ف. دوجانوف)، موسكو، دار نشر «سوفيتسكايا روسيا» (روسيا السوفييتية)، ١٩٨٦م.

أعمال عن ف. خليبنيكوف

ستيبانوف ن.، فيليمير خليبنيكوف، حياته وإبداعه، موسكو، دار نشر «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٧٥م.

دوجانوف ر.، فيلمير خليبنيكوف، طبيعة الإبداع، موسكو، دار نشر «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٩٠م.

(١-٢٣) نيكولاي ستيبانوفيتش جوميلوف

(٣ / ١٥ أبريل ١٨٨٦م، كرونشتادت – ٢٤ أغسطس ١٩٢١م، في ضواحي بتروجراد، في منطقة ليسي نوس).

وُلد ن. س. جوميلوف في عائلة الطبيب البحري ستيبان ياكوفليفيتش جوميلوف وزوجته أنَّا إيفانوفنا (لفوفا قبل الزواج)، وهي تنتمي إلى عائلة من صغار المُلاك من النبلاء. كان جد ن. س. جوميلوف لوالده شماسًا في قرية جيلوديفو بمحافظة ريازان، أما والده فقد أنهى السمينار الديني في ريازان، ولكنه خرج على تقاليد العائلة والْتحق بكلية الطب بجامعة موسكو.

قضى ن. س. جوميلوف طفولته المبكرة في مدينة تسارسكويه سيلو، وفي عام ١٩٨٣م الْتحق بالسنة التمهيدية بثانوية تسارسكويه سيلو، كان يدرس دونما حماس ملحوظ، ومن ثم كان يشعر بالوحدة وهو بين أترابه منذ طفولته. كان مولعًا بقراءة أدب المغامرات الذي كتبه أُدباء الغرب (ماين ريد، جول فيرن، جوستاف إيمار)، وكان يحلم بالسفر إلى البلاد «الطريفة» في الشرق وأفريقيا والصين وإسبانيا، كما كان مرهف الإحساس منذ سنوات عمره المبكرة.

في عام ١٩٠٠م، سافر إلى تفليس ليدرس في ثانوية تفليس الثانية، وهناك نشر أول أشعاره (قصيدة «هاربًا من المدن إلى الغابة») بمجلة «تفليسكايا ليستكا» في سبتمبر عام ١٩٠٣م.

وفي عام ١٩٠٣م، عاد جوميلوف إلى تسارسكوي سيلو ليواصل دراسته في ثانوية نيكولايفسكويه تسارسكويه سيلو، وكان مديرها آنذاك الشاعر إنيوكينتي فيودورفيتش أنينسكي. كان يوم الرابع والعشرين من ديسمبر هو اليوم الذي تعرَّف فيه جوميلوف على أنَّا جورينكو (أنَّا أخماتوفا فيما بعد (المترجم))، وكانت تدرس هي أيضًا بالثانوية. وبدءًا من ربيع عام ١٩٠٤م، بدأت لقاءاتهما على نحو دائم.

بدأ ن. س. جوميلوف قراءة الأدب الحديث بشغف بالغ في السنوات الأخيرة من الدراسة الثانوية، وعلى الأخص شعراء الحداثة الروسية: بالمونت، بريوسوف، بيلي؛ وراح يتابع باهتمام المجلات الأدبية وبخاصة مجلة «فيسي» (الميزان). وفي عام ١٩٠٥م، وكان لا يزال طالبًا بالثانوية، أصدر ديوان أشعاره الأول «طريق الفاتحين».

في مايو ١٩٠٦م، اجتاز امتحانات التخرج في الثانوية ليسافر صيفًا إلى باريس، عاصمة الفن الأوروبي. أُعجِب ببودلير ونيتشه، واكتشف لنفسه بوشكين وكارامزين، وأظهر اهتمامًا بمسألة الإيمان بالقوى الخفية وبإمكان إخضاعها للسيطرة البشرية Acculism. أصدر في عام ١٩٠٧م، في باريس مجلة «سيريوس»، نشر فيها أشعاره (وفيها نشرت أنَّا جورينكو أول أشعارها)، ولم يصدر منها سوى ثلاثة أعداد. وفي باريس أيضًا صدر ديوانه الثاني «أزهار رومانسية» (١٩٠٨م)، أهداه إلى أنَّا جورينكو. وفي العام نفسه يقوم برحلته الأولى إلى أفريقيا (إلى مصر). وفي عام ١٩٠٩م، يعود ليُصدر مجلةً شهرية باسم «أوستروف» (الجزيرة) (صدر منها عددان فقط). شارك على نحو فعَّال في إصدار مجلة «أبوللون»، التي أصبحت لسان حال الذُّرويين. خلاصة القول، إن ن. س. جوميلوف أصبح واحدًا من أبرز الشخصيات في الحياة الأدبية في تلك الفترة، الأمر الذي انعكس في طاقته التنظيمية، وفي مغامراته البوهيمية (خذ مثلًا: المبارزة التي دارت بينه وبين مكسميليان فولوشين بسبب كشفه لشعوذة تشبروبينا دي جابريك (ي. ديمترييفا). وقد استمر هذا الخصام حتى صيف عام ١٩٢١م (وقد اتخذ م. فولوشين الخطوة الأولى نحو الصلح عندما الْتقيا صدفةً في القرم).

تقدَّم ن. س. جوميلوف ثلاث مرات لخطبة أنَّا جورينكو (في الأعوام ١٩٠٥م، ١٩٠٦م، ١٩١٠م). وفي الثالث والعشرين من أبريل ١٩١٠م تزوَّجا في إحدى الكنائس الريفية، وفي الشهر نفسه صدر ديوانه الثالث «اللؤلؤة». وفي خريف ١٩١٠م قام برحلة إلى أفريقيا (إلى الحبشة) ليعود منها في مارس ١٩١١م.

شهدت بدايات عام ١٩١٠م تأسيس «ورشة الشعراء»، واشتد أُوار الجدل بين الذُّرويين والتيارات الأخرى، تم إصدار مجلة «هايبربوليا» (المبالغة) ومجلات أخرى، وقد شارك فيها جميعها ن. س. جوميلوف بنشاط شديد بوصفه ناقدًا (خطابات عن الشعر الروسي). وقد سعى للدراسة في جامعة بطرسبورج، في البداية في كلية الحقوق، ثم في قسم الدراسات الرومانية بكلية التاريخ والآداب، ولكنه لم يُكمل الدراسة في أيٍّ منهما.

وفي ربيع عام ١٩١٣م، يقوم برحلة أخرى إلى أفريقيا، مكلَّفًا بمهمة من قِبل أكاديمية العلوم في شبه جزيرة الصومال بهدف استكمال مجموعة متحف الأنثروبولوجيا والأثنوجرافيا (المعروضات النادرة).

عندما اندلعت الحرب الروسية الألمانية تطوَّع ن. س. جوميلوف للاشتراك فيها، وقد اختار لنفسه سلاح الفرسان. وقضى عدة شهور على الجبهة مشاركًا في المعارك، وقد حاز على وسام جيورجي مرتين، وهناك ترقَّى إلى رتبة ملازم ثانٍ، ثم ليبدأ بعد ذلك في نشر «مذكرات فارس» (بدءًا من نهاية ١٩١٤م وطوال عام ١٩١٥م). خلال ذلك النشاط ظهرت شخصية ن. س. جوميلوف على نحو جلي (وعن هذه الشخصية كتب صديقه المقرَّب ج. إيفانوف قائلًا: «ظل طوال حياته مشغولًا بركوب المخاطر»).

مع نهاية الحرب سافر جوميلوف في بعثة استكشافية روسية إلى فرنسا، وهناك باغته وقوع الثورة. في مطلع عام ١٩١٨م، يعود إلى روسيا لينغمس كليةً من جديد في الحياة الأدبية. يقول الشاعر والناقد نيكولاي أوتسوب: «في الفترة من ١٩١٨م وحتى ١٩٢١م لم يكن هناك بين الشعراء الروس، على الأرجح، من يضاهي جوميلوف في حيويته وتنوُّع نشاطه الأدبي الذي لا يتوقف. لم يطغَ جوميلوف على أحد استنادًا إلى نفوذه وسمعته، وإنما فاق الجميع بحماسه» (ن. أوتسوب).

ن. س. جوميلوف هو واحد من مؤسسي دار الفنون، فيها قرأ محاضرات في «نظرية الشعر»، وكان يحلم بأن يجعل الشعر أحد العلوم الدقيقة، وبمبادرة منه تم إنشاء فرع بتروجراد لاتحاد كتَّاب عموم روسيا، وكذلك فرع اتحاد شعراء عموم روسيا، وقد ترأَّسه بعده ألكسندر بلوك في عام ١٩٢١م. في شتاء عام ١٩٢٠م ينتقل إلى دار الفنون، فرارًا من البرد القارس (وهو المكان الذي تم اعتقاله فيه ليلة الثالث من أغسطس ١٩٢١م).

في يونيو عام ١٩٢١م، كانت رحلته الأخيرة إلى الجنوب، إلى كلٍّ من سيفاستوبول وروستوف-نا-دانو. وفي سيفاستوبول صدر له كتاب «الخيمة» كرَّسه لرحلاته في أفريقيا. وفي تلك الفترة التي امتدت لبضعة شهور كتب ديوان أشعاره «عمود النار» (صدر بعد وفاته في عام ١٩٢١م)، وهو أفضل دواوينه، عبَّر فيه عن مكنوناته، موجِّهًا إلى الحياة نظرةً مفعمة بالتوتر والحِدة على نحو تراجيدي. وفي تلك الأثناء كان يضع ديوان أشعاره الجديد «الترحال عبر الأرض».

تم اعتقال ن. س. جوميلوف في مطلع أغسطس، وفي الرابع والعشرين من الشهر نفسه جرى إعدامه رميًا بالرصاص وكان عمره خمسةً وثلاثين عامًا. كانت التهمة الموجَّهة إليه هي ممارسة نشاط معادٍ للثورة والاشتراك في مؤامرة، على الرغم من أنه لم يكن هناك دليل حقيقي واحد لإصدار هذا الحكم، كما تدل على ذلك الكتب التي صدرت في السنوات الأخيرة كافة. وفي محضر التحقيق أجاب على سؤال حول ممتلكاته بقوله: «لا شيء.» وعن انتماءاته السياسية أجاب: «لا توجد.» كان هناك خطاب الْتماس بإطلاق سراحه بكفالة ولكنه لم يُسفر عن شيء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة