قراءة في رواية الحياة موتا لمحمد حامد – د. سعيد شوقي

أستاذ الأدب والنقد الحديث بكلية الآداب جامعة المنوفية
لبعض الروايات بنية خاصة مهيمنة من بين إحدى بنياتها : شخوصا أو أحداثا أو زمانا أو مكانا أو لغة أو شكلا ، تتماهى فيها بقية البنى دون تفاصيل فارقة فيما بينها اللهم إلا لبنيتها المهيمنة . على أن بقية البنى غير المهيمنة لا تعمل بانفصال تام أو حتى بانفصال جزئي عن بعضها ، بل تتجاور لتتكامل وتنفصل لتتضام جنبا إلى جنب كالسبيكة أو النسيج من أجل احتوائها في البنية الأم المهيمنة .
ولعل رواية ( الحياة موتا ) للأستاذ محمد حامد هي خير نموذج دال لهذا النوع ، فبرغم البناء الواعي للشخوص والأحداث والمكان واللغة والشكل ، نجد أن كل هذه البنى لم تستطع أن تهيمن على الرواية ، وأن البنية المهيمنة التي استطاعت أن تستوعب كل البنى هي البنية الغائبة : بنية الزمن ليس بشكله المطلق ولا بشكله الخارجي ، ولكن بشكله الداخلي النفسي .
والحق أن الزمن النفسي وهو أحد تفريعات بناء الزمن الرئيسة استطاع برغم تجاوره للتفريعات الأخرى لبناء الزمن ولبنى الرواية أن ينهض ويتضحم ويلتهم بنى العمل الروائي كلية ، ليس هذا فقط بل أعاد خلقها ودمغها بطابعه الخاص .
فلا شك أن الزمن النفسي هو الذي جعل الرواية تعتمد على شكل تيار الوعي Stream of consciousness ؛ الوجه الآخر لعملته ، وعلى شكل الفلاش باك back Flash التذكري ، وعلى شكل التهويمات والخيالات ومناطق الفانتازيا Fantasy ، وعلى تداعي الأحداث – كيفما اتفق على الذهن النفسي – بدلالات منطقية أو غير منطقية ، وعلى توالي الشخوصفي السرد بطريقة التذكر النفسية التي تستجلب الشخوص بذكر ما حدث لها في الماضي بعد انتهاء الفعل ، وليس بطريقة الإطلاق الحر التي لا تصادر على الشخوص فعلها في المستقبل .
أيضا هذا الزمن النفسي هو الذي أسهم في تلقي المكان بطريقة نفسية ، أو ما يمكن أن نسميه بالمكان النفسي ، الذي يختلف تماما عن المكان الحقيقي الجغرافي ، وهو الذي أسهم في بناء اللغة بطريقة التداعي الحر التي تعكس طبيعة الأشياء في النفس ومن ثم تصويرها بطريقة نفسية وليس بطريقة تقريرية تجعل اللغة على بعد تحليقي من الأشياء .
ورواية ” الحياة موتا ” تعتمد في بنائها على حدث إجراء عملية جراحية : عملية استئصال الزائدة الدودية ، وفي أثناء العملية الجراحية ، وتحت تأثير المخدر ، تجرى أحداثها وتتحرك شخوصها وتتبدل أماكنها ، من خلال الزمن الداخلي النفسي للمريض ، الذي يتكدس بالطموحات المحبطة والأماني الموءودة التي تحاول أن تستنهض خراب تهدمها على مستويات دوائر ثلاث : الأسرة – الوطن – الكون ؛ للوصول إلى غد أفضل ، لا يعتمد في تقدمه على البناء الخارجي ، بقدر ما يعتمد أساسا على البناء الداخلي النفسي الذي تنهض عليه الرواية .
وربما كان مهما أن نسجل هنا ، أن هذا البناء قريب من بناء فيلم ليوسف شاهين عن قصة ليوسف إدريس بعنوان : ” افتح القلب ” ، يروي فيه الأول سيرته الذاتية وهو تحت تأثير المخدر في أثناء إجراء عملية جراحية في قلبه لدرجة أن ديكور الفيلم كان عبارة عن قفص صدري واضح الأضلع ، تجري فيه معظم الأحداث .
والحق أن قراءتي لرواية ” الحياة موتا ” لمحمد حامد ، تعد قراءة سريعة ، لذا أعد – إذا سمحت الظروف – بأخرى متأنية ، هذه السرعة دفعتني لأن أستقطر محاور الرواية فيما يشبه الـ Bird view – إذ سمح القارئ بهذا – إلى محورين : يتشخص أحدهما بالإيجاب والآخر بالسلب .
يتمثل المحور الأول في جملة من المزايا ، نجملها قبل التفصيل فيما يلي : دربة الكاتب الراسخة بتقنيات السرد الروائي – ثقافته الرفيعة الشاسعة – قدرته على الامتياح من التراث وتخطي ذلك إلى توظيفه بدرجة تنطبق مع ما يسمى حديثا بمصطلح التناص – تمكنه من صوغ السرد والتصوير وإدارة الحوار – خبرته اللصيقة بأغوار النفس الإنسانية وسبره لها .
فلا شك أن موضوع الرواية من الموضوعات التي نزعم أنها مطروحة على جانبي الطريق كما يقول الجاحظ ، والفضل للكاتب – حقا – في طريقة العرض ( التقنية ) ، بل إن التقنية هي التي نهضت بالموضوع ، وأزعم أن محاولة تلخيص أو حكي الرواية سوف يدمر متعتها التي تحققت عن طريق بنائها ، فلقد دخل الكاتب عبر مواد موضوعه التقليدي بطريقة تقليدية أدمج معها طريقة أخرى ، أصعب منه تقنية ، هي طريقة تيار الوعي ، لدرجة أنك في لحظات يختلط عليك الواقعي بالخيالي ، ومن ثم يتبادر إلى ذهنك إشارة الكاتب في تصدير الرواية إلى بيت أبي العلاء المعري :
لا تقيد علي لفظي فإني *** مثل غيري تكلمي بالمجاز .
ويتفق مع هذا أيضا أن الكاتب ربما أعطاك طرف خيط ( مثل سجن الواحات ومدلوله السياسي ) فلا تملك إلا أن تمضي معه في هذا الاتجاه ، متفقا مع لفظه لكن لا تلبث أن تفقد هذا الخيط في دروب المجاز ، ثم يعطيك طرف خيط آخر وهكذا حتى تكتمل كل الخيوط بين يديك لتصل بك وبنا جميعا إلى المحرك الأول القادر .
وإذا كانت القيمة الكبرى في الرواية تستقطب في ثالوث : الحبيبة / الحبيب / الآخر . سواء أكان الآخر رب الأسرة أم المتقدم للزواج من الحبيبة ؟ ثم بعد ذلك في : الزوج / الزوجة / العشيق .
وإذا كان العنصر المهيمن كموضوع في الرواية كما يقول رولان بارت ، هو الحب في مواجهة الآخرين ، فإن الكاتب – ببراعة فائقة – ينسج هذا المشهد الخلفي وإن كان هو الأساس ، ويذكرك دوما بما يعبأ في هذا المشهد من إحباطات على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والكوني الميتافيزيقي ، ولا أكاد أنسى تجوالي مع الكاتب – بدلالات سياقية – في الحارة وعاداتها وأمانيها الوئيدة ورغباتها الرفيعة التي تمتاح من كل المجالات الثقافية المعاصرة والتراثية ، والتي تنخرط في نسيج الرواية بدلالات تناصية تتفق والسياق تجعل الماضي ماثلا في الحاضر بدلالته التراثية في صورة معاصرة لضرب المثل وتقديم الأنموذج وتفجير الدلالة وتكثيفها وتجعلنا نتعجب قائلين : ما أشبه الليلة بالبارحة !!
وهذه الجزئية بالذات تحتاج إلى دراسة مستفيضة ، ولننظر في ذلك نموذجا ص21 ، ” أورفيوس صاحب القيثارة ذات الرنين والأنين ، أورفيوس العذب الصوت ، أورفيوس الذي عندما ماتت حبيبته بلدغة أفعى هبط خلفها إلى الدار الآخرة ، أو هاديس كما تسميه الأسطورة ، وظل يسترحم الآلهة بأغانيه الدامعة وأنغامه المتوجعة حتى رقت له قلوب الآلهة إلى حبيبته لتعود معه إلى دار الحياة على أن تسير خلفه بخطوات حتى يخرجها مع هاديس ، وحذروه من أن ينظر خلفه ، تماما كما كانت ليلى تحذرك على الدوام ” .
ويتضح من التناص السابق أن الكاتب قد وحد بين عبد المنعم الغرباوي وأورفيوس ليبين عن طريق التشابه بين القصتين – الذي أدركه المحقق – استحالة الجمع بينه وبين محبوبته ، فإذا كان أورفيوس قد فشل في مرته الثانية ، فهل كان عبد المنعم الغرباوي مقدرا له أن ينجح في مرته الأولى ودون مساعدة من الآلهة ؟! فاستدعاء الأسطورة هنا فجر دلالة المعنى دون إسهاب في السرد التقليدي .
أيضا تميز الكاتب بقدرة قادرة على السرد والتصوير وإدارة الحوار ، ففي السرد نجد أن الألفاظ مختارة بعناية من بين المترادفات البديلة وفي التركيب نجد الجمل تتفق وسياق الحالة ؛ فهي تقصر في سياق يسرع فيه الإيقاع وتطول حين يحتاج السياق إلى ذلك ، ولننظر ص5 : ” لاحظ صفرة قاتمة تزحف نحو وعيه ” .
وفي التصوير نجد الكاتب لا يحتاج إلى الوصف الخارجي الاستاتيكي ، بل يحتاج صورة الخارج في نفسه طبقا لحالته النفسية في السياق ، والوصف بهذا – كما يعبر عن هذه النوعية من الوصف يحي حقي – وصف ديناميكي يعبر عن موقف الكاتب تجاه الأشياء .
أيضا لا نجد الوصف الخارجي مصاغا بطريقة تستغرق الكاتب وتجعله يفلت من إسار درامية الرواية ، ولكنه يمتاح منه بقدر ما يخدم السياق ، ولننظر ص23 ، لنرى ذلك :
” الطريق ثعبان يتلوى ، يلتف بنهايات الأعضاء المدلاة ، يقطر السم في قلبي المكلوم ، يعتصر من الفؤاد الخضرة المعتمة ، تزحف نحوي أعمدة البرق ، الغروب الذبيح يصفعني بالدم … إلخ ” .
وفي إدارة الحوار نجد الكاتب يتماس مع طريقة توفيق الحكيم الفذة في إدارة الحوار : فالرد يستتبع الرد والسؤال يستتبع الإجابة بدلالات سياقية حتمية ، وكأن الكاتب عليم بأسرار النفس الإنسانية في الخطاب .
أيضا لا يخلو حوار الكاتب من أثر فونيمي ، يعتمد السياق الصوتي الوظيفي في الأداء ، ولننظر في الحوار ص33 : ” ألم تكذب يا عبد المنعم؟! لا تكذب الآن يا بن الغمراوي ” .
إن التركيز الصوتي على كيفية نطق يا بن الغمراوي وأثرها في السياق أمر واضح الدلالة لاستقطار السياق وصبه في نسبته إلى الغمراوي ، دون عبد المنعم ذاته ، تبئيرا على المنبع الغمراوي الذي ينبغي أن يدفع في اتجاه المصب عبد المنعم .
وإذا كانت خبرة الكاتب في سبر أسرار النفس قد بدا مقتطف منها في الحوار السابق ، فهي أيضا قد تبدت في السرد ، ولننظر ذلك مثلا ، ص 136 :
” وبدأنا نلتقي في شقة خالتها ، وكانت عانسا طيبا تقيم بمفردها ، وقد حاولت في الأيام الأولى أن تفرض نوعا من الرقابة علينا فكانت تجلس معنا بينما نذاكر المواد الأولية لكلية الآداب أو تكلفنا بإنجاز بعض الأعمال المنزلية ، لكنها ما لبثت أن عدلت ، تدخل غرفتها وتغلق الباب خلفها ” .
يجد القارئ أن التحول الذي تم في موقف الخالة بعد محاورة طويلة مع الحبيبة تم – تنقلا – بين الألفاظ التالية : نوعا من الرقابة – ما لبثت أن عدلت – تغلق الباب خلفها ، قد تم دون سوق أسباب مقنعة في السرد من قبل الكاتب ، ولكنه اعتمد رصيد النفس الإنسانية من الفهم لمثل هذا الموقف .
أيضا مما لحظت بهذا المعنى وأود تسجيله ، هو خفة دم السرد الروائي ، ولا أقول محاولة فعل ذلك عن عمد ، إذ تنبني الأحداث كما يشاء لها السرد ، لا كما يشاء لها الكاتب ، بدلالات تحكمها نظرية السياق ، ولننظر في الحوار الفاكه ص 35 :
” – أعترف بأن دموعي شحيحة فقد استنفدتها تقريبا في الطفولة !
– ولكنك كنت ما تزال غضا عندما عرفت نبوية الخادمة فلماذا لم تبك في ذلك اليوم ؟!
– وكيف كان يمكنني البكاء وجسدي غير نظيف ؟! بل لقد كنت أصغر من أن تكون لي روح “
وفي المحور الثاني ذي الدلالة السلبية لا نحب أن نلفت نظر الروائي إلا إلى نقطتين :
الأولى ، وتتمثل في أنني شعرت وأنا أقرأ الرواية أن ربة الحكي كانت قد حكمت على الروائي حكما أبديا بعدم الكتابة ، ثم فجأة تفضلت عليه ومنحته حق كتابة رواية وحيدة ، مثل التي بين أيدينا الآن ، فما كان من الروائي إلا أن وضع خبرته وعلمه وتاريخه وثقافته وحياته جميعا في هذه الرواية بطرق عدة أتعبته كثيرا .
والزعم لنا أن ثمة خيوطا في هذه الرواية تصلح لكتابة روايات عدة ، وإن كان التيار المهيمن في الرواية هو تيار الوعي ، فضلا عن التيار الفانتازي Fantasy ، فإن الكاتب – والعيب في ربة الحكي – حشد بجوار هذين التيارين تيارات أخرى من الواقعية السحرية واللامعقول والرومانسية وطريقة الرسائل والسرد التقليدي والمونولوج الداخلي ومعطيات الحلم .
والأمنية على الكاتب إذا سمحت ربة الحكي – في إقامة عالمه الروائي القادم على خيط روائي وتقنية غير متصفة بالتجميع على عادة مصانعنا الإلكترونية .
والنقطة الثانية ، ويمثلها سؤال للكاتب يتعلق بنظرية السياق الروائي : كيف تأتى له إقامة حوار أو ” قعدة عرب ” بين الحبيب والزوج بعدما حاول الثاني قتل الأول مباشرة وفي التو واللحظة أم أن هذا أيضا من باب المجاز الذي تكلم عنه أبو العلاء المعري ؟!





