المنطق وعلاقته بنظرية المعرفة الصوفية عند السُّهرَورْدي/محمود محمد علي

تمهيد
ذهبت الصوفية إلى أنَّ مصدر المعرفة أمر آخر غير الحس والعقل. قد يكون الحدس، وقد يكون الذَّوق، وقد يكون البصيرة، وقد يكون الإلهام؛ ذلك أن الصوفية لم يهتدُوا بعد إلى معرفة كنه هذه الحاسة الغريبة، ولا إلى موضعها من الحياة الروحية، وإن وصفها الجميع، أو بالأحرى وصفوا مظاهرها ووظائفها، بصفات مُتقاربة؛ فهي نوع ما من التعقل تدرك وتَعرف، ومع ذلك ليست هي العقل الذي نعرفه وهي تنزع نحو موضوعها وتتعشَّقه إلى درجة الفناء فيه؛ أي إنَّ فيها عنصري الإرادة والوجدان، ولكنها مع ذلك ليست الإرادة التي نعرفها، ولا هي واحدة من العواطف التي لنا عهد بها؛ فهي حاسة عاملة مريدة وجدانية مختلفة تمام الاختلاف عن الحواس والقوى العقلية الأخرى التي تدرك عملها في حياتنا الشاغرة.
وقد أطلق الصوفية على هذه الحاسة المتعالية اسم القلب والسر وعين البصيرة، وما إلى ذلك من الأسماء التي تعدو أن تكون رموزًا لحقيقة واحدة تفترض وجودها ولا ندرى من كنهها شيئًا.١
المهم أن الصوفية لا يعترفون بالحس والعقل مصدرًا للمعرفة البشرية الحقة؛ لأنهم يميزون بين ظاهر الشيء وحقيقته، وبين الشكل والمضمون، وهم في تميزهم هذا قد ذهبوا إلى أن المعرفة خاصة بالمحسوسات، وأن العقلية خاصة بالمعقولات الحاصلة عن المحسوسات. ولكن ثمة معقولات أخرى ليس مصدرها الحس أو العقل، وهذه المعقولات الموجودة والموجودات المعقولة لا يُمكن إدراكها أو بلوغها لا بالحس ولا بالعقل الذي يعتمد أساسًا على الحس، وهذه المعقولات تدرك بالحس الصوفي.٢
وهذا يعني أن المعرفة الصوفية وجدانية، أداتها القلب الذي ينشد الصفاء؛ لأنَّ القلب الطاهر هو ينبوع المعرفة الحقة التي يبحث عنها الصوفية ولسان حالهم يقول: «راقب قلبك لأن ملكوت السماء موجود في نفسك.» ويستشهدون بالحديث القائل: «مَن عرف نفسه فقد عرف ربه.»٣
ويَعتقِد الصوفي أن قلب الإنسان مرآة يجب أن تتجلَّى فيها الصفات الإلهية كلها، وإذا انعدم ذلك فمرجعه وجود الصدأ في هذه المرآة، وواجبنا هو الجد والاجتهاد في سبيل إزالة الصدأ والغبار عنها. ونقاء مرآة القلب هو في عرف الصوفية منوط بمُجاهدة الفرد أولًا، ثم بالفضل الإلهي خاصة؛ أي نتيجة للفيض الرباني الذي يسمى في اصطلاحهم بالتوفيق. ولكن على الإنسان أن يبذل الجهد حتى يجعل نفسه مستعدة وقابلة للفيض، ويصبح مصداقًا للآية الكريمة: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ.٤
وقد كتب سعد الدين الحموي في رسالة «علوم الحقائق وحكم الدقائق» فصلًا خاصًّا بعنوان «فصل في المعرفة»، أكَّد فيه أن المعرفة نوعان؛ أحدهما معرفة بالعقل؛ أي بالاستدلال العقلي، والآخر معرفة الحق بالحق؛ أي لا يُمكن تحقيقها إلا بشهود محض وتجلٍّ خالص. الأولى كسبية تعليمية، والمشتغل بها عادل عاقل مُستدل، والثانية بديهية، وهي من شأن العارف الكامل؛ أي هي المعرفة الصوفية القائمة على خصوصيات محدَّدة، مثل كونها ذوقية تتمُّ عن طريق الكشف والإشراق؛ ذلك أن الصوفي لا يعد طريقة الحكماء الإلهيين والمتكلمين والفلاسفة أيضًا كافية للكمال الإنساني ولإيصال الفرد إلى معرفة ربه التي هي هدف كل صوفي. وخلاصة أقوال الصوفية أنه بالإضافة إلى أن التسلُّح بسلاح العلم والحكمة والمنطق ليس مما يقدر عليه كل إنسان، ولا هو في متناول كل فرد، فإنه أيضًا لا يؤدي لنتيجة إيجابية في هذا الاتجاه. وعلاوة على ذلك فالإنسانية تأخُذ عن بعضها هذه العلوم وتتوارثها جيلًا عن جيل كما قال بها الأسبقون، وفي ذلك تقيد بما قال به القدماء وما رسموه من مقدمات تؤخذ بصفة مسلمة، وهو ما عابه عنهم أبو اليزيد البسطامي في قوله: «أخذ الناس العلم من الأموات ونحن أخذنا العلم من حي لا يموت أبدًا. كلهم يقولون بالحق، وإني أقول عن الحق، فلا جرم أن ليس هناك شيء أصعب مِن مُتابعة العلم، أي علم تعليم الظاهر.»٥
ومن هذا المنطلق فإننا نُناقش في هذا الفصل المنطق وعلاقته بنظرية المعرفة عند السُّهرَورْدي؛ وذلك على النحو التالي:
أولًا: مفهوم المنطق عند السُّهرَورْدي
ذهب السُّهرَورْدي في كثير من كتاباته إلى نوع من العلم لا يأتي عن طريق التجريد الذهني، أو تمثل صورة الموضوع في الذهن، كما هو عليه الفلسفة الأرسطية، بل إنه يرى أن هذا علم لا يزيد شيئًا على الذات العارفة؛ بل العلم عند السُّهرَورْدي تَكشُّف يتَّحد فيه الموضوع بالعارف؛ لأن الذات العارفة نفسها من نوع الموضوع، فهي نور وشعور بهذا النور، ثم إن موضوع المعرفة هو الأنوار العقلية.
فالمعرفة عند السُّهرَورْدي لا تقوم على تجريد الصور كما يقرر المشَّاءون، بل تقوم على الحدس الذي يَربط الذات العارفة بالجواهر النورانية … فعندما يكون الموضوع معروضًا للنظر، وترفع الحجُب، يحصل للنفس إشراق حضوري على المبصر؛ فتراه النفس بحضوره عندها، وليس عن طريق صورة صادرة عن الموضوع، ومُرتسمة في النفس؛ فالنفس عندما تُضاء جوانبها بالإشراق تدرك الموضوع الحاضر، وهذه القدرة للنفس على استحضار الموضوع تختصُّ بالنفس وحدها في حالة مفارقتها للبدن وتجردها عن علائقه … ويتدرَّج هذا الإدراك حسب درجة النفس في التسلط على قوى الجسد، أو تسلُّط الجسد على قوى النفس؛ فمن أنوار مشرقة إلى ظلمات غاسقة، وليست هناك شروط خاصة للمعرفة المباشرة عند السُّهرَورْدي إلا في خلاص النفس من البدن.٦
وبناءً على هذه النظرية في المعرفة، وبناء على أن العالم الحسي وهم، والوجود الحقيقي هو وجود النفس والروح؛ ومن ثمَّ يرى السُّهرَورْدي أن الإدراك الحسي أقرب إلى إدراك المعقول منه إلى المحسوس؛ إذ إن موضوعاته ليست المحسوسات فحسب، بل أيضًا الإشراقات، وهو أبسط وأول مراحل اتصال النفس بالعالم الخارجي.٧
أما الإدراك العقلي؛ فقد قبل السُّهرَورْدي آراء المشائية فيما يختصُّ بمُشكلة العقل التي تقسم العقل إلى عقل هيولاني، وعقل مُمكن، وعقل بالملكة، وعقل مستفاد، والروح القدس، إلا أن السُّهرَورْدي يَزيد على هذا الموقف اتجاهه الإشراقي؛ فموضوعات المعرفة ليست المحسوس الذي يُجرِّد العقل منه الصورة المعقولة، بل الموضوع يَستثير الذهن العارف فيحلُّ للذهن إشراق حضوري هو فعل المعرفة، وعملية الإشراق تربط بين المحسوس ومثاله حسب نظرية المثل.٨
إذن السُّهرَورْدي يرى، شأنه شأن كثير من المتصوِّفة، أن وراء طور الحس والعقل طورًا آخر ينبغي اللجوء إليه، والاعتماد عليه، وهو الكشف أو الذوق.
من هذا المنطلق قام السُّهرَورْدي بمحاولة جادة وصريحة لجذب أرسطو العقلي صاحب البحث والبرهان إلى ميدان الكشف والذوق، ومُحاولة استنطاق أرسطو بالمبادئ الإشراقية، ثم الوقوف ضد ابن سينا كثيرًا، مستخدمًا كل أنواع المذهب الإشراقي، سواء عند الفرس أو الصابئة وغيرهم.٩
ومبدأ هذا المذهب وأساسه الأول أن: «الله نور الأنوار، ومصدر جميع الكائنات، فمن نوره خرجت أنوار أخرى هي عماد العالم المادي والروحي. والعقول المفارقة ليست إلا وحدات من هذه الأنوار تحرك الأفلاك، وتشرف على نظامها»؛ فالمذهب الإشراقي، على ما يذكر الدكتور إبراهيم مدكور، يعتمد إذن على نظرية العقول العشرة الفارابية مختلطة بعناصر مزدكية ومانوية.١٠
وإذا كان العالم في جملته قد برَز من إشراق الله وفيضه، فالنفس تصل كذلك إلى بهجتها بواسطة الفيض والإشراق. فإذا ما تُجرِّدنا عن الملذات الجسمية، تجلى علينا نور إلهي لا ينقطع مدده عنا. وهذا النور صادر عن كائن منزلته منا كمنزلة الأب والسيد الأعظم للنوع الإنساني، وهو الواهب لجميع الصور ومصدر النفوس على اختلافها، ويُسمَّى الروح المقدسة أو بلغة الفلاسفة العقل الفعال، كما يذكر السُّهرَورْدي في هياكل النور،١١ ومتى ارتبطنا به أدركنا المعلومات المختلفة، واتصلت أرواحنا بالنفوس السماوية التي تُعينُنا على كشف الغيب في حال اليقظة والنوم. وليس للتصوُّف من غاية إلا هذا الارتباط، والإشراقيون يسعون إليه ما استطاعوا، وكثيرًا ما ينعمون به. أما الأنبياء فهم في اتصال دائم وسعادة مُستمرة. يقول السُّهرَورْدي: «إنَّ النفوس الناطقة من جوهر الملكوت، وإنما يشغلها عن عالِمها هذا القوى البدنية ومشاغلها، فإذا قويت النفس بالفضائل الروحانية، وضعف سلطان القوى البدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر، تتخلَّص أحيانًا إلى عالم القدس، وتتَّصل بأبيها المقدس، وتَتلقى منه المعارف، وتتصل بالنفوس الفلكية العالمة بحركاتها وبلوازم حركاتها، وتتلقَّى منها المغيبات في نومها ويقظتها، كمرآة تنتقش بمقابلة ذي نقش.»١٢
هذا بالنسبة للفلسفة عند السُّهرَورْدي، أما بالنسبة للمنطق، فقد وقف السُّهرَورْدي، وما يعرضه من مذاهب المشائين في العلوم الفلسفية البحتة؛ فيقول: «ومن لم يتمهَّر في العلوم البحثية، فلا سبيل له إلى كتابي الموسوم ﺑ «حكمة الإشراق»، وهذا الكتاب (يعني المشارع والمطارحات) يَنبغي أن يقرأ قبله، وبعد تحقيق المختصر الموسوم بالتلويحات وأنَّا لا نُراعي الترتيب ها هنا، ولا نلتزم في بعض المواضع بموضوع علم، بل عرضنا فيه البحث، وإن تأدَّى إلى قواعد من علوم مُتقدمة، فإذا استحكم الباحث هذا النمط فليشرع في الرياضات المُبرقة بحكم القيم السُّهرَورْديُّ أن يختصر المنطق الأرسطي اختصارًا مُبتكرًا، ويُسمِّي كثيرًا من آرائه المبتكرة مباحث أو ضوابط إشراقية؛ بحيث يُمكننا نحن أن نطلق على مجموع تلك الآراء «المنطق الإشراقي».»١٣ ويرجع السُّهرَورْدي مصدر هذا المنطق إلى نظريته في المعرفة القائمة على الذوق، فيُصرِّح بأنه توصَّل إلى ابتكار هذا المنطق بواسطة الذوق؛ حيث يرى أنه في حكمة الإشراق يبدأ على سياق المشائين الذي يَبتني على البحث الصوفي. ويصف هذا السياق الصوفي بأنه: «سياق آخر وطريق أقرب من تلك الطريقة وأنظم وأضبط وأقل إتعابًا في التحصيل.»١٤ وفي ذلك يقول قطب الدين الشيرازي في شرحه لحكمة الإشراق ﻟ «السُّهرَورْدي» إن المنطق المذكور في حكمة الإشراق موجز محذوف عنه الفروع الكثيرة القليلة الاستعمال بَيَّن فيه أشياء كانت في طريقهم غير محصلة ولا مهذَّبة، ولهذا قال: «وأنظم وأضبط وأقل إتعابًا في التحصيل لانضباط هذه الطريقة لتحديد قواعدها، وتهذيب مطالبها، وتلخيص زبدها عن زبدها.»١٥
ويصف تارة أخرى: «بأنه الآلة الواقية للفكر، جعلناها مختصرة مضبوطة بضوابط قليلة العدد كثيرة الفوائد.»١٦
وفي ذلك يقول قطب الدين الشيرازي: «الآلة المشهورة الواقية للفكر يعني المنطق يصون الفكر من الخطأ في انتقالاته من المعلوم إلى المجهول، جعلناها مختصرة مضبوطة بضوابط قليلة العدد لتقوي الذهن من التبديد والخاطر عن التبلد، كثيرة الفوائد لكونها لباب ما يُحتاج إليه في هذا الفن، مع تصرفات لطيفة وتنفيحات شريفة منها أنه رد الأشكال (القياسية)، بل الضروب المُنتجة من كل شكل، إلى ضرب واحد، والمركب من موجبتَين كليتين والسالبة موجبة بالعدول، وإما أن السالبة إنما يمكن جعلها موجبة معدولة إذا كانت مركبة لا بسيطة، وجعل غير الضرورية ضرورية بجعل الجهة جزء المحمول، وهي أن هذه الضوابط يَكفيها أقل إشارة، وأدنى إيماء، بخلاف البليد؛ فإنه لا يفهم القليل ولا ينفعه الكثير لطالب الإشراق كافية له أيضًا؛ لأنه إذا تفطن لما هو سبيله من شروق الأنوار ولمعان البوارق، فيصير القليل لذلك أكثر المطالب ومهمات المسائل؛ لأنَّ النور السائح هو إكسير المعرفة والحكمة، وما لم يتهيأ الجزم به لتوقفه على الفكر فيكفيه من المنطق الضوابط النورانية لاشتمالها على ما لا بد منه في هذا الفن، وإن كان على سبيل الإجمال.»١٧
ويرجع السُّهرَورْدي مصدر المنطق إلى طريق آخر غير العقل فيقول: «ولم يحصل لي أولًا بالفكر، بل كان حصولُه بأمر آخر، ثم طلبت الحجة عليه مثلًا ما كان يُشكِّكني فيه مُشكِّك.»١٨
ويُعلِّق قطب الدين الشيرازي على هذا النص، فيقول: «ولم يحصل بالفكر، بل كان حصوله بأمر آخر؛ أي بالذوق والكشف لما ارتكبتُه من الرياضات والمجاهدات، ثم أي بعد حصوله لي بالذوق والكشف، ثم طلبت الحجَّة عليه، أي البرهان بالفكر حتى لو قطعت النظر عن الحجة مثلًا ما كان يُشكِّكني فيه مُشكِّك؛ لأن حصوله اليقين كان بالعيان لا بالبرهان ليُمكن أن يشكك فيه بما يورده الخصم.»١٩
وما يُؤيد ذلك أن السُّهرَورْدي في مبحث المعارف والتعاريف يُغير بعض أسماء الألفاظ المنطقية المعروفة في المنطق الأرسطي، ويضع مكانها أسماء أخرى تحمل بُعدًا إشراقيًّا، فيُسمِّي مثلًا دلالة اللفظ على المعنى: التطابُق والتضمن والالتزام — يُسمِّيها القصد والحيطة والتطفل.٢٠ ويُسمِّي اللفظ الخاص اللفظ الشاخص والمعنى الخاص المعنى الشاخص أو المنحط.٢١
كما انتقد السُّهرَورْدي التعريف الأرسطي، وبَيَّنَ استحالة حصول العلم عن طريقه، فقد رأى أن المشائين يأخذون الذاتي العام؛ أي الجنس، والذاتي الخاص؛ أي الفصل، في تعريف الشيء. ولما كان الذاتي الخاص هذا غير معلوم عند مَن يجهله، فإقحامه في التعريف يُناقض القاعدة المشائية بأن المجهول لا يتوصَّل إليه إلا بالمعلوم، ثم لو افترضنا أنه اتَّفق الإلمام بهذا الذاتي أو الخاص أو الفصل فكيف يأمن ألا يكون قد غفل عن ذاتي آخر لا يعرف الشيء إلا به، فتكون المعرفة بالشيء آنذاك مُمتنعة، وكذلك تعريف الشيء.٢٢
وهذا النقد للتعريف الأرسطي حاول السُّهرَورْدي توضيحه؛ وذلك بمُحاولة إيجاد طريقين للتعريف:٢٣
- أولًا: طريق الإحساس؛ فالأمور المحسوسة تدرك تمام الإدراك.
- ثانيًا: طريق الكشف والعيان، وهو أدقُّ الطرق وأوثقها.
ومن هذَين الطريقَين يضع السُّهرَورْدي التعريف الكامل لديه، ويُسمِّيه بالمفهوم والعناية، ويحدده: «بأنه التعريف بأمور لا تختص آحادها الشيء ولا بعضها، بل تخصُّه للاجتماع.»٢٤
وهذا التعريف عند السُّهرَورْدي، وإن أخذ صورة الرسم الناقص، إلا أنه يحمل بُعدًا إشراقيًّا، وهذا يدلُّ على إيمان السُّهرَورْدي بحقيقة الجمع بين الحكمة البحثية والحكمة الذوقية.
أما في مبحث القضايا والقياس؛ فنجد السُّهرَورْدي يختصر كثيرًا من أشكال القضايا والقياس؛ لأنها متشعبة يُستغنى عنها بأقل منها، ويستبدل بها ضوابط للفكر قليلة العدد، مختصرة كثيرة الفوائد تكفي للذكي، وهو ما قاله ابن تيمية بعد ذلك من أن «المنطق الأرسطي لا يُفيد الذكي ولا ينتفع به البليد.»٢٥
وهذا يَعني أن السُّهرَورْدي يرفض كل ما هو زائد عليه أو متشعِّب منه لا دلالة له؛ فمبادئ العقل هي المبادئ الكافية، وقد يكون هذا التشعب والتفريع أحد معاني الصورية؛ أي الصورية الفارعة.
ففي القضايا، يقسم القضايا من حيث الكم إلى كلية وجزئية، ثم يحذف القضايا الشخصية؛ لأنَّ الشواخص لا يطلب حالها في العلوم، وحتى تكون أحكام القضايا أضبط وأسهل، ثم يرد القضايا الجزئية كلها إلى قضايا كلية؛ فالكل هو الأصل، والجزء فرع عليه، والمعرفة الإشراقية كلية لا جزئية، وفي العلوم لا تطلب البرهنة على القضايا الجزئية، بل على الكلية، والجزئية لا تكون شرطًا في التناقض؛ وبالتالي فهي لا تدخل في أصول القضايا، والكلية لا بد أن تكون محيطة أو حاصرة.٢٦
ثم يقسم القضايا من حيث الكيف إلى موجبة وسالبة، ثم يرد القضايا كلها إلى قضايا موجبة، وهذا يعني رد الفرع إلى الأصل؛ فالسلب فرع والإيجاب أصل، والسُّهرَورْدي يبحث عن الأصول لا عن الفروع، والمعرفة الإشراقية أصل المعرفة الإنسانية.
وإذا كان السلب جزءًا للموضوع أو للمحمول لم يكن قاطعًا للنسبة؛ فالإيجاب قطع والسلب ظن، والإيجاب ثابت عيني. أما السلب في الذهن فقط وليس في الخارج. يقول السُّهرَورْدي: «والحكم الموجب الذهني لا يَثبت إلا على ثابت ذهني، والموجب على أنه في العين لا يكون إلا ثابت عيني.»٢٧



