كتابات حرة

أبطال هذا الزمان – فارس السردار

WhatsApp Image 2023 06 27 at 12.35.28 430x462 1

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كتبتُ مقالاً في جريدة الحدباء الموصلية الغراء، يحمل عنوان ( صور للبطولة والانتصار).. ربما لم يقرأهُ الكثيرون، لأن التوجه آن ذاك من قبل الإعلام الحكومي كان يركز على النموذج الشعبي لمعنى البطولة؛ والذي كان يراد له أن يشيع قسراً متمثلاً بشخصيات مثل عنتر أو الزير سالم ومن هو على شاكلتهم. رغم أن العصر كانت قد تغيرت بوصلاته نحو اتجاهات أخرى. وكذلك الياته التي غادرت الكثير من المعاني السطحية نحو الحرث عميقاً حيث يمكن أن نعثر على ما هو أكثر غنى واكتنازاً لمعنى البطولة والبطل. وهكذا ذهب المقال مراوغا بعنوانه ليحترم عصره ويميط اللثام مذكراً بأن للبطولة معنى آخر هو الأكثر فاعلية وتأثيراً إذا ما تم تبنيه. فتناولت مدام كيوري ومحنة أوديب، ومحاولات عباس بن فرناس. لأقول أن تجارب هؤلاء هي الأكثر اقتراب من معنى البطولة والأكثر قدرة على البقاء. ولتكون نموذجاً لنضال الانسان. أما صور القتل والتدمير والتخريب فهي لا تمثل الا صفة العبث بالجهد الانساني وإظهاراً لأنانيته وفرض إرادته غير المسؤولة على الأخرين.

وعلى مدى السنوات التي ربما قاربت الاربعين عاماً، بقيت المقارنة دائما تفشل عند طرح النموذج الساعي دوماً للإضافة والبناء وتحمل مشقة الاختلاف، والذي لصفت له نجوم أمثال المعمارية البارعة زها حديد، أو المناضل من أجل شعبه نيلسن مانديلا، أو الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، أو الرئيس السوداني عبد الرحمن سوار الذهب. ومن هم على شاكلتهم، ممن لم تحضرني أسماؤهم، صحفيون وكتاب وتجار ومحامون.. كلهم كانوا يحظون بالاهتمام خلافا لمن يكتظ بهم الطرف الاخر، والذين ينتمون إلى التسفيه والاحتقار عبر تعاطي الغش والرشوة والمؤامرة والخديعة وصولاً إلى التصفية الجسدية والقاء القنابل وتفجير المفخخات.

واليوم إذ نقف أمام مفترق طرق في فضاء الشرق الاوسط، وما يحدث في غزة، وجدت هذه المقارنة التي أرقتني سابقا تبرز إلى أفق رؤيتي لأعود وأقول. على الرغم من كل ما حدث فإن العالم ما زال فيه أمل، وثمة صور تلّصف في نهاية النفق، خاصة عندما شاهدت لحظة ولادة فرصة الحياة في عيون المحتفلين من كلا طرفي النزاع. وكأنها ينابيع الربيع الواعدة بثمة امكانية للحياة من جديد. وهم يستقبلون قرار إيقاف اطلاق النار على طرفي سيل الاحقاد والضغائن ورغبة الإسراف بالتدمير،  وادعاء الغلبة عبر التلويح بعلامات النصر. بعد كل الذي رأيناه من تدمير وقتل وابادة .. لكن ما يمكن أن يضعنا على عتبات النصر الحقيقي والذي أدعيه، يمكن رؤيته بإصرار جموع الاغلبية التي كانت معدة للذبح وهي ترفع على أكتافها الدكتور محمد طاهر المتطوع للعمل في مستشفيات غزة مجاناً وتحت خطر القصف والاعتقال التعسفي ومستذكرة تضحيات زملائه الدكتور حسام أبو صفية  مدير مستشفى الشهيد كمال عدوان والدكتور عدنان البرش جراح العظام في مجمع الشفاء الطبي  ودكتور العيون محمد توفيق  في مستشفى غزة الاوربي،  والدكتور أحمد عبد العزيز الذي عمل في شمال غزة، وكل المسعفين الذين ضحوا بحياتهم لإنقاذ أرواح هذه الاغلبية التي تقاذفتها نيران الطائرات والمدفعية للقوة الغاشمة العمياء، والتي لم تفرق بين طفل أو شيخ أو امرأة. وكذلك الصحفيون الذين قضوا والبالغ عددهم (158) صحفياً وهم يحاولون أن يضعوا العالم أمام صور الابادة البشعة على أمل أن تحرك  صورهم ضمائر من كانت أنانيتهم ومصالحهم أكبر من ضمائرهم وانسانيتهم واحساسهم بالآخر.

نعم توقف إطلاق النار في غزة بعد أكثر من خمسة عشر شهراً. صبت فيه حمم من نار وشواظ  فوق رؤوس العُزل وأبيدت أسر بالكامل، وما تحتاجه غزة الآن لإعادة البناء والعودة إلى ما كانت عليه ثمانين عاماً.

توقفت الحرب بضمانات أمريكية ومصرية وقطرية لكن ماذا بعد اليوم الآخر الذي ستشرق شمسه غداً، على حقائق أخرى ستظهر أنها أكثر رعباً وأكثر قدرة على تحمل ما في العالم من شرور، هي بالتأكيد رهان جديد أمام من سيذهب للنبش بين الأنقاض عن جثث أسرته ليدفنها، ومن ينبش بحثا عن ما تركه القتلى والنازحون من مقتنيات.  دون الالتفات لما تحمله تلك البقايا من ذاكرة للمنكوبين. ربما هي الحياة وضرورة ديمومتها، هكذا يتنفس فيها الخير تلو ما ينفثه الشر، من هواء فاسد متمثلاً بما هو عليه الاستئثار والمغالبة. كما يتنفس الصبح بعد نفوق الظلام.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading