الكتَّاب الروس في القرن العشرين، أعمالهم ومصائرهم/فلاديمير أكيموف – ترجمة أنور إبراهيم
أعمال أ. ب. بلاتونوف
البحر اليافع (الحفرة، تشفينجور) قصص، روايات، موسكو، ١٩٨٨م.
تشفينجور (الحفرة، الصالح العام، البحر اليافع)، موسكو، ١٩٨٩م؛ ساكن حكومي، نثر، الأعمال الأولى، الخطابات، مدينة مينسك، ١٩٩٠م.
أناس ملهَمون، قصص عن الحرب، موسكو، ١٩٨٦م.
تأمُّلات قارئ (بلاتونوف عن الأدب)، موسكو، ١٩٨٠م.
العودة (المقالات الاجتماعية والنقدية الأولى، ملاحظات على الأدب)، موسكو، ١٩٨٩م.
أعمال عن أ. ب. بلاتونوف
شوبين ل، البحث عن الوجود الفردي والعام، عن أندريه بلاتونوف، أعمال ظهرت في سنوات مختلفة، موسكو، ١٩٨٧م.
(١-٤٠) يوري كارلوفيتش أوليشا
(١٩ فبراير/٣ مارس ١٨٩٩م، يليسافيتجراد بمحافظة خيرسون – ١٠ مايو ١٩٦٠م، موسكو).
وُلد ي. ك. أوليشا في عائلة نبيل بولندي فقدت ثروتها، عمل والده محصلًا للضرائب. أقام في مدينة أوديسا منذ الثالثة من عمره، وهناك درس في ثانوية ريشيل لينهي الدراسة بها في عام ١٩١٧م. درس بعض الوقت في جامعة نوفوروسيسك بكلية الحقوق (أوديسا). وفي عام ١٩١٩م، تطوَّع في الجيش الأحمر ليعمل عامل تليفونات في قوات الدفاع على البحر الأسود.
بدأ ي. ك. أوليشا نشاطه الأدبي في عام ١٩١٦م، نشر عددًا من القصائد العاطفية في صحيفة «أوديسيسكي ليستوك». وبعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها، سعى للاندماج في الواقع الجديد، مثله مثل العديد من الأدباء المعاصرين، الذين كان من بينهم إيلف وبتروف وكاتاييف وبابل وباجرينسكي، وقد تم اختياره ليعمل في النشاط الدعائي في صحف أوديسا، في تلك الفترة التي عُرفت باسم «الشيوعية العسكرية»، وفي وكالة يوجروستا (وكالة أنباء جنوب روسيا)، وهلم جرًّا. وقد كتب ي. ك. أوليشا في مذكراته يقول: «كتبتُ أيضًا مسرحيات وكتيبات ذات طابع دعائي لمواكبة الحملات التي كانت تظهر في هذه الفترة.» وفي عام ١٩٢٢م قام بنفس العمل في خاركوف، وفي عام ١٩٢٣م، وصل للإقامة في موسكو.
استمرَّ ي. ك. أوليشا في العمل لعدة سنوات في صحيفة السكك الحديدية «جودوك» (الصافرة) مستخدمًا اسمًا مستعارًا هو «زوبيلا» (المحولجي) في توقيعه على أشعاره ذات الطابع النقدي الهجائي للأوضاع الراهنة (صدرت مجموعة المقالات الهجائية «المحولجي» في عام ١٩٢٤م). وقد بلغ عدد المقالات التي كتبها أوليشا في العشرينيات وحدها ما يزيد على ألف قصيدة دعائية وهجائية (نُشرت في مجلات «كروكوديل»، «سيمخاتش»، «تشوداك» وغيرها). لم يكن هذا الجهد الأدبي اليومي المضني يشتبك في أي جانب من جوانب القضية الرئيسية التي كان يتبنَّاها ي. ك. أوليشا؛ فقد كان أوليشا يعمل بشكل موازٍ في كتابة عمل أدبي حقيقي.
في عامَي ١٩٢٣ و١٩٢٤م يكتب ي. ك. أوليشا قصة «ثلاثة رجال سمان» (صدرت في طبعة واحدة في عام ١٩٢٨م)، وفي عام ١٩٢٧م، ينشر روايته الشهيرة «الحسد»، وهي الرواية التي وضعته في الصف الأول من كتَّاب هذا العصر.
وتُعد رواية «الحسد» روايةً تراجيدية تتناول تعوُّد النفس على بيئة غريبة تحيطها، وتقدِّم إنتلجنسيا أخذت في التأقلم مع عالم لم يعد في حاجة إليها. إن هذه الرواية تُذهل القارئ بما فيها من مجاز واضح ودقة مدهشة عندما تتعامل مع جمال الأشياء وتعرض الأحداث والمواقف، وبالإضافة إلى ذلك فهي رواية عبقرية مُفعَمة بالمرارة. إنها تتحدَّث عن عدم جدوى الموهبة، وعن أن المشاعر الرقيقة المركَّبة لم يعد لها مكان وإنما حل محلها «الحسد تجاه الآلة». هي رواية عن الموهبة التي تفتقر إلى الحماية والتي يسهل طعنها وإيذاؤها. إنها تتحدث باختصار عن استسلام الموهبة. في الحقيقة فإن «الحسد» كان تعبيرًا عن الموضوع الرئيسي الداخلي لإبداع ي. ك. أوليشا، وقد تناوله في أعماله التي تفرَّعت عن هذا الموضوع (مسرحيتي: «مؤامرة المشاعر» (١٩٢٩م)، و«قائمة أعمال البر» (١٩٣١م))، وفي أعماله الأخرى التي كتبها في تلك السنوات (القصص العاطفية المباشرة: «نواة حبة الكرز»، «ليومبا» وغيرها، وفي سيناريو فيلم «الشاب الصارم» ١٩٣٥م). وقد انتقل هذا الموضوع من أعمال ي. ك. أوليشا ليؤدِّي دوره في مصيره هو ذاته. لقد ظل الكاتب يقاوم على مدى عدة سنوات القوالب الدعائية للأدب، والتي راحت القيادة تزرعها «من أعلى» بحماس متصاعد، ولكنه أصبح منذ الثلاثينيات «كاتبًا سوفييتيًّا» عاديًّا.
وفي تلك الفترة كان أوليشا يكتب بالطلب سيناريوهات أفلام «الجاسوسية»، والأفلام «المعادية للفاشية» («غلطة المهندس كوتشين»، و«جنود المستنقعات»)، وقد بذل أوليشا الكثير من الجهد في العمل اليومي المضني في الصحف والمجلات.
وإبَّان الحرب الوطنية العظمى تم نقل ي. ك. أوليشا إلى آسيا الصغرى، حيث قام بالعمل في إحدى المجلات الدعائية، وكذلك ترجم أعمالًا لشعراء وأدباء تركمان. وبعد عودته إلى موسكو (حيث أقام فيها عدد سنوات من دون تصريح بالإقامة)، لم يحدث أي جديد في أسلوب حياته الأدبية؛ فكتبه السابقة لم يُعَد طبع أي منها، كما أنه لم يكتب أعمالًا أخرى جديدة. وفي منتصف الخمسينيات فقط، وبعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي،٢٠ نُشرت من جديد مختارات من أعماله تضم: «الحسد»، «ثلاثة رجال سمان»، بالإضافة إلى القصص الصغيرة التي كتبها في نهاية العشرينيات ومطلع الثلاثينيات.
وفي الأعوام الأخيرة من حياته راح ي. ك. أوليشا يعمل في كتابة رواية بعنوان «سطر جديد كل يوم»، وقد نُشرت بعد وفاته، في عام ١٩٦٥م.
أعمال ي. ك. أوليشا
المختارات (تقديم: ف. شكلوفسكي، تعليق: ف. باديكوف)، موسكو، دار نشر «برافدا»، ١٩٨٧م؛ كل يوم سطر جديد، موسكو، دار نشر «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٦٥م.
أعمال عن ي. ك. أوليشا
ذكريات عن يوري أوليشا (إعداد: أ. سووك-أوليشا، وإ. بيلسون). موسكو، «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٧٥م؛ تشوداكوفا م. أ، حول إبداع يوري أوليشا، موسكو، دار نشر «ناءوكا» (العلم)، ١٩٧٢م.
(١-٤١) قنسطنطين قنسطنطينوفيتش فاجينوف
(٤ / ١٦ أبريل ١٨٩٩م، بطرسبورج – ٢٦ أبريل ١٩٣٤م، ليننجراد).
والده قنسطنطين أدولفوفيتش فاجينجايم، ينحدر من عائلة ألمانية تروَّست منذ زمن بعيد، وعاشت في بطرسبورج منذ القرن الثامن عشر. ومع بداية الحرب مع ألمانيا قام بتغيير كنيته الألمانية إلى كنية روسية. أمَّا والدته، ليوبوف ألكسيفنا فهي، وفقًا لأحد المصادر، ابنة مالك أراضٍ سيبيري واسع الثراء، ووفقًا لمصدر آخر، كان والدها رجل أعمال سيبيريًّا غنيًّا يعمل في صناعة الذهب، وكان عمدةً لمدينة ينيسيسك.
تلقَّى ق. ق. فاجينوف تعليمه في ثانوية ي. جوريفيتش، التي كانت تتمتَّع بجو ديمقراطي (درس فيها في الفترة من ١٩٠٨م وحتى ١٩١٧م). الْتحق بكلية الحقوق بجامعة بتروجراد، وفي فترة الحرب الأهلية تم تجنيده في الجيش الأحمر، حارب على الجبهة البولندية وفيما وراء الأورال. وفي مطلع العشرينيات عاد إلى بتروجراد، لكن الجامعة لم تقبله؛ لأنه ينحدر من أصول بروليتارية، فاتجه للدراسة في معهد تاريخ الفنون.
بدأ في كتابة الشعر وهو لا يزال طالبًا في الثانوية بتأثير ديوان «أزهار الشر»، للشاعر الفرنسي شارل بودلير. تُمثِّل بطرسبورج أحد أهم موضوعاته الإبداعية، وقد ظل عاشقًا لهذه المدينة على مدى حياته كلها («الأمر بالنسبة لي سيان، أن يكون نصيبي من الخبز كل يوم أوقيتين/مدينتي أحبُّ إليَّ من نفسي/أحبُّ إليَّ من النجاة»). كان ق. ق. فاجينوف أديبًا واسع الثقافة، عليمًا باللغات الأوروبية القديم منها والجديد، أولع منذ طفولته بالدراسات القديمة، وكان جامعًا للعملات.
وفي مطلع العشرينيات شارك بالعمل الدءوب في أعمال الاستوديو التابع لبيت الفنون، وقد تم قَبوله في «ورشة الشعراء» الثالثة التي أسَّسها جوميلوف، لكن أشعاره لم تُدرَج ضمن أعمال «الورشة» الشعرية، ثم انضم هو وتيخونوف وكولباسييف وغيرهم إلى جماعة «أوستروفيتياني» («سكان الجزر») القريبة من «الإخوة سيرابيون». وفي سبتمبر ١٩٢١م ينشر له للمرة الأولى ديوانه الأول «سُكان الجزر» مطبوعًا على الآلة الكاتبة، أصدرته جماعة «أوستروفيتياني»، وفي الوقت نفسه تقريبًا صدر ديوانه «رحلة إلى الفوضى». وفي العامين ١٩٢١م، ١٩٢٢م، أصبح ق. ق. فاجينوف، على حد قوله، «عضوًا في كل الجمعيات الشعرية في بتروجراد». وفي عام ١٩٢٢م «راح يعمل وحيدًا». أمَّا كتابه النثري الأول «دير سيدنا أبوللون»، فقد نُشر في التقويم الأدبي «أبراكساس» عام ١٩٢٢م. وقد وصفه ميخائيل باختين٢١ بأنه «كاتب كرنفالي بحق». كان فاجينوف قريبًا من «حلقة باختين»، وتوطَّدت أواصر الصداقة بينه وبين ب. ن. ميدفيديف وماريا يودينا وإ. سوليرتينسكي ول. بومبيانسكي وغيرهم. وقد ساهم بعضٌ من هؤلاء المفكرين في إضفاء الشكل الكرنفالي على رواياته، وبخاصة رواية «أغنية الجدي» (١٩٢٨م)، وهي تحتوي على الكثير من سيرة فاجينوف الذاتية. وقد صوَّر فاجينوف على نحو واضح الحياة الأدبية نهاية العشرينيات ومطلع الثلاثينيات، وما جرى فيها من أحداث، بما في ذلك وقائع من حياة جماعة أوبيريو، وكان على صلة قريبة منها أيضًا. وفي «أغنية الجَدي» يرسم مصائر الأدباء في ضوء تراجيدي، كما يعكس في «أعمال وأيام سفيستونوف» (١٩٢٩م) حياة أبطاله على نحو فكاهي ساخر. وفي الثلاثينيات كتب ق. ق. فاجينوف روايتيه «بامبوتشادا» (١٩٣١م)، و«جاربا جدنيادا» (١٩٣٢-١٩٣٣م)، وهما روايتان مفعمتان بالإحساس بالعزلة والاغتراب والإحساس بسخف الحياة وعبثيتها. ارتبط ذلك بشعور فاجينوف بأن الثورة لم تحقِّق التجديد الذي انتظره منها للحياة. أما الأعمال الأخيرة له فقد سادتها روح السخرية والإحباط.
كان ق. ق. فاجينوف يتمتَّع بحب وتقدير معاصريه. وقد بذل جهدًا كبيرًا لكي يخرج من عزلته، فانضمَّ إلى العمل الجماعي في الاتجاه الذي كان مكسيم جوركي يدعمه وهو كتابة «تاريخ المصانع والورش»، وفي عام ١٩٠٥م، بدأ في كتابة رواية جديدة لكنه لم يُكملها. تمَّت مصادرة مخطوطات ق. ق. فاجينوف عند اعتقال والدته (وكان أمر الاعتقال يشمل أيضًا اعتقال الكاتب، وقد لقي حتفه نتيجة إصابته إصابةً مميتة في أثناء القبض عليه).
يُعتبر المنتخب الأخير من أشعاره: «خبرة الربط بين الكلمات بواسطة الإيقاع» (١٩٣١م) ديوانًا تجريبيًّا، وقد ذاعت فكرة رواية «جامع الكلمات» على نطاق كبير.
ظل اسم ق. ق. فاجينوف وأعماله مُصادرًا من عالم الأدب لِما يزيد على نصف قرن. كان فنانًا فريدًا، عكس على طريقته تراث «العصر الفضي»، عمل بشجاعة وعلى نحو مثير للاهتمام في سياق طموحات الأدب الروسي والأوروبي في العشرينيات والثلاثينيات، وهو من الشخصيات الجذابة التي لا تتكرَّر، وظاهرة بارزة في الأدب الروسي في عصره.
أعمال ق. ق. فاجينوف
أغنية الجدي: روايات إعداد أ. إ. فاجينوفا وف. إ. إيدل، المقال الافتتاحي: ت. ل. نيكولسكايا، الملاحظات والتعليقات: ت. ل. نيكولسكايا، وف. إ. إيرل، موسكو، دار نشر «سوفريمينيك»، ١٩٩١م.
أعمال عن ق. ق. فاجينوف
نيكولسكايا ت. قنسطنطين فاجينوف، زمنه وأعماله، في كتاب فاجينوف ك، أغنية الجدي، روايات، موسكو، دار نشر «سوفريمينيك»، ١٩٩١م.
تشوكوفسكي ن. قنسطنطين فاجينوف، في كتاب تشوكوفسكي ن، ذكريات أدبية، موسكو، دار نشر «سوفيتسكي بيساتل»، ١٩٨٩م.
(١-٤٢) فلاديمير فلاديميروفيتش نابوكوف
(١٠ / ٢٢ أبريل ١٨٩٩م، سان بطرسبورج – ٢ يوليو ١٩٧٧م، مونتري، سويسرا).
وُلد ف. ف. نابوكوف في سان بطرسبورج في عائلة ف. د. نابوكوف، أحد المشاهير في حزب الكاديت (الحزب الديمقراطي الدستوري) وعضو مجلس الدوما، وظل نابوكوف يطبع أعماله حتى عام ١٩٤٠م باسم مستعار هو فلاديمير سيرين. وعائلة نابوكوف من أصول أرستقراطية نبيلة واسعة الثراء، إنجليزية «الهوى»، وقد أجاد ف. ف. نابوكوف اللغات الروسية والإنجليزية والفرنسية بطلاقة وبالجودة نفسها. تلقَّى نابوكوف تعليمه في معهد تينيشيفسك.
نُشرت مختارات ف. ف. نابوكوف الشعرية الأولى في عام ١٩١٦م ثم في عام ١٩١٨م. وقد هاجر بصحبة والديه بعد قيام الثورة. وقد طافت العائلة في بداية الأمر بالقارة الأوروبية، ثم استقر ف. ف. نابوكوف في إنجلترا، حيث التحق للدراسة بجامعة كمبردج ليتخرَّج فيها عام ١٩٢٢م، يعود بعدها إلى القارة الأوروبية فيعيش في ألمانيا، في برلين، وفي عام ١٩٣٧م يهاجر من ألمانيا النازية إلى فرنسا ليستقر في باريس.
عقد ونصف العقد — من منتصف العشرينيات وحتى الأربعينيات — كان نابوكوف خلالها واحدًا من أكثر كتَّاب المهجر الروسي شهرة. نُشرت مختاراته الشعرية («العقود»، «الطريق الجبلي» وغيرها)، وفي هذه السنوات راحت رواياته تُنشر واحدةً تلو الأخرى («ماشينكا» ١٩٢٦م، «الشايب، البنت، الولد» ١٩٢٨م، «دفاع لوجين» ١٩٣٠م، «الغرفة المظلمة» ١٩٢٣م، «الهدية» ١٩٣٧م، «دعوة للإعدام» ١٩٣٨م)، مختارات قصصية بعنوان «عودة تشورب».
في عام ١٩٤٠م، اضطُر إلى الهجرة مرةً أخرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الاحتلال الألماني لفرنسا، وهناك قام بتدريس الأدب الروسي في الكليات الأمريكية والجامعات، إلى جانب ممارسته للكتابة، كما راح يدرس علم الحشرات في هارفارد. أما سنواته الأخيرة فقد قضاها في سويسرا.
وفي عام ١٩٤٠م، اختفى الكاتب المعروف باسم فلاديمير سيرين ليظهر الكاتب الأنجلو أمريكي فلاديمير نابوكوف. لم يكتب نابوكوف باللغة الروسية تقريبًا، ولكن علاقته بأدبه ولغته الأم لم تنقطع، سواء وهو مدرس، أو وهو باحث في الأدب الروسي الكلاسيكي للقرن التاسع عشر، أو بوصفه مترجمًا موهوبًا غزير الإنتاج، يُترجم إلى الإنجليزية أعمال الكلاسيكيين الروس (جوجول، بوشكين، ليرمونتوف).
ربما يكون ف. نابوكوف، سيرين، هو الوحيد في الأدب الروسي الذي يمكن اعتباره نموذجًا للفنان الضاربة جذوره في الثقافة الأجنبية. لقد أصبح مبدعًا بارزًا للأدب سواء الروسي أو الإنجليزي. لقد كتب بالإنجليزية رواية «لوليتا» التي جلبت له شهرةً عالمية (١٩٥٥م)، وكذلك روايات «حياة سباسيتان نايت» (١٩٤١م)، «آدا، أو الرغبة» (١٩٦٩م) و«بنين» (١٩٥٧م). وتُعد مذكراته التي تحمل اسم «الضفاف الأخرى» (١٩٥٤م) واحدةً من أفضل كتب السيرة الذاتية في القرن العشرين.
لا شك أن ف. ف. نابوكوف، الفنان الشديد النقاء، الساحر الكلمة، صاحب الأسلوب الأنيق، كان ابنًا للثقافة الفنية الرفيعة لبطرسبورج، وقد طوَّر تقاليدها في المهجر. إن له شخصيةً فريدة بين كبار الأدباء في الأدب الروسي في عصرنا.
أعمال ف. ف. نابوكوف.
ماشينكا، دفاع لوجين، دعوة للإعدام، الضفاف الأخرى، موسكو، ١٩٨٨م؛ الأسرة (شعر، ترجمة، قصص قصيرة) ١٩٩٠م.
قصص قصيرة، ذكريات (عودة تشورب، الجاسوس، ربيع في فيالتا، الضفاف الأخرى)، موسكو، ١٩٩١م.
الضفاف الأخرى (المأثرة، قصص قصيرة)، ليننجراد، ١٩٩١م.
شعر، قصص، ليننجراد، ١٩٩١م.
أعمال عن ف. ف. نابوكوف
شاخوفسكايا ز. البحث عن نابوكوف، انعكاسات، موسكو، ١٩٩١م.
يروفييف ف. نابوكوف يبحث عن الفردوس المفقود، في كتاب نابوكوف ف، الضفاف الأخرى، ليننجراد، ١٩٩١م.
موليارتشيك أ، في أثر نابوكوف، في كتاب نابوكوف ف، قصص، ذكريات، موسكو، ١٩٩١م.
بيتوف أ، وضوح الخلود (ذكريات لم تُنشر)، في كتاب نابوكوف ف، الدائرة، ١٩٩٠م.
(١-٤٣) ليونيد مكسيموفيتش ليونوف
(١٩ / ٣١ مايو ١٨٩٩م، موسكو – ٨ أغسطس ١٩٩٤م، موسكو).
وُلد ل. م. ليونوف لعائلة فلاح من كالوجا يُدعى م. ل. ليونوف. كان والده شاعرًا علَّم نفسه بنفسه ليعمل في الصحافة. أمَّا الابن ل. م. ليونوف فقد أنهى ثانوية موسكو الثالثة بتفوُّق ليحصل على الميدالية الفضية. كان أول ظهور أدبي له على صفحات جريدة «الصباح الشمالي» التي تصدر في إقليم أرخانجلسك (١٩١٥م)، وقد نشرت له الجريدة أشعارًا وتعليقات، وكان أبوه، الذي طلب إليه المجيء لإصدار كتيب ذي مضمون ثوري، هو نفسه الذي قام على تحريرها.
إبَّان سنوات الحرب الأهلية دأب ل. م. ليونوف على نشر أعماله في هذه الجريدة نفسها، ثم اتجه للعمل بعد ذلك في الصحف التي كان يُصدرها الجيش الأحمر.
كان أول عمل أدبي لفت إليه الانتباه هو قصة «سمراء»، التي نُشرت في «شيبوفنيك» (١٩٢٢م). أمَّا الأعوام التالية فشهدت إنتاجًا غزيرًا من إبداعه تمثَّل في رواية: «الغرائر»٢٢ (١٩٢٤م)، «اللص» (١٩٢٧م)، «المحطة» (١٩٢٩م)، قصص؛ «مذكرات كوفياكين»، «نهاية رجل صغير»، «صراع الديكة» وغيرها؛ مسرحيات: «أونتيلوفسك»، «ترويض بادادوشكين»، ومسرحيات أخرى. موجز القول إنه بحلول العقد الثالث من القرن العشرين صدرت «مجموعة أعمال» ل. م. ليونوف في خمسة أجزاء.
وقد أخذ إيقاع العمل الأدبي عند ليونوف في التسارع في الثلاثينيات فصدرت له روايات: «سكوتاريفسكي» (١٩٣٢م)، «الطريق إلى المحيط» (١٩٣٥م)، ومسرحيات «حدائق بولوفتشانسك»،٢٣ «اللص» (١٩٣٨م)، «العاصفة الثلجية» (١٩٣٩م). وقد أثارت المسرحية الأخيرة سخط الدوائر المسئولة لمخالفتها أعراف مسرحيات «التجسس»، وجلبت للكاتب بعض المتاعب. وفي سنوات الحرب كتب ل. م. ليونوف أفضل مسرحياته على الإطلاق: «الغزو» (وهي واحدة من أفضل المسرحيات الروسية في القرن العشرين)، ثم أتبعها بعدد من الأعمال الأدبية والمسرحية، وكثيرًا ما نشر بعض المقالات الاجتماعية. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، عمل على كتابة مسرحية «العربة الذهبية» (١٩٤٦م)، ثم رواية «الغابة الروسية» (١٩٥٣م)، والتي مثَّلت خاتمة مسيرته الإبداعية.
ها هو بعد أربع سنوات من كتابته «الغابة الروسية»، يصبح مجهولًا لدى القراء، على الرغم من أنه أصدر عددًا من الأعمال: Evgenia Ivanovna، «هروب مستر ماك، كنيلي»، وأجزاء أخرى من روايته الطويلة «الهرم»، التي أنفق زمنًا طويلًا في كتابتها.
لا شك أن مصير ل. م. ليونوف يحمل في طياته مأساةً روحية؛ فهو واحد من أكثر أدباء العشرينيات موهبة، وكان ظهوره واعدًا بالكثير، ولعله لم يحقِّق كل ما كان منتظَرًا منه من إنجاز. لكن أفضل ما كتبه ليونوف وهو يتمتَّع بحريته، كانت رواياته ومسرحياته التي كتبها في العشرينيات. أمَّا نشاطه الإبداعي فهو منعطف العشرينيات والثلاثينيات فقد قاده إلى الحلول الوسط، والتي يمكن أن نستشعرها في رواية «المحطة». لقد تركت القوالب الأيديولوجية الستالينية، التي سادت «الجبهة بأسرها» في الثلاثينيات، أثرًا ملحوظًا على أعماله. وقد عكست روايات ومسرحيات تلك السنوات على نحو جاد نماذج: «الضارون» و«الجواسيس» و«المخربون»، الذين امتلأت بهم حدائق الحياة السوفييتية الآخذة في الازدهار آنذاك (وقد انعكس ذلك على وجه الخصوص في رواية «سكوتاريفسكي» وفي مسرحيتَي: «حدائق بولوفتشانسك» و«الذئب»). وفي مسرحية «العاصفة الثلجية» نلمس بعض التحرُّر من الدعاية الباطلة. وقد كفَّر الكاتب عن كثير من أخطائه في مسرحية «الغزو»، التي انتصر فيها على كثير من الأوهام السائدة. وقد استمرَّ ل. م. ليونوف في رؤيته الاستشرافية أيضًا في رواية «الغابة الروسية»، وإن لم يسلَم من تأثير القصة البوليسية «الأيديولوجية»، وقد مزج فيها بين الفلسفة والإيحاء البوليسي.
ظل ل. م. ليونوف وحيدًا يحيطه الغموض في الحياة الأدبية للقرن العشرين، أما تأثيره وشهرته فلم يكونا بنفس قدر ما وهبته الطبيعة من موهبة وما اكتسبه من خبرة، بما في ذلك تلك الخبرات المريرة التي امتلأ بها تاريخه الأدبي.
أعمال ل. م. ليونوف
صدرت أعماله الكاملة في عدة طبعات كان آخرها «الأعمال الكاملة في عشرة أجزاء»، موسكو، ١٩٨١–١٩٨٤م. وقد صدرت كثير من مؤلفاته الأساسية في طبعات مستقلة عدة مرات. جدير بالذكر أن ليونوف أعاد كتابة بعض أعماله في الخمسينيات («اللص» وغيرها).
أعمال عن ل. م. ليونوف
بوجوسلافسكايا ز. ليونيد ليونوف، موسكو، ١٩٦٠م.
الأهمية العالمية لإبداع ليونيد ليونوف، موسكو، ١٩٨١م.
ميخايلوف أ، وجهة نظر تجاه ليونوف، موسكو، ١٩٨٩م.
(١-٤٤) ميخائيل ألكسندروفيتش شولوخوف
(١١ / ٢٤ مايو ١٩٠٠م،٢٤ قرية كروجيلين، مركز فيشينسكايا، محافظة فوديسكا دونوسكوي سابقًا – ٢١ يناير ١٩٨٤م، مركز فيشينسكايا).
وُلد م. أ. شولوخوف في عائلة «نازحة» من محافظة ريازان. الوالد تاجر ماشية، الأم، أوكرانية، كانت أرملة قوزاقي، وهذا هو زواجها الثاني. تلقَّى م. أ. شولوخوف تعليمه في مدرسة تابعة لإحدى الأبرشيات، ثم في مدارس ثانوية (في موسكو وبوجوتشار وفيشينسكايا) حتى عام ١٩١٨م. عمل إبَّان سنوات الحرب الأهلية في منطقة نهر الدون في القواعد الحزبية السوفييتية المحلية، في وحدات التموين، مفتشًا للتموين في مدينة روستوف على نهر الدون.
في عام ١٩٢٢م، سافر إلى موسكو لكنه لم يستقرَّ بها طويلًا. تنقَّل بين أعمال شتى (حمَّال، عامل في محجر، محاسب وهلم جرًّا). بدأ في نشر أعماله في صحف الشباب، ولكنه عاد إلى الدون مرةً أخرى في عام ١٩٢٤م، حيث أقام هناك منذ هذا التاريخ بصفة دائمة في الأماكن التي كانت قريبةً إلى قلبه. انضمَّ إلى الحزب الشيوعي في عام ١٩٣٢م، ثم اختير بعد ذلك في التنظيمات الحزبية العليا؛ أصبح عضوًا في اللجنة المركزية، موفدًا إلى مؤتمرات الحزب كافةً منذ عام ١٩٣٩م، وظل لسنوات طويلة واحدًا من قيادات اتحاد كتَّاب الاتحاد السوفييتي، كما حصل على الدكتوراه الفخرية في العلوم من جامعتَي روستوف وليبتسيج. مُنح لقب بطل العمل الاشتراكي، وجائزة ستالين (١٩٤١م)، وجائزة لينين (١٩٦٠م)، ثم جائزة نوبل (١٩٦٥م).
كان أول كتاب صدر لميخائيل شولوخوف هو «قصص عن الدون» (١٩٢٥م)، وفي العام نفسه صدرت له مجموعة قصصية بعنوان «براري لازوريف». عمل في كتابة رواية «الدون الهادئ» لمدة خمسة عشر عامًا (نُشرت في الفترة من ١٩٢٨م إلى ١٩٤٠م)؛ أمَّا روايته الثانية: «الأرض البكر» فاستغرقت كتابتها ثلاثين عامًا (ظهر الجزء الأول منها في عام ١٩٣٢م، والجزء الثاني في عام ١٩٦٠م). عمل العقيد شولوخوف مراسلًا لصحيفة «البرافدا» إبَّان الحرب الوطنية العظمى، وفي هذه الفترة كتب قصةً قصيرة بعنوان «درس الكراهية» (١٩٤٢م)، ثم بدأ في كتابة روايته «كانوا يحاربون من أجل الوطن».
وفي سنوات «ذوبان الجليد» (وكان شولوخوف يستهجن الاتجاهات الليبرالية آنذاك)، نشر قصةً بعنوان «مصير إنسان» (١٩٥٦م)، كانت نقطة تحوُّل في أدب الحرب.
وعلى ما يبدو فقد تعرَّضت القوة الإبداعية للكاتب للانحسار في الربع الأخير من القرن العشرين.
هناك حلقات مفقودة في السيرة الأدبية لميخائيل شولوخوف، وهناك الكثير في هذه السيرة مزدوج؛ فتارةً هو أديب عظيم، وتارةً متحيِّز، وفي كثير من الأحيان أحادي النظرة، كاتب مسيَّس. فأمَّا شولوخوف الفنان الأديب، فقد صوَّر لوحاتٍ مدهشةً مفعمة بالصدق للتراجيديا القومية الهائلة، التي دمَّرت نمط الحياة الشعبية بأسرها. وأحرقت عائلة ميليخوف في نيران الحرب الأهلية، التي كانت تمثِّل قلب العالم القازاقي. أمَّا «عاصفة القوة غير المرئية» الأخرى للحرب فقد أطاحت من فوق ظهر الأرض ببيت أندريه سوكولوف. كلتا الحربين، من وجهة نظر شولوخوف، ناهيك عن الاقتصاد الزراعي الجماعي، كانا أمرًا موضوعيًّا! إنه الانهيار العنيف المستمر لأسس الوجود الشعبي والروح الإنسانية التي أُقيمت على مدى القرون. لقد أتاح لنا شولوخوف الفنان، في الحقيقة، أن نرى بأم أعيننا عدوانية الحياة الشعبية ذاتها في خضم مسيرة ذلك التاريخ، الذي كانت الطوباوية البلشفية هي التي توجِّه مساره. وإذا ما غضضنا الطرف عن بعض الصفحات غير الموفَّقة في رواية «كانوا يحاربون من أجل الوطن»، والجزء الثاني من رواية «الأرض البكر»، فإن النصوص والشخصيات، التي أبدعها شولوخوف الفنان فيهما، سوف تكون مقبولةً ومبرَّرة على نحو قطعي.
لا يمكن للمرء ألَّا يلاحظ في هذا السياق أن الجدل يشتعل من وقت لآخر (حتى منذ نهاية العقد الثاني من القرن العشرين) حول هُوية مؤلف «الدون الهادئ». ولعل أكثر من تمسَّك بإصرار بهذه الفرضية، التي أيَّدها ألكسندر سولجينسين هي إ. ن. توماشيفسكايا في كتابها «رِكاب» «الدون الهادئ». على أنه قد ثبت بعد البحوث التي أجراها في السنوات الأخيرة علماء من السويد (ج. خيتسو، س. جوستافسون، ب. بيكمان، س. جيل، حول «من كتب «الدون الهادئ»؟»)، وكذلك إلى جانب المتخصِّصين الروس (انظر مجلة «العالم الجديد»، ١٩٣٣م، الأعداد: ٥، ٦، ١١) فقد زالت الشكوك تمامًا حول هذا الأمر.
وباعتباره فنانًا أصيلًا فقد سعى م. أ. شولوخوف أن يتصرَّف من الناحية الأدبية بأن يقف في مواجهة النظام البيروقراطي؛ فاتخذ من قرية فيشينسكايا، البعيدة عن «السلطة»، مستقرًّا ومقامًا، متجنِّبًا بذلك الأباطيل السياسية اليومية. ولكنه ظل خاضعًا في أحيان كثيرة للدوجمات الأيدلوجية، التي تركت أثرها على آرائه، بوصفه كاتبًا حزبيًّا. وفي الثلاثينيات، عندما اتخذ شولوخوف موقفًا مؤيدًا لحملة توحيد لغة الأدب، قَبِل آنذاك الاضطهاد الذي مُورس ضد «أعداء الشعب» (رغم أنه من المعروف أن «الأجهزة» اتخذت في نهاية الثلاثينيات إجراءات ضد الكاتب نفسه، لولا لجوء الكاتب إلى أعلى الجهات في البلاد وإلغاء العملية). وأخيرًا، فقد شارك الكاتب في الستينيات والسبعينيات في الحملات التي نُظِّمت ضد سولجينتسين وغيرهم من «المخالفين في الفكر».
إن مصير ميخائيل شولوخوف نفسه أصبح يمثِّل، على نحو ما، دراما الاختلاف بين الموهبة الكبرى والنظام الشمولي، ويمثِّل دليلًا مريرًا على قدرة الأخير على إيذاء الفنان، الذي لا حول له ولا قوة في مواجهة عنف الكذب السياسي، ومن ثم اضطرار الفنان للتضحية بجوانب ما من شخصيته من أجل الحفاظ على إمكانية الإبداع الفني.
أعمال م. أ. شولوخوف
صدرت أعمال م. شولوخوف مراتٍ عديدةً بأعداد كبيرة.
أعمال عن م. أ. شولوخوف
ياكمينكو ل، إبداع م. أ. شولوخوف، الطبعة الثانية، موسكو، ١٩٧٠م؛ بالييفسكي ب، الأهمية العالمية لشولوخوف، في كتاب بالييفسكي ب، الأدب والنظرية، الطبعة الثانية مزيدة، موسكو، ١٩٧٨م.
بيريوكوف ف، الكشوف الفنية لميخائيل شولوخوف، موسكو، ١٩٨٠م.
(١-٤٥) ألكسندر ألكسندروفيتش فادييف
(١١ / ٢٤ ديسمبر ١٩٠١م، كيمري بمحافظة تفير – ١٣ مايو ١٩٥٦م، ضاحية بيريديلكينو بالقرب من موسكو، دُفن في مقبرة نوفوديفيتشي).
وُلد أ. أ. فادييف في أسرة مدرس يعمل في الريف، ينحدر من عائلة من فلاحي تفير. تشتَّت مبكرًا؛ فقد ترعرع مدرس المستقبل في بيت زوج والدته في الجانب الآخر من روسيا، في الشرق الأقصى. في الفترة من عام ١٩١٢م وحتى عام ١٩١٩م درس في المعهد التجاري في مدينة فلاديفوستوك. كان الابن مولعًا منذ شبابه بالحركة الثورية (انضمَّ إلى البلاشفة وأصبح عضوًا في الحزب في عام ١٩١٨م، ثم شارك في الحرب الأهلية وعمل في التنظيمات السرية في الشرق الأقصى وكان اسمه الحزبي الحركي: بوليجا). سافر إلى موسكو عام ١٩٢١م ليدرس في أكاديمية موسكو للتعدين، ولكنه لم يكمل الدراسة بها بعد أن قضى عدة سنوات. اشتغل بالصحافة الحزبية في كراسنودار ورستوف على نهر الدون، ثم أصبح ناشطًا في الجمعية الروسية للكتَّاب البروليتاريين (راب) منذ منتصف العشرينيات، وهو واحد من قياداتها الأساسيين. وفي هذه الفترة اجتاز مدرسة «القيادة الحزبية» للأدب.
وبعد التصفية الإدارية للجماعات الأدبية كافةً وإنشاء اتحاد واحد ووحيد للكتَّاب السوفييت أصبح واحدًا من قياداته. وفي الفترة من ١٩٣٩م وحتى ١٩٤٤م كان أمينًا لاتحاد كتَّاب الاتحاد السوفييتي، وفي الفترة من ١٩٤٦م وحتى ١٩٥٤م (حتى انعقاد المؤتمر الثاني للكتاب)، شغل منصب الأمين العام ورئيس مجلس إدارة اتحاد الكتَّاب، ثم في الفترة من ١٩٥٤م وحتى ١٩٥٦م أمينًا لمجلس الإدارة. ولسنوات عديدة (١٩٣٩–١٩٥٦م) كان عضوًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي لعموم الاتحاد السوفييتي (البلاشفة)؛ الحزب الشيوعي السوفييتي. وإلى جانب نشاطه القيادي في اتحاد الكتَّاب، ومن قبله رئاسة الجمعية العامة للكتَّاب البروليتاريين (راب) سعى أ. أ. فادييف أن يضم إلى عمله هذا العمل الأدبي الإبداعي.
يعود ظهوره الأدبي الأول إلى عام ١٩٢٣م، عندما نشر قصته «ميلاد فوج أمجون»٢٥ (أطلق عليها بعد ذلك اسم «ضد التيار»). ارتبط الأدب الذي أبدعه أ. أ. فادييف طوال العشرينيات بأكمله بتأمل واستيعاب وتصوير أحداث وقائع الحرب الأهلية. وقد اشتهر الأديب الموهوب أ. أ. فادييف بأنه «الكاتب البروليتاري» البارز بعد نشره رواية «الهزيمة» (١٩٢٦م)، وهي عمل أدبي كُتب بصدق وتميُّز، مزج فيه أ. أ. فادييف فن القص عند تولستوي في وصفه للحياة الداخلية المركَّبة لأبطاله، بالأسلوب البلشفي المباشر والمتطرِّف للغاية ودون هوادة، وبالتصوُّرات الطوباوية عن حتمية التغيير «الثوري» الجذري للإنسان الروسي، بل للحياة الروسية ذاتها والاستعداد من أجل تحقيق ذلك بتقديم التضحيات مهما كان ثمنها.
ظلَّت هذه الرواية على مدى نصف قرن هي «كتاب الحياة» النموذجي، والإلزامي أيضًا، لعديد من أجيال التلاميذ السوفييت. وإلى جانب رواية «الهزيمة» لعبت روايته الأخرى «الحرس الفتي» الدَّور نفسه في حياة الناس، ولكن بعد أن وضعت الحرب الوطنية العظمى أوزارها (كُتبت الرواية عام ١٩٤٥م، وصدرت طبعتها الثانية في عام ١٩٥١م). وقد كتب فادييف هذه الرواية وهو مفعم بالآمال، عازم على تمجيد ما أظهره الشباب السوفييتي من مقاومة في ظروف الاحتلال الفاشي. وقدَّم فادييف في هذه الرواية الأحداث والناس بأسلوبه وعلى نحو مثالي الأحداث والبشر المشاركين فيها، مستندًا، ظاهريًّا فقط، على الوثائق. وقد حظيت الرواية بنجاح بين القراء، فضلًا عن منحها جائزة ستالين عام ١٩٤٦م، على أنها أثارت بعد ذلك بعام واحد فقط سخطًا شديدًا لدى القيادات السياسية بزعم أنها أظهرت الشباب موجَّهًا في كل خطوة يخطوها بالتعليمات الحزبية اليومية التي تُصدرها هذه القيادة. وأن أ. أ. فادييف، الكاتب الحزبي الملتزم، قد أدخل تعديلات جوهريةً على الرواية تمشيًا مع هذه التعليمات.
أمَّا رواية «التعدين» (١٩٥١–١٩٥٦م)، فقد بذل فيها فادييف جهدًا فائقًا لتأتي وفق مواصفات السوق، وهي رواية يرتبط موضوعها أشد الارتباط بكشف «أعداء الشعب» المزعومين، الذي يعملون في مجال صناعة التعدين. لم تكن الرواية قد انتهت، حتى بدأ فادييف في استكمال رواية أخرى كان قد بدأها في نهاية العشرينيات باسم «الأوديجي الأخير»٢٦ (صدر منها عدة فصول).
شغل فادييف مناصب رفيعةً في عالم الأدب، وفي الحزب أيضًا، وكان يمتلك سلطات واسعةً أتاحت له التأثير على الكتَّاب ومصائرهم، وظل له هذا التأثير على سير العملية الأدبية ذاتها. ولأنه كان قائمًا على أمر «إدارة» ما يُعرف ﺑ «التوجُّه الحزبي»، على الرغم من النوايا الذاتية للكاتب، فقد أدَّى الأمر إلى قمع الفكر الصادق وحرية الإبداع وإلى تخريب القانون الداخلي للحركة الأدبية. لم يكن من الممكن ألَّا يعاني فادييف من أزمة حادة بعد وفاة ستالين وظهور بعض «الميول الليبرالية» في الحياة الاجتماعية والأدبية، فانتهى أمره بالانتحار في ١٣ مايو ١٩٥٦م.
وفي خطابه «إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي»، على وجه التحديد، كتب فادييف يقول: «لم يعد استمراري في الحياة ممكنًا؛ فالفن الذي وهبته حياتي، قد ملك أمره قيادة حزبية جاهلة مغرورة، والآن أصبح إصلاح الأمر مستحيلًا. إن حياتي، بوصفي كاتبًا، قد فقدت كل معنًى لها. وها أنا بكل رضًا، وكنوع من الخلاص من هذا الوجود الشائن، أُغادر هذه الحياة، التي ينقَض فيها الناس عليك بكل وقاحة وكذب وافتراء.»
وقد وصف الكاتب ك. أ. تشوكوفسكي بدقة وإيجاز شخصية فادييف، عندما كتب في «يومياته» في نفس يوم انتحاره يقول: «يمكنك أن تشعر، بعد أن تُزيح كل هذا الركام، بهذا العصامي الروسي، هذا الرجل العظيم، يا إلهي! يا له من ركام! كل أكاذيب ستالين ووحشيتها البلهاء، كل هذه البيروقراطية البشعة، كل هذا الفساد المستشري في أجهزة الدولة، كلها وجدت في هذا الكاتب أداتها الطيِّعة. لقد كان رجلًا طيبًا في جوهره، فيَّاضًا بالمشاعر الإنسانية، محبًّا للأدب «مرهف الإحساس به». كان عليه أن يقود سفينة الأدب في طريق الأهوال والخزي، محاولًا الجمع بين ما هو إنساني في هذا الأدب وبين تعليمات لجنة أمن الدولة. من هنا كان سلوكه المختل، ومن هنا أيضًا كان ضميره معذَّبًا في الأعوام الأخيرة.»
وفي عصر بريجنيف بدأت الدولة في إعادة الاعتبار لشخصية أ. أ. فادييف، وفي عام ١٩٧٤م تم تأسيس الجائزة التقديرية للأدب التي تحمل اسمه.
أعمال أ. أ. فادييف
الأعمال الكاملة في سبعة أجزاء، موسكو، «خودوجستفينايا ليتيراتورا»، ١٩٦٩–١٩٧١م.
الأعمال الكاملة في أربعة أجزاء، موسكو، «برافدا»، ١٩٨٧م.
عن الأدب، مجموعة مقالات، موسكو، «سوفريمينيك»، ١٩٨٢م.
أعمال عن أ. أ. فادييف
أوزيروف ف، ألكسندر فادييف، موسكو، ١٩٧٠م.
بوبوريكين ف. ج، ألكسندر فادييف، مصير كاتب، موسكو، «سوفيتسكي بيساتل»، ١٨٨٩م؛ شيشكوف س. أ. فادييف، سيرة حياة وإبداع الطبعة الثانية، موسكو، ١٩٧٣م؛ جوكوف إ. إ. يد القدر، الحقيقة والكذب حول ميخائيل شولوخوف وألكسندر فادييف، موسكو، ١٩٩٤م؛ فادييف، موسكو، «مولودايا جفارديا»، ١٩٨٩م.
(١-٤٦) نيكولاي ألكسيفيتش زابولوتسكي
(٢٤ أبريل/٧ مايو ١٩٠٣م، كازان – ١٤ أكتوبر ١٩٥٨م، موسكو).
تعود أصوله إلى فلاحي منطقة فياتسكايا. كان والده أول من تلقَّى تعليمًا في عائلته، فعمل مهندسًا زراعيًّا، وفي العام الذي وُلد فيه ابنه نيكولاي تولَّى إدارة الشركة الزراعية بالإقليم. كان يرى في ابنه وريثه في تخصُّصه، فراح يُعلِّمه أسرار الطبيعة. عاش نيكولاي ألكسيفيتش زابولوتسكي في قرية سيرنور من سن السابعة وحتى الرابعة عشرة، وقد كتب عنها فيما بعدُ قائلًا: «لم تغب عن قلبي مطلقًا الطبيعة الرائعة لسيرنور وانعكست صورها في الكثير من أشعاري.»
درس في موسكو في الفترة من ١٩٢٠م إلى ١٩٢٥م، ثم تخرَّج بعد ذلك في كلية الآداب، معهد التربية (كلية جيرتسين) في ليننجراد. خدم في الجيش لفترة قصيرة ليلتحق بالعمل بعد ذلك في قسم أدب الأطفال برئاسة مارشاك٢٧ التابع للهيئة الحكومية لإصدار الكتب والمجلات.
كان ن. أ. زابولوتسكي مولعًا بالتجريب الفني في بداية طريقه الإبداعي. خاض تجربة الإعجاب بالرمزية، ثم اشتغل بالشعر الطليعي (ف. خليبنيكوف) وجذبته رسوم ب. فيلونوف، وب. بريجيل، وكان واحدًا من مؤسسي جماعة أوبيريو (جماعة الفن الحقيقي). أما في سنوات النضج الفني فقد اكتشف لنفسه قيمًا أخرى؛ ففي كتابه الرائع الأول «الأعمدة» (١٩٢٩م) جمع فيه موضوعات تبدو غايةً في التضاد، من الشخصيات الروسية القديمة إلى الأساليب السوريالية والعبثية. وفي سياق تيار الإبداع التركيبي كتب قصائد «انتصار الفلاحة» (١٩٢٩-١٩٣٠م)، «الذئب المجنون» وغيرها. وفي فترة «الانعطافة الكبرى» أثارت أشعاره اهتمامًا كبيرًا، فضلًا عن إثارتها أيضًا للنقد بعد أن تحوَّل غموض أعماله هدفًا للشك الأيديولوجي والاتهامات السياسية. وقد مُنعت قصيدته «انتصار الفلاحة» من النشر في مجلة «زفيوزدا» (النجم) بعد جمعها، لتعود مرةً أخرى إلى الرقابة، أُعيد بعدها طبع العدد. وكانت القصيدة قد اعتُبرت هجاءً لنظام المزارع الجماعية. وعند إعدادها للنشر في عام ١٩٣٣م، صدر قرار بمنعها.
في منتصف الثلاثينيات تعرَّضت الرؤية الجمالية عند ن. أ. زابولوتسكي إلى تغييرات جادة؛ ففي أشعاره ذات النزعة الفلسفية الطبيعية نقابل لديه موضوعاتٍ تكشف عن العلاقات الدرامية بين الإنسان والطبيعة «الخطرة»، والثقة غير المبرَّرة في «وحشية» هذه الطبيعة، ثم التحديات المطلوبة «لترويضها». وفي الوقت نفسه نجد الشاعر يتحدَّث بشجَن بالغ عن قسوة «التحوُّلات» كافة. أمَّا أشعار زابولوتسكي في هذه الفترة، فقد يكون من الممكن، أن نصفها بأنها كانت قريبةً للغاية من التفكير المميَّز للأدب السوفييتي.
لم يصدر ديوان ن. أ. زابولوتسكي الشعري الجديد سوى في عام ١٩٣٧م، وفي مارس عام ١٩٣٨م تم اعتقاله، وبعد تحقيقات قاسية تمَّت دون محاكمة، حُكم عليه بالسجن لمدة خمسة أعوام (أُضيف إليها ثلاثة أخرى بسبب الحرب)، قضاها زابولوتسكي في منطقة الشرق الأقصى، في إقليم كومسومولسكا على نهر آمور، في بناء خط للسكك الحديدية. ثم تبع ذلك النفي إلى ألتاي وكاراجاندا. وفي يناير من عام ١٩٤٦م فقط يعود الشاعر إلى الأدب، في البداية باعتباره مترجمًا (بالمناسبة فقد كان زابولوتسكي في الثلاثينيات يكتسب قوت يومه من العمل بترجمة أدب الأطفال: «تيل أولينشبيجل» لشارل كوستير، «جارجانتيوا وبانتاجرويل» لفرانسوا رابليه، «الفارس في جلد النمر» لشوتا روستافيلي). وقد بدأ في سنوات ما قبل الحرب في ترجمة «قصة فيلق إيجورييف» لينتهي من ترجمتها في عام ١٩٤٦م.
في عام ١٩٤٨م صدر له ديوانه الثالث «أشعار». وفي فترة «ذوبان الجليد» فقط أُتيحت الفرصة أمام ن. أ. زابولوتسكي لنشر أشعاره الأساسية. وكان ديوان «أشعار» هو ختام أعماله وصدر في عام ١٩٥٧م.
تركت خبرة الحياة وصدمة السجن ومعسكرات الاعتقال وغيرها من «الفظائع» في عالم البشر أثرًا كبيرًا على رؤية ن. أ. زابولوتسكي للطبيعة؛ ففي أشعاره الأخيرة تظهر الطبيعة الفلسفية المتأخرة وقد تميَّزت بالوضوح والحزن والمثالية والتعاطف والإحساس بالسر العظيم للوجود. تراجعت المفردات العاصفة التي ميَّزت الشعر العاطفي المبكِّر أمام الانسجام والتأمل، وتراجع الآلهة السابقون أمام ديرجافين وبوشكين وتيوتشيف وباراتينسكي، وماندلشتام الذي كان قريبًا منه. ولكن حتى أشعار زابولوتسكي الأخيرة خلت من الصفح والغفران؛ لم يتصالح الشاعر مطلقًا مع «نظام» الحياة التي خبرها هو ورفاقه في معترك الأدب («في مكان ما بالقرب من «ساحة ماجادان»، «وداع الأصدقاء» وغيرها»).
أعمال ن. أ. زابولوتسكي
الأعمال الكاملة في ثلاثة أجزاء، موسكو، ١٩٨٣-١٩٨٤م.
مختارات في جزأين، موسكو، ١٩٧٢م.
قصائد وأشعار، موسكو، ليننجراد، ١٩٦٥م.
(مكتبة الشاعر) أعمال مختارة، موسكو، ١٩٩١م.
أعمال عن ن. أ. زابولوتسكي
روستوفتسيفا ن، نيكولاي زابولوتسكي، خبرة الوعي الفني، موسكو، ١٩٨٤م؛ ماكيدونوف أ، نيكولاي زابولوتسكي، حياته وإبداعه وتحولاته، ليننجراد، ١٩٨٧م؛ ذكريات عن ن. زابولوتسكي، موسكو، ١٩٨٤م.
(١-٤٧) أركادي بتروفيتش جايدار
(٩ / ٢٢ يناير ١٩٠٤م، لجوف بمحافظة كورسك – ٢٦ أكتوبر ١٩٤١م، قرية ليبليافا بالقرب من كانيف، جمهورية أوكرانيا السوفييتية، نُقل رفاته فيما بعدُ إلى كانيف).
وُلد أ. ب. جايدار (الاسم الحقيقي لعائلته جوليكوف) في عائلة مدرس في الأرياف. وكانت أمه أيضًا مدرِّسة، عملت بعد ذلك قابلة. كان الولدان ينتميان إلى الأنتلجنسيا البلشفية ذات النزعة الديمقراطية، كلاهما كان منذ اندلاع الثورة عضوًا في الحزب، وكان الوالد قوميسارًا (وزيرًا) في أثناء الحرب الأهلية. في طفولته كان أركادي جايدار شديد الارتباط بوالديه، ثم انفصل عن الأسرة بعد ذلك.
دأب على التنقُّل بصحبة الأسرة من مدينة إلى أخرى من مدن نهر الفولجا (فاريخا، نيجني نوفجورود، أرزاماس). تلقَّى منذ عام ١٩١٤م تعليمه في معهد أرزاماس. وفي عام ١٩١٧م أخذته دُوامة أحداث الثورة، فأقام علاقات مع البلاشفة وشارك في أعمال الدوريات، التي كانت تقوم بها الوحدات الخاصة، وتسلَّم، ولم يكن عمره يتجاوز الثالثة عشرة بعد، سلاحًا قتاليًّا في يديه، وشارك في تبادل إطلاق النار. وفي ديسمبر عام ١٩١٨م تطوَّع أركادي جايدار، صاحب البنية القوية والطول الفارع، الذي لم يكمل من العمر خمسة عشر عامًا في صفوف الجيش الأحمر. ومنذ هذه اللحظة وعلى مدى ثلاثة أعوام ونصف راح أركادي جايدار ينتقل من جبهة إلى أخرى إبَّان الحرب الأهلية. وبعد أن أنهى عدة دورات قيادية قصيرة في كييف، ثم في موسكو (في تخصُّص «إطلاق النار») شغل مواقع قياديةً متنوِّعة حتى وصل إلى رتبة قائد فوج ليتولَّى قيادة إخماد انتفاضة الفلاحين بقيادة أنطونوف، والتي نشبت في محافظة تامبوف، ليُصبح قائدًا للمنطقة العسكرية على الحدود مع منغوليا. أتاحت له هذه المناصب أن يكون مسئولًا عن حياة أو موت أناس آخرين. لم تكن معاناة الحروب تمر دون أن تترك آثارها؛ فها هو جايدار يكتشف إصابته ﺑ «التهاب الأعصاب»، فحصل على إجازة مرضية طويلة في نهاية عام ١٩٢٢م، وبعد عام ونصف أُحيل إلى التقاعد.
في الأعوام من ١٩٢٢م إلى ١٩٢٤م كتب أ. ب. جايدار أول قصة له بعنوان «في أيام الهزائم والانتصارات» (صدرت في عام ١٩٢٥م). عمل بعد ذلك عدة سنوات صحفيًّا في مدينة بيرم، ومنها سافر في مهمة صحفية إلى آسيا الوسطى. في ١٩٢٧-١٩٢٨م عاش في موسكو وعمل في صحيفة «المقاتل السوفييتي» العسكرية، سافر بعدها لمدة عام إلى أرخانجلسك، وهناك عمل بالصحافة أيضًا، وفي نهاية الأمر، استقرَّ به المقام ليعيش في موسكو منذ عام ١٩٣٠م.
ظل جايدار طوال هذه السنوات الخمس يبحث عن ذاته في الأدب؛ كتب عددًا من القصص عن أحداث الثورة الماضية في منطقة بيرم، مستعينًا بمواد عن الحرب الأهلية: «الحياة دون سبب»، «إخوة الغابة»، P. B. C، ثم كتب روايةً خيالية بعنوان «سر الجبل»، ورواية «على أطلال الأمراء» وغيرها. وجميعها لم تلفت الأنظار إليها، سواء من جانب القراء أو النقاد.
في عام ١٩٣٠م، اكتشف أ. ب. جايدار طريقه في الأدب، عندما كتب رواية «المدرسة» صدر منها على الفور عدة طبعات بأعداد كبيرة. وقد دعمها النقد المؤثر بشكل حيوي (مقالة أ. فادييف في «الصحيفة الأدبية»، وفي المقالة الافتتاحية لصحيفة «البرافدا»، وفي صحف ومجلات أخرى). ومنذ هذه اللحظة أصبح أ. ب. جايدار أكثر كتَّاب الأطفال شهرةً وشعبية. وظهرت مؤلفاته الجديدة في أوسع الصحف والمجلات انتشارًا، وتم طبعها في إصدارات مستقلة مرات عديدة («السر العسكري» ١٩٣٥م، «الكأس الزرقاء» ١٩٣٦م، «مصير عازف الطبل»، «تشوك وجيك» ١٩٣٩م، «تيمور وفريقه» ١٩٤٠م وغيرها).
في يناير ١٩٤١م، ألقى عدة خطب منهجية عن تربية الأطفال عمليًّا وعسكريًّا. وفي غمار الحرب كتب سيناريوهات أفلامه «قائد حصن الثلج» و«قسم تيمور» (كلاهما في عام ١٩٤١م). وفي يوليو ١٩٤١م سافر أ. ب. جايدار إلى الجبهة بصفته مراسلًا صحفيًّا، والْتحق بوحدة من وحدات الفدائيين، وهناك لقي حتفه في إحدى المعارك التي دارت بالقرب من قرية ليبليافا، بعد أن تعرَّضت لحصار الأعداء. وقد نُقل رفاته بعد الحرب إلى بلدة كانيف، على قمة ضفة نهر الدنيبر، بالقرب من مقبرة تاراس شيفيشينكو.٢٨ أصبح اسم أ. ب. جايدار واحدًا من أبرز الكتَّاب في الأدب الكلاسيكي السوفييتي، لا يرقى إلى مرتبته أي كاتب آخر باعتباره كاتب أطفال.
ومنذ الثلاثينيات وعلى مدى نصف قرن تقريبًا ظل أ. ب. جايدار أكثر الكتَّاب تأثيرًا في الأطفال، فضلًا عن كونه كاتبهم المفضل (ناهيك عن الكبار الذين يرَون أن «ظلام الحقائق الدنيئة أعز لديهم من الخداع السامي»). كان «الخداع السامي» ضروريًّا لجايدار نفسه. لقد كان للعصبية الهائلة والحمولة النفسية الزائدة، التي عاشها الكاتب في سنوات المراهَقة والشباب، والتي عاناها من خلال الثورة والحرب الأهلية، اللتين أحاطتا به من كل جانب بدمائهما وبما فيهما من عنف، ثم تجربة امتلاكه في سن مبكرة لسلطة تسمح له بالتحكُّم في حياة وموت آخرين، وضرورة المخاطرة بحياته ذاتها، كل ذلك كان له أثره الهائل على روحه. كان جايدار يستطيع أن يخلق في أدبه موضوعاتٍ مليئةً بالتوتر، هو نفسه أدَّى أكثر من مرة دَور البطل الكاتب؛ الصديق، القائد، الكاتب-المقاتل، المواطن-الشجاع، الطيب، صاحب الروح السامية، الذي يؤدِّي واجبه بإخلاص.
وتكشف الكلمة التي ألقاها جايدار أمام اللجنة المركزية للكومسومول عن كثير ممَّا يجيش في صدره: «يومًا ما سيأتي أناس يقولون، لقد عاش هناك هؤلاء الناس الذين كانوا يسمُّونهم بدهاء كتابًا للأطفال، وفي واقع الأمر فهؤلاء الكتَّاب هم الذين أعدوا لنا حرس النجمة الحمراء القوي.»
الأمر، لحسن الحظ، ليس تمامًا على هذا النحو. إن الشحنة الروحية لديه لم تكن «براجماتية» على نحو قاسٍ وخطير، ومن ثم كان من الضروري التخفيف من أثر الانطباع الصادم الناتج عن الصراعات الاجتماعية والأخلاقية للعصر، عن الصراع مع «الأعداء الطبقيين»، عن «الجواسيس» («مصير عازف الطبل»)، عن المعارك القادمة مع «البرجوازيين» («السر العسكري»)، عن «غزاة الطبيعة» («تشوك وجيك»)، عن المآسي العائلية («الكأس الزرقاء») وهلم جرًّا.
كان باستطاعة أ. ب. جايدار الكتابة، بحيث تظهر الأحداث والأبطال داخل هالة الصراع بين الخير والشر، بينما يتلقَّى القارئ شحنة من الشرف والكرامة، ويتعلَّم كيف يُصبح شديد المراس وأن يضحِّي بنفسه في سبيل القضية العادلة إلى آخره.
لقد بذل أ. ب. جايدار كل ما في وسعه لكي يغلق عيني القارئ عن الواقع الشرير، الذي كان سائدًا في تلك الفترة، فخلق بلدًا يعيش فيه الناس وفقًا لقانون الخير والواجب وتبادل المنفعة. إن شخصية «الإنسان السوفييتي» في أفضل صفاتها وتجلياتها مدينة بالتأكيد لأستاذية جايدار الأخلاقية والعاطفية. أمَّا الضربات القاصمة، التي عانت منها روحه والمصائر المأساوية، والعواطف الداخلية، التي عاشها الكاتب، فسوف تظل مختفيةً في الأعماق السرية لسيرة حياته.





