أرض المحلج /محمود حمدون

خطبة صلاة الجمعة الأولى التي وعينا فيها ما قال الإمام من على منبره العالي، أمّنا خلفه، ورددنا وراءه أدعيته، التي كان يستغفر فيها، والتي كان يلعن فيها آخرين. لمّا فرغنا من الصلاة، خرجنا بصعوبة من بين سيقان مئات المصلين وأفلتنا من روائح عرقهم المفزعة، كنا أشبه بزهرتيّ نرد تتلقفها الأيدي وتدفعها الأقدام.
بعدما تركنا المسجد خلفنا بأمتار قليلة، التفت إليّ “ياسين”، قال:
-مفهمتش حاجة من كلام الشيخ، غير الدعاء على المغضوب عليهم والضالين، ومش عارف هم مين، وكمان ضرورة الصبر على الفقر، وأن نعبد الله حق عبادته…
ثم مطّ ياسين شفتيه، وضيّق ما بين عينيه من التفكير العميق ووهج شمس أغسطس، وأكمل:
-طيب هو الإمام كان بيبص ناحيتي أنا ليه بالتحديد، ساب الواد صلاح ابن ست حفيظة؟ كان في الصف اللي ورايا ، أبوه غني جدًا وبياكلوا كل يوم لحمة وخضار وفاكهة..
ثم جذبني ياسين من ذراعي، قال:
-ودول مش هايصبروا زينا؟ ولا صبروا قبل كده؟ ولا نروح جامع تاني الأسبوع اللي جاي ونشوف يمكن؟…
ثم أوقفني بيده وقال:
-أنا جعان، أمي عاملة النهاردة رز بشعرية، زي كل يوم يعني، وبتحرق الرز في قعر الحلة. وعطشان، تعالى نشرب عصير قصب من شارع الرملة.
وقفنا أمام الساقي، لم يلتفت إلينا الرجل في البداية، فشببنا على أطرافنا حتى يرانا. ثم مددت له يدي بالمارك النحاسي، فصب لنا كوبين من عصير القصب البارد.
استغرق ياسين في الشرب، وشرد إلى بعيد، حتى أغرق ملابسه، وتسللت قطرات العصير إلى أعماق ثيابه.
هززته حتى ينتبه، فنظر إليّ وقال:
-طيب ألحق أروح، يمكن ألاقي شوية رز شايطين.
ثم غادرنا المحل، وانحدرنا كحجرين يعبث بهما الريح.
لما اقتربنا من رأس الحارة، استقبلتنا رائحة الرز المطهي، صاح ياسين في حبور:
-أمي أحسن واحدة تعمل رز بشعرية…
ثم أخفض من صوته وأكمل ضاحكًا:
-رز بشعرية محروق…
تجهم من جديد، وتلفت حوله وقال:
– صحيح، ليه الشيخ نسي يجيب سيرة الأغنيا في خطبة الجمعة النهاردة؟
هرش بعد ذلك في رأسه، وقال في جزع:
-طيب تفتكر الإمام عرف إن أنا اللي سرقت كرة عادل ابن “طنط إيفون” الخياطة من شهرين؟ والله كنت عايز ألعب بيها وأرجعها، بس نسيتها في أرض المحلج، والوقت كان عتمة وخفت من الكلاب.
عادل بيرفض نلعب بالكرة، مع إننا شاركناه في صناعتها،
فاكر؟ لما رحنا سوا نشتري لفّات الخيط الشموّط من دكان المراكبي في الصاغة، ونُص لتر الجُّلّة البيضا من دكان ” لوقا” بتاع البويات في المبيضة ، أينعم هو اللي دفع، وجاب من عند أمه قصاقيص القماش اللي اتعملت منها الكرة. لكنها برضه بواقي الزباين
أبقى شريك في ملكية الكرة، صح؟ كمان أنا اللي عرفته الطريق، ساعدته في لف الخيط على الكرة من القصاقيص، يبقى إزاي يرفض نلعب بيها وبيتحكم فيها هو؟
ثم عبس ، تنهّد وأكمل:
-طيب تفتكر، أم عادل هاتروح النار معانا لأنها بتسرق بواقي قماش الزباين؟ خالتي قالت لي كده.
ثم قفز إلى داخل بيته، لم ينس أن يدعو مثل الشيخ، لكن على الكلاب الرابضة في أرض المحلج.. قائلًا في حرارة ونبرة صوتية عالية:
-يارب تروح النار… أصل مينفعش برضه أروح لوحدي .



