📰 آخر الأخبار
عرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغربعطل في البرمجة ~~أمين الساطيبريسيلا فان فالكنبرج  .. كرونك : قصيدة هايبون معاصرة ~ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال
عرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغربعطل في البرمجة ~~أمين الساطيبريسيلا فان فالكنبرج  .. كرونك : قصيدة هايبون معاصرة ~ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
وجهاً لوجه

حوار موسع مع الفنان التشكيلي الليبي مراد الجماعي/‏حوار: عفاف التاورغي

collage 1 2

الفن الليبي بين إرث الرواد ورهانات الحداثة.. وأسئلة الهوية والدولة والمستقبل

‏في عالم يموج بالصخب والسطحية، تبقى اللوحة التشكيلية بوابةً إلى أعماق لا تنضب، حيث يسكن الصمت حكايا، وتتنفس الألوان ذاكرة. ومع الفنان التشكيلي الليبي مراد الجماعي، لا تكون اللوحة مجرد مشهد بصري عابر، بل رحلة غوص في أعماق إنسانية ورمزية، قد تكون أعمق من أسرار البحر وأكثر اتساعاً من مدى البصر.
‏ الفنان في هذا الحوار الخاص، تقف على شاطئ هذا العالم المليء بالرموز، لترافقنا في غوصة جديدة نحو أغوار تجربته الفنية، حيث تتداخل الهندسة التي درسها مع شغفه الصوفي بالتراث، وتتلاقى الأساطير الليبية مع هموم الإنسان المعاصر.
‏مراد الجماعي، ابن وادي الشاطئ، الذي حوّل ذاكرة المكان ووجوه النساء وأساطير قورينا إلى لغة تشكيلية متفردة، يفتح لنا اليوم، ولأول مرة، خزائن أسراره التي طالما اختبأت خلف الأكريليك والقماش. حديثه هذه المرة ليس عن الألوان فحسب، بل عن الروح، وعن تلك الأعماق التي لا تُرى بالعين، بل تُحس بالفكر والوجدان.
‏ففي هذا اللقاء الشيق مع عفاف التاورغي، يكشف مراد الجماعي النقاب عن عوالم لم تظهر في لوحاته من قبل، ويروي حكايات لوحاتٍ ظننا أننا فهمناها، لكنه يدهشنا بأن للبحر أعماقاً، وللألوان أسراراً، وللحرف التشكيلي معاني لا تنتهي…
‏فإلى أعماق هذا البحر التشكيلي، ننطلق معاً…


السؤال: تقولون إن الرسم سبق الكتابة في حياتكم، وإن علاقتكم باللون بدأت منذ الطفولة. كيف تشكلت تلك اللحظة المؤسسة لوعيكم الفني؟ وهل يؤمن الفنان بأن الموهبة قدر يولد معه الإنسان، أم أنها مشروع يُصنع بالتجربة والمعرفة؟
مراد الجماعي: أتذكر جيداً تلك البدايات البسيطة، حيث كانت أوراق الدفاتر المدرسية هي المساحة الأولى التي اكتشفت فيها متعة التشكيل. لم تكن البداية واعية بالمعنى الأكاديمي، بل كانت نوعاً من الحوار الصامت مع العالم من حولي. الرسم كان وسيلتي لفهم الأشياء قبل أن أتعلم تسميتها.
أما عن الموهبة، فأنا أؤمن بأنها شرارة أولية، لكنها لا تكفي وحدها. الموهبة أشبه ببذرة تحتاج إلى تربة خصبة، والماء، والعناية. التجربة المستمرة، والقراءة، ومشاهدة أعمال الآخرين، والمحاولة والفشل ثم المحاولة مجدداً، كل ذلك يصنع الفنان الحقيقي. لا يوجد فنان عظيم وُلِدَ فناناً مكتملاً؛ بل كل عظيم صنع نفسه بالصبر والعمل والوعي.
السؤال: انتقلتم من دراسة هندسة التعدين إلى ممارسة الفن التشكيلي باحتراف. كيف أثرت الخلفية العلمية في رؤيتكم الجمالية؟ وهل يمكن للعلم أن يمنح الفنان منهجاً مختلفاً في قراءة اللوحة وبنائها؟
مراد الجماعي: الهندسة علمتني الدقة والمنهجية والنظر إلى الأشياء من زوايا متعددة. ربما هذا ما جعلني أميل إلى البناء المحكم في لوحاتي، وإلى البحث عن التوازن في التكوين. العلم يمنح الفنان قدرة على التحليل والتفكيك، وهو ما يساعد في قراءة اللوحة كبنية متكاملة، وليس مجرد انطباع عابر.
لكن الأهم أن الهندسة علمتني الصبر، وهندسة التعدين خصوصاً جعلتني أعي قيمة ما تحت الأرض، وربطتني بجماليات المعادن والصخور والألوان الطبيعية. هذه الخلفية جعلتني أنظر إلى اللوحة باعتبارها بناءً قائماً على أسس، حتى لو بدت في ظاهرها عفوية.
السؤال: تحضر الهوية الليبية بوصفها عنصراً أساسياً في أعمالكم. كيف توازنون بين الوفاء للموروث الثقافي والانفتاح على التجارب الفنية العالمية، دون أن تفقد اللوحة خصوصيتها المحلية؟
مراد الجماعي: هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه أي فنان ينتمي إلى ثقافة غنية، لكنه يعيش في زمن العولمة. بالنسبة لي، الهوية ليست سجناً، بل هي نقطة انطلاق. أنا أستلهم من الموروث الليبي عمقاً وروحاً، لكني لا أنسخه حرفياً. أحاول أن أراه من زاوية معاصرة، وأعيد صياغته بلغة بصرية تنتمي إلى اليوم.
الانفتاح على التجارب العالمية يمنحني أدوات جديدة وأفقاً أرحب، لكنه لا يجعلني أنسلخ عن جذوري. الفنان الذي يخشى التأثر بالآخرين هو فنان يخشى النمو. التوازن يكمن في أن تكون واثقاً من هويتك، ومنفتحاً في الوقت نفسه على كل ما هو جديد ومختلف.
السؤال: تتكرر في أعمالكم رموز المرأة الليبية والعمارة التقليدية والبيئة الصحراوية والموروث الشعبي. هل تنطلقون من توثيق الذاكرة البصرية، أم من إعادة إنتاجها برؤية معاصرة؟
مراد الجماعي: لا يمكن أن أقول إنني أوثق الذاكرة، لأن التوثيق يحمل نزعة موضوعية وتاريخية، بينما أنا فنان يبحث عن التعبير. أنا أعيد إنتاج الذاكرة، لا أنقلها كما هي. المرأة التي أرسمها ليست امرأة بعينها، لكنها حاملة لروح الأنثى في المخيال الليبي. البيت القديم الذي يظهر في لوحاتي ليس بيتاً محدداً، لكنه يحمل دفء الذاكرة والحنين إلى مكان آمن.
أنا أؤمن بأن الفن لا يعيد إنتاج الواقع، بل يخلق واقعاً موازياً، واقعاً رمزياً، يمنح المتلقي مساحة للتأويل والحلم.
المحور المدرسة التشكيلية الليبية والتحولات الفنية
السؤال: يعتمد أسلوبكم على مزج الواقعية بالتعبيرية والرمزية. هل ترون أن الانتماء إلى مدرسة فنية محددة ما يزال ضرورياً، أم أن الفن المعاصر تجاوز فكرة التصنيف التقليدي؟
مراد الجماعي: المدرسة الفنية كانت ضرورية في مرحلة ما، لأنها وفرت إطاراً نظرياً وأسلوبياً للفنانين، وساعدت في ترسيخ حركات فنية كبرى. لكن في زمننا الحالي، أصبح التصنيف أكثر مرونة، وأصبح الفنان أكثر حرية في التنقل بين الأساليب.
أنا شخصياً لا أنتمي إلى مدرسة بعينها، لكنني أستفيد من كل المدارس. أخذت من الواقعية دقتها، ومن التعبيرية حمولتها الانفعالية، ومن الرمزية عمقها الإيحائي. الفن المعاصر هو فن التهجين، وفن تجاوز الحدود.
السؤال: كيف تقرؤون تطور الحركة التشكيلية الليبية منذ تجربة الرواد وحتى اليوم؟ وما أبرز التحولات الفكرية والجمالية التي شهدها هذا المسار؟
مراد الجماعي: الحركة التشكيلية الليبية مرت بمراحل متعددة. بدأت مع الرواد الأوائل الذين كانوا يؤسسون للفن الليبي في سياق ما بعد الاستقلال، وكانت أعمالهم تحمل روح التأسيس والبحث عن هوية وطنية جديدة. ثم جاء جيل السبعينيات والثمانينيات، حيث تأثرت الحركة بالتيارات العربية والعالمية، وبدأت تظهر تجارب أكثر جرأة وتنوعاً.
اليوم، نرى جيلاً جديداً من الفنانين الذين يعملون في سياق مختلف، يتسم بالانفتاح الرقمي، والتأثر بالفنون المعاصرة، والبحث عن لغات جديدة. لكن أبرز تحول ربما هو الانتقال من الفن كتعبير وطني إلى الفن كتعبير فردي وذاتي، مع بقاء الهوية الليبية كخلفية أو مرجعية، وليس كموضوع مباشر.
السؤال : إلى أي مدى تختلف المدرسة الليبية الكلاسيكية، التي أسس لها الرواد، عن المدرسة الحديثة التي يمثلها جيل الشباب؟ وهل تعتقدون أن هناك استمرارية بين المدرستين، أم أن التحولات الثقافية والتقنية صنعت قطيعة بينهما؟
مراد الجماعي: أعتقد أن هناك استمرارية أكثر مما يظن البعض، لكنها استمرارية ليست خطية. الرواد وضعوا أسساً مهمة تتعلق بالوعي بالفن كرسالة وهوية. جيل الشباب اليوم يعمل في سياق مختلف تماماً، مع أدوات جديدة وتحديات جديدة، لكنه يحمل في العمق نفس الأسئلة الوجودية والهوياتية.
ما حدث ليس قطيعة بقدر ما هو تحول. نحن اليوم أمام امتداد طبيعي للحركة الفنية الليبية، وإن كان هذا الامتداد يتخذ أشكالاً متعددة، بعضها يبدو بعيداً عن المدرسة الكلاسيكية. لكن الفن في جوهره يظل بحثاً عن التعبير الصادق، وهذه النقطة المشتركة بين الأجيال.
السؤال: هل استطاع الجيل الجديد أن يؤسس هوية بصرية ليبية معاصرة، أم أن كثيراً من التجارب لا تزال أسيرة التأثيرات الغربية والعربية على حساب الخصوصية المحلية؟
مراد الجماعي: هناك محاولات جادة لتأسيس هوية بصرية ليبية معاصرة، لكن الطريق لا يزال طويلاً. لا يمكن إنكار أن بعض التجارب تتأثر بشكل كبير بالتيارات الغربية والعربية، وهذا ليس عيباً في حد ذاته، لكن الخطر يكمن في أن يصبح التأثر تقليداً، وأن يفقد الفنان صوته الخاص.
الخصوصية المحلية لا تعني العزلة أو رفض التأثيرات الخارجية، بل تعني القدرة على هضم هذه التأثيرات وصياغتها بطريقة تعبر عن الذات الليبية. أرى أن جيل الشباب يتحرك في هذا الاتجاه، لكنه يحتاج إلى مزيد من الوقت والوعي والنضج، وإلى بيئة ثقافية تشجعه على التجريب والبحث عن صوته الخاص.

السؤال :يرى بعض النقاد أن الفنان الليبي في الماضي كان يعتمد على جهده الشخصي، ويشق طريقه بإمكاناته المحدودة، بينما أصبح كثير من الفنانين اليوم ينتظرون دعم المؤسسات الرسمية قبل الانطلاق. كيف تنظرون إلى هذه المقارنة؟ وهل تغير الفنان، أم تغيرت طبيعة المرحلة؟
مراد الجماعي: هذه المقارنة تحتاج إلى قراءة متوازنة. صحيح أن الفنان في الماضي كان يعتمد على جهده الشخصي إلى حد كبير، لكن هذا كان نتيجة غياب البنية التحتية الثقافية والمؤسسات الداعمة. اليوم، مع وجود بعض المؤسسات الرسمية والجمعيات، أصبح الفنان يتوقع دعماً، وهذا طبيعي في أي مشهد فني ناضج.
لكن المشكلة ليست في أن الفنان ينتظر الدعم، بل في أن الدعم المؤسسي في ليبيا لا يزال غير منتظم وغير عادل وغير مستدام. الفنان لا ينتظر الدعم لأنه كسول، بل لأنه يبحث عن بيئة تتيح له التركيز على الإبداع بدلاً من التفكير في لقمة العيش. أعتقد أن الفنان لم يتغير في جوهره، لكن المرحلة تغيرت، وأصبحت أكثر تعقيداً، وتحتاج إلى منظومة متكاملة لا إلى جهد فردي فقط.
السؤال: برأيكم، هل الدعم المؤسسي حق للفنان أم ضرورة لنهضة المشهد التشكيلي؟ وأين ينبغي أن تبدأ مسؤولية الفنان، وأين تنتهي مسؤولية الدولة؟
مراد الجماعي: الدعم المؤسسي هو حق للفنان وضرورة للمشهد التشكيلي في آن واحد. الفنان يقدم خدمة ثقافية وحضارية للمجتمع، والمجتمع ممثلاً في الدولة مطالب بدعمه، تماماً كما تدعم الدولة التعليم والصحة والبنية التحتية.
أما عن توزيع المسؤوليات، فأرى أن مسؤولية الفنان تبدأ في تطوير أدواته، والبحث عن لغته الخاصة، وبناء مشروعه الفني، والمشاركة الفاعلة في المشهد الثقافي. أما مسؤولية الدولة فتبدأ في توفير البيئة المناسبة: صالات العرض، المتاحف، التشريعات، الدعم المادي، برامج الإقامة الفنية، وفتح آفاق للفنانين للظهور محلياً ودولياً.
هما وجهان لعملة واحدة؛ لا يمكن للفنان أن يبدع في الفراغ، ولا يمكن للدولة أن تبني نهضة ثقافية بدون فنانين مبدعين.


السؤال: كيف تقيّمون اهتمام الدولة الليبية بالفن التشكيلي؟ وهل ترون أن الثقافة والفنون تحظى بموقع حقيقي ضمن أولويات السياسات العامة، أم أنها لا تزال تتعامل معها بوصفها نشاطاً هامشياً؟
مراد الجماعي: بصراحة، الفن التشكيلي في ليبيا لا يزال يعاني من التهميش. هناك اهتمام متقطع، يظهر في بعض المناسبات والمعارض، لكنه غير مستدام وغير مبني على استراتيجية واضحة. الثقافة في ليبيا تُنظر إليها في كثير من الأحيان على أنها رفاهية وليس ضرورة، وهذا خطأ كبير.
الدول المتقدمة تدرك أن الثقافة هي أساس الحضارة، وأن الاستثمار في الفنون هو استثمار في الهوية والذاكرة والصورة الذهنية للوطن. في ليبيا، ما زلنا نتعامل مع الثقافة وكأنها نشاط ثانوي يمكن تأجيله أو اختزاله في مهرجانات موسمية. لا بد من تغيير هذه النظرة، لأن الثقافة ليست ترفاً، بل هي عماد بناء الإنسان والدولة.
السؤال: ما أبرز التحديات التي تواجه الفنان الليبي اليوم؟ هل تكمن في غياب التمويل، أم في ضعف البنية التحتية الثقافية، أم في محدودية سوق الفن، أم في غياب التشريعات والمؤسسات الداعمة؟
مراد الجماعي: التحديات متعددة ومتشابكة، ولا يمكن اختزالها في عامل واحد. غياب التمويل مشكلة حقيقية، لكن ضعف البنية التحتية الثقافية مشكلة لا تقل خطورة. فنحن نفتقر إلى صالات عرض مهنية، ومتاحف حديثة، وأرشيف وطني، وبرامج تعليمية متخصصة.
إضافة إلى ذلك، سوق الفن في ليبيا محدود جداً، وغير منظم، وغير خاضع لأي قوانين تحمي الفنان والمقتني معاً. كما أن التشريعات المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية ضعيفة ومهملة. الفنان الليبي يعيش في حالة من عدم الاستقرار، ينتج ويبدع دون أن يجد ضمانات لاستمراريته، وهذا يدفع الكثيرين إلى التوقف عن الإنتاج أو الهجرة خارج البلاد.-
السؤال: برأيكم، ماذا يحتاج المشهد التشكيلي الليبي حتى يصبح قادراً على المنافسة عربياً ودولياً؟ وهل نحن بحاجة إلى استراتيجية وطنية للفنون البصرية تتجاوز الحلول المؤقتة؟
مراد الجماعي: نحن بحاجة ماسة إلى استراتيجية وطنية للفنون البصرية، تمتد لعشرين عاماً على الأقل، وتشمل كل جوانب المشهد: التعليم، الدعم، التسويق، التشريع، الأرشيف، المتاحف، والعلاقات الثقافية الخارجية. لا يمكن بناء نهضة فنية بقرارات مؤقتة أو بميزانيات متقطعة.
كما أننا بحاجة إلى التواصل مع المؤسسات الثقافية العربية والدولية، وبناء شراكات حقيقية، والمشاركة في المحافل الفنية العالمية بشكل منتظم ومنظم. الفنان الليبي يملك الإمكانيات والقدرات، لكنه يحتاج إلى بيئة تطلق له العنان، وتدعمه، وتوفر له فرص الظهور والتطور.
المحور: المبادرات الفردية ودور الفضاءات المستقلة
السؤال: افتتحتم مرسماً في المدينة القديمة بطرابلس. كيف يمكن لمثل هذه المبادرات أن تسهم في صناعة حراك تشكيلي مستدام، وأن تتحول إلى فضاءات للتدريب والحوار وإنتاج المعرفة الفنية؟
مراد الجماعي: فكرة المرسم في المدينة القديمة جاءت من إيمان عميق بأن الفضاءات المستقلة يمكن أن تلعب دوراً محورياً في الحراك الثقافي. هذه الفضاءات تقدم بديلاً عن المؤسسات الرسمية التي قد تكون بطيئة أو غير متاحة للجميع. المرسم ليس مجرد مكان لعرض اللوحات، بل هو مختبر للفكر، ومساحة للقاء الفنانين والكتّاب والمفكرين والجمهور.
نحن بحاجة إلى المزيد من هذه المبادرات، لأنها تسهم في خلق حراك ثقافي من الأسفل، وتبني جمهوراً للفن، وتدعم الفنانين الشباب، وتخلق حالة من الحوار المستمر حول الفن والهوية والمجتمع. هذه الفضاءات يمكن أن تكون نواة لمشهد ثقافي أكثر حيوية واستدامة.
المحور التحديات الرقمية والتحولات المعاصرة.
السؤال: في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تصنع الشهرة بسرعة، هل تعتقدون أن الفنان الحقيقي يُقاس بعدد المتابعين، أم بقيمة مشروعه الفني وقدرته على البقاء في ذاكرة الأجيال؟
مراد الجماعي: وسائل التواصل أصبحت أداة مهمة للتعريف بالفنان، ولا يمكن إنكار تأثيرها، لكنها ليست المعيار الحقيقي لقيمة التجربة الفنية. قد يحقق شخص شهرة واسعة خلال أشهر، لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا سيبقى من أعماله بعد عشرين أو خمسين عاماً؟
أنا أؤمن أن الفنان يُقاس بما يضيفه إلى تاريخ الفن، لا بعدد الإعجابات أو المتابعين. الشهرة قد تأتي بسرعة وقد تزول بسرعة، أما العمل الصادق فيبقى لأنه يحمل فكرة، ويحمل إحساساً، ويحمل جزءاً من روح صاحبه. لذلك أحاول دائماً أن أركز على بناء مشروع فني يعيش، لا على صناعة حضور مؤقت في وسائل التواصل.
السؤال: يشهد العالم اليوم صعود الذكاء الاصطناعي والفنون الرقمية. هل تنظرون إلى هذه التحولات باعتبارها فرصة لتطوير التجربة التشكيلية، أم أنها قد تُفقد اللوحة التقليدية شيئاً من قيمتها الإنسانية؟
مراد الجماعي: أنا لا أرفض التكنولوجيا، وأرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة تساعد الفنان في البحث والتخطيط والتجريب، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التجربة الإنسانية التي تحملها اللوحة المرسومة باليد.
اللوحة التقليدية ليست مجرد صورة، بل هي أثر لزمن قضاه الفنان أمام القماش، ولكل ضربة فرشاة، ولكل تردد أو تصحيح، ولكل انفعال عاشه أثناء العمل. هذه التفاصيل لا يمكن أن تُختزل في خوارزمية.
أعتقد أن المستقبل سيشهد تعايشاً بين الفن التقليدي والفنون الرقمية، لكن سيظل للعمل الذي يولد من يد الفنان وقلبه قيمة خاصة لا يمكن استبدالها.


السؤال: شاركتم في معارض عربية ودولية ونلتم جوائز مهمة. ما الذي تعلمتموه من الاحتكاك بالتجارب العالمية؟ وكيف يمكن للفنان الليبي أن يحجز مكانه في المشهد التشكيلي الدولي؟
مراد الجماعي: كل تجربة خارج حدود الوطن كانت بالنسبة لي فرصة للتعلم قبل أن تكون فرصة للعرض. اكتشفت أن الفن لغة عالمية، وأن الاختلاف في الثقافة لا يمنع التواصل إذا كان العمل صادقاً.
كما تعلمت أن الفنان الذي يعتز بهويته هو الأكثر قدرة على لفت الانتباه. العالم لا ينتظر منا أن نقلد الآخرين، بل ينتظر أن نقدم أنفسنا كما نحن.
ولكي يحجز الفنان الليبي مكانه عالمياً، عليه أن يطور أدواته باستمرار، وأن يقرأ كثيراً، ويشاهد تجارب الآخرين، ويشارك في المعارض، ويؤمن بأن المنافسة الحقيقية تكون بجودة العمل، لا بجنسية الفنان.
السؤال :إلى أي مدى يستطيع الفن التشكيلي أن يكون قوة ناعمة تعكس صورة ليبيا الحضارية، وتسهم في تعزيز الحوار الثقافي مع العالم؟
مراد الجماعي: الفن من أقوى وسائل التعارف بين الشعوب، لأنه يخاطب الإنسان مباشرة دون حاجة إلى ترجمة. قد تختلف اللغات والسياسات، لكن اللوحة الصادقة تستطيع أن تصل إلى أي متلقٍ.
ليبيا تمتلك تاريخاً عريقاً، وتراثاً غنياً، وتنوعاً ثقافياً كبيراً، وكل ذلك يمكن أن يتحول إلى لغة بصرية تقدم صورة مختلفة عن الوطن، بعيداً عن الصور النمطية المرتبطة بالأزمات.
أؤمن أن الفنان سفير لوطنه، وكل لوحة تحمل شيئاً من ذاكرة ليبيا، ومن جمالها، ومن إنسانها.
المحور أسئلة الهوية والمستقبل
السؤال: إذا طلب منكم اختيار عمل فني واحد يمثل تجربتكم بأكملها، فما هذه اللوحة؟ وما الحكاية التي تختبئ خلفها؟
مراد الجماعي: إذا اضطررت لاختيار عمل واحد، فسأختار لوحة “سيرين – مروضة الأسود” ، لأنها تمثل كثيراً من الأفكار التي أؤمن بها.
في هذه اللوحة لم أرد أن أجسد القوة باعتبارها عنفاً، بل باعتبارها قدرة على الحكمة والسيطرة على الخوف. استلهمت شخصية سيرين المرتبطة بمدينة قورينا، وجعلت الأسد رمزاً للقوة والهيبة، بينما كانت المرأة رمزاً للعقل والإرادة والاتزان.
هذه اللوحة بالنسبة لي ليست حكاية أسطورية فقط، بل هي رسالة عن الإنسان عندما يتغلب على مخاوفه، وعن ليبيا التي أؤمن بأنها قادرة على استعادة قوتها بالحكمة والثقافة، لا بالصراع.
السؤال: لو طُلب من مراد الجماعي أن يرسم ليبيا بعد عشرين عاماً، كيف تتخيلون ملامح تلك اللوحة؟ وما الألوان والرموز التي ستعبر عن حلمكم بمستقبل الوطن؟
مراد الجماعي: سأرسم ليبيا مضيئة، لا لأنني أتجاهل الواقع، بل لأن الفن يجب أن يمنح الناس أفقاً للأمل.
سأجعل البحر يلتقي بالصحراء في انسجام، وسأرسم المدن القديمة وهي تنبض بالحياة، وسأملأ اللوحة بأشجار السيلفيوم رمزاً للخصب والتجدد، وسأجعل المرأة والطفل والشاب والشيخ يقفون معاً، لأن الوطن لا يبنيه جيل واحد.
أما الألوان، فسأختار الأزرق رمزاً للسلام، والأخضر للحياة، والذهبي للنور والأمل، مع حضور دفء ألوان الأرض الليبية التي أعتز بها. ستكون لوحة عن وطن يتصالح مع نفسه، ويستعيد مكانته بالحضارة والعلم والثقافة.


السؤال: في السنوات الأخيرة ظهرت حالات لسرقة أعمال فنية، حيث يتم نسخ لوحات أو إزالة توقيع الفنان الأصلي ووضع اسم آخر عليها. كيف تنظرون إلى هذه الظاهرة؟ وهل سرقة اللوحة تعني فقط الاعتداء على حق مادي، أم أنها سرقة لجزء من تاريخ الفنان وروحه الإبداعية؟
مراد الجماعي: سرقة الأعمال الفنية ليست مجرد اعتداء على حق مادي، بل هي انتهاك للجوهر الإنساني للعمل الفني. اللوحة تحمل جزءاً من روح الفنان، وتاريخه، ولحظاته، وتجاربه. عندما تُسرق لوحة أو يُمسح توقيع الفنان، فإننا أمام سرقة للذاكرة، وليس سرقة لقطعة قماش ملوّنة فقط.
ما يحدث هو محاولة لاختطاف هوية الفنان، وانتزاع علاقته بمنتجه، وكأن الفنان لم يعد صاحب العمل. هذا يشبه سرقة جزء من حياة الإنسان، وجعلها ملكاً لشخص آخر. إنه اعتداء على الكرامة الإنسانية قبل أن يكون اعتداء على الملكية.
السؤال :عندما يُمحى توقيع الفنان من عمله، هل نحن أمام سرقة لقطعة فنية فقط، أم أمام محاولة لتزييف الذاكرة الثقافية وإعادة كتابة تاريخ الفن بطريقة غير عادلة؟
مراد الجماعي: بل هو تزييف للذاكرة الثقافية بامتياز. التوقيع ليس مجرد اسم، إنه شهادة على أن العمل أنتجه هذا الفنان في هذه المرحلة الزمنية. عندما يُمحى التوقيع، تُمسح الحقيقة، ويُعاد كتابة التاريخ بطريقة زائفة
وهذا أخطر ما في الأمر، لأنه يؤثر في مسار الحركة الفنية برمتها. قد يظن الجيل القادم أن هذا العمل لفلان، بينما هو لعلان، وتُبنى على ذلك قراءات نقدية وتاريخية خاطئة. إنه تشويه للمعرفة، وتزوير للتاريخ، وإهدار لجهد الفنانين الحقيقيين.

السؤال: هل تعتقدون أن سهولة تداول الصور عبر المنصات الرقمية جعلت الفنان أكثر انتشاراً، لكنها في المقابل جعلته أكثر عرضة لانتهاك حقوقه؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين الانتشار والحماية؟
مراد الجماعي: نعم، هذه هي المفارقة الكبرى في العصر الرقمي. من جهة، لم يسبق للفنان أن كان قادراً على الوصول إلى جمهور عالمي بهذه السهولة. ومن جهة أخرى، لم يسبق له أن كان عرضة للانتهاك بهذا الحجم.
التوازن يكمن في الوعي. الفنان يجب أن يكون مدركاً لحقوقه، وأن يستخدم الأدوات الرقمية بحذر، مثل وضع علامات مائية، وتحديد جودة الصور المنشورة، واللجوء إلى التوثيق الرسمي. ولكن الأهم أن تكون هناك قوانين واضحة تحمي حقوق الفنان في الفضاء الرقمي، وتجعل انتهاك هذه الحقوق مكلفاً قانونياً.
السؤال: هل تعرضتم شخصياً لمحاولة تقليد أعمالكم أو استخدام لوحاتكم دون إذن؟ وكيف يكون شعور الفنان عندما يرى جزءاً من تجربته الفكرية والجمالية يُنسب إلى شخص آخر؟
مراد الجماعي: للأسف، تعرضت لهذا أكثر من مرة، وشعرت بغصة لا توصف. شعور صعب أن ترى عملاً حمل جزءاً من روحك، وقضيت ساعات وأياماً في التفكير به وتنفيذه، يُنسب فجأة إلى شخص آخر، أو يُستخدم في سياق لم تقصده.
الأمر أشبه بأن يكتب شخص قصيدة نيابة عنك، أو يروي حكاية حياتك وكأنها حكايته. إنه شعور بالاغتصاب الفكري، وبانتهاك العلاقة الحميمة بين الفنان وعمله. هذا الشعور يدفع الكثير من الفنانين إلى التراجع عن مشاركة أعمالهم، وهذا يضر بالحركة الفنية برمتها.
السؤال: برأيكم، هل مشكلة سرقة الأعمال الفنية في ليبيا ترتبط بضعف القوانين، أم بغياب الوعي المجتمعي بقيمة الفن وحقوق الفنان؟
مراد الجماعي: كلاهما معاً. ضعف القوانين يجعل الانتهاك غير مكلف، ويشجع على تكراره. ولكن غياب الوعي المجتمعي ربما يكون أخطر، لأن المجتمع لا يرى في هذه السرقة جريمة. كثير من الناس لا يدركون أن اللوحة ليست مجرد سلعة، وأن للفنان حقوقاً أدبية ومادية.
نحتاج إلى حملات توعية، وإلى تغيير ثقافي، وإلى ترسيخ مفهوم أن العمل الفني هو ملكية فكرية تحترم كأي ملكية أخرى. دون هذا الوعي، حتى القوانين الجيدة قد تبقى حبراً على ورق.
السؤال : ما الآليات التي يحتاج إليها الفنان التشكيلي اليوم لحماية إنتاجه؟ هل تكفي القوانين، أم نحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التوثيق والأرشفة والمؤسسات المتخصصة؟
مراد الجماعي: القوانين وحدها لا تكفي، لأنها قد تكون موجودة لكن غير مطبقة. نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة تشمل:
· التوثيق والأرشفة: إنشاء سجل وطني لأعمال الفنانين، يشمل صوراً وتواريخ وتقنيات وأحجاماً.
· المؤسسات المتخصصة: هيئات تتولى حماية حقوق الفنانين، وتقديم الاستشارات القانونية، ومتابعة قضايا الانتهاك.
· الوعي القانوني: تدريب الفنانين على كيفية حماية أنفسهم وحقوقهم.
· التشريع الرقمي: قوانين تواكب العصر الرقمي، وتحمي الأعمال المنشورة على الإنترنت.
بدون هذه المنظومة، سيظل الفنان عرضة للانتهاك، وسيظل الإبداع مهدداً بالسرقة والضياع.


السؤال يضم المشهد الفني أسماء موهوبة لم تدرس الفن التشكيلي أكاديمياً، وفي المقابل هناك من يرى أن الفن علم يحتاج إلى دراسة ومعرفة بالمناهج والتقنيات. أين تقفون بين الموهبة الفطرية والتكوين الأكاديمي؟
مراد الجماعي: أؤمن بأن الموهبة هي الشرارة الأولى، وهي نعمة قد يولد بها الإنسان. لكن الموهبة وحدها لا تصنع فناناً مكتملاً. الدراسة الأكاديمية تمنح الفنان أدواته، وتوسع مداركه، وتعرفه على تاريخ الفن وتقنياته المتعددة.
في المقابل، هناك فنانون عظماء لم يدرسوا أكاديمياً، لكنهم عوضوا ذلك بقراءات واسعة، وتجارب متراكمة، ومشاهدة عميقة. المهم ليس الشهادة، بل الفضول المعرفي، والرغبة في التعلم، والقدرة على النقد الذاتي.
أنا أعتبر نفسي مزيجاً من الاثنين: درست الهندسة التي منحتني منهجية، وتعلمت الفن بالممارسة والقراءة والمشاهدة والمشاركة في ورش ومعارض. الموهبة هي البداية، لكن الاستمرارية والتطور هما المشروع الحقيقي.
السؤال: هل يمكن للموهبة وحدها أن تصنع فناناً كبيراً، أم أن الدراسة الأكاديمية أصبحت ضرورة لصقل التجربة وبناء مشروع فني ناضج؟
مراد الجماعي: الموهبة وحدها لا تكفي، لأنها تشبه العود الذي لم يُعزف عليه. الدراسة الأكاديمية، أو أي شكل من أشكال التعلم المنظم، تمنح الفنان القدرة على فهم ما يفعل، ولماذا يفعل، وكيف يمكن أن يتطور.
لكنني لا أعتبر الأكاديمية ضرورة مطلقة، بل أعتبرها وسيلة من بين وسائل متعددة. هناك من يتعلم بالممارسة، وهناك من يتعلم بالقراءة، وهناك من يتعلم بالسفر. الأهم من الطريقة هو الالتزام بالتعلم مدى الحياة، وعدم الاكتفاء بما تملكه، مهما كان جميلاً.
السؤال: هل تمنح الأكاديمية الفنان أدوات تساعد على اكتشاف لغته الخاصة، أم قد تتحول أحياناً إلى إطار يقيد حرية التجريب والبحث؟
مراد الجماعي: الأكاديمية سلاح ذو حدين. من جهة، تمنح الفنان المعرفة والتقنيات والمناهج التي تساعده على بناء عمله. من جهة أخرى، قد تتحول إلى إطار جامد يكرس أنماطاً معينة، ويقمع التجريب، ويشجع على التقليد.
الخطر الأكبر هو أن تصبح الأكاديمية مدرسة تلقين، وليس فضاء للتفكير النقدي. الفنان الحقيقي هو من يستفيد من الأكاديمية دون أن يكون أسيراً لها. يأخذ ما ينفعه، ويتجاوز ما يعيق نموه. هذا يحتاج إلى وعي ذاتي، وإلى جرأة على الخروج من المألوف.
السؤال: كثير من الفنانين الكبار صنعوا مدارسهم الخاصة خارج القوالب التقليدية. هل تؤمنون بأن الفنان الحقيقي يحتاج إلى شهادة أكاديمية، أم يحتاج قبل كل شيء إلى رؤية وفكر وقدرة على التعبير؟
مراد الجماعي: الشهادة الأكاديمية ليست شرطاً للفنان العظيم. التاريخ مليء بأسماء صنعت ثورات فنية دون أن تحمل شهادات رسمية. الفنان الحقيقي يحتاج قبل كل شيء إلى رؤية، وفكر نقدي، وقدرة على التعبير، وشجاعة على المغامرة.
لكن هذا لا يعني أن التعليم الأكاديمي غير مهم، بل يعني أن القيمة الحقيقية ليست في الشهادة، بل في ما يفعله الفنان بقدراته وإمكانياته. الفنان الذي يمتلك رؤية وفكراً سيجد طريقه، سواء درس أكاديمياً أم لم يدرس.
السؤال : أين تكمن مسؤولية المؤسسات التعليمية في اكتشاف المواهب الفنية منذ الطفولة؟ وهل يحتاج تدريس الفن في المدارس إلى إعادة نظر باعتباره عنصراً أساسياً في بناء الذائقة والخيال؟
مراد الجماعي: مسؤولية المؤسسات التعليمية كبيرة جداً في هذا المجال. الاكتشاف المبكر للمواهب الفنية يمكن أن يغير مسار حياة الإنسان، ويمكن أن يثري المشهد الثقافي بأكمله.
للأسف، تدريس الفن في المدارس الليبية لا يزال هامشياً، ويُنظر إليه على أنه نشاط ترفيهي لا أكثر. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في مناهج التربية الفنية، وجعلها أكثر عمقاً، وأكثر ارتباطاً بالتاريخ الفني، وأكثر تشجيعاً على الإبداع والتفكير النقدي.
الفن ليس مجرد مادة تدرس، بل هو طريقة في التفكير، وفي الرؤية، وفي التعامل مع العالم. عندما ندرك ذلك، سنبدأ في التعامل مع تعليم الفن بجدية، وسنرى نتائج إيجابية تنعكس على المجتمع كله.
حقوق الفنان والمؤسسات
السؤال: الفنان التشكيلي لا يقدم لوحة فقط، بل يقدم جزءاً من الذاكرة الثقافية للمجتمع. هل يحصل الفنان الليبي اليوم على المكانة والحماية التي يستحقها؟
مراد الجماعي: أعتقد أن الفنان الليبي ما زال لم يحصل على المكانة التي توازي حجم ما يقدمه. فاللوحة ليست مجرد قطعة للزينة، بل هي وثيقة بصرية تحمل أفكار الإنسان وذاكرة المكان وتحولات المجتمع.
الفنان يحتاج إلى بيئة تحترم عمله، وتحفظ حقوقه، وتمنحه فرصة للظهور والتطور. لا يكفي أن نحتفي بالفنان في المناسبات، بل يجب أن تكون هناك منظومة مستمرة تعترف بدوره الثقافي والحضاري.
عندما نحمي الفنان، فنحن لا نحمي شخصاً فقط، بل نحمي جزءاً من تاريخ الوطن وذاكرته.
السؤال: هل وجود نقابة أو اتحاد قوي للفنانين التشكيليين أصبح ضرورة لحماية حقوقهم المهنية والفكرية؟ وما الدور الحقيقي الذي يجب أن تقوم به هذه المؤسسات؟
مراد الجماعي: وجود مؤسسة قوية تمثل الفنانين أمر مهم، لكن الأهم هو أن تكون هذه المؤسسة مستقلة وفاعلة، وأن يكون هدفها الحقيقي خدمة الفنان وليس البحث عن مصالح خاصة.
المؤسسة التي تمثل الفنان يجب أن تعمل على حماية حقوق الملكية الفكرية، وتنظيم العلاقة بين الفنان والجهات المختلفة، والمساهمة في توثيق الأعمال، وفتح فرص عادلة أمام الجميع.
الفنان يحتاج إلى جهة يشعر أنها تقف معه عندما يتعرض للاستغلال أو التهميش، لا إلى مؤسسة تكرر نفس الأسماء أو تتحول إلى باب مغلق أمام الآخرين.
السؤال : في ظل غياب التوثيق الكافي لكثير من الأعمال الفنية الليبية، من يتحمل مسؤولية حفظ هذا الإرث البصري للأجيال القادمة: الفنان أم المؤسسات الثقافية أم الدولة؟
مراد الجماعي: المسؤولية مشتركة. الفنان عليه أن يوثق أعماله ويحافظ على أرشيفه، لكن لا يمكن أن نحمّل الفرد وحده مسؤولية حفظ تاريخ الحركة الفنية كاملة.
الدولة والمؤسسات الثقافية يجب أن يكون لها دور أساسي في إنشاء أرشيف وطني للفنون البصرية، يجمع أعمال الفنانين ويوثق مراحل تطور الفن الليبي.
هناك أعمال وتجارب مهمة قد تضيع إذا لم يتم التعامل معها بجدية، لأن الفن لا يعيش فقط في ذاكرة الفنان، بل يحتاج إلى مؤسسات تحفظه للأجيال القادمة.
السؤال: هل يحتاج الفنان الليبي اليوم إلى دعم مادي فقط، أم إلى مشروع ثقافي متكامل يوفر له فرص العرض، والتسويق، والحماية القانونية، والوصول إلى الجمهور؟
مراد الجماعي: الدعم المادي مهم، لكنه ليس كل شيء. الفنان يحتاج إلى منظومة كاملة تساعده على الاستمرار: صالات عرض حقيقية، توثيق، تسويق، قوانين تحمي حقوقه، وفرص للمشاركة داخل ليبيا وخارجها.
كما يحتاج إلى سوق فنية ناضجة، لأن غياب السوق يجعل الكثير من الفنانين يعتمدون على جهود فردية مرهقة.
المشكلة ليست فقط في أن الفنان يحتاج مالاً لإنتاج لوحة، بل في أنه يحتاج إلى بيئة تجعل هذه اللوحة تجد طريقها إلى الجمهور وتحصل على قيمتها الثقافية والمادية.
السؤال: كيف يمكن بناء سوق فنية حقيقية في ليبيا تضمن للفنان الاستمرار، وتحوّل العمل التشكيلي من ممارسة فردية إلى صناعة ثقافية لها حضورها الاقتصادي والاجتماعي؟
مراد الجماعي: بناء السوق الفنية يحتاج إلى تغيير النظرة إلى الفن. يجب أن ندرك أن اللوحة ليست رفاهية، بل منتج ثقافي يحمل قيمة فكرية وحضارية.
نحتاج إلى صالات عرض تعمل بطريقة مهنية، ومقتنين للفن، ومؤسسات تشتري الأعمال وتدعم الفنانين، إضافة إلى قوانين تنظم العلاقة بين الفنان والمعارض والجاليري هات.
كما يجب مواجهة بعض الممارسات الخاطئة التي تضر بالفنان، مثل استغلال بعض الجهات لحاجة الفنان للانتشار، أو عرض أعماله وبيعها دون احترام حقوقه أو الحصول على إذنه.
الفنان الذي تعب سنوات في بناء تجربته لا يجوز أن تتحول أعماله إلى مجرد سلعة يتصرف بها الآخرون دون تقدير لصاحبها.
السؤال: هناك من يتحدث عن وجود شلل فنية أو مجموعات مغلقة تحتكر بعض الفرص والمعارض، كما أن بعض الجمعيات قد تنشغل بعلاقاتها مع الجهات الرسمية أكثر من خدمة الفنان. كيف تنظرون إلى هذه الظواهر؟
مراد الجماعي: أي مشهد فني يحتاج إلى التنوع وفتح الأبواب أمام الجميع. عندما تتحول الفرص إلى دائرة مغلقة على أسماء معينة، فإن ذلك يضعف الحركة الفنية، لأن الإبداع لا ينتمي إلى مجموعة محددة.
الفن لا يجب أن يقوم على المحسوبية أو العلاقات، بل على جودة المشروع الفني وقدرة الفنان على الإضافة.
كما أن الجمعيات والمؤسسات الثقافية يجب أن تكون جسوراً بين الفنان والمجتمع، لا أن تصبح أدوات لتحقيق مصالح ضيقة أو مجرد واجهة للحصول على دعم. المؤسسة الناجحة هي التي تكتشف المواهب الجديدة، وتدعم التجارب المختلفة، وتحاسب نفسها بمدى تأثيرها في المشهد، لا بعدد المناسبات التي تقيمها.
السؤال: كيف يمكن للفنان الذي بدأ طريقه حديثاً أن يحمي نفسه من الاستغلال أو الاحتكار أو استغلال حاجته للظهور؟
مراد الجماعي: الفنان الشاب يحتاج أولاً إلى الوعي بقيمة عمله، وألا يسمح بأن يُستغل بسبب رغبته في الانتشار. أحياناً يكون الفنان في بداية الطريق مستعداً للتنازل عن حقوقه مقابل فرصة للعرض، وهنا يجب أن يكون أكثر حرصاً.
كما أن مسؤولية الفنانين أصحاب الخبرة مهمة جداً؛ فالفنان الذي سبق غيره يجب أن يساعد الجيل الجديد، وينقل له المعرفة، ويفتح له الطريق، لا أن يستغل حاجته أو ضعفه.
الحركة الفنية لا تبنى عندما يصعد شخص على حساب شخص آخر، بل عندما يساعد كل جيل الجيل الذي يليه.
السؤال: إذا كان الفن مرآة المجتمع وذاكرته، فهل يمكن تحقيق نهضة تشكيلية حقيقية دون وجود استراتيجية وطنية تعيد الاعتبار للفنون البصرية؟
مراد الجماعي: لا يمكن بناء نهضة فنية حقيقية بالجهود الفردية فقط. المبادرات الشخصية مهمة، لكنها تحتاج إلى مشروع وطني يحفظ الاستمرارية.
نحن بحاجة إلى استراتيجية تهتم بالتعليم الفني، ودعم الفنانين، وإنشاء المتاحف والأرشيفات، وتطوير سوق الفن، وتشجيع الاقتناء، وإيصال التجربة الليبية إلى العالم.
الفن ليس نشاطاً هامشياً، بل جزء من بناء الإنسان والدولة. الأمم التي تحترم فنونها تحافظ على ذاكرتها وتقدم صورتها الحضارية للعالم.

السؤال:… ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الفنانين الشباب الذين يبحثون عن مكان لهم في المشهد التشكيلي؟ وما الكلمة التي توجهونها إلى صناع القرار الثقافي حتى يصبح الاستثمار في الفن جزءاً من مشروع بناء الدولة والإنسان؟
مراد الجماعي: رسالتي إلى الفنانين الشباب أن يؤمنوا بأن الفن طريق طويل، وليس سباقاً نحو الشهرة. لا تستعجلوا النتائج، واقرؤوا كثيراً، وشاهدوا الفن، وتعلموا باستمرار، وابحثوا عن صوتكم الخاص. لا تجعلوا التقليد غاية، بل اجعلوه مرحلة للتعلم ثم تجاوزوها. فالهوية الحقيقية لا تُستعار، بل تُبنى بالتجربة والصدق.
أما رسالتي إلى صناع القرار، فهي أن الاستثمار في الثقافة ليس ترفاً، بل هو استثمار في الإنسان نفسه. الدول التي تحترم فنانيها تحفظ ذاكرتها، وتبني صورتها الحضارية، وتمنح الأجيال القادمة سبباً للفخر والانتماء.
رسالته إلى الشباب هي رسالة أمل وإصرار، وإلى صناع القرار هي دعوة للاستثمار في الثقافة باعتبارها استثماراً في الإنسان والهوية والمستقبل.
أتمنى أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه الفن جزءاً أصيلاً من مشروع التنمية الوطنية، وأن يجد الفنان الليبي البيئة التي تساعده على الإبداع، لأنني مؤمن بأن الأمم تُعرف بما تنتجه من ثقافة، بقدر ما تُعرف بما تحققه من إنجازات مادية.

السؤال الأخير.. التوقيع والخلود
السؤال الختامي: عندما تضعون توقيعكم على لوحة جديدة، هل تفكرون في أنها عمل فني قابل للبيع فقط، أم أنها شهادة بصرية ستبقى شاهدة على مرحلة زمنية وتجربة إنسانية؟ وما الشيء الذي تخشون أكثر من فقدانه أو تشويهه داخل تجربتكم الفنية؟
مراد الجماعي: عندما أضع توقيعي على لوحة، فأنا لا أوقع على قطعة قماش فقط، بل أوقع على مرحلة من حياتي، وعلى فكرة وإحساس وتجربة عشتها.
بالطبع اللوحة لها قيمة مادية ويمكن أن تنتقل إلى مقتنٍ آخر، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في قصتها وفي المعنى الذي تحمله.
أكثر ما أخشاه ليس فقدان لوحة بحد ذاتها، بل أن تُفقد روحها أو تُنسب إلى غير صاحبها أو تُفهم بعيداً عن سياقها الحقيقي. لأن الفنان يترك جزءاً منه داخل كل عمل، وتشويه هذا الجزء هو خسارة للذاكرة الفنية قبل أن يكون خسارة شخصية.
لهذا أؤمن أن حماية العمل الفني ليست حماية لاسم الفنان فقط، بل حماية للحقيقة والجمال والتاريخ.
خاتمة الحوار
يقدم الفنان التشكيلي الليبي مراد الجماعي، في هذا الحوار الموسع، رؤية شاملة لواقع الفن التشكيلي في ليبيا، متوقفاً عند محطات التكوين، والهوية، والتحديات، والطموحات. حديثه يحمل إيماناً عميقاً بأن الفن ليس رفاهية، بل ضرورة حضارية، وأن الفنان الليبي يملك القدرة على المنافسة عالمياً، لكنه يحتاج إلى بيئة داعمة، واستراتيجية وطنية، وتشريعات حامية، ووعي مجتمعي بقيمة الإبداع.
الفنان مراد الجماعي، تشكيلي ليبي، شارك في معارض عربية ودولية، ونال جوائز مهمة. يتميز بأسلوب يمزج بين الواقعية والتعبيرية والرمزية، ويوظف التراث الليبي في لوحاته برؤية معاصرة. كما أسس مرسماً في المدينة القديمة بطرابلس، سعياً إلى خلق فضاءات مستقلة تسهم في صناعة حراك تشكيلي مستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة