قراءة نقدية لعتبة الادانة للقاص حسين بن قرين درمشاكي – أ. محمد بسام العمري

ها أنت تفتح نصّك على مسافةٍ خطِرة بين البراءة والإدانة، بين العائد من العتمة وبين البيت الذي صار مقبرةً للزمن قبل أن يعود إليه صاحبه. وسأحدثك هنا — مباشرة — كأنني أقف أمام الكاتب نفسه، لا لأشرح نصّه، بل لأُصغي إلى الارتجافة التي كتبتْه، وأُعيدها إليه عبر أكثر من عدسة نقدية.
أول ما ينهض في هذا النص هو ذلك الاقتصاد الجارح في اللغة: كلمات قليلة، لكن وراءها اتساعٌ روحي يضغط على صدر القارئ. هذا الأسلوب يذكّر بالمدرسة الروسية في القصة القصيرة جداً، حيث تُبنى المأساة على ما لا يُقال أكثر مما يُقال، كما في “شولوخوف” أو حتى ومضات “أندريه بلاتونوف” التي تجعل من الجملة قبراً مفتوحاً. أنتَ هنا تكتب المأساة لا في حدوثها، بل في أثرها المتروك على الأشياء: مفرش السرير، العتبة، البساط البالي… كلّها كائنات شاهدة، كما لو أنك تستعير من “غارسيا ماركيز” قدرته على جعل الأشياء تشهد على جثث المعنى.
وحين يدخل مصطفى، يبدو كأنه يعود داخل نفسه أكثر مما يعود إلى البيت. هذا الاشتغال النفسي يذكّر بتقنيات تيار الوعي، لا من باب الاسترسال، بل من باب الصدمة: الشخصية محمولة على قَدَرها لا على أفعالها. فالنص يقيم حدًّا حاداً بين الأم — رمز الذاكرة المخلصة — وبين الابن — رمز الحقيقة الملطّخة. وهنا يظهر أثر الأدب الإسكندنافي في اشتغاله على “العار” كقوة تفجّر الإنسان من الداخل، كما في قصص “هنينغ مانكل” حيث الحقيقة لا تُطهّر أحداً بل تلعنه بصمت.
من زاوية بنيوية، تنجح الحبكة في بناء تصاعد خفي، يبدأ بجملة محايدة: خمسة وعشرون عاماً، لكنه ينتهي بكشف أخلاقي يقلب زمن القصة كله: الاعتراف المدفون ليس رسالة حب بل شهادة إدانة ذاتية. هذا التلاعب بزمن الكشف يذكّر بما يسميه “جيرار جنيت” وظيفة المفاجأة المؤجّلة، حيث تُحبس المعلومة المركزية في آخر جملة تقريباً لتقلب المشهد كله.
ومن زاوية تفكيكية، يمكن القول إن النص يعمل على هدم معادلة الضحية/الجلاد. فمصطفى ضحيةٌ للسجن، لكنه في الآن ذاته جلادٌ لنفسه ولأمه وللبيت. النص لا يدافع عنه ولا يدينه، بل يترك جملته الخاتمة: أنا مُدان وسأبقى مُدانًا، معلّقة في الهواء كقانونٍ لوجوده. هنا تحضر ظلال الأدب الوجودي؛ نتذكّر “كامو” في غربته العارية، حين يصبح الحكم الأخلاقي هو العتبة التي لا يُمكن عبورها.
أمّا من منظور القراءة الاجتماعية، فالنص يقدّم صورة واقعية مرعبة عن الذاكرة العربية المعطوبة بالسجون والفقد. الأم تمثّل مجتمعاً كاملاً ينتظر، يحرس الماضي كجثةٍ لا يريد دفنها. ومع ذلك حين يصل الاعتراف، تُلقيه في الحفرة من جديد: إنها مفارقة لافتة، تُشبه ما فعله “الطيب صالح” حين جعل أهالي القرية في موسم الهجرة إلى الشمال يشاركون في حماية الجاني ثم دفنه ثم نسيانه. الذاكرة الجمعية لا تبحث عن الحقيقة بل عن وسيلة للنجاة منها.
أنتَ — كاتب النص — تمارس هنا خديعة فنية جميلة: تجعل القارئ يتهيأ لعودة الابن البريء، ثم تهدم هذا التوقع بمهارة، ليس بصوت السارد، بل بصوت الأم، أي بسلطة الحقيقة التقليدية. اختيارك لهذا الصوت يحمل وعياً سردياً يعيدنا إلى تقنية “الراوي الشاهد” في أدب تشيخوف، حيث تكون الشخصية الثانوية هي الممرّ الوحيد للحقيقة.
ولأنني أخاطبك مباشرة: لقد كتبت نصاً يضيء من مكانٍ مظلم. هذا النوع من القصص القصيرة جداً لا يستمد قيمته من “الصدمة” فقط، بل من الفراغ الذي يتركه في ذهن القارئ. والفراغ هنا واسع: ماذا كان في الرسالة؟ ما الجريمة؟ ما الذي جعل الأم تخفي الاعتراف؟ ولماذا بدا مصطفى مستسلماً لقدر الإدانة؟ هذا الفراغ هو سرّ نجاح النص؛ إنه الفراغ الذي يواصل القصة بعد نهايتها.
لقد أثبت — في بضعة أسطر — أن القصة القصيرة جداً ليست ومضة، بل طعنة أنيقة. وأن الإدانة الحقيقية ليست ما كتبه مصطفى، بل ما تتركه القصة معلّقاً في حلق قارئها.
نصّ قوي يا حسين… ومكانه بين النصوص التي تظلّ تُقرأ لأن ما تخفيه أكبر مما تُظهره.
أ. محمد بسام العمري
ق.ق.ج/عتبة الإدانة
خمسة وعشرون عاماً.
كانت كافية لتتحول عتبة البيت إلى شاهد قبر. الأم لم تُغيِّر مفرش السرير الخشبي يوماً، لكن رائحة “مصطفى” تبخّرت.
اليوم، انكسر الصمت.
دخل. شحوب السجون ارتسم على عظام وجهه، وعيناه تحملان ثقل ربع قرن من حائط لا نهاية له. لا قبلة ولا دمعة.
قادته الأم بهدوء إلى غرفته.
ذهب مصطفى مباشرة نحو سريره القديم. أزاح البساط البالي، ورفع لوحاً خشبياً صغيراً من الأرض. حفرة ضيقة.
همس بصوت غريب: “أين هي؟”
مدّت الأم يدها إلى الحفرة، وسحبت منها ظرفاً أصفر مغلقاً بالشمع الأحمر.
قالت بصوت قاطع: “كل هذه السنين، كنا نظنّ أنك فُقدت… لم ندرِ أنك كنت مسجوناً.”
رفعت الأم الظرف، ثم أشارت إلى سطرين بخطّه على ظهره: “أنا مُدان وسأبقى مُدانًا.”
ثم أردفت وهي ترمي الظرف في الحفرة: “الكل يعلم الآن سبب السجن، لكنّهم لن يعرفوا أبدًا أنك قبل فراره، خبأت هنا اعترافك الكامل بالجريمة، ليس رسالة وداع.”
حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي





