العربي عبدالوهاب ـ رجلٌ محاصرٌ بالتحولات .. قراءة فى قصص (محسن حسن)

(محسن حسن) قاص تقليدى مرهف الحس، يسرد قصصه فى اطار من الحكايات التى تتسم بالطرح الهادىء جدا ، لدرجة أن القارىء قد يستشعر بأن هذه الكتابة هى أقرب للغة الكتاية الصحفية الفقيرة الى التخييل والبلاغة . اقول ان كل ما سبق قد تجسد فى قصص (مخاوف رجل محاصر )* للكاتب محسن حسن ، الا أنك سرعان ما يطرحك الكاتب أرضا ، وكأنكما فى مبارزة للملاكمة وفى الجولة الأخيرة يكسبك بالضربة القاضية . لأنه بحسه الساخر ، وبتلقائيته فى تجسيد النص ، يتحول فى لحظة ما الى شبكة عنكبوتية ، تراها وقد ألمت بخيوطها عليك ، ومنحتك عند النهاية اندهاشة جديدة، ووعيا مختلفا وقدرة عالية على رؤية العالم بشكل مختلف عما دخلت به ، ثمة قدرة على سحب النص من مناطق عادية جدا الى فضاءات جديرة بالاحترام ، ذلك لأنه قاص يعرف جيدا ماهية الكتابة ، ويتوجه اليها ، وكأنه فى نزهة نيلية .
انه يعالج قصصه وحكاياته باحترافية وببساطة مبهرة ، فى حكايتين ( احتجاج ، والفرح) نراه يتوقف أمام بعض العادات البالية ، ويرصد كيف تؤثر تلك العادات على الحياة الانسانية فى أدق تفاصيلها،، فنرى طقس العزاء فى حكاية ( احتجاج) طاغيا على المشهد القصصى ، إلا أن الكاتب يخترقها باحتجاج رائع للنسوة اللاتى جئن لتقديم واجب العزاء ، منهن من جاءت بحليها ، ثأرا من زوجة المتوفى التى فعلت معها ذلك فى عزاء ابنها ، وبقية السيدات يكملن مظاهرة الاحتجاج بأن يخرجن البسكويت ، ويأكلن ضاربات طقس الحزن والعزاء ، منتقمات من صاحبة العزاء / زوجة المرحوم “حميد” .. ثم النهاية الموفقة من الكاتب حين كتب ” سقطتْ دمعة من عين سكينه أزاحتها باحدى يديها بينما راحت باليد الأخرى تجمع قطع البسكويت”
نفس العادات فى الحكاية الثانية (الفرح) تتعامل مع عادات الزواج التى تختلف من عزبة لنجع ، ومن قرية لكفر من الكفور . وأن اختلاف تلك العادات فى تحديد الليلة الثانية للدخول بالعروس ، يدفع بالعائلتين للمبيت بالمستشفى بعد معارك دامية دارت بين عزبة ياسين ، وعزبةالعسكر (أهل العريس وأهل العروس).
أما متاعب الانسان اليومية بين الملل والتكرار ، وبين تدنى الواقع الاجتماعى المعيش ، فنطالعها فى القصة التى تحمل المجموعة عنوانها ( مخاوف رجل معاصر) .. حيث نطالع انسحاق انسان القصة اجتماعيا بجدارة يقدم الكاتب بانوراما للمعاناة اليومية التى يواجهها منذ الصحيان مبكرا ، بداية من تقريع زوجته له ، ثم انحصاره فى الأتوبيس ، ثم تأنيب رئيسه له بسبب التأخر عن مواعيد العمل ، ومن خلال التفاصيل اليومية يتكشف لنا قدر الضغوط التى يحتملها المواطن ، لتنتهى بصور الجثث القتلى ، تنتهى بانسحاقه فى أحابيل التفاصيل المقبضة التى من شأنها افراغ الانسان من انسانيته ، ومن قدرته على الاحتمال ، فتتولد بالتالى الجريمة ، وتظل تلك المجتمعات المتناحرة ، هكذا آخذة طريقها للزوال ببطء .
اما الانسحاق السياسى فنطالعه فى قصة (من أين تشرق الشمس؟!! ) تمارس على انسان القصة كل ألوان التعذيب ليعترف مثل الجميع أن الشمس تشرق من جهة الغرب .. وبرغم أنه رفض ، وأكد على ان الشمس تشرق من جهة الشرق. يعتق ويعذب ، ثم يتم الافراج عنه الا أن متابعته من قبل زبانية العذاب ، لهو دليل على أن الجميع لابد فى نهاية الأمر يصدعون لما يأمرون ، ويتنازلون عن معتقداتهم وقناعاتهم .. أو تحقيقا لمقولة ( الناس على دين ملوكهم) .
أما عوالم الطفولة ورغبة الطفل الملحة فى ان يشب عن الطوق ويأخذ طريقه للقيام بدور الكبار ، فنرى ذلك فى ثلاث حكايات يصدر بهم مجموعته وهى ( السوق )
فى حكاية (السوق) ، تصوير لطقس يوم السوق .. وشوق العيال لعودة ذويهم ، واستلام الحفيد لدور الجدة
فى قصة حكاية ( السياج ) يتسلم الطفل أيضا الراية من جارتهم الوحيدة عزيزة فى لمحة فنية رائعة ، ليعود بعدها مدافعا عن أرض الجارة وقاذفا العيال بالطوب ، ويستمر السياج الذى يحافظ على الملكية الخاصة قائما ، متجليا .. قصة عميقة فى رؤيتها عن السوق.
فى الحكاية الثالثة (الطبلة) ، لابد من تحية الكاتب لفنية التحول التى سقط الشاب فيها مرغما ، وقام فى نهاية القصة الى حمل الطبلة ، إنه بذلك يحمل إرث الفقر الذى يتجسد فى مهنة بالية، وبرغم كراهيته الشديدة لهذه المهنة (الطبال) إلا أننا نجده فى نهاية القصة سائرا على نفس الدرب رغم أنفه . قصة تؤطر للبعد الطبقى فى مجتمع يؤكد ويؤسس لتلك الفوارق بلا رحمة.
اما فى قصة (رجلان)
فنتابع نموذجين معبرين عن نماذج عديدة طفح بها مجتمع التدنى ، والقسوة .. يراقب الراوى رجلين .. الأول رجل حاد وغاضب من المجتمع رافض للتدنى بحدة شديدة ، يطالب الراوى – ظنا منه أنه شرطة – بانه سوف يقدم شكوى للمسئولين ، يشتكى مجتمعا يتساقط تحت وطأة المرض ، فترك الناس لزبالتهم يدفع به فى نهاية القصة ان يرفع مدية حادة ليخيف بها بهلول غريب الأطوار عابر فى مدينة غريبة.. كلها أكوام من القمامه وقد انتشر الذباب حولها ..
من وسط الدائره ارتفع صوت الرجل القابض على المدية.
لا تطاردوه دعكم منه انه رجل مجنون” .
ويستمر مسلسل الانسحاق الاجتماعى فى قصة (الصفقة) وتدور أحداثها حول إنسان القصة الذى يبيع انتاجه الادبى لآخر يمنحه الأموال الضرورية ، وفى المقابل يجنى الجوائز والأمجاد.
لا محل إذن فى هذه المدينة لدموع انسان قصة الصفقة ، فمن يبيع ، لا ينتظر .. سوى البكاء.
يقدم محسن حسن كتابة لها نكهتها الخاصة وسمتها المتفرد من خلال كتابة مخادعة ، وذلك بابداع بنية سردية بسيطة للغاية لكنها تظل قادرة على التوهج والادهاش.
——–
* محسن حسن – مخاوف رجل محاصر – نسخة الكترونية- شبكة الانترنت – ٢٠١٨م





