تقنيات السرد في رواية حقول طالبان لعبد العزيز السليم – د. سعيد شوقي

أستاذ الأدب والنقد الحديث بكلية الآداب جامعة المنوفية
هذه رواية مشكلة ؛ مشكلة في إحالات مضمونها الواقعي ، مشكلة في مضمونها الفني ، مشكلة في شكلها النصي ، مشكلة في انطباق شكلها النصي مع مضمونها المرجعي .
ولا أحب لنفسي أن أتدخل في الواقع المرجعي الذي تحيل إليه الرواية ، كأن أناقش ما ورد في الرواية من إشكالات تربوية ، أو دينية ، أو وطنية ، أو عرفية ، وأترك هذه المناقشات إلى أهل مكة ، فأهل مكة أدرى بشعابها ؛ وأتخيل نفسي إنني إذا فعلت ذلك ، أكون كمن يزايد ، على الأهلين ، وهم ما هم ، من الحس التربوي والديني والوطني والعرفي ، لذا أترك مشاكل الرواية المضمونية ، وأتوجه مباشرة إلى مناقشة إشكالات الرواية الفنية .
على أنني أحب أن أشير هنا إلى نقطة في غاية الأهمية ، بالنسبة لما هو منذور مستقبلا أمام الكاتب من مناقشات مضمونية تضع نصه بين الصواب والخطأ المرجعيين ، وهي أن ثمة فارقا – قد عرف في ضمير النقد الأدبي واستقر – بين الروائي والمؤرخ . فالكاتب – لمن ينذر مقارعته مضمونيا في المستقبل – ليس مؤرخا للواقع المرجعي ، وإنما هو روائي ، ونصه مكتوب عليه رواية ، وليس كتاب تاريخ ، فحقوله إذن ليست حقول التربية في بلده ، وإنما هي حقول الكاتب نفسه ، وما هو موجود في نصه ليس واقعا مرجعيا حقيقيا ، وإنما هو واقع فني ، ولتبيين الفارق مضطر لضرب مثل ، لو وجدنا كتابا مكتوبا عليه : عنترة بن شداد ، ومصفوفا في المكتبة في كتب التاريخ ، وكتابا مكتوبا عليه ، عنترة بن شداد ، رواية ، هنا ، يمكن لنا أن نراجع كاتبه في الحالة الأولى ، حالة التاريخ ، بين الصواب والخطأ ، أما في الحالة الثانية ، فكيف نراجع كاتبه بين الصواب والخطأ ، وهو يكتب عليه رواية ، إنه حر في أن يرى شخصية عنترة كما يشاء ، فقد يراه بطلا صنديدا ، وقد يراه انتهازيا ، وقد يراه عبدا خالصا ، وقد يراه حرا أصيلا ، حسب ما يود فعله في رؤيته ، أما في التاريخ الحقيقي ، فعنترة واضح وضوحه بين الصواب والخطأ . ولتأكيد التفريق مضطر أيضا لضرب مثل أخير ، لو فرضا أن ثمة جبلا ، وأنني أود بناء بيت من هذا الجبل ، بمعنى أني لا أود أن أستعين بمواد من غيره ، إلا خيالي طبعا ، ولو فرضنا أنني نجحت بالخيال في فعل ذلك – وحتما سأنجح – استغللت ترابه ، ومياهه الهابطة مع المطر ، وخشب شجره ، وألوان رمله ، وقمت ببناء بيت جميل رائع ، هل يشك ناظر إلى البيت أن البيت شيء والجبل شيء آخر ؟ رغم أن مادة البيت من الجبل ، ومادة الجبل من البيت ، هذا بالضبط ما يصنعه الروائي هنا ، والأديب عموما ، الجبل هنا هو الواقع المرجعي للتعليم ، والبيت هنا هو رواية حقول طالبان ، من الواقع المرجعي التعليمي ، أخذ عبد العزيز السليم ، حدثا من هنا ، وشخصية من هناك ، ومكانا من هنالك ، وصنع روايته ، لا تحيل روايته إذن على الواقع المرجعي ، ولا يحيل الواقع المرجعي عليها ، فهي عمل تخيلي ، لا يحيل إلا على نفسه ، حتى وإن تمت مقارنته بالواقع . نحن إذن نبرأ الواقع من روايته ، ونبعد روايته عن مماثلة الواقع .
تعالوا إذن ننظر في رواية الكاتب الذي صنعها خياله من شذرات هنا وهناك وهنالك من الجبل السعودي التربوي ، لنر جماليات بناء روايته الفني .
وقبل أن أبدأ في مناقشة جماليات بناء الرواية ، أود أن أستعرض بصفة عامة الجماليات التي تنهض عليها الروايات ، في المشهد الروائي العربي ، لكي نضع رواية كاتبنا في موضعها الدقيق من هذه الجماليات . ولقد توزعت هذه الجماليات في الاتجاهات الآتية : الاتجاه التقليدي – اتجاه تعدد الأصوات – اتجاه الرمز – اتجاه شعرية القص – اتجاه الشكل السريالي – اتجاه تيار الوعي – اتجاه الواقعية السحرية – اتجاه توظـيف التراث – اتجاه الكتابة عبر النوعية .
والملاحظ من هذه الاتجاهات ، أن الاتجاه التقليدي يقف بمفرده – أقلية – في مواجهة بقية – أغلبية – الاتجاهات الأخرى ، التي تنعت أيضا بالحداثية ، ومن ثم ينبثق – بالنعت الجديد – الفارق بين رؤيتين مغايرتين تماما من رؤى القص : الرؤية التقليدية ، والرؤية الحداثية .
وربما يكون في تفريق ( البيرس ) بين الرؤيتين مدخلا مختزلا جيدا لفهم طبيعة الفارق بينهما ، إذ يرى أن الرؤية الحداثية تقتضي تكنيكا قائما على البحث أكثر منه على التوكيد ، على الاستفهام أكثر منه على اليقين الوصفي ( ر . م . البيرس : الاتجاهات الأدبية في القرن العشرين ، ترجمة : جورج طرابيشي ، منشورات عويدات ، بيروت ، طبعة أولى ، يونيو 1965م ، ص 31-32 )ويعنى ذلك بلا ريب أن يقف : التوكيد / اليقين وجها لوجه ضد : البحث / الاستفهام ، وشتان بين رؤية تثبت النوع المستقر القار من خلال ما عرف في ضمير النقد الأدبي بمصطلح القص التقليدي كنوع أدبي متعارف عليه ، ورؤية تفجر المتفجر ذاته بوصفه نصا لا ينتمي لأي نوع أدبي سابق ” في صيغة جديدة تجاوز – على كل المستويات البنائية – الأشكال المستقرة ، أو التي فرضت نفسها على الواقع الأدبي ، ففي مثل هذه البنية بصفة عامة ، تذوب الحدود بين الأجناس الأدبية ، إذ يتدخل في النسيج القصصي ، الخبر ، والحكاية ، والخرافة ، والقصة ، والحكمة ، والمثل ، والأقصوصة ، والسيرة ، والمقال ، والشعر ، والحوار المسرحي ( د. ثناء أنس الوجود : بنية الحداثة في قصص محمد مستجاب القصيرة ، مجلة فصول ، القاهرة ، المجلد الثامن ، العدد 1، 2 ، مايو 1989 ، ص 174) .
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه – هنا – بعد هذا العرض الموجز جدا لرؤيتي نوعي اتجاهات النقد القصصي الحديث ، هو : أين تدرج رواية ( حقول طالبان ) لعبد العزيز السليم من هذه الاتجاهات ؟ هل تنتسب إلى النوع الأول التقليدي أم الثاني الحداثي بكل تفريعاته ؟
ذلك لأننا نؤمن بقراءة النصوص الأدبية عبر الأنواع الأدبية التي استقر عليها النقد المعاصر لها أو السالف عليها أو ربما المنذور لها مستقبلا ؛ رغبة في استكناه طبيعة تقنيات النوع عبر السلف أو المعاصرة أو المستقبل ، لأن ما يسبب اللبس في قراءة بعض النصوص النوعية ، هو عدم فهم طبيعة النوع المكتوبة به هذه الأنواع ، لذا يصعب على قارئ ينتصر لنوع معين أن يتفهم نوعا آخر .
وقد لا يخالفنا الصواب أن نصرح إجمالا – ومبكرا – أن رواية ( حقول طالبان ) لعبد العزيز السليم لا تخرج – في مجملها – عن اتجاه الرؤية التقليدية في القص ، رغم وجود كثير من التمفصلات البنيوية البارزة مع الاتجاهات الحداثية الأخرى كما سنبين .
وقبل أن أبدأ في عرض كيفية تعامل الكاتب مع الرؤية التقليدية وما تمفصل معها من اتجاهات حداثية ، بطريقة قد يبين معها كثير من الأحكام السلبية على السرد ، أود بداية أن أبين صراحة ما اتسم به السارد والرواية من إيجابيات عامة ، وخاصة .
فأما ما كان له من إيجابيات عامة في الرواية فهي :
1- يحمد للكاتب أنه كتب رواية بهذا الحجم 445 صفحة ، ساردا وواصفا ومحاورا وراصدا ، ومحللا وكاشفا ، ومستقيا لأشياء من الواقع ، ومن التاريخ ، ومن الأدب ، ومن الفن ؛ ليقيم بناءه الخيالي بصبر النمل ، وبعمل الجنود ، مهتما بكل صغيرة وكبيرة ، كاتبا كل صفحة وكأنه لن يكتب غيرها ، جدية وإتماما للعمل حتى آخر كلمة في الرواية .
2- يحمد للكاتب أنه كتب عن حقل يعرفه ، ولم يذهب إلى مناطق لا يعرفها ليكتب عنها ، ومن ثم فهو ينطلق من صدق واقعي ، وهو الصدق الذي يبين انطلاق السارد من خبرة حقيقية ، ولكن هل كان صدقه الواقعي يتفق مع صدقه الفني ، هذا ما سيبين من القراءة . والصدق الفني هو الذي يقنع القارئ بما يكتب .
3- يحمد للكاتب أنه دخل مضمار الرواية في سن مبكر ، مما يبين أننا سننتظر منه الكثير من الأعمال الأكثر نضجا وتمكنا ، فالحق أن الرواية العظيمة تتأخر لما بعد الأربعين ، لأنها بنت الخبرة ، فالروائي الذي يقيم مجتمعا روائيا لا بد أن يكون خبيرا بالتاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلوم كثيرة ، على عكس الشعر ، الذي لا يحتاج إلا إلى عاطفة مشبوبة ؛ لذا يمكن أن يبدأ نتاجه في سن مبكر جدا .
4- يحمد للكاتب مقدرته الممتازة على التعبير الفني ، أو الكتابة الفنية ، وتقليب الحروف والكلمات والجمل بطريقة فائقة ، أدهشتني ، للدرجة التي أستطيع بها أن أبين مبكرا أن إخلاصه لكتابته الفنية أثرت ولا شك على كتابته السردية .
5- يحمد للكاتب أيضا ثقافته الواسعة التي اتضحت من روايته ، فكما يبين نحن أمام قارئ نهم قبل أن يصير كاتبا ، على الرغم من أن ثقافته الواسعة عملت ضده في كثير من مناطق الرواية كما سيبين .
6- يحمد للكاتب تعريفه بخبرات تربوية مختلفة في التعامل مع طلاب الثانوي ، منها ما هو صالح يحتذى ومنها ما هو طالح ينبذ .
7- أسجل هنا تسجيلا أن للكاتب جرأة واضحة ، قد تحسب عليه في مكان ما ، في زمن ما ، عند قارئ ما ، جرأة في استخدام اللغة ، وفي بناء الشكل ، وفي مقاربة الموروث ، وفي معانقة المعاصرة .
وأما ما كان من إيجابيات خاصة في الرواية ، فهي :
1- بدايته الرواية بتنكير جميل ، شوق القارئ لما يمكن أن يأتي بعد مع توظيف جميل يحيل على تراث .
2- وصفه للمكان في بعض الأحيان بطريقة تتفق ونفسية الشخوص .
3- عند الكاتب لمحات نفسية جميلة .
4- عند الكاتب صياغات مقتنصة لمعان عابرة لا يلتفت إليها كثيرون .
5- عند الكاتب وقفات إنسانية من أجمل الوقفات الإنسانية صدقا .
6- تقديمه لحيل سردية جديدة ، عندما قدم أحد شخوصه كلاما أعجب المستمعين ، ثم عاد ونفاه ، ومثل الحوار الموازي المحايث في المناظرة التي عقدت بين العسجد والظهيري ، رغم تسجيلي سلبية عليها ، تتضح بعد .
7- نقله للعلاقة الشاذة المغلظ تحريمها ، بذكاء شديد ، وبتلميح راق ، وبترميز إشاري ، بعيدا عن الوضوح والمباشرة المحرجة ، الأمر الذي فلت منه عندما نقل مقتطفات من كتب تراثية في مواضع أخرى ، ربما نسائله عليها فنيا فيما بعد .
8- نقله للصراع بين القوى المتضادة ، العسجد ، والظهيري ، بأمانة ، أعطت لكل فرد منهما مساحته كاملة في الرد والشرح وضرب الأمثلة ، مع تسجيلنا لملاحظة سلبية على هذا الطرح في حينها .
9- إنهائه الرواية بالطريقة التي انتهت بها ، وهي نهاية مرعبة ، رغم أنها أنسب جزاء لمثل هذه المدرسة المتخيلة .
10- تغييبه شخصيتي الإثارة من المشهد الأخير : العسجد والظهيري ، مما يبين خير تبيين خطورة التنظير قياسا على الممارسة .
نبدأ بعرض الرؤية التقليدية في القص ، بعد ذلك نبين ما تمفصل معها من اتجاهات حداثية.
أولا – الرؤية التقليدية في القص :
يعد سوق هذا السرد هو السوق المهيمن في رواية حقول طالبان كما أشرنا ، فلقد قدم الكاتب جل مشروعه الروائي عبرها ، والشكل التقليدي في هذا السرد يتسم عادة بأنه سرد ” يحكي قصة تتألف من أفعال وأحداث تحدث في الزمن القصصي ، شريطة أن يكون كل فعل أو حدث قادرا على أن يدخل في علاقات محددة مع غيره من الأفعال والأحداث ، وأن يكون مميزا في حد ذاته ، كأن يكون سببا لمسبب ، أو يكون بداية لظهور عقبة في طريق البطل ، أو أن يمثل نقطة تحول في الرواية ، وهذا ما درجنا على تسميته بحبكة القص ، وهذه الحبكة هي التي تشد القارئ لأن يتابع أحداث القصة ، وأن يتحرك مع حركة القص بدافع التحقق من حدوث ما توقع ، حتى ينتهي من المحتوى الكلي للرواية إلى تمثل المغزى ، وهذا الشكل يتحقق عندما يكون الكاتب قادرا على التغلغل في أحداث الحياة وتفاعلاتها ، وعلى محاكاة هذا الواقع أو تمثيله ، وعندئذ يقف القاص بقصته على مقربة من الواقع ، بحيث تتولد عند القارئ مباشرة عملية التبادل الإدراكي ، تارة من داخل النص إلى خارجه ، وتارة أخرى من خارج النص إلى داخله ، ومعنى هذا أن الشكل الروائي لم يكن يتولد إلا نتيجة الصراع داخل الذات بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون ، ومعنى هذا كذلك أنه يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع وتنظيمه ، ومهما تكن درجة تكثيف الواقع في القص ، ومهما تكن طريقة توجيه العلاقات فيه بين الإنسان والأشياء ، وبينه وبين الآخر ، فإن الشخوص ترسم فيه على أنها ممثلة للواقع ، كما أن الأحداث والأفعال تختار وتنظم على أساس محاكاتها لما يحدث في الواقع ، وذلك بهدف نقد هذا الواقع ، وإبراز ما يختفي تحت السطح ، من عوامل خفية ، تعد المسئول الأول عما يظهر على السطح من صراعات ومتناقضات ، وإلى هذا الحد كان الكاتب يوجه النص وفق أيديولوجيته ، إذا اصطلحنا على أن نفهم الأيديولوجية في الإطار الأدبي على أنها علاقة بالحياة حقيقية ووهمية في الوقت نفسه ، ذلك أن العمل الأدبي وإن يكن مرتبطا كل الارتباط بالحياة ، لا يتكون إلا من خلال تشكيل متخيل وعلاقات متخيلة ” ( د. نبيلة إبراهيم : قص الحداثة ، مجلة فصول ، القاهرة ، المجلد السادس ، العدد الرابع ، يوليه / أغسطس / سبتمبر 1986م ، ص 96 ) .
ولقد اجتهد الكاتب تماما في تقديم سرده عبر ما سبق ذكره من سمات لهذا الشكل كما أشرنا ، لكن ثمة ملاحظات تبتعد بالشكل أن يكون خالصا لوجه نوعه التقليدي ، وهي :
1- إن شريطة أن يكون كل فعل أو حدث في رواية الكاتب قادرا على أن يدخل في علاقات محددة مع غيره من الأفعال والأحداث ؛ لا تتوفر في جل سرد الكاتب.
2- إن شريطة أن يكون كل حدث متميز عن غيرة غير موجودة إلى حد كبير .
3- إن شريطة أن يكون كل حدث مسببا للآخر ؛ بالطريقة التي تؤدي إلى حبكة روائية ، لا تتوفر في جل سرد الكاتب .
4- بغياب الحبكة إلى حد بعيد اختفى التشويق .
5- إن التحرك مع حركة القص بدافع التحقق من حدوث ما توقع القارئ ، أمر لم يحدث أبدا.
ولقد ترتب على خصم ما سبق من سمات من رصيد التقليدية ما يلي :
1- سيادة وحدة الجزء من الرواية ، على حساب وحدة كل أجزاء الرواية :
تكونت الرواية من ثلاثة وسبعين جزءا ، كان المفترض أن يرتبط – كما الرؤية التقليدية – كل وحدة جزء بوحدة الجزء الآخر ، وهكذا دواليك حتى نهاية الأجزاء ؛ لصناعة وحدة الرابط الكلي للرواية ؛ تماما مثل الأبيات الشعرية في القصيدة الحديثة ، ترتبط جميع وحدات أبياتها ببعض لتكوين ما يعرف في النقد الحديث بالوحدة العضوية للقصيدة . أما أن تتبدى الأجزاء في الأغلب الأعم بانفصال تام بين وحداتها ، تماما كما جل القصيدة القديمة التي كانت تعتمد وحدة البيت ، دون وجود وحدة عضوية في القصيدة ؛ فهذا ولا شك موضوع مساءلة نقدية تقليدية ؛ للدرجة التي تم فيها في بعض الأحيان الربط بين جزأين متجاورين دون الأجزاء الأخرى ، الأمر الذي جعلني أصوغ مصطلح التضمين بين الجزأين ، تماما كما هو مصطلح التضمين بين البيتين الشعريين في شعرنا القديم ، على أنني أعد التضمين هنا ميزة في الوقت الذي عد فيه عيبا فيما قدم من شعر .
والحق أن الفصل بين أجزاء الرواية استمر في القسم الأكبر من بداية الرواية حتى منتصفها ، ثم في بداية المنتصف الثاني ظهر بعض التضمين بين فصل وآخر ، وربما أكثر ، على أنه في نهاية الرواية زاد الرابط بين الأجزاء بشكل لافت ، تماما كما كان الفصل لافتا في بداية الرواية ، ويرجع ذلك أن الكاتب خرج من رؤيته التنظيرية السردية التي كان يقظا لها في بداية كتابة الرواية إلى ممارسته السردية الحية عندما سخنت أحداث الرواية في القسم الأخير .
وسوف يكون حديثي بالنسبة لأجزاء الرواية منصبا على المزج بين السرد داخل الجزء والسرد بين الأجزاء .
بدا السرد داخل الجزء مخلصا لمنهج لا يحيد عنه الكاتب قدر الإمكان ، ويتمثل في :
– ذكر اسم مدرس . – حالة المدرس وهو في طريقه للصف . – تحديد اسم الصف . – المدرس يسمع جلبة الطلبة قبل الدخول . – وصف المدرس ، وبالتحديد في : الشماغ – العقال – اللحية – الشارب – الوجه – المشية – الحجم . – دخول الفصل . – الوقوف أمام الطلبة .
– تهدئة الطلبة . – شتيمة الطلبة في داخله . – تيار وعي وهو في طريقه من مقعده إلى السبورة غالبا ما يكون ضد الطلبة . – الاهتمام بما يكتب على السبورة ، وغالبا يكون : التاريخ – اسم المادة – عنوان الدرس . – ما يكاد يبدأ الدرس حتى يسمع تعليقا ، غالبا ما يكون مفاجئا مباغتا . – يكون هذا التعليق مصدرا لإتمام الدرس من خلال الشتيمة غالبا أو النصح أحيانا أو إكمال الحصة نادرا . – الطلبة يضحكون أثناء الشرح ويعلقون مما يجعل المدرس يكثف الشتم أو النصح أو إتمام شرح الدرس . – ممكن حدوث شجار أثناء الحصة يجعل الأستاذ يجن . – شجار الطلبة غالبا خارج الدرس . – ثم يأتي الجرس ليكون حلا لإنهاء الصراع . – يخرج الأستاذ من الفصل فارا بجلده .
واستمر هذا الإخلاص نقيا خالصا طيلة الرواية مكتفيا بأستاذ واحد ، وبموقف واحد ، في كل جزء ؛ حتى تم للكاتب تقديم معظم نماذج شخوصه ومواقفه الروائية . حدث هذا تماما في الأجزاء من 1- 39 ، حتى كان الجزء الأربعون نجده يمزج بين أستاذين وموقفين ، وكان الإخلاص – تقليديا – لمنهجه يقتضي فصلهما في جزأين ، لكن ربما كان هذا الجزء بداية تطورية للمزج ببقية الأجزاء. من 41 – 45 بدأت الفصول تطول بعض الشيء ، لكنها ظلت على طريقة الفصل بين الأجزاء كما سبق ، بين 46-47 وجدنا رابطا كما التضمين في الشعر ، وظهر السرد متصلا بين جزأين ، هنا تطور الربط بين الأجزاء بعض الشيء . من 48- 49 عدنا كما سبق إلى الفصل بين الأجزاء . بين 50-51 وجدنا تضمينا أيضا بين جزأين مرة أخرى . من 52-59 عدنا كما كنا إلى الفصل . بين 60 و 61 و 62 و 63 و 64 و 65 وجدنا وحدة سردية أكبر من التضمين ، وسردا بين أجزاء عدة ، وأعتقد هنا أن ثمة خطأ سرديا تقليديا في الجزء 61 ، فلقد ذكر السارد تحديد في ص371 ، أن الأستاذ العسجد أسدل رأسه يستمع إلى ملخص المحاضرة ، معنى ذلك أن ملخص المحاضرة دائر أمامه يستمع إليه ، ثم نفاجأ بعد ستة سطور ، أن السارد يذكر ، أن المحاضر قال في فتور : إذن نلخص موضوع المحاضرة في عدة نقاط ، كيف تأتى ذلك سرديا . من 66 حتى نهاية الرواية تم تضمين بين بعض الأجزاء مع الفصل بين بعضها البعض ، سرد داخل الجزء ، وسرد بين جزأين ، وأعتقد أن الجزء 72 كان لا بد أن يأتي مباشرة بعد الجزء 69 ، وأعتقد هنا أن ثمة خطأ سرديا تقليديا أيضا ، فلقد قال الكاتب في 72 بأن العسجد خرج من حجرة الإدارة مع المشرفين بعد التحقيق معه ، فناداه هبل وأعطاه حصة انتظار ، فتتضجر العسجد لذلك ، فما كان من فايز الحسين إلا أن هدأ روعه ، كذلك كان الحال من رشيد المعزي والسمسمي ، وفي 69 يروى الموقف نفسه بعد الخروج مع المشرفين من حجرة الإدارة بعد التحقيق معه ؛ بأن العسجد بمجرد خروجه قابل المحرول وحكى له ما حدث مع المشرفين ، بعد ذلك حكى لفايز الحسين نفس ما حدث ، ولم تأت سيرة حصة الانتظار أبدا ، كيف تأتى ذلك فنيا ؟.
وبالمنهجية السابقة التي كسرت الرؤية التقليدية للقص ، بدا شكل السرد كما يلي :
1- بدت الأجزاء متوازية ، دون تقاطع ، ولعل أول تقاطع تم في الرواية عندما سأل المدير الملهي في ص51 : ما رأيك في العسجد ؟ .
2- بدت الأجزاء وكأنها حواريات في بعض الأجزاء ، أو حكايات من المدرسة في بعضها الآخر ، أو أشبه بيوميات تسجل ما يحدث كل يوم في المدرسة وكأن لا تقاطع بين الأيام ، رغم حتمية التقاطع ، أو اسكتشات شخصية أو نماذج بشرية أو أحاديث مراسل لقناة فضائية ، من ثم بدا وكأن الأجدى للرواية أن تتحول إلى مجموعة من القصص القصيرة لأن التقاطع بين كل الحكايات غير روائي .
3- عندما يذكر الكاتب الشخوص يكرر ذكر عملها في المدرسة ؛ لأنه يكتبها منفصلة ، أو يكتبها شارحا مثل : أما الأستاذ عماش المطر – محضر المختبر – يقرقع في أواني المختبر .. ص275 .
4- أصبح لا يوجد تشويق في القصة ، فلقد أهل القارئ نفسه ، في كل جزء أن يقرأ تقديما لمدرس في موقف تعليمي أو لمدرسين ، يتم وصف المدرس أو المدرسين فيه جيدا ، وجها وشاربا ولحية وشماغا وعقالا وجلبابا وحذاء ، للدرجة التي أصبح فيه القارئ خبيرا في الشماغ والعقال والنعل الزبيري ، ثم يجري كلاما من عقل السارد على لسانه أو لسانيهما ، وينتهي الموقف ، دون تقاطع مع أجزاء أخرى .
5- ظهور تلخيصات كل فترة لما حدث من أحداث غير مربوطة ، وكأنها ملخصات دراسية لشخصيات تاريخية في أهم صفاتها ، أو استراحة بين الفصول كما المسرحية ، ولو كانت الأجزاء مضمومة مع بعضها البعض ، لما ظهرت الحاجة لهذه الملخصات ، من مثل الجزء 35 ، 48 ، إلخ .
6- صياغة حكم وكأنها بيت القصة / بيت القصيد ، تأتي على لسان الشخوص محملة من السارد ، وكأنها تلخيص التلخيص ، مثل : – عندما تتحول المدرسة إلى بعد واحد فهي ليست بذات رسالة ، ص 249 – إننا في بلد محافظ ، لنا عادتنا وتقاليدنا وقيمنا ، ولا يمكن أن نسمح جميعا واحدا واحدا ، بتلك الترهات والسخافات أن تتسلل إلى نفوس أبنائنا وعقولهم الغضة ، ص 225 – المادة الرصينة لا تقدم من خلال شخص تافه ، ص36 – أصلح المعلم .. أصلح معلم المعلم ، ص97 .
2- سيادة صوت الكاتب على صوت الشخوص :
السارد بصفة عامة كما تواتر في الرؤية التقليدية ، ليس شخصية روائية ، إنه الشخص الضمني الخفي الذي ينقل الأحداث ويصور الشخوص ويبين المكان والزمن ويشكل شكل السرد ، دون أن نشعر بوجوده ، السارد مثل كاميرا السينما أو التلفاز ينقل المشهد كما يحدث بطريقة لا تشعرنا بوجودها . أما إذا أراد السارد أن يجعلنا نشعر بوجوده حقيقة في الرواية ، فلابد أن يجعل نفسه شخصية داخل القص ، حتى يكون وجوده مسوغا ، أما أن يوجد بلا داع فالأمر مربك لبناء القصة التقليدي . تخيل فيلما يصور بكاميرا ، والمصور يعلق على الأحداث وهي تحدث ، دون أن يكون شخصية في الفيلم ، إن ذلك لو حدث فسيكون تدميرا للفيلم ما بعده تدمير . وهذا ما صنعه السارد في هذه الرواية . فلقد وجد في الرواية أيما وجود دون مسوغ فني ؛ كأن يكون شخصية من شخصياتها كما أشرنا ، ولو جعل نفسه شخصية ، لتقبلنا وجوده في السرد طبيعيا .
ولقد ترتب على وجود السارد في نصه ، ما يلي :
أ- أن السرد بضمير الغائب ، الذي يجعل مسافة بين السارد والموضوع ، فقد مسوغ وجوده في كثير من أماكن الرواية ، وبدا وكأنه سرد لا ينتمي لمعناه ، حين جعله السارد وكأنه السرد بضمير المتكلم ، الذي يجعل السارد أكثر حميمة بموضوعه في مواضع يستحيل تواجد الحميمة فيها .
ب- أن السارد تحول بوجود السارد في نصه إلى سارد عليم بكل شيء ، سرد لا يترك صغيرة ولا كبيرة عن شخوصه وعن أفعالهم في المدرسة وخارجها إلا أحصاها وعرفها معرفة تفصيلية ، ومن ثم بدت شخوصه غير معبرة عما تعرفه عن نفسها .
ج- أن السرد ابتعد عن الحيادية ، وبدا غير محايد منذ البداية ، وكأنه شخصية روائية لها سماتها الكارهة في النص الروائي .
ولكن كيف حدث ذلك ؟ حدث ذلك كما يلي :
1- ظهور الكاتب بشخصه في عنوان الرواية :
لم يرد المضاف إليه في عنوان الرواية ، وهو لفظ طالبان ، في متن الرواية أبدا ، ولا مرة ، مما يدل على أن عنوان الرواية ، عنوان تأويلي ، ليس عنوانا تفسيريا ، وفي تصوري ليس ثمة حتى رابط تأويلي بين تفاصيل الرواية وعنوانها ، فما فعله الطلبة شيء ، وما فعله المضاف إليه / طالبان ، في العنوان شيء آخر ، الكاتب استغل ما يحدث عالميا في اقتناص عنوان يمكن أن يروج للرواية ، عنوان الرواية نص آخر ، وليس نصا موازيا كعادة العناوين في الروايات ، كان وعيي يفتش عن المضاف إليه / طالبان ، في نصوص الرواية لكني لم أجده أبدا ، وربما أضر التفتيش هذا وعي قارئك عن متابعة جماليات روايتك ، وذلك كمن يفتش في غرفة ما عن شيء ما ، وبالتالي لن يلتفت إلى أي شيء آخر في الغرفة غير ما يفتش عنه ، لقد برمج عنوانك وعي قارئك على أن يفتش في الرواية على شيء ما ، وهذا جعله يهمل بقية الأشياء الأخرى في الرواية ، تماما كما تدرب الشرطة وعي كلابها على أن يبحثوا عن شيء ما ، فلا يستطع وعي هذه الكلاب أن يعثر على شيء آخر إذا وجدته ، فالكلاب المدربة على البحث عن مخدرات مثلا ، لا تستطيع إيجاد أسلحة ، لقد دربني عنوانك على البحث عن المضاف إليه / طالبان ، وربما أهملت بقية جماليات رواياتك وراء هذا المضاف إليه . لقد كانت أمامك فرصة عظيمة ليتم الربط بين نص الرواية وعنوانها ، فعندما اختفى مرواس الرسمي بعد ما يقرب من مئة صفحة ( اختفى ص 95 ) من السرد قلت آه لعله الآن في حضن المضاف إليه في عنوان روايتك ، وأهلت أفق تلقيي على ذلك لأتم مواءمة بين النص وعنوانه ، وتخيلت أن مرواس سوف يظهر في مكان ما من الرواية في التلفاز وهو يصدر بيانا ويمتشق رشاشا في وجه رهينة ما ، لكن تخطأ أفق توقعي ، وظل خاطئا في أن يفعل غيره مثل ذلك حتى النهاية ، فخرجت أفق توقعي من الرواية ، ككلب البوليس ليس معي ما طلب مني وليس معي شيء آخر . من هنا لقد أضر عنوانك بروايتك ضررا بالغا ، إنها ليست حقول المضاف إليه من عنوانك ، ولكنها حقول صنعها عبد العزيز السليم تأويلا لما لا يؤول . إنه عنوان إسقاطي لا يتفق مع طبيعة ما قدمه من قص تقليدي لا يطير بعيدا ، إن العناوين التأويلية تتفق خير اتفاق مع القص الرمزي وقصك غير ذاك.
2- ظهور الكاتب بشخصه في السرد :
وهذا يسهل ضبطه ؛ لأنه يروى أصلا بضمير الغائب ، والمفترض فيه أن يكون محايدا كما بينا ، ولقد تم ذلك عبر آليات عدة ، هي :
أ- ظهر في تعليق سردي غير محايد ، ورد ذلك في ص329.
ب- ظهر عندما فرض وعي غير سياقي على ذاكرة وعي سردي سياقي ، ورد هذا ، ص302.
ج- ظهر عندما فرض وعي غير سياقي على وعي سردي سياقي ، ورد هذا ، ص414.
د- ظهر عندما فرضت شخوص غير سياقية على سياق سردي ، ورد هذا ، ص440.
هـ- ظهر ذلك عندما احتفظ السارد بمعلومات سردية خاصة بالشخوص ، وفاجأ السرد بها في النهاية ، ورد ذلك ، ص 432.
و- ظهور ذلك عندما يظهر تلخيص للسرد ، ورد ذلك ، ص430 – ص330 – ص350-351. وكأنه مدرس يلخص الدرس ، والمفروض القصة تحكى دون مذاكرة .
ز- ظهور ذلك عندما يعاد تكرار السرد ، ورد ذلك ، ص434 – ص318 – ص322.
ح- ظهر ذلك بظهور تضاد بين مضامين السرد ، ورد ذلك ، ص432 – ص423 – ص408.
ط- ظهر ذلك بظهور سرد لا يتفق مع زمن تقديمه ، ورد ذلك ، ص 400 ، في حصة الأستاذ السمسمي.
ي- ظهر ذلك عند حضور الخطأ النحوي واللغوي :
نحوي :
– ” الغير مسئول ” ، ص313 .
– وهو يلتفت إلى الأستاذ بتحدي سافر ، ص347.
– قال العبسي وهو يمسك علبة بطرفا أصبعية ، ص103 .
لغوي :
– يلخس ، ص411 ، مادة لخس غير موجودة في قواميس اللغة .
– تقرقع ، ص39 ، مادة قرقع غير موجودة في قواميس اللغة .
– فزقح بوجهه ، ص84 : زقح القرد زقحا ، صوت ، الزقح : صوت القرد ، هل ينفع زقح بوجهه .
3- ظهور الكاتب بشخصه في الحوار :
وهذا يصعب ضبطه ، ولقد ظهر ذلك ، كما يلي :
أ- تحميل فهم الكاتب في إدارة حوار شخوصه في الأغلب الأعم ، مختصرا تلغرافيا ، في جمل قصيرة بأقل الألفاظ ، وكأنه كلام الربوت أو تلخيص للغة حوار سبق سماعه ، أو تعليق عليه عبر التعميم ؛ لدرجة أن سرد تقديم الحوار أطول من الحوار .
ولا شك أن هذا يؤدي فضلا عن ظهور الكاتب بشخصه في النص ؛ إلى إحساس القارئ بأن الحوار لا يسير طبيعيا كما شاء فن القص ، في مقولة : Effect de real ، الإيهام بما هو واقعي . ، ورد ذلك ، ص210.
ب- تقديم حوار ، وكأنه يدور بين أشخاص ، هي التي تعرف خلفيته ، ورد ذلك ، ص347-348.
ج- تحميل فكر الكاتب في توجيه إدارة حوار شخوصه ، ورد ذلك ، ص429- ص208-209.
د- تحميل فكر الكاتب على موقف حوار شخوصه ، وذلك فيما أسميته حوار التحايث المقابل المتوازي ، الذي ورد في الصفحات : 262 و 263 و 264 و 265 و 266 و268 . وتكررت أيضا ص320-321 .
هـ- تحميل فكره في حوار شخوصه ، وذلك لأن اللغة وعاء الفكر ، ولقد ظهر ذلك جليا في حديث كثير من الشخوص ، مثل ص323—325 . وسوف أذكر نص الحوار لطرافته :
– ” يسمونها بغير اسمها .. يقولون عنه ( نجم سينمائي ) وهو في حقيقته داعر ، زان ، سكير ، أو ( بطولة الفنان فلان ) وهو أجبن من النعامة الفتخاء ، أو يطلقون عليه ( سوبر ) من ألقاب اليهود والنصارى ، وأريد أن أسألكم بكل صراحة وصدق : لماذا لا يفصح هؤلاء الفنانون عن أسمائهم الحقيقية ؟! ألم تدركوا بأن أسماء الشهرة في التلفاز والمجلات هي أسماء مستعارة ؟! كبيرهم الذي علمهم السحر أم كلثوم ، اسمها الحقيقي : فاطمة إبراهيم البلتاجي ، وفيروز النصرانية : نهاد حداد ، وصباح النصرانية : جانيت فغالي ، ووديع الصافي النصراني : وديع فرنسيس ، وعبد الحليم حافظ : عبد الحليم شبانة .. كان عازف كمان ثانوي على آلة ( الأبوا ) وبالصدفة انتقل إلى الإذاعة فأصبح مغنيا ….. ، خذ بقية الطابور : لبلبة : نيوشكامانوك كوبليان ، هذا اسم شامبو أم دواء هاها هي هي .. ، إيمان : إليزابيث طوروس سركيسيان ، شريفة فاضل : فوقية محمد ندا ، ليلى طاهر : شرويت مصطفى فهمي ، بوسي : صافيناز محمد قدري ، إسعاد يونس : إسعاد حماد جمال الدين ، شرين : أشجان محمد السيد عزام ، معالي زايد : معالي عبد الله أحمد المنياوي ، عمر الشريف : ميشيل شلهوب ، نور الشريف : محمد جابر ، وجدي العربي : وجدان عبد البديع العربي ، أشرف عبد الغفور : عبد الغفور محمد الجواد ، سهير رمزي : سهير عبد السلام محمد نوح ، حنان شوقي : سيدة محمد أمين ، زيزي البدراوي : فردوس جميل ، شهيرة : عائشة محمد أحمد حمدي ، كريمة مختار : عطيات محمد البدري ، نجوى فؤاد : عواطف محمد عجمي ، مديحة يسري : غنيمة حبيب خليل ، نجلاء فتحي : فاطمة الزهراء حسين أحمد ، تحية كاريوكا : بدوية محمد كريم ، يسرا : سهير محمد نسيم ، أحمد رمزي : رمزي محمود بيومي ، هدى سلطان : بهيجة عبد العال ، نادية لطفي : بولا محمد شفيق ، ناريمان : توحيد أبو زيد محمد ، سناء جميل : ثريا يوسف عطا الله ، ليلى فهمي : ثناء محمد عبد الله ، حنان ترك : حنان حسين محمد ، رغدة : رغداء محمود نعناع ، سلوى خطاب : سلوى محمد مرسي ، سوسن بدر : سوزان أحمد بدر الدين ، نوال أبو الفتوح : سهير أبو الفتوح أبو الأنوار ،.. وائل كفوري : ميشيل خوري .. ” . أيضا ورد الرد ، ص325 .
و- تكبير الموضوع في الحوار ، ورد ذلك في صفحات كثيرة منها ، ص435.
4- ظهور الكاتب بشخصه في الوصف :
المفترض أن يقدم السارد وصفه كالكاميرا كما أشرنا ، وإذا أراد أن يكون غير ذلك ، لابد أن يعد نفسه شخصية روائية ، هي التي تسرد ، وحينئذ يمكن لها أن تتخذ موقفا من السرد ، كما بينا ، لكن السارد المحايد في القص التقليدي يظهر كما يلي :
أولا – حين يتم تقديم السرد في الرواية دفعة واحدة ، فمثلا في ص25 :
” الأستاذ فاروق اللهابي ، متوسط الطول ، برميلي الجسم ، ووجه حليق مدمج ككرة يلمع بالدهون والمكياج ، له شارب كتلة رمل منقسمة ، وشفتان تبين عن ثنايا متباعدة اصفرت مع الزمن والتدخين ، وحاجبان كثان ، وعينان واسعتان ذواتا رموش معقوفة تنفرجان عن حدقتين عسليتين ، وخيوط الأوعية الدموية ، يتربع على رأسه عقال غليظ كإطار العربة ، وشماغ يعكس الأضواء بفعل ” النشا ” ، وميزاب انتصب كحد الشفرة . توجه تلقاء الصف الثالث المتوسط ، ومناطق بارزة من جسمه تتدحرج ، يمشي مطمئنا ناتجا عن الشبع والثقة بمنهج مريح ، مدروس ، اتخذه دستورا في التعليم رآه الأصوب ، يتضوع العطر الرجالي من حوله ، يداعب مسبحته ، ويقلبها تاركا إياها تعلو في الهواء كرغيف الخبز فتسمع قرقعة خرزها من بعيد . دخل الصف كقنبلة ألقيت فجأة في مجلس ، مثيرة الهلع ، والصمت في آن ، واستطاع ان يلخس حركة بهلوانية متأخرة مما فتق من كوامن الشر والطغيان في نفسه فصرخ في هدوء ونشوة ” .
والسرد بهذه الطريقة يترتب عليه الآتي :
1- يوقف الحدث الروائي ، ومن ثم الصراع الروائي ، ومن ثم التدفق الحركي للرواية ، ناهيك على أن الرواية مفتقرة إلى حد كبير إلى هذه الصفات .
2- يبين حجم خبرة الكاتب بالتأليف القصصي ، فلا يمكن للسرد أن يوقف قصة من أجل أن يقدم لنا مذكرة تفسيرية بصفاتها ، حتى في قصص الشخصيات لا تكون الأمور بهذا الشكل .وإنما تقدم الصفات تناثرا مع حركة القص .
3- يبين أيضا مدى حيلة الروائي الوصفية ، فهو يقدم وصفه من خلال مفردات بعينها في الوصف ، أضحت محفوظة بالنسبة للقارئ : الوجه والشماغ والعقال واللحية والشارب والجسم واللباس والحذاء .
4- أنه لو حذف الوصف من الرواية ما حدثت مشكلة ، أما الوصف المتضافر مع الموقف فيصعب حذفه .
ثانيا – ويتمثل في أن الكاتب لم يهتم في الجزء الأول من القصة إلا بوصف الشخصيات ، بعد ذلك فلتت منه توصيفات للمدرسة والصف ، رغم أن المدرسة كانت محورا في العمل ، وكان ضروريا أن يكون وصفها مهيمنا ، خاصة مع كل حركة فيها ليكسر رتابة وضيق الحركات في حيز ضيق كالمدرسة .
ثالثا – أن بعض مواضع وصف المكان عند الكاتب اتسمت بصفة إشارية أو رومانسية ، وهي صفة تقدم الوصف لا كما يتضح في الواقع بالرؤية التقليدية ، ولكن كما يتضح في نفسية الكاتب ووجدانه وحسه ، وإن كان ذلك مستحسنا في أماكن قص غير تقليدية ، فهو في التقليدية موضع تساؤل ، انظر ص 35 :
” غرفة الإدارة تلك محط أنظار المتطفلين ، والباحثين عن الحقيقة ، بل غرفة محاكم تفتيش ، تصدر عنها القرارات بالغزو أو الاستقلال .. تتم فيها محاورات عن المدينة الفاضلة ، وتغلي فيها الأنباء مع الهمهمات مع التدليس والتلفيق ، تشرئب إليها الأعناق ، وتشخص إليها الأبصار كبيت ( جبلاوي نجيب محفوظ ) .. تمتلئ بالشجن والتناقض .. لحظات يولد فيها الإنسان محملا بعبء جميل أو قاتل أو مكان لتنفيذ حكم إعدام ، أو إصدار صك براءة . هي قبلة تولي الوجوه شطرها ، ومحراب يتبتل فيه المقهورون والمجاذيب وذوي العاهات . جميلة هي – الإدارة – بالأطر التي تشهد بالتفوق والإبداع والنجاح الذي تصنعه السواعد الفتية المتحمسة . يتضوع – أحيانا – فيها المسك والبخور في ظل ظليل صيفا ودفء ليالي العاشقين شتاء . قطعة أرض ذات بقاع مختلفة لكنها ليست كالبقاع ، بل صاج يقلب القلوب بإرادة خفية غير خاضعة لمقدمات ، بل يفور كبركان ، ويرتعش كالزلازل بلا شروط أو أعراض بائنة ” .
رابعا – أن وصف الكاتب في بعض الأحيان يكون وصف مفهوم وليس وصف ما صدق ، بمعنى أنه يجمع كل صفات الأنواع المشكلة للنوع ، وليس صفة فرد النوع الواحد ، من ذلك مثلا وصف اللوحات المثبتة على غرفة المرشد ، ولننظر :
” وراح يقلب وجهه ويقرأ لأول مرة اللوحات المثبتة على جدران غرفة المرشد : ( المرشد صمام أمان فلا تهمله واستشره ) ، ( مصاحبة رفقاء السوء لا يثير الشبه فحسب ، وإنما توقع في المهالك ) ، ( المرشد الطلابي يعمل لأجل مساعدتك فلا تتردد في استشارته ) ، (الصاحب ساحب ) ، ( ترك الجواب جواب ) ، ( كن قدوة لإخوتك وزملاءك ) ، ( لا تنظر إلى صغر الخطيئة ، ولكن انظر إلى عظم من عصيت ) ، ( الهمة طريق القمة ) ، ( اترك أثرا قبل الرحيل ) ، ( الخطأ تكرار الخطأ ) ، ( السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ) ، ( من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه ) ، ( أفضل أخلاق المؤمن العفو ) …
خامسا– وتتمثل فيما مارسه الكاتب من تشبيهات جزئية داخل الوصف ، فلقد اتسم التشبيه عنده بسمتين :
أ- أنه اكتفى بالمشابهات الشكلية الجزئية دون النفسية في الأغلب الأعم ، تماما كمآخذ العقاد على شوقي ، فليس غاية التشبيه أن تشبه شيئا أحمر بآخر أحمر لتقريب الصورة ، وإنما الهدف شكلي ونفسي وجمالي ، لا شك في ذلك ، فمثلا عندما يقول الكاتب التشبيهات التالية ، فإن الشبة الشكلي فقط هو المهيمن دون بعد جمالي أو نفسي :
– وهو يتلفت في شتى الاتجاهات كريش المروحة مستشرفا الأفق المسدود ، ص308.
– توجه الأستاذ العسجد إلى الصف الثاني الثانوي بخطوات ملؤها الثقة إلا من ألم خفي يؤذيه كشوكة صغيرة متغلغلة في كبده ، ص100 .
ب- أن جل تشبيهاته للطلبة استمدت من معجم الحيوان ، والدلالة واضحة : ولننظر فيما يلي:
– وأنتم تدركون أن الطلبة كالأغنام لا تمشي إلا براع ، ص219 – وهام على وجهه كالبهيمة ، ص255 – ينتقل كالماعز الجبلي ، ص275 – كأصوات البهائم في المسالخ ، ص304 – كأغنام في حظيرة ، ص318- أنا أسأل الحيوانات أمثالك ، ص334 – تعال يا كلب يا سافل ، ص334 – قال المدير برغاء بعير ، ص348 – ويأكلون أوراق الشجر كالبهائم ، ص457 – خاف الأستاذ من عواقب البهيمية ، ص357 – تكوم الطلبة كما تتكون الأغنام ، ص365 – بهائم .. لا أقل ولا أكثر ، ص367 – وفجأة التفت إلى السبورة التفاتة ضبع ، ص411 – كالخنازير البرية ، ص432 .
ج- أن بعض تشبيهاته غير محايدة تكشف عن موقف الكاره :
– واقترب إلى الجسد المكوم قربه ، ص410 .
– على لسان الأستاذ العربجي ، ص316
د- أن بعض تشبيهاته متكررة طيلة الرواية :
– والفضول يمط الأنوف ، ص5 .
– حتى رأى الأساتذة يمطون أنوفهم في فضول ، ص358 .
ثانيا – ما تمفصل مع الرؤية التقليدية من تقنيات حداثية :
حاول الكاتب الخروج من جمود الرؤية التقليدية للقص ، بتطعيم نصه بتقنيات حداثية ، لكن ما هذه التقنيات الحداثية ؟ وهل بدت هذه التقنيات طبيعية في النص ؟ وهل كان وجود هذه التقنيات موظفا توظيفا جيدا لصالح الدلالة ؟ ولسوف يجاب عن هذه الأسئلة فيما يلي :
أولا – الشكل السريالي :
ولنشرح – بداية – هذا الشكل : ” منذ أن كشف فرويد النقاب عن عالم العقل الباطن ، وظهرت دراساته لعوالم الأحلام والأساطير ؛ وجد كثير من الأدباء والفنانين أنه قد أصبح من العبث التوقف عند حدود مفردات العالم الخارجي الظاهر للعيان والحواس . ولقد كان لهذه الكشوف تأثيرها الواضح ، إذ فتحت الباب أمام طائفة من كتاب القصة ليلجوا عوالم جديدة ، بعد أن وجدوا في عالم العقل الباطن ، والحلم والأساطير ، مستودعا لمادة قصصية .
والقص السيريالي لا يحاكي الواقع ، ولكنه يسعى إلى إيجاد واقع جديد ، ومن ثم اهتدت في سعيها إلى تجاوز الواقع والمنطق السببي ، إلى تفجير طاقات الحلم واللاوعي . والقصة السيريالية لا تكتفي بإضافة هذه العوالم إلى عالم الظاهر فحسب ، لكنها تمزجها به ، حيث لا يغدو ممكنا في كثير من الأحيان التمييز بين حدود الواقع والفانتازيا ، النوم واليقظة ، الشعور واللاشعور ، الحقيقة والخيال . ( د. محمد مهدي غالي : تطور الشكل الفني في القصة المصرية القصيرة ، رسالة دكتوراه ، مخطوط ، كلية الآداب ، جامعة الزقازيق فرع بنها ،1991م ، ص167) .
ولقد عمل هذا الشكل في رواية الكاتب من خلال ما يلي :
1- تيار الوعي :
المفترض في تيار الوعي عندما يتمفصل مع القص التقليدي ، أن يقدم وصف المحتوى الداخلي النفسي للشخوص ، ذلك لأن القص التقليدي يوجه اهتمامه الأكبر إلى الوصف الخارجي للشخوص ، وبناء على ذلك فإنه يجب أن يتبدى في القص مختلفا حسب المحتوى النفسي لكل شخصية ، بمعنى أننا سنجد أنواعا من تيارات الوعي مختلفة بعدد واختلاف الشخصيات . والمفترض في السارد أن يكون محايدا كما بينا ، وإذا أراد أن يدخل في تيار وعي شخصية من شخوصه ، فينبغي له أن يدخل بشروط الشخصية ، بمعنى أنه يجب أن يتلبس حالاتها النفسية في المواقف المختلفة ويبينها ، بالطريقة أيضا التي يجعلها تختلف عن غيرها من شخصيات . والمفترض في السارد إذا أراد أن يوحد تيار وعيه في التعليق على الأحداث ، وفي فهم الشخوص أن يجعل نفسه شخصية روائية ، لأنه في هذه الحالة سوف يفسر سر توحد تيار وعيه عبر المواقف المختلفة ، والشخصيات المختلفة ، من خلال توحده شخصيا وسرديا مع تيار وعي الرواية .
أما أن يعطى السارد لنفسه الحق في الدخول في تيارات وعي الشخوص والمواقف ، دون أن يكون شخصية روائية ، ودون أن يحافظ على صفته بوصفه ساردا محايدا ؛ فهذا يصنع مشاكل في السرد ، هذه المشاكل قد تصادف نجاحا إذا اتصفت طبيعة السارد مع طبيعة الشخصية المقدمة ، كما اتحاد السارد وشخصية العسجد هنا ، وكما اتحاد السارد والتعليق في بعض المواقف ، وقد لا تصادف نجاحا في مواضع أخرى إذا لم تتصف طبيعة السارد مع طبيعة الشخوص المقدمة ، والمواقف المعروضة ، كمعظم تيارات الوعي التي دخلها السارد في جل الشخوص والمواقف .
وبناء على ذلك فلقد وظف تيار الوعي جيدا في تمفصلين ، هما :
الأول : التباس تيار وعي السار بتيار وعي العسجد ، فلقد كان خير رابط بين نفسيته الترانسنتدالية / المتعالية ، والواقع المعيش ، وبدا ذلك في المواضع التي احتكت بها نفسية الأستاذ العسجد مع الأزمات في كل الرواية ، انظر . ص338 – ص349.
لكن ثمة مشكلة ، وهي أن تيار وعي العسجد ، الذي هو تيار وعي السارد ، بدا معادا مكرورا في مواضعه المختلفة ، يعزف نفس النغمة ، دون تنويع ، فغالبا ما يسب في تيار وعيه الطلبة ، والإدارة ، ومهنته ، وغالبا ما يكبر الموضوع ، ويتخذه وسيلة لنقد كل شيء حوله ، من تاريخ العرب إلى الآن ، في كافة المجالات .
والحق أن الوحيد الذي يستحق شرف تيار الوعي في هذه الرواية هو العسجد ، لأنه هو الوحيد الأكثر أزمة ، البطل الأزمة في الرواية ، وكان ينبغي أن يكون هو – لا السارد – السارد الأول لهذه للرواية ، حينها لن يكون هناك ثمة غضاضة في أن يتلبس تيار وعيه ، وتيار وعي الجميع حسبما يراهم : شخوصا ومواقف ، ولكن يبدو أن الكاتب خشي أن يضبط متلبسا ببطولة الرواية ، ومن ثم يجلب على نفسه تهمة السيرة الذاتية ، فأراد أن يتخفى في ثوب العسجد حتى يستطيع أن يفر ببضاعته من جمرك المساءلة المجتمعية .
الثاني : التباس تيار وعي السارد في سرد يعلق على الأحداث ، وكأنه الجوقة اليونانية التي كانت تعلق على الأحداث في المسرح اليوناني ، بطريقة كاشفة ، أو موضحة ، أو هازئة ، وكأنها شخصية مسرحية ، من ذلك مثلا : ص27 – ص309 .
وفي تمفصل واحد بطريقة ملبسة ، هي :
الثالث : التباس تيار وعي السارد بتيار وعي شخوصه ، ولقد ترتب على ذلك أن بدا تيار وعي شخوصه في أغلب الأحوال متشابها ، انظر . الصفحات : 8- 29 –44 – 46.
2- الحلم / الرؤيا :
ورد الحلم بتكنيك القص التقليدي ، وإن كان معبرا ، وتعبيره ليس لصالح الطلبة ؛ أي لا يعبر عن نفسيتهم ، وإنما ورد لصالح السارد ؛ أي يعبر عن نفسيته السردية ؛ اقتصاصا من الأستاذ الظهيري والواقع المرجعي ، ولقد ورد الحلم بالنص هكذا : ” رأيت رؤيا يا أستاذ ” ، في الصفحات : 426 ، 427 ، 428 ، 429 ، نذكر منها :
– ” رأيت أني أسير في الشارع ، وبيدي ريالين ؛ لأشتري بواحد شوكولاتة ، والآخر عصيرا ، ولما وصلت البقال ، وجدت بيدي ريالا واحدا ” .
– ” رأيت مرة ، بأني أقود دراجة نارية على شاطئ جدة ، فتقلبت بي الدراجة ، ولما نهضت رأيتني أمشي على أربع ، فنظرت إلى نفسي ، فإذا أنا ماعز تلبس الإزار ، وعلى رأسها عجينة من الحناء ” .
3- مزج الواقعي بالفانتازي :
من أكثر التقنيات الحداثية التي استفاد منها الكاتب ، ولقد بدأت على استحياء في وصف غرفة الإدارة السابقة ، ص41 ، واستمرت تصاعدا في نفسية وصف السارد ، الذي يتلبس العسجد أصلا ، في الصفحات : 316 – 335 – 346 – 368 – 376 ، ووصلت إلى قمتها مع الأستاذ البلهي ، ص 86-87 ، معبرة عن حالته الشغفية خير تعبير ، كما يلي :
” الفصل عصافير شجرة سدر لا تزال تتماوج فيها الطيور مزقزقة ، والأستاذ دب يتقلب بين أسماك السردين .. فلا عجب أن تفرفر البلابل وتغني ابتهاجا بمقدم شارلي شابلن وأبي دلامة .. وبلا مقدمات صفقت الطيور بأجنحتها ، وغرد من شاء له التغريد ، وبرطم الديك الرومي ، وتشابكت أعناق مالك الحزين ، واختلطت الأصوات الناعمة بأصوات المكائن ، حتى الغراب راح ينعب بصهيل الحصان ، والحصان يصهل بنعيب البوم ، وجاء العصفور يتسلل ويتمسح بثوب الملهي كقطة أليفة عرفانا بالجميل ، مقدمة له آيات الشكر والامتنان ” .
ثانيا – استدعاء كتب التراث :
سواء كان التراث قديما ، مثل ما أورده الكاتب ، ص 187- 188- 189- 190 – 297 – 298 – 299 – 301 . أو حديثا مثل ما ورد ، ص 144 : ” كن الحال والصفة التي تريدها ، تتجاوب معك أعضاؤك وروحك وبالتالي شخصيتك ” ، فالملاحظ أن أسماء الكتب التي استدعى منها الكاتب التراث غير مذكورة ، الكتب القديمة معروفة في تراث النكاح ، والكتاب الحديث ، هو كتاب السر : لمؤلفته الأسترالية ، روندا بايرن ، وهو موجود في مكتبة جرير ، طبع 2008م . والملاحظ أيضا أن الاستدعاء الأول أتت مقتطفاته كاملة ، أما الثاني فورد معناه فقط ، وربما كان السبب في ذلك أن الاستدعاء الأول ، يبين عن بعد آخر من أبعاد شخصية الظهيري ، يود الكاتب كشفه ، تماما كما كشف إدعاء أدائه لعمله ، أما الاستدعاء الثاني فتم – في نظرنا – عفو الخاطر.
ثالثا – الخطبة / الخطابية / المحاضرة العامة :
وردت الخطبة أو المحاضرة العامة في الصفحات :124-371-372-373- 374- 375 ، ووردت الخطابية في أماكن أخرى كثيرة من الرواية . وفي الأماكن التي امتزجت فيها الخطابية بالخطبة أو بالمحاضرة العامة ، كانت الخطابية مميزة ، أما في الأماكن الأخرى ، التي وردت فيها الخطابية مستقلة ، فالأمر غير ذلك .
رابعا – المقالية :
أو بالأحرى الكتابة الفنية ، الكاتب شغوف بالمقال الفني ، وكتابته الفنية في الرواية أخلب للعيون من كتابته السردية ، وذلك لأن شخصية الكاتب سيطرت على شخصية الروائي ، وآية ذلك أن الروائي ينتهز أية فرصة لتحول سردي ، ليتحول هو الآخر إلى كاتب يمارس هوايته في الكتابة الفنية بامتياز ، لننظر ص 213- 252- 360 – 261 – 369 – 430.
ولقد كتب يوسف إدريس في نهاية حياته القصة / المقال ، ولا شك أن المزج بين القصة والمقال يصنع صنيعه البنائي في خدمة دلالات السياق الروائي ، فقط عندما يتوفر شرط مزجهما معا ، أما إذا لم يتوفر شرط وجودهما معا ، فإن وجود المقالية يقف حجر عثرة في سبيل تدفق السرد ، وينشئ في الرواية سكتات قرائية متقطعة في مسيرة حركية الرواية.
وبعد ، ففي النهاية ، إن كان يحق لي أقول كلمة للكاتب ، فأقول له ، أنت سارد بحق ، والمآخذ على الرواية ، هي المآخذ التي تؤخذ على الكتابة الأولى لأي كاتب ، مشكلة الرواية الأولى أن الكاتب يريد أن يضع فيها كل شيء قابله في حياته ، ونغص عليه حياته ، لذا إن كان يحق لي أن أنصحك فأنصحك بتخفيف خيوطك الروائية إلى حد بعيد ، وأنصحك أيضا بالانتصار إلى شكل أدبي محدد .





