بدء صفحة جديدة/محمود حمدون

شملني بنظرة فاحصة ثم قال لي في برود:
-ألم ننهكَ عن ذلك؟
قلت: بلي.
-لمَ عُدتَ إذن؟
-قد أدمنت الذنب، بعده يكاد يقتلني الندم، لكن يقيني أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. أليس كذلك؟
ردّ في غلظة:
نحن من نسأل لا أنت, الآن ماذا تريد؟
قلت: الغفران، بدء صفحة جديدة.
ردّ في ضجر وتأفف:
-أوشك الدفتر أن ينفد، أو لعله قد نفد بالفعل.
قلت: لا، لا تزال هناك ورقة مطوية في نهايته، أخفيتها منذ سنوات عامدًا تحسُّبًا للحظة كهذه.
-لا تزال تصر على المراوغة، حتى وأنت في هذا الموقف؟
قلت: غريزة الحياة مقدَّمة على أي شيء.
-سننظر في الأمر.
– لا أطيق الانتظار.
-أنت كثير الجدل، تثير الصخب أينما حللت.
قلت: لم يُخلق لساني للصمت. ثم بلهجة قصدتُ أن تحمل وعيدًا خفيًّا، أكملت:
-فإن لم أجد ردًّا على طلبي، سأدق على الباب وأخدش طلاءه الذهبي بمسمار صدئ أحمله في جيبي منذ سنوات،
سأزعق بأعلى صوتي حتى أقلق راحة السكان،
سوف أرجم نوافذكم العتيقة بالحجارة،
سأنزع قابس الكهرباء حتى يحل الظلام قبل أوانه،
باختصار.. سوف أقعد لكم كل مرصد حتى لا تجدوا بدًّا إلّا أن تجيبوا طلبي.
بنبرة من تفاجئ بكلامي:
– أتهددنا؟
قلت:
-نعم.
عبث في مسبحته طويلًا, وكذلك في لحيته الضخمة, نظر عبر نافذة كبيرة عالية لم أعرف ما وراءها, ثم عاد إليّ وقال:
-فإن لم نغفر لك؟
قلت بحسم وأنا أنهي المحادثة من طرف واحد:
-نخلّي البكا على راس الميت.



