مقالات نقدية

قراءة في قصيدة “وماذا بعد؟” لثورية الكور-محمد أبو الهيجاء – الأردن 

صورة لامرأة ترتدي الحجاب بلون بيج، تتواجد في مكان مفتوح تحت سماء زرقاء، تبدو مبتسمة وتراقب شيء ما.

قصيدة “وماذا بعد؟” للشاعرة المغربية ثورية الكور تمثل نصاً وجودياً يغوص في أعماق الذات الشاعرة بصراحة وجرأة نادرتين. ليست مجرد كلمات منسابة، بل هي اعترافات مفعمة بالألم والشك والبحث عن معنى في عالم يبدو منسياً.

ثنائيات متصارعة:

· الشعر والصمت: فالشاعرة تحاول الهرب من سكنى الشعر لها، تغلق الباب، ترفض أن تكون “شاعرة تنتظر القصيدة”. تكحل جرحها بالصمت، بلغة لا تقول شيئاً لكنها “تبكي بما يكفي”. هنا، الصمت ليس فراغاً، بل لغة أكثر كثافة وبلاغة من الكلام نفسه.

· الحقيقة والتمويه: تتحدث الشاعرة عن “هوامش” كانت فيها “دعاء يخبئ جنون الحرف، وحجاباً هشاً لفضيحة الحقيقة”. إنها تلك المساحات التي تختبئ فيها الذات خاء الطقوس والأقنعة الهشة لحجب الحقيقة المزعجة أو المخجلة.

· الوجود والعدم: تصل القصيدة إلى ذروتها الوجودية في السطر الأخير: “أنا هنا، عند حافة أن أكون… أو لا”. إنه التعبير الأصدق عن الاغتراب والضياع، عن التساؤل حول جدوى الاستمرار في عالم “لأن لا أحد سيتذكرني”.

استعارات مضيئة:

· “كأنني التفاحة الأخيرة في بستان منسي”: استعارة قوية تجسد الإحساس بالوحدة، والتلاشي، والانتظار في مكان طواه النسيان.

· الكتابة ليست ترفاً، بل “اقتلاع القلب من مكانه، وإلقاؤه في يد الوقت”: وصف دقيق ومؤلم لفعل الكتابة الحقيقية، التي هي عملية تفريغ للذات وتعرية كاملة بلا ضمانات.

· “حفيدة الصوت المولودة من خيط مهترئ في طرف كم قديم”: صورة شعرية رائعة تربط الشاعرة بجذور بسيطة وهشة، لكنها تحمل في طياتها تراثاً من الصمت والحكمة.

· “كلّ القصائد التي أحرقتها حين نضجت أصابعي، أنبتت شامة على صدري، كالوجع اللذيذ”: تحويل المعاناة والندم إلى جزء لا يتجزأ من الجسد، ندبة جميلة-مؤلمة تذكرها دائماً بما فقدته.

الذات بين المرايا والأنوف:

مقولة “أنا الجميلة رغم أنفي، ورغم المرايا التي تسرقني كل مساء” هي تحدٍّ صارخ للمفاهيم التقليدية للجمال وللصورة التي تفرضها المرآة (كناية عن نظرة المجتمع والذات). الجمال هنا ليس شكلياً، بل هو قوة داخلية تقاوم سرقة الذات كل مساء.

حلم الطفولة والبراءة:

حنين الشاعرة إلى زمن البراءة يتجلى في رغبتها بأن “تكتب اسمي بالطباشير على جدارن موكادور” (اسم قديم لمدينة الصويرة المغربية). الطباشير يمحوه المطر والرياح، كناية عن الهشاشة والتلقائية، بعيداً عن ثقل الحبر وديمومته. إنها رغبة في العودة إلى ذات بسيطة “عارية من الحبر، ممتلئة بالصدق”.

الخاتمة: سؤال الوجود

القصيدة ليست يأساً محضاً، بل هي مواجهة شجاعة مع الأسئلة الكبرى. إنها صرخة إنسانة تبحث عن بصمة، عن معنى، عن سبب للبقاء في عالم يبدو غير مكترث. ذلك السؤال الوجودي “وماذا بعد؟” الذي تبدأ به القصيدة، لا تجيب عنه، بل تتركه معلقاً في الهواء، مثل الشاعرة نفسها، على حافة الوجود.

ثورية الكور، من خلال هذا النص، تثبت أن الشعر الحقيقي هو ذلك الذي يجرحك بلطافة، ويواجهك بمرآة ذاتك دون رحمة، ويتركك مع سؤال “وماذا بعد؟” أنت أيضاً.

_النص

وماذا بعد؟

أراد الشعر أن يسكنني،

فأغلقت الباب،

قلتُ…لا شاعرة هنا تنتظر القصيدة،

أكحل الجرح بالصمت،

بلغة،

لا تقول شيئا

لكنها تبكي بما يكفي….

أعرف تلك الهوامش،

كنت فيها دعاء

يخبئ جنون الحرف،

وحجابا هشا

لفضيحة الحقيقة…

كأنني التفاحة الأخيرة

في بستان منسي….

تعرفني الهزائم،

أخبئ فيها ضحكة صدئة

وتجارب من وهم،

أنا الجميلة

رغم أنفي،

ورغم المرايا التي تسرقني كل مساء

لو عاد بي الزمن،

لكتبت اسمي بالطباشير

على جدارن موكادور،

علني أتعرف عليّ

حين أستحم بالحقيقة،

وأخرج كما لم أكن

عارية من الحبر،

ممتلئة بالصدق،

وخالية من كل شيء….

الكتابة ليست ترفا،

هي اقتلاع القلب من مكانه،

وإلقاؤه في يد الوقت

وقول…..خذوه، لا حاجة لي به….

أنا تلك المرأة،

التي ترتجل من ليلها

عقدا من نجوم،

تعلقه في عنق الحياة،

حفيدة الصمت

المولودة من خيط مهترئ

في طرف كم قديم،

كل ما كتبته

كانت جدتي تخبئه

في عقدها الفضي ،

وما لم أكتبه

ما زال يربّي أجنحة

في صدري،

كلّ القصائد التي 

أحرقتها حين نضجت أصابعي،

أنبتت شامة على صدري،

كالوجع اللذيذ …

ظننتها فسحة،

فاكتشفت أنها ندبة

تضيق حين أحب،

وتختنق أكثر مني

لأنني لم أعد أعرف

كم بقي من جسدي

صالحا للحياة…

أنا هنا،

عند حافة أن أكون… أو لا

بين أن أبقى أو أرحل،

لأن لا أحد سيتذكرني …

ثورية الكور / المغرب

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading