طلاء خارجي – محمود حمدون

لم يسلّم علينا، بل جذب مقعدًا من الجوار، وحشره وسط كراسينا، ثم ارتمى عليه، حتى إننا سمعنا أنين الكرسي الخشبي عندما تلقّى ثقل جسده دفعة واحدة.
ثم جاء سؤاله إلينا، في صيغة حادة وواضحة:
– من أخذ التمثال الذهبي من المقبرة؟
لقد ألقى “المقدّس عبد الرؤوف” السؤال علينا بعدما اتصل بنا، واحدًا بعد الآخر، وأكد ضرورة اللقاء في المقهى ما بين صلاتي المغرب والعشاء.
– من أخذ التمثال الذهبي من المقبرة؟
كنت أول من تطوع بالرد، فقلت بنبرة هادئة:
– لماذا تفترض أن التمثال أُخذ؟
رد “المقدّس” في جفاء:
– قلت: أُخذ، ولم أقل: سُرق.
قلت:
– لعلك أردت أن ترفع الحرج عن الآخذ؟
لكنه أشاح بوجهه، ونظر إلى الآخرين.
أجاب “حسين عبد المتعال”، بعدما تنقل ببصره بيني وبين “رؤوف”، وقال:
– ومن قال إنه أُخذ أصلًا؟ لعله ما يزال في مكانه، وأنت من لم تلحظ وجوده. هل بحثت جيدًا عنه؟ هل فتشت المكان بدقة؟ أعرف عنك شيئًا من التسرع.
– هش… هس…
هكذا وضع “عبد الرؤوف” إصبعه على فمه، ونبّه “حسين” أن يصمت، ففعل.
وبصوته الوقور، الخارج من بئر عميقة، قال “نبيل عبد السيد”، وهو يتثاءب بشدة:
– ومن قال إن التمثال كان موجودًا أصلًا؟ أنا لم أره.
ثم رفع كتفيه، واشمأز وجهه، وسكت.
تجاهله “المقدّس”، وجلد الباقين بعينيه الحادتين، وتجهم بشدة.
سأله “علي مراد”، وقد أدهشنا كلامه:
– ثم من قال إن التمثال من الذهب؟ لعله مجرد طلاء خارجي مزيّف.
ولقد بعث السؤال اضطرابًا في “المقدّس عبد الرؤوف”. إذ هب على قدميه والغضب يحوم حول رأسه، عبس، ودار حول نفسه، وكزّ على أسنانه، ثم هبط فجأة، إعصار أدرك عبثية عنفوانه، وجلس على كرسيه.
حينئذ ختم “جرجس عبد الله” الحديث بقوله:
– ربما لم تكن هناك مقبرة من الأساس… أن الحكاية من أولها سراب وآخرها وهم نعيشه الآن.
ثم التفت “جرجس” إلى “المقدّس”، وقال في ود:
– قهوتك بردت يا سيدنا.





