اختلاف أشكال التعبير ودلالاته في مجموعة ” ينفخُ في جمر منطفئ “-عبد النبي بزاز

تتميز نصوص مجموعة ” ينفخُ في جمر منطفئ ” للشاعر العراقي نعمة حسن علوان بميزات إبداعية متعددة على مستوى الأشكال التعبيرية ، والعناصر الجمالية ، والموضوعات …ولعل ما يميزها من حيث الصياغة هو الطابع الشعري الذي يستخدم ، أحيانا ، الإيقاع ، وبعض العناصر البلاغية ، فضلا عن أدوات أخرى كالحوار .
فبالنسبة للتعابير فقد اتخذت لونا مختلفا ومنزاحا عن المألوف ، وهو ما يطالعنا من أول نص ” مهرجان ” حيث نقرأ : ” أنا مهرجان نفسي / أدعوني إليها … / أصفق لي ” ص 9، فبينما يقام المهرجان للجمهور، أعده الشاعر لنفسه ، وتكلف بدعوتها لحضوره ، بل صفق لها ، وقيادة تنظيم عالمي مختلف عما هو سائد ومُتَّبع بحيث تحتضن فقراته ومواده المداعبات والقُبَل بدل ما هو حزبي سياسي ، أو نقابي عمالي … : ” أقود تنظيما عالميا / للمداعبات والقُبَل ” ص 25، وفي استعمالات تعمد لتغيير الصيغ المعروفة في مثل : ” ولم يبق منهم غير صورهم : التي حفظتها أخيرا / عن ظهر فَقْد ” ص49 ، فبدل ظهر قلب المقترنة ، في الغالب ، بالحفظ تغيرت إلى ظهر فَقْد مع ما يحمله الفَقْد من دلالات رمزية متعددة ، كما تبدلت وظيفة النظارات الطبية التي يساعد استعمالها على تبين الرؤية والنظر إلى التخلي عنها لتحقيق الغرض من استخدامها : ” ولأنه لم يضع نظاراته الطبية / بدأ يرى الأشياء بوضوح أكبر ” ص88، ونفس المعنى ورد في صياغة الشعار المعروف : ” بالروح والدم نفديك أيها العدم ” ص 91، وهو شعار يرفع ، غالبا ، تضامنا ومساندة لبطل أو زعيم بينما وظفه الشاعر هنا لدعم العدم وما تحبل به الكلمة من معاني تنم عن خواء وعقم يفتقر لعمق الرؤية ، وبعد النظر . وفي سياقات أخرى منزاحة ومغايرة يؤنسن فيها الحيوان : ” غدا سأعمل جلسة شعرية في الغابة / أدعو لها الحيوانات جميعا / يقدمني فيها صديقي الكنغر / وبمصاحبة طائر الحسون / أقرأ على مسامع الحضور / ما جادت به قريحتي مؤخرا / ليعرض الثعلب بعدها ورقته النقدية ” ص 94، في جلسة شعرية غريبة داخل فضاء الغابة تؤثثها حيوانات؛ من كنغر ، وطائر الحسون ، وثعلب بإناطة مهمة التقديم للكنغر ، وتكليف الثعلب بإعداد ورقة نقدية . وموازاة مع التعابير المنزاحة عن تداولاتها المعروفة تتضمن نصوص المجموعة صورا ذات حمولات غنية بجمالية الصياغة ، وبعد المعاني، كقوله : ” بينما عطرك لا يزال / يرقص على / راحتي ” ص24، فلا يتوقف العطر على طيب رائحته بل يتجاوز ذلك ليرقص على باطن الكف ( الراحة ) من خلال الملمس أو الرؤية ، وما يمكن تصوره وتخيله من حالات وجدانية حسية ، وقوله : ” فيتدلى المعنى / على روحينا الهائمتين / في فضاءات الشعر / كجناحي ضوء ” ص29 ، بحيث يصبح للمعنى حبل يتدلى منه على روح ( العشيقين ) السابحين في أجواء تطفح شعرا ، في تشبيه لروحيهما بجناحي ضوء ؛ وهي صورة تزخر بغنى دلالي ، ومسحة جمالية عبر تشبيه مُعَبِّر وموحي ، وبأسلوب استعاري حين قوله : ” وأنا أقشر ثمار الحزن / بأظافر / النسيان ” ص 53، في استعارة الثمار للحزن ، والأظافر للنسيان ، بتوليفة منفتحة على معاني عدة ، وهو ما يتكرر في الكثير من الصور، نذكر منها : ” أطعن خاصرة الزمن / وأشذب ولو عن بعد حافات الألم ” ص 54، فتغدو للزمن خاصرة تطعن ، وللألم حافات تشذب . وضمن الجانب البلاغي في نصوص المجموعة استخدم التشبيه بأشكال مختلفة ؛ مقترنا بالأداة ( مثل ) : ” مثل نملة فارسية تتسلق حائطا أملس ” ص 11،أو الكاف كما في قوله : ” كوقع الحافر على الحافر ” ص86، أو مجردا منها : ” أتخيل البحر مرايا / والشجر مجاديف ” ص31 ، وهو ما يضفي على التعبير صبغة جمالية ، وبعدا دلاليا .
ورغم بروز الطابع النثري ، في جل النصوص ، إلا أن ذلك لم ينف تضمن بعضها لعنصر الإيقاع سواء على المستوى الداخلي في تكرار لنفس الحروف كالدال ، والتاء في : ” لتلف تلف / من دون أن تدرك / أنت مجرد ثور / ليس عليه إلا الدوران / حتى تنفد منه / شحنة الوقت / ويموت ” ص 36 ، والخارجي في روي التاء : ” أما عن لوحاتك الجامدة / فالكؤوس فارغة / والظلال داكنة / والمعالم غائرة ” ص109 ، ومن بين العناصر التي أغنت المجموعة ، وساهمت في توسيع دائرة أشكالها التعبيرية عنصر الحوار كما في نص ” نتائج البحث ” حيث جاء على صورة ” مونولوغ ” : ” اليوم جلست مع نفسي / أحدثها وتحدثني ” ص12 ، وهو ما تكرر في قوله : ” كنت أقول مع نفسي … ” ص 30، وقد يتمظهر مختزلا في سؤال : ” كيف حصل هذا ؟ / يجيب رأسك : إنك ما فتئت تدور / حول ساقية الحياة … ” ص 80، وحوار خارجي بين أطراف مثل عابر سبيل : ” قال لي عابر سبيل مرة … ” ص 61، وفي سياق نهج الاختلاف والانزياح المؤنسن لحيوان كالكلب : ” يقول كلب … ” ص 37، الذي ُتْستعار له صفة الكلام والقول. وتناول موضوع الكتابة ، وما تقتضيه من طقوس خاصة حيث تحضر لديه في أي مكان، أو فضاء ، أو مناسبة دون خيارات مشروطة ومنتقاة : ” أكتب نصوصا _ في الطريق / في الأماكن المزدحمة / في التقاطعات / عند عيادات الأطباء / في المآتم / في الأفراح ” ص 58، خارج أي إطار خاص ومحدد كما يحدث لدى الكثير من المبدعين . بل لا تتطلب لديه حيزا كافيا من الوقت : ” إحدى المرات طلبت من النادل / أن يناولني ورقة وقلما / وبعد ثلاث زجاجات من الجعة / وجدت بين يدي قصيدة من بضعة أبيات … ” ص 59، حيث خاتلت القصيدة ذهنه ووجدانه في فضاء الحانة دون عزم أو تخطيط مسبق فأنتج للتو شعرا منفلتا من إهاب الوقت وإلزاماته ، وفي إطار موضوع الكتابة يصف الشاعر كيفية تحوله من مجال الهندسة المعمارية إلى غمار كتابة الشعر حين حصل على ديوان لنزار قباني كهدية من لدن ابنة الجيران : ” كنت أنوي أن أكون معماريا مهاريا / لولا أن مصادفة قادتني إلى الشعر / حين أهدتني ابنة الجيران ديوانا لنزار قباني ” ص 73، وهو اختيار أملته الصدفة . ومن المواضيع التي حفلت بها النصوص موضوع الحرب الذي حضر في سياقات عديدة أحاطت بحياة الشاعر الذي عانى من ويلات حروب مكلفة ومستنزفة طبعت مراحل من حياته، وأثرت فيها : ” مذ كنت صغيرا / وأنا أتمنى عودا أعزف عليه/ وكلما هممت باقتناء واحد / تناهى إلى مسامعي / صوت المذياع وهو يلقي بيان حرب ” ص 22، وقد حرمه اشتعالها الدائم من تحقيق العديد من رغباته ؛ ومنها الحصول على آلة عود يعزف عليه. مما جنح بتفكيره في التعبير عن أمنية العيش في بلد آمن بعيدا عن لعنة الحروب ومآسيها : ” وماذا لو كنت بالأصل / من غير هذا البلد / الذي أنفقت عمرك فيه / تخوض حربا / إثر حرب … ” ص 36، مما ولد لديه إحساسا بالكراهية لها كما عبر عن ذلك : ” أكره الحروب / لذلك كلما اندلعت حرب / خفضتُ من سقف طموحاتي / وتنحيت جانبا ” ص 119، فهي تجهض الطموحات ، وتهيض أجنحة الأحلام ، بل تحمل في طياتها أنباء تطفح بألوان الألم والفجيعة : ” فهي تذكرني / بأصدقائي الذين قضوا في معارك قديمة ” ص119، ويستطرد في وصف مخلفاتها المأساوية : ” الحرب التي يتعاقبون على مضاجعتها / كأنثى مشاعة / لم تنجب لنا / إلا أولادا عاقين / ومقابر جماعية ” ص121 ، كما أثار موضوع الأزمة في مختلف تجلياتها الموزعة بين ما هو أُسَري والذي يعاني فيه أفراد الأُسَر من أوزار الفقر والعوز ، مثل حرمان الأطفال من امتلاك دراجة هوائية فيضطرون لكرائها من أجل تلبية رغبة امتطائها : ” حين كنا صغارا / كان جل ما نحلم به / أن نمتلك دراجة هوائية / ولما لم نستطع شراءها آنذاك / فإننا نكريها بثمن بخس / لقاء بعض الوقت … ” ص111، وما هو وطني متمثلا في منظومة حُكْم يعمه الفساد المجسد في الطغمة الحاكمة الغارقة في لجة الانتهازية والاستبداد كما ورد في نص ” أكف مضمومة ” حيث يقول : ” وما فائدة أن يتوالى على حكمنا انتهازيون ” ص65، وثقافي متجليا في ظاهرة العزوف عن القراءة : ” أنت اليوم مجرد بائع جرائد جوال / الصحف ما عاد يطالعها / أحد ” ص 49، والاسيتحاء من التراث كعنصر استعمله الشاعر لإثراء نسيج مدونته ، وتنويع أنماط أساليبها ، وتعابيرها كما ورد في عبارة : ” يذكر أن تلك الرؤوس / حان قطافها فعلا ” ص 69، المستوحاة من خطبة الحجاج بن يوسف الشهيرة في أهل العراق : ” وإني لأرى رؤوسا أينعت وحان قطافها ” بحمولاتها الترهيبية التهديدية المستندة لثابت السلطة والتحكم . كما لم يفوت الشاعر الإشادة بما تتيحه وسائل القراءة الإلكترونية من فرص لقراءة الكتب ، بل تمنحه متعة لا تعوض : ” أحب الكتب الإلكترونية … / من قال إنها تفقدك متعة القراءة ؟ … / أعظم شيء قدمته لنا / الثقافة الرقمية … ” ص92، ووقف كذلك على ما يعيشه بلده العراق من أوضاع متردية ، تزهق فيها الأرواح ، وترتكب أبشع الجرائم في حق أهلها : ” من ثقب في ذاكرة التاريخ / أطل برأسي فأرى العراق يسير / والمنايا تسير معه … ” ص 121، في سجل تاريخ إنساني تنتهك فيه القيم ، وتداس الحقوق .
مما تقدم ، ومن خلال ما عرضناه ، يؤكد الشاعر نعمة حسن علوان مدى امتلاكه لأدوات تعبيرية ، وعناصر جمالية ساهمت في تشكيل نصوص شعرية بطابع نثري من خلال رؤى ، وأشكال ، وموضوعات ذات خاصيات موسومة بميزة الاختلاف والانزياح عن الأنماط الشائعة والمعروفة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ ينفخُ في جمر منطفئ ( نصوص ) نعمة حسن علوان .
ــ دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر بغداد 2025 .



