مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

شخصنة الجسد ولعبة التماهي في «ذهب أجسادهن» لـ عائشة بلحاج

A woman wearing a headscarf and a blazer stands next to a stack of books with Arabic titles on a light background.

منير الإدريسي 150x150 1

«ذهب أجسادهن» هو العمل الشعري الرابع للشاعرة المغربية عائشة بلحاج، صدر ضمن سلسلة إشراقات عن دار كتب. وهي السلسلة التي يشرف عليها الشاعر أدونيس. مقدماً أسماء تشكل جغرافيا الشعر الراهن بأسئلته الخاصة، ومناخاته المختلفة.
من أول جملة من هذه المجموعة الشعرية، نتساءل إن كنا بصدد قراءة شِعر اعترافي، يلمسُ اسم الشاعرة وحياتها؟ وبغض النظر عن هذا التصنيف الذي يبدو انطباعا من الوهلة الأولى، فإن مدخل الصدق يأتي من باب هذه الكتابة، التي تكوننا كبصمة عيوننا ونبرة صوتنا. وفي الشعر أن تكون لغتك، يشترط أولا أن تكتب بجسدك.
تنأى بلحاج عن إيقاعات المفردات المكررة في النص الأدبي، ليقول جسدها نصه الخاص بلغة تقلده كالظل. وبوعي كافٍ لهذه الفكرة، تصدر الشاعرة كتابها الشعري بإشارة لافتة، هي مقولة لرولان بارت: «ما تخفيه لغتي يقوله جسدي».
ثمة ما يقوله الجسد على طول 125 صفحة، ونحن نصغي إلى هذا التوتر في تعبيره، نتعرف على جسد مضاعف، من تماهي أجساد أخرى. ليس جسدا واحدا، بل أجساد يخصصها الضمير هُن العائد على نساء غائبات حاضرات. وكأننا أمام لعبة للإيهام البصري ما إن نحدد الشكل المدرك حتى نجده اختفى في نسق آخر. ولدعم هذا التماهي يختفي في نسيج النص أحيانا ضمير المتكلم، ثم يعلن عن نفسه في السطور الأخيرة. وقد يأتي في صيغة المخاطب، وكذلك في صيغة الجمع.
تختفي الشاعرة خلف «نا» المفعول به، وتقابلها أحياناً أخرى بشكل موازٍ بضميرها المتكلم. من نص إلى آخر قد تصادفنا هذه الحركة المتقلبة، كما لو أن أكثر من يد تكتب، يد تتردد وتتوقف، لتستمر أخرى في خط تعبيراتها الخاصة، مما يمليه عليها الهاجس. سطر يضمر آخر، فكرة تنبثقُ من فكرة ككرة تنقذف إلى الجهة الأخرى لتدور بشكل مختلف. يتوافق هذا التركيب مع ذاك التماهي الذي تحدثنا عنه.
يندفع إذن هذا الجسد المتعدد إلى حيز البياض، معبراً عن ثقل انتمائه إلى «هُن». قلقهن ومسراتهن، في لعبة انكشافٍ جارحة، توبخُ نظرة المجتمع الذكورية. وقد تجد في الطوق الذي يحاط به الجسد الفاتن قيداً يهوي به إلى سجن تلك الفكرة. وكأن هدف الشاعرة في مساحة القول هذه، هو أن تجعل من كل سطر في القصيدة مرآة للندوب.

جواز سفر خارج فخ التناسل الخصب/ لامرأة تبتلع حبة elle one/ إذا انفتحت للحظة/ لأبواب ركبتيها/ وركضت مياهها على الأرض الهائجة./ حبة واحدة تغلق الباب/ أمام الأرواح غير المدعوة./ ها هي ندبة من اللاتي يقتسمن/ خفية قلبي/ تظهر في النور (قصيدة: أنا أختهن الآن).
تختفي الذات أو تنصهر مع ذوات تشبهها، لا تكون فرداً بقدر ما تكون كل واحدة أخرى. إنها تحمل وجوههن وندوبهن أيضا. تتكرر هذه الصورة لدى بلحاج، في ثنيات نصوصها، وتظهر في عناوينها أيضا. إنها كاللازمة التي تذكرنا بشيء مختلف هنا، يمكن اعتباره هاجساً يجعل من المسألة تلك، قضية مهيمنة.
تلمح الشاعرة إلى قضيتها بشكل ملطف، قضية نساء مضطهدات، منتهكات بالنظرة الذكورية، التي تحصرهن في هذا الجسد، رغما عنهن يحملن هذا الثقل، الذي يكبلهن. تقلب الشاعرة صورة البورتريه التي رسمتها تلك النظرة حتى توبخها: «في عري الأجساد/ نسخٌ لا يفتتن بها الرجال/ أثداء من ألم/ تلتقط الأشعة صورها/ أكثر مما تفعله مجلة بلاي بوي/ هن بنات الألم/ وأنا أختهن الآن». (قصيدة: أنا أختهن الآن).
تحمل بلحاج قضيتها هذه إلى مختبر القصيدة، بجملٍ قصيرة، مقطرة. مندفعة أحيانا إلى حدود النثر الصارم، العابس والمتوتر، بلا بلاغة، إذ تنعدم البلاغة حين نريد أن نلمس بشرة الإحساس الرهيفة، وترك أثر انتباهٍ هنا أو هناك، وبذلك يصبح القول الشعري ممسوسا بجرح الواقعي.
تعري الشاعرة بذلك الألم، وتشرح اللذة، بمبضع من مفردات قاسية، وأعطاب كثيرة. لا يقرأ الجسد تفاصيله في تجربة النشوة، إلا والانتباه مشدود إلى الخارج، حالة من التوتر بين شد وتر الجسد إلى نغمة في الروح، وبين ارتخائه إلى نشاز مموسق. وأحيانا قد تصبح الحركة المتذبذبة فاقدة للجدوى، تدور في حلقة مفرغة مما يمنح إحساسا بالضياع.
بعنفوان الخيول/ نتضاجع/ أنا بندول/ يتقلب في ساعة معطلة/ أدس جسدي في البانيو الساخن/ أطفئ لهيبه الأبدي (قصيدة: أحاديث الجسد).
تنفتح مثل هذه الصورة الحسية في زمنها الحاضر على المرغوب المضطرب المشوش، بينما فعل «أدس» يأتي كاستفاقة أو انتباه يحيل كل فعل سبقه إلى مجرد فضاء متخيل، حتى يستبقي نفسه كفعل واقعي وحيد ومتحقق. فيغدو البانيو الساخن البديل الآمن والمسرب السري من نداء الجسد. وهو فعل انتكاسي قمعت به النساء رغباتهن منذ القديم، إذ يصبح للسطرين الأخيرين وقع تعبيري عن المرأة التي لم تبرح بعد صورة القهر القديمة.
تجمع بلحاج عبر قصائد المجموعة رموزاً، وإشارات وألفاظ تلتقطها من اليومي المعيش من «رحلات الترانزيت» إلى حشوة «الهيالورون» الفيلر التجميلي. تتشبع النصوص بالواقعي اليومي المنهك الذي يبدو أنه يقف على الضد من رغبة الإنسان في أن يكون حراً، بل يستهلكه، لكن وقع ذلك على الأنثى يبدو أكثر ثقلاً، حيث تصبح العواطف نفسها لعبة في عالم استهلاكي مادي لا روح فيه.
شكرا أيها الحب/ بذهابك استفاق قلبي/ حافيا ترعبه الظلال/ كفيلم لوودي آلن/ تثرثر الكلمات داخل رأسي./ كأبطاله الحائرين/ أدور حول نفسي/ كمن يقف خلف زجاجٍ/ أضغط أصابعي/ على كف ارتفعت من الجانب الآخر للعالم كأني أودع نفسي.
أهمية تعبير كهذا، تكمن في تداخل الصور الحسية مع الإيماءات الرمزية مثل، الكف التي ترتفع من الجانب الآخر كمسافة نفسية بين الذات وذاتها. الإشارة المباشرة إلى أفلام «وودي آلن» التي تسلط الضوء على مواضيع مثل، القلق الوجودي، العلاقات الإنسانية المعقدة، والصراع الداخلي، الحب والفشل، بالإضافة إلى النقد الاجتماعي من خلال تساؤلات فلسفية تمنح النص مساحة تأويلية وجمالية أكبر؛ لكنها تنغلق أمام قارئ لم يسبق له أن جلس في صالة مظلمة، أم تلك المشاهد الضوئية التي تتكشفُ أخرى في حروف القصيدة، جاعلة من الشاعرة نسخة عن شخصيات الفيلم الحائرة. هذا الاستيلابُ حيث يمكن وضع الذات خارج نفسها كنسخة عن دمى مكررة، تقف أمامه صاحبة «لا أعرف هذه المرأة» بمسافة، لتتساءل عن هذه المرأة مجدداً، بصيغة الجمع ما أمكن. لتدين، وتسخر سخرية باردة، في هدوء يكسرُ ويُؤلم أكثر مما قد تفعله الصرخة. إن الجسد الذي تريد بلحاج أن تعبر عنه في هذه المجموعة هو جسد مشخصن، مغيب في كينونته. وهو غياب يثقل وينهك. يظل الصوت وحدهُ، صوت الشاعرة، صافيا، بريئا كسؤال بريء، وسط تشوش العالم بالحركة والأفكار والأحكام وبتلك الخطوات العديدة التي تسقط بعماء للحاق بما لا يدرك في مسار تيه منظم.

* شاعر وكاتب من المغرب

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading