الشاعرة المقدسية الدكتورة نادية عوض.. «مرايا القلب» حين ينكسر الصمت/حاورها:علي نفنوف

بين الحروف والارقام مسافه لا تحصيها مشاعر القصيده وبين منطق الرياضيات وخيال الشعر نحن امام مفارقه غريبه
مفارقه تملك اسرارها الشاعره الدكتوره ناديه عوض وتسبر اغوارها.. برومانسيه الشاعر ومنطق الفيلسوف
حتى ندرك ان
بعض القصائد تكتب بالحبر. وبعضها يبدأ من مكان اكثر عتمة، من جملة لم نستطع قولها، او وجع اخفينا ملامحه طويلا، او حنين ظل يبحث عن نافذة. هناك قصائد لا يكتبها الشاعر بقدر ما تكتب الشاعر، وتأتيه كما تأتي الذكرى: بلا موعد، لكنها تعرف طريقها جيدا الى القلب.
من هذه المنطقة الداخلية..منطقة السؤال الشهي.. تبدأ تجربة الشاعرة المقدسية الدكتورة نادية عوض؛ تجربة لا تفصل بين الشعر والانسان، ولا ترى الكتابة ترفا لغويا،بقدر ما هو حاجة تشبه التنفس. وفي ديوانها «مرايا القلب وانكسار الصمت» الصادر عن دار الرعاة للدراسات والنشر، يبدو العنوان نفسه مفتاحا لتجربة تنظر الى الداخل، ثم تخرج منه الى الحب والوطن والمرأة والزمن والذاكرة.
حين نسأل نادية: من هي الشاعرة التي تسكنها؟ لا تقدم تعريفا جاهزا، وانما تقول: «نادية الشاعرة هي امرأة تبحث عن نفسها في اللغة، وتكتب ما تعجز احيانا عن قوله في الحياة». هنا لا تعود القصيدة زينة للكلام، وانما تصبح مكانا اخر للعيش؛ مساحة تتنفس فيها، وتعيد ترتيب مشاعرها وذاكرتها واسئلتها.
وربما لهذا لا تأتي القصيدة عندها من قرار مسبق. انها تولد من لحظة؛ من وجع او حنين او دهشة، وربما من موقف عابر يترك اثرا لا يبدو عابرا في الروح. وقد تبدأ من كلمة، او من صمت طويل. لكنها تؤمن بان اجمل القصائد هي تلك التي «تكتبنا قبل ان نكتبها».
وهذه العبارة تكاد تختصر فلسفتها الشعرية؛ فالقصيدة عندها ليست صناعة باردة، ولا استعراضا للقدرة على استخدام اللغة، وانما اكتشاف لما كان مختبئا في الداخل. الشاعر لا يدخل القصيدة دائما وهو يعرف ماذا يريد ان يقول، قد يدخلها لكي يعرف ماذا كان يريد ان يقول.
“الحب.. حين يبحث القلب عن معناه
يشغل الحب مساحة واضحة في وجدان نادية عوض، لكنه ليس الحب الذي هو انفعالا عابرا او شغفا مؤقتا. انها تكتب الحب الذي عاشته، والحب الذي حلمت به، والحب الذي تؤمن انه يستحق ان يكون.
ولذلك تقول ان الحب الحقيقي بالنسبة اليها ليس مجرد شغف، وانما امان وصدق ووفاء وعطاء. وهي بذلك تنقل الحب من صورته الرومانسية المألوفة الى معناه الانساني الاوسع؛ فالحب، في رؤيتها، ليس امتلاك الاخر، هو ان يكون وجوده مساحة امان.
وحين نسألها عن جرأتها في الكتابة، لا تتوقف عند مفهوم الجرأة بمعناه المتداول، وانما تذهب الى منطقة اكثر عمقا: «احاول ان اكون صادقة اكثر من كوني جريئة».
والصدق هنا اكثر خطورة من الجرأة؛ لان الجرأة يمكن ان تكون موقفا لغويا، اما الصدق فهو ان تضع شيئا من روحك امام القارئ دون اقنعة. ولهذا تقترب نادية من المناطق الحساسة في النفس، من الحب والوجع والخيبة، لكنها تصر في الوقت نفسه على ان تظل اللغة محتفظة بجمالها وكرامتها.
**الوطن.. حين يصبح المكان قلبا
ولانها ابنة القدس، لا يمكن قراءة تجربتها بعيدا عن المكان. لكن القدس عند نادية ليست مجرد عنوان جغرافي او قضية سياسية تستدعى في القصيدة عند الحاجة. انها ذاكرة وبيت ووجه أم وشوارع واشخاص تركوا اثرهم في القلب…أثر خالد كالوجع
وحين تتحدث عن الوطن، فانها لا تراه حدودا على خريطة، وانما ترى خلفه الانسان الذي يبحث عن مكان يشعر فيه انه ينتمي ويأمن ويحب…ويبدع
وهنا تتسع فكرة الوطن من الجغرافيا الى الوجود. فالانسان قد يفقد المكان، لكنه لا يفقد بالضرورة علاقته به؛ قد يتحول المكان الى ذاكرة، والذاكرة الى حنين، والحنين الى قصيدة. وربما لهذا لا يكون الوطن في شعرها منفصلا عن الانسان، لان فقدان الوطن في النهاية هو احد اشكال فقدان الامان.
انها القدس التي لا ترى فقط بالعين، وانما تستعاد بالقلب.
حين تدخل الناقدة الى غرفة الشاعرة
لكن نادية عوض ليست شاعرة فقط. في داخلها ناقدة تراقب النص، وتعيد مساءلته بعد ان تنتهي لحظة الانفعال.
واللافت انها لا تسمح للناقدة بان تدخل اثناء الولادة الاولى للقصيدة. تترك الشاعرة تقودها، ثم، بعد ان تهدأ العاطفة، تأتي الناقدة لتسأل: هل الصورة ضرورية؟ هل اللغة متماسكة؟ هل الفكرة وصلت؟ وهل استطاعت القصيدة ان تتجاوز التجربة الشخصية لتصبح تجربة يستطيع القارئ ان يجد نفسه فيها؟
هنا يبدو الصراع بين القلب والعقل، لكنه ليس صراعا عدائيا. الناقدة، كما تصفها نادية، قد تكون قاسية احيانا، لكنها «قسوة المحبة». فالشاعرة تريد ان تقول كل شيء، بينما الناقدة تذكرها بان ليس كل ما نشعر به يصلح ان يقال بالطريقة نفسها.
وتلك جملة تستحق التوقف عندها: «احاول ان اجعل الناقدة حارسة للنص، لا سجانا للشعور».
في هذه العبارة تلخص لنا موقفا جماليا مهما؛ فالمعرفة النقدية اذا تحولت الى رقابة تقتل عفوية القصيدة، واذا غابت تماما قد يتحول الشعور الى فيضان بلا شكل. الشعر، في تجربتها، هو اللحظة التي تتصالح فيها الحرية مع المعرفة.
ولهذا حين نسألها: ايهما اقرب اليك، الشعر ام النقد؟ تجيب ببساطة تحمل عمقا واضحا: «الشعر اقرب الى قلبي، والنقد اقرب الى عقلي». ثم تضيف ان الشاعرة تمنحها الاحساس، والناقدة تمنحها الرؤية، وبين القلب والعقل تتشكل تجربتها الادبية.
وهنا ربما تكمن خصوصيتها: انها لا تريد للعقل ان ينتصر على القلب، ولا للقلب ان يلغي العقل.
الناقدة التي تبحث عن روح النص
وحين تقرأ نادية نصا ادبيا، لا تبدأ من العيوب. انها تبحث عن الروح اولا، ثم عن البناء. تريد للنص ان يمتلك صوته الخاص، وان تكون الصورة نابعة من التجربة لا مجرد زينة لغوية، وان يترك وراءه سؤالا او اثرا بعد انتهاء القراءة.
وهذا يجعل مفهومها للنقد اقرب الى فعل اكتشاف منه الى فعل محاكمة. فالنقد الحقيقي، في نظرها، لا يقوم على اصطياد الاخطاء، وانما على اكتشاف جماليات النص ومواطن قوته، ثم الاشارة الى ما يحتاج الى تطويره بموضوعية.
«يمكن ان احب نصا وانتقده في الوقت نفسه؛ فالمحبة لا تعني المجاملة، والنقد لا يعني الهدم».
وهذه الرؤية تكشف ان الناقدة في داخلها ليست خصما للشاعرة، وانما شريكة لها. لقد جعلها النقد اكثر وعيا باللغة والصورة والايقاع وبناء النص، لكنه، كما تقول، لم يسلبها عفويتها. انها تترك القصيدة تولد اولا، ثم تعود اليها بعين اكثر هدوءا.
** الانسانية.. الجانب الذي لا تراه القصيدة الا متاخرا
لكن خلف الشاعرة والناقدة تقف نادية الانسانية؛ المرأة التي تصف نفسها ببساطة، وتقول انها تحب الصدق، وتقدر الكلمة الطيبة، وتتاثر بالتفاصيل الصغيرة اكثر مما قد يظن الاخرون.
ولعل هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تفسر شيئا من علاقتها بالشعر. فالشاعر الحقيقي لا يعيش الاشياء بحجمها الظاهر؛ كلمة يمكن ان تصبح ذكرى، ونظرة يمكن ان تصبح قصيدة، وغياب عابر قد يتحول الى سؤال طويل.
نادية الانسانية تختلف عن نادية الشاعرة، لكنها لا تنفصل عنها. الانسانية قد تصمت في مواقف كثيرة، اما الشاعرة فتقول ما تخفيه في الصمت. الانسانية تحاول ان تكون قوية ومتزنة، بينما تسمح الشاعرة لنفسها احيانا بان تكشف هشاشتها.
ولهذا تقول جملة شديدة الدلالة: «الشاعرة ليست شخصية اخرى، بل هي الجانب الاكثر صدقا من الانسانية».
ربما هنا تحديدا ينكسر الصمت الذي يتحدث عنه عنوان ديوانها. فالقصيدة ليست صوتا اضافيا في حياتها، وانما الصوت الذي يخرج حين تعجز الحياة اليومية عن قول الحقيقة كاملة.
** الخيبة ليست نهاية دائما
الحياة، بالنسبة الى نادية، لم تكن درسا واحدا. لقد علمتها ان الناس لا يشبهون دائما ما يقولونه، وان الافعال اكثر صدقا من الكلمات. وعلمتها ايضا الا تتمسك بشيء على حساب كرامتها وراحتها، وان بعض الغياب قد يكون درسا، وبعض الخيبات قد تكون بداية وعي جديد.
وفي حديثها عن التسامح، تظهر فلسفة ناضجة لا تنتمي الى التسامح الساذج. تقول ان قلبها يميل الى التسامح، لكن ذاكرتها لا تنسى بسهولة. تستطيع ان تتجاوز الاساءة، لكنها تتعلم منها.
فالتسامح عندها ليس دعوة الى فتح الباب امام الاذى مرة اخرى، وانما تحرير للقلب من ثقل الغضب، مع الاحتفاظ بالحدود والكرامة.
وهنا يتحول الالم من جرح الى معرفة.
ما الذي يؤلم الشاعرة؟
حين نصل الى السؤال الاكثر اختصارا، وربما الاكثر قسوة: ما اكثر شيء يؤلم نادية الانسانية؟
لا تحتاج الى استعارة طويلة.
تقول: «يؤلمني الظلم وانكسار الانسان».
كان كل ما سبق يعود الى هذه الجملة: الحب، الوطن، المرأة، الذاكرة، القدس، النقد، القصيدة. فالانسان هو الخيط الذي يجمع تجربتها كلها. وحين ينكسر الانسان، ينكسر شيء في الشاعرة ايضا.
لكنها لا تقف عند الالم.
فالفرح عندها يبدأ من ابسط صورة واكثرها نقاء: ابتسامة طفل. تقول ان اكثر ما يمنحها الفرح ان ترى البسمة والبهجة والامل على وجوه الاطفال الابرياء، وان يعم السلام والامان العالم كله.
وتستحضر بيت الشاعر الفلسطيني توفيق زياد:
«وامنح نصف عمري لمن يجعل طفلا باكيا يضحك».
وهنا يعود الوطن الى معناه الانساني الاول: ان يكون للطفل مستقبل، وللانسان امان، وللقلب فرصة لان يحب دون خوف.
مرايا القلب.. وانكسار الصمت
حين نعود الان الى عنوان الديوان، يبدو اكثر اتساعا.
«مرايا القلب» ليست مجرد استعارة رومانسية. انها تلك الصور المتعددة التي صنعتها الحياة داخل الانسان: الحب، والذاكرة، والخذلان، والوطن، والمرأة، والطفولة، والخوف، والامل.
اما «انكسار الصمت» فليس مجرد انتقال من السكوت الى الكلام؛ انه لحظة يتحول فيها ما هو شخصي الى انساني، وما هو داخلي الى قصيدة.
في تجربة نادية عوض، تتجاور الشاعرة والناقدة والانسانة دون ان تلغي احداهن الاخرى. الشاعرة تمنح النص نبضه، والناقدة تمنحه وعيه، والانسانة تمنحه صدقه.
ولعل اجمل ما في هذه التجربة انها لا تبحث عن البطولة في القصيدة، وانما عن الانسان.
ففي زمن تكثر فيه الكلمات وتقل فيه القدرة على الاصغاء، ربما يصبح الشعر محاولة لاستعادة شيء بسيط فقدناه: ان نشعر بالاخر.
وهكذا، حين تنظر نادية عوض في مرايا قلبها، لا تبحث عن صورتها وحدها؛ تبحث عن الانسان الذي يسكن خلف كل صورة.



