قراءة أنثروبولوجية في المشهد الشعري والرمز البحري في قصيدة لست وحدك..للشاعر الليبي مفتاح الشاعري


دراسة: أ.د حمام محمد …باحث متخصص وناقد.. جامعة الجلفة..الجزائر
جماليات الانتظار والغياب في الشعر المعاصر:
01- الدم حين يبرد… ومأساة القهر الصامت**
الدم حين يبرد يتجمد، وإذا أنهكته متلازمات الكورتيزول يظل يجري ببطء، لأن ذبابة الفوبيا تطرد خيط دخانٍ فيه، وهو لا يرعوي أن يدّعي البطولة، أو ربما يزعم أنه أفضل من جاك في «التايتانيك». إنها مسخرة الحياة التي تمتد في الطول، وتحرك الماوراء بشيء من الغيبة، كأنها تعلم أن وراء الخط ستارًا إليه الفقدية، بروح الانتظار الممل، وكأن الفرج يتربص بها كما هو رجاء المدى،
إن قهر العذاب، حين يسكنه مكرها، يقوى عليه فضول الشهوة والتربع على العروش. لكن المصيدة حين لا يأتي البخار ولا يستر الضوء، حتى ولو يغضب الفجر، تتناسل الكائنات التي كانت تزقزق ليلًا ونهارًا، وتطير بالهامات، تكاد تذيبه منكدسة عليه، لأنه لم يُحسن الاختيار، أو لأنه مرّ في سرابٍ أرسلته روائح خاطئة قذفها اليباب في لحظاتٍ منفردة.
يسوقه العشق وهو متجه نحو من قتلوا البقرة عندما استكثروا السؤال عنها، ظنًّا في الغياب أنها لا وجود لها، ثم عن لونها، ثم عن وضعها، فجاؤوا بالخبر أنها كانت بقرة لا تشبه البقر. وهكذا يمتد الألم المرعب، أو اللطيف، من مدى شاعري إلى آخر، إنه العذاب الممهور بالفقد والوجع الممزوج بالانكسار.
02- الأنثى على رصيف البحر.. انتظار يلتهم الضوء**
كأن الكائنات تدس في خاطره نوعًا من الفقد المستديم، وتذهب لحالها، وكأنها في مشهدٍ سينمائيٍّ سرياليٍّ مليء بالانكسار، لفتاة تنتظر على الرصيف وهي في حالٍ عجيبٍ من التغيرات الفسيولوجية: نفخة، ودموع محبوسة، كأنها أسيرة، تنظر إلى لوحة أملٍ أو بارقةٍ إلكترونيةٍ تؤويها إلى ميقاتها،تمدّ عنقها بتكبرٍ وتعجرفٍ، وتنادي في سرابها أنها هنا، وتنظر إلى البحر لا ليستدرجها بغدرٍ أو بأفضلية، بل ليطيل انتظارها،وحين تلمح سرابه، تقفز من يسدّ «يأجوج ومأجوج» في العلو والدنو، فتقاتل البحر في ديجوره، ولو كان الفجر حائمًا على المنظر لزلزلت مياه البحر من تحت أفق حلمها.
تؤمن أنه سيأتي، ومع أسرار الأنوثة تنبض بنصف ما تبقى منها، غير راجعة إلى مدامها، وهي تظن أنه يلفحها بنظرةٍ قابعةٍ كابسةٍ، لا همّ فيها إلا أن تقول: «أنا أنثى جئت في الموعد، لكنني فرتُّ منه لأنه إطار الغياب».
وفي ظنها أنه سيأتي ملتزمًا، معسكرًا بحياله، غير أن الفرار هنا تعبير عن عدم التحمل، فموجات الغربة والانتظار توجع الأنثى، وهي تجري وراء السراب مثل الماكثات البائسات خلف حلمٍ يتقد في جفونه على قرعة الوضوح.
قال الشاعر واصفًا الموقف:
> * وحدها.. تنتظره على رصيف المرفأ.
> * تقف بسكون، مرسلةً بصرها إلى حيث خط الأفق.
> * وعندما تراه قادمًا، تنصرف بصمت.
> * وتختفي عبر أزقة الأكواخ الترابية.
03- : أسطورة البحر والانتظار… بين فلسفة الفقد وحكمة العجوز
في الواجهة، يقف رجل على يمين المرفأ، قرب البحر، يعضّ على لسانه، يريد أن يجذف قرينه ليخبره أن في الجوار رجلًا قيده الزمن وأنهكته الدروب. جعله البحر منارة في وسطه، يستأنس بها ومنها إلى الطريق،إنه رجل يقف بجميع خلاياه وأعصابه النشطة، ينظر إلى «أم القوارير» لعلّه يجدها. وهكذا ظنّ الرجل ربيع الفقد والغياب، ولو للحظات.
يدرك تمام الإدراك أنه يجاري عتبة الأنثى وهي تنظر إلى ساعتها، وقرص الثانية عشرة لم يحن بعد. وما إن تحرك العقرب حتى هرولت نحوه في شموخ، كأنها تنتظر شبحًا تغذت به الأسطورة في شكل عروس البحر.
الشاعر هنا يرسم حكاية «يا ليل يا عين» في الأساطير العربية القديمة، حيث الليل والعين وجهان للحيرة والانتظار.
قال في مقاطع أخرى:
> * أرهقته بهروبها الدائم.
> * دقات قلبه أضحت بإيقاعٍ مغاير لما اعتاده.
> * تغيّرت رتابة الحياة حوله، أو هكذا شعر.
> * في فؤاده بصيص من ميلاد حبٍّ قلقٍ، بحجم الأمواج وصخبها.
> * وغموض كالمنتظرة على ذلك الموقف.
فصول الملل وتعويضها بالفرار إلى الفرجة كانت حلًّا مؤقتًا. لم يكن يبحث عنها، لكنه وجدها، فاستغاث ليدس نفسه التي ملت الانتظار.
استعمل السجائر كرمزٍ للثورة المشتعلة من الانتظار — فهل هذا الاشتعال غريزيّ أم فلسفة استنفرت كل الأعضاء البيولوجية والفيزيولوجية؟ويأتي البحار العجوز، كنوعٍ من الخلاص، ليوجه الحوار مرة أخرى:
> * مشرق ذلك اليوم لم يبحر.
> * انزوى بعيدًا ينتظرها، تضاحى النهار، ولم تأتِ.
> * شعر بالسؤال يحاصره.
> * حيث يقف كانت أعقاب السجائر تعلن مرور الوقت القلق.
> * اتجه نحو الزقاق المجاور، فقابل البحار العجوز.
> * سأله، فقال له:
> فتاة الميناء تلك، إنها دائمة الترحال بين الموانئ.
> تقف على أرصفتها، تنتظر رجلاً سافر إلى البحر ولم يعد.
> فلربما كانت غربة بحار، وسيعود يومًا.
> لكنها لم تُدرك بعد أن من يأكله البحر لا يعود.
القصة إذن وصفٌ لفتاةٍ ظنت أن من أحبّتها سيعود من البحر، غير أن البحر، بما فيه من أسرارٍ ومخاوف، التهم الأمل والانتظار،ويبدو أن العجوز أراد أن يقول: ارجع إلى نفسك، وفكّر مليًا، فالأنثى في مطبات الانتظار واللاعودة والأمل المتجدّد، ترقص على جمر الأمل حتى الفناء.
> * “ورصيفنا مثل بقية أرصفة الموانئ،
> وقفتْ فيه، وفي انتظارها رأت فيك صورة من تنتظره،
> لكنها ما كانت لتجلس هنا وتنتظر غيره،
> وها هي قد شدّت رحالها إلى ميناء آخر،
> ربما يكون من بين القادمين إليه من سافر،
> وأنا ما كنت لأمنعها من حلمٍ، وإن كنت أعلم
> أنه في استحالة التحقيق.”
إن الشاب المنتظر — أو الكهل ربما — لم يفقد صوابه، مما يدل على عمق فلسفته، إذ وضع فرضيات العودة إلى البحر ومساءلته وجهًا لوجه.
القصة في جوهرها حبٌّ غير متكافئ، بين عزة الصمود وحزن الفقد، مزيج من العذاب والسموّ والحنين.
ابتعد العجوز… واسترسل الفتى في ذهوله للحظات، ثم عاد أدراجه إلى البحر، نظر إليه، حيث تطاولت الجروح فداعبت أستار الآمال، وتعب… وحلمٌ ضبابيٌّ لم يكتمل.
04- التحليل الأكاديمي:
إن تحليل البنية في قصيدة الشاعر يعود إلى زاوية بلاغية أدبية حاول فيها أن يُظهر قهر العذاب ومشقة الانتظار،القصيدة برمتها فلسفة تأملية في حكاية الانتظار، تنهل من الإثنوغرافيا النفسية، وتُجسّد المقولات الشعورية التي يعيشها العاشقان في لحظات الفقد.
جاء النص عامرًا بالصيغ البلاغية مثل:
> *”ميلاد حبٍّ قلقٍ بحجم الأمواج”*
> *”حلم ضبابيٍّ لم يكتمل”*
> *وتشخيص البحر ككائنٍ حيٍّ يأكل ولا يعيد.*
وأبرز ما يميّز الشاعر أنه يكتب **بلغة سينمائية درامية**، تتوالى فيها المشاهد كأنها شريط سينمائي نابض بالضوء والظل،الثنائية بين *الرصيف والمرفأ* تشكّل ركحًا مسرحيًا يذكّر بمشاهد غوغول في اليقظة المسرحية البريطانية، حيث تمتزج الواقعية بالتجريد، والرمز بالوجع، في رحلة الشاعر نحو معنى الانتظار.
– التحليل البلاغي والزاوية السينمائية في القصيدة
رغم أن تحليل البنية في قصيدة الشاعر يعود إلى زاوية بلاغية أدبية، فإن الشاعر حاول أن يُظهر فيها عدّة عناصر جمالية متداخلة، منها **قهر العذاب ومشقة الانتظار**.
القصيدة برمتها تمثل **فلسفةً وتأملًا أنثروبولوجيًا** في حكاية الانتظار، حيث اتخذ الشاعر زاوية **إثنوغرافية** في قراءته للمقولات والانفعالات التي عبّر بها عن التجربة، مستفيدًا من مفاهيم الفقد التي يعيشها العاشقان.
لقد جاءت القصيدة عامرةً بالصور البلاغية، مثل قوله:
> *«ميلاد حبٍّ قلقٍ بحجم الأمواج»*
> *«حلم ضبابيٍّ لم يكتمل»*
> وتشخيص البحر ككائنٍ حيٍّ يأكل ولا يعيد.
ومن أبرز ميزات الشاعر أنه **يكتب ويصوّر في آنٍ واحد، إذ يجمع في نصه بين القصيدة والسيناريو، بلغةٍ مليئةٍ بالتصورات الدرامية التي تجعل “المنتظر” في حالة من الشغف والتوتّر المستمر.
ومن أجمل الوصلات النقدية التي يثيرها النص هي **الثنائية الجمالية بين “الرصيف” و”المرفأ”**، إذ يشكّلان ركحًا مسرحيًا حيًا، يمكن أن نجد شبيهًا له في مسارح غوغول أيام اليقظة المسرحية الأوروبية.
أما اللغة، فعلى عمقها النثري، فإنها تُجسّد الواقعية والتجريد معًا، مما يجعل القارئ يقطف من مرافئ الشاعر ثمرة الحساسية المرهفة والرومانسية العميقة.
• الزاوية السينمائية في القصيدة
• المشهد الأول
صورة بانورامية دائرية لامرأةٍ جاثمةٍ كصنمٍ لا يتحرّك،تدور الكاميرا ببطءٍ لترسم وجهها الشاحب، ودموعًا محبوسةً في عينيها، وشعرًا يتطاير من تحت فولارٍ إيطاليٍّ أنيقٍ تنعكس عليه ألوان القمر الفضية،تظهر قدماها في حذاءٍ ذي كعبٍ عالٍ مصطفٍّ بعناية، بينما يهتز جسدها المتمايل من ريحٍ باردةٍ ترتجف معها ملامحها.تُلتقط «صكصكة» في أضراسها يسمعها مهندس الصوت بوضوح، وكأن ليل البحر البارد يضاعف برودة الانتظار.
• المشهد الثاني
لقطةٌ إيطاليةٌ لفتاةٍ تمشي الهوينى، ببطءٍ مائلٍ إلى التردد،تتحرك من الجهة اليسرى إلى الجهة الأخرى من الميناء، وأشرعةٌ بيضاءُ تلوح في الخلفية، تُرى في لقطةٍ مُشبعةٍ بالضوء الفضيّ، وسفنٌ راسيةٌ تُخبر الليل ببوقها العميق، كأنها تروي حكايته بدلًا عنه.
• المشهد الثالث
شابٌّ وسيم، تنعكس الأنوار الفضية على وجهه، فتُكسب سمرته لمعانًا شفيفًا،يرتدي لباسًا تقليديًا بسيطًا، لكن حضوره يفيض دلالةً وهيبةً وهدوءًا مؤلمًا،يرفع يديه إلى السماء مرةً متضرعًا، وأخرى يحدّق بعينيه نحو الأفق، وثالثةً يتحدث بكلماتٍ مغموسةٍ في الأمل والترقب، يغشاها شيء من الحزن والخذلان.
تنتهي اللقطة بعرض وجهٍ غير واضح المعالم، يختبئ تحت ظلمة شراع سفينةٍ مهترئةٍ رابضةٍ في الميناء، ينطق بكلماتٍ تختصر كل مواجع الفقد والحزن وانطفاء الأمل.
في الاخير :يبدو ان الشاعري متألمًا من البحر والفقد، مائلًا بوضوح نحو الحزن من خلال تراكم قيمه السلبية المأساة، العذاب، الحرمان، الدموع، والخيبة،ولعل أجمل ما في النص هو المشاهد السينمائية التي رسمتها القصيدة بدقة شاعرٍ يرى بعين كاميرا:



