📰 آخر الأخبار
أنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغرب
أنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغرب

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

تقنيات السرد في رواية حقول طالبان لعبد العزيز السليم – د. سعيد شوقي

صورة فوتوغرافية لرجل مجهول يرتدي نظارات وقميص رسمي، مع ابتسامة خفيفة على وجهه.

     هذه رواية مشكلة ؛ مشكلة في إحالات مضمونها الواقعي ، مشكلة في مضمونها الفني ، مشكلة في شكلها النصي ، مشكلة في انطباق شكلها النصي مع مضمونها المرجعي .

     ولا أحب لنفسي أن أتدخل في الواقع المرجعي الذي تحيل إليه الرواية ، كأن أناقش ما ورد في الرواية من إشكالات تربوية ، أو دينية ، أو وطنية ، أو عرفية ، وأترك هذه المناقشات إلى أهل مكة ، فأهل مكة أدرى بشعابها ؛ وأتخيل نفسي إنني إذا فعلت ذلك ، أكون كمن يزايد ، على الأهلين ، وهم ما هم ، من الحس التربوي والديني والوطني والعرفي ، لذا أترك مشاكل الرواية المضمونية ، وأتوجه مباشرة إلى مناقشة إشكالات الرواية الفنية .

     على أنني أحب أن أشير هنا إلى نقطة في غاية الأهمية ، بالنسبة لما هو منذور مستقبلا أمام الكاتب من مناقشات مضمونية تضع نصه بين الصواب والخطأ المرجعيين ، وهي أن ثمة فارقا – قد عرف في ضمير النقد الأدبي واستقر – بين الروائي والمؤرخ . فالكاتب – لمن ينذر مقارعته مضمونيا في المستقبل – ليس مؤرخا للواقع المرجعي ، وإنما هو روائي ، ونصه مكتوب عليه رواية ، وليس كتاب تاريخ ، فحقوله إذن ليست حقول التربية في بلده ، وإنما هي حقول الكاتب نفسه ، وما هو موجود في نصه ليس واقعا مرجعيا حقيقيا ، وإنما هو واقع فني ، ولتبيين الفارق مضطر لضرب مثل ، لو وجدنا كتابا مكتوبا عليه : عنترة بن شداد ، ومصفوفا في المكتبة في كتب التاريخ ، وكتابا مكتوبا عليه ، عنترة بن شداد ، رواية ، هنا ، يمكن لنا أن نراجع كاتبه في الحالة الأولى ، حالة التاريخ ، بين الصواب والخطأ ، أما في الحالة الثانية ، فكيف نراجع كاتبه بين الصواب والخطأ ، وهو يكتب عليه رواية ، إنه حر في أن يرى شخصية عنترة كما يشاء ، فقد يراه بطلا صنديدا ، وقد يراه انتهازيا ، وقد يراه عبدا خالصا ، وقد يراه حرا أصيلا ، حسب ما يود فعله في رؤيته ، أما في التاريخ الحقيقي ، فعنترة واضح وضوحه بين الصواب والخطأ . ولتأكيد التفريق مضطر أيضا لضرب مثل أخير ، لو فرضا أن ثمة جبلا ، وأنني أود بناء بيت من هذا الجبل ، بمعنى أني لا أود أن أستعين بمواد من غيره ، إلا خيالي طبعا ، ولو فرضنا أنني نجحت بالخيال في فعل ذلك – وحتما سأنجح – استغللت ترابه ، ومياهه الهابطة مع المطر ، وخشب شجره ، وألوان رمله ، وقمت ببناء بيت جميل رائع ، هل يشك ناظر إلى البيت أن البيت شيء والجبل شيء آخر ؟ رغم أن مادة البيت من الجبل ، ومادة الجبل من البيت ، هذا بالضبط ما يصنعه الروائي هنا ، والأديب عموما ، الجبل هنا هو الواقع المرجعي للتعليم ، والبيت هنا هو رواية حقول طالبان ، من الواقع المرجعي التعليمي ، أخذ عبد العزيز السليم ، حدثا من هنا ، وشخصية من هناك ، ومكانا من هنالك ، وصنع روايته ، لا تحيل روايته إذن على الواقع المرجعي ، ولا يحيل الواقع المرجعي عليها ، فهي عمل تخيلي ، لا يحيل إلا على نفسه ، حتى وإن تمت مقارنته بالواقع . نحن إذن نبرأ الواقع من روايته ، ونبعد روايته عن مماثلة الواقع .

     تعالوا إذن ننظر في رواية الكاتب الذي صنعها خياله من شذرات هنا وهناك وهنالك من الجبل السعودي التربوي ، لنر جماليات بناء روايته الفني .

     وقبل أن أبدأ في مناقشة جماليات بناء الرواية ، أود أن أستعرض بصفة عامة الجماليات التي تنهض عليها الروايات ، في المشهد الروائي العربي ، لكي نضع رواية كاتبنا في موضعها الدقيق من هذه الجماليات . ولقد توزعت هذه الجماليات في الاتجاهات الآتية : الاتجاه التقليدي – اتجاه تعدد الأصوات – اتجاه الرمز – اتجاه شعرية القص – اتجاه الشكل السريالي – اتجاه تيار الوعي – اتجاه الواقعية السحرية – اتجاه توظـيف التراث – اتجاه الكتابة عبر النوعية .

     والملاحظ من هذه الاتجاهات ، أن الاتجاه التقليدي يقف بمفرده – أقلية – في مواجهة بقية – أغلبية – الاتجاهات الأخرى ، التي تنعت أيضا بالحداثية ، ومن ثم ينبثق – بالنعت الجديد – الفارق بين رؤيتين مغايرتين تماما من رؤى القص : الرؤية التقليدية ، والرؤية الحداثية .

     وربما يكون في تفريق ( البيرس ) بين الرؤيتين مدخلا مختزلا جيدا لفهم طبيعة الفارق بينهما ، إذ يرى أن الرؤية الحداثية تقتضي تكنيكا قائما على البحث أكثر منه على التوكيد ، على الاستفهام أكثر منه على اليقين الوصفي ( ر . م . البيرس : الاتجاهات الأدبية في القرن العشرين ، ترجمة : جورج طرابيشي ، منشورات عويدات ، بيروت ، طبعة أولى ، يونيو 1965م ، ص 31-32 )ويعنى ذلك بلا ريب أن يقف : التوكيد / اليقين وجها لوجه ضد : البحث / الاستفهام ، وشتان بين رؤية تثبت النوع المستقر القار من خلال ما عرف في ضمير النقد الأدبي بمصطلح القص التقليدي كنوع أدبي متعارف عليه ، ورؤية تفجر المتفجر ذاته بوصفه نصا لا ينتمي لأي نوع أدبي سابق ” في صيغة جديدة تجاوز – على كل المستويات البنائية – الأشكال المستقرة ، أو التي فرضت نفسها على الواقع الأدبي ، ففي مثل هذه البنية بصفة عامة ، تذوب الحدود بين الأجناس الأدبية ، إذ يتدخل في النسيج القصصي ،  الخبر ، والحكاية ، والخرافة ، والقصة ، والحكمة ، والمثل ، والأقصوصة ، والسيرة ، والمقال ،  والشعر ، والحوار المسرحي ( د. ثناء أنس الوجود : بنية الحداثة في قصص محمد مستجاب القصيرة ، مجلة فصول ، القاهرة ، المجلد الثامن ، العدد 1، 2 ، مايو 1989 ، ص 174) .

     ولعل السؤال الذي يطرح نفسه – هنا – بعد هذا العرض الموجز جدا لرؤيتي نوعي اتجاهات النقد القصصي الحديث ، هو : أين تدرج رواية ( حقول طالبان ) لعبد العزيز السليم من هذه الاتجاهات ؟ هل تنتسب إلى النوع الأول التقليدي أم الثاني الحداثي بكل تفريعاته ؟

     ذلك لأننا نؤمن بقراءة النصوص الأدبية عبر الأنواع الأدبية التي استقر عليها النقد المعاصر لها أو السالف عليها أو ربما المنذور لها مستقبلا ؛ رغبة في استكناه طبيعة تقنيات النوع عبر السلف أو المعاصرة أو المستقبل ، لأن ما يسبب اللبس في قراءة بعض النصوص النوعية ، هو عدم فهم طبيعة النوع المكتوبة به هذه الأنواع ، لذا يصعب على قارئ ينتصر لنوع معين أن يتفهم نوعا آخر .

     وقد لا يخالفنا الصواب أن نصرح إجمالا – ومبكرا – أن رواية ( حقول طالبان ) لعبد العزيز السليم لا تخرج – في مجملها – عن اتجاه الرؤية التقليدية في القص ، رغم وجود كثير من التمفصلات البنيوية البارزة مع الاتجاهات الحداثية الأخرى كما سنبين .

     وقبل أن أبدأ في عرض كيفية تعامل الكاتب مع الرؤية التقليدية وما تمفصل معها من اتجاهات حداثية ، بطريقة قد يبين معها كثير من الأحكام السلبية على السرد ، أود بداية أن أبين صراحة ما اتسم به السارد والرواية من إيجابيات عامة ، وخاصة . 

     فأما ما كان له من إيجابيات عامة في الرواية فهي :

1- يحمد للكاتب أنه كتب رواية بهذا الحجم 445 صفحة ، ساردا وواصفا ومحاورا وراصدا ، ومحللا وكاشفا ، ومستقيا لأشياء من الواقع ، ومن التاريخ ، ومن الأدب ، ومن الفن ؛ ليقيم بناءه الخيالي بصبر النمل ، وبعمل الجنود ، مهتما بكل صغيرة وكبيرة ، كاتبا كل صفحة وكأنه لن يكتب غيرها ، جدية وإتماما للعمل حتى آخر كلمة في الرواية . 

2- يحمد للكاتب أنه كتب عن حقل يعرفه ، ولم يذهب إلى مناطق لا يعرفها ليكتب عنها ، ومن ثم فهو ينطلق من صدق واقعي ، وهو الصدق الذي يبين انطلاق السارد من خبرة حقيقية ، ولكن هل كان صدقه الواقعي يتفق مع صدقه الفني ، هذا ما سيبين من القراءة . والصدق الفني هو الذي يقنع القارئ بما يكتب .

3- يحمد للكاتب أنه دخل مضمار الرواية في سن مبكر ، مما يبين أننا سننتظر منه الكثير من الأعمال الأكثر نضجا وتمكنا ، فالحق أن الرواية العظيمة تتأخر لما بعد الأربعين ، لأنها بنت الخبرة ، فالروائي الذي يقيم مجتمعا روائيا لا بد أن يكون خبيرا بالتاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلوم كثيرة ، على عكس الشعر ، الذي لا يحتاج إلا إلى عاطفة مشبوبة ؛ لذا يمكن أن يبدأ نتاجه في سن مبكر جدا .

4- يحمد للكاتب مقدرته الممتازة على التعبير الفني ، أو الكتابة الفنية ، وتقليب الحروف والكلمات والجمل بطريقة فائقة ، أدهشتني ، للدرجة التي أستطيع بها أن أبين مبكرا أن إخلاصه لكتابته الفنية أثرت ولا شك على كتابته السردية . 

5- يحمد للكاتب أيضا ثقافته الواسعة التي اتضحت من روايته ، فكما يبين نحن أمام قارئ نهم قبل أن يصير كاتبا ، على الرغم من أن ثقافته الواسعة عملت ضده في كثير من مناطق الرواية كما سيبين .

6- يحمد للكاتب تعريفه بخبرات تربوية مختلفة في التعامل مع طلاب الثانوي ، منها ما هو صالح يحتذى ومنها ما هو طالح ينبذ .

7- أسجل هنا تسجيلا أن للكاتب جرأة واضحة ، قد تحسب عليه في مكان ما ، في زمن ما ، عند قارئ ما ، جرأة في استخدام اللغة ، وفي بناء الشكل ، وفي مقاربة الموروث ، وفي معانقة المعاصرة .

     وأما ما كان من إيجابيات خاصة في الرواية ، فهي :

1- بدايته الرواية بتنكير جميل ، شوق القارئ لما يمكن أن يأتي بعد مع توظيف جميل يحيل على تراث .

2- وصفه للمكان في بعض الأحيان بطريقة تتفق ونفسية الشخوص .

3- عند الكاتب لمحات نفسية جميلة .

4- عند الكاتب صياغات مقتنصة لمعان عابرة لا يلتفت إليها كثيرون .

5- عند الكاتب وقفات إنسانية من أجمل الوقفات الإنسانية صدقا .

6- تقديمه لحيل سردية جديدة ، عندما قدم أحد شخوصه كلاما أعجب المستمعين ، ثم عاد ونفاه ، ومثل الحوار الموازي المحايث في المناظرة التي عقدت بين العسجد والظهيري ، رغم تسجيلي سلبية عليها ، تتضح بعد .

7- نقله للعلاقة الشاذة المغلظ تحريمها ، بذكاء شديد ، وبتلميح راق ، وبترميز إشاري ، بعيدا عن الوضوح والمباشرة المحرجة ، الأمر الذي فلت منه عندما نقل مقتطفات من كتب تراثية في مواضع أخرى ، ربما نسائله عليها فنيا فيما بعد .

8- نقله للصراع بين القوى المتضادة ، العسجد ، والظهيري ، بأمانة ، أعطت لكل فرد منهما مساحته كاملة في الرد والشرح وضرب الأمثلة ، مع تسجيلنا لملاحظة سلبية على هذا الطرح في حينها .

9- إنهائه الرواية بالطريقة التي انتهت بها ، وهي نهاية مرعبة ، رغم أنها أنسب جزاء لمثل هذه المدرسة المتخيلة .

10- تغييبه شخصيتي الإثارة من المشهد الأخير : العسجد والظهيري ، مما يبين خير تبيين خطورة التنظير قياسا على الممارسة .

     نبدأ بعرض الرؤية التقليدية في القص ، بعد ذلك نبين ما تمفصل معها من اتجاهات حداثية.

أولا – الرؤية التقليدية في القص :

     يعد سوق هذا السرد هو السوق المهيمن في رواية حقول طالبان كما أشرنا ، فلقد قدم الكاتب جل مشروعه الروائي عبرها ، والشكل التقليدي في هذا السرد يتسم عادة بأنه سرد ” يحكي قصة تتألف من أفعال وأحداث تحدث في الزمن القصصي ، شريطة أن يكون كل فعل أو حدث قادرا على أن يدخل في علاقات محددة مع غيره من الأفعال والأحداث ، وأن يكون مميزا في حد ذاته ، كأن يكون سببا لمسبب ، أو يكون بداية لظهور عقبة في طريق البطل ، أو أن يمثل نقطة تحول في الرواية ، وهذا ما درجنا على تسميته بحبكة القص ، وهذه الحبكة هي التي تشد القارئ لأن يتابع أحداث القصة ، وأن يتحرك مع حركة القص بدافع التحقق من حدوث ما توقع ، حتى ينتهي من المحتوى الكلي للرواية إلى تمثل المغزى ، وهذا الشكل يتحقق عندما يكون الكاتب قادرا على التغلغل في أحداث الحياة وتفاعلاتها ، وعلى محاكاة هذا الواقع أو تمثيله ، وعندئذ يقف القاص بقصته على مقربة من الواقع ، بحيث تتولد عند القارئ مباشرة عملية التبادل الإدراكي ، تارة من داخل النص إلى خارجه ، وتارة أخرى من خارج النص إلى داخله ، ومعنى هذا أن الشكل الروائي لم يكن يتولد إلا نتيجة الصراع داخل الذات بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون ، ومعنى هذا كذلك أنه يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع وتنظيمه ، ومهما تكن درجة تكثيف الواقع في القص ، ومهما تكن طريقة توجيه العلاقات فيه بين الإنسان والأشياء ، وبينه وبين الآخر ، فإن الشخوص ترسم فيه على أنها ممثلة للواقع ، كما أن الأحداث والأفعال تختار وتنظم على أساس محاكاتها لما يحدث في الواقع ، وذلك بهدف نقد هذا الواقع ، وإبراز ما يختفي تحت السطح ، من عوامل خفية ، تعد المسئول الأول عما يظهر على السطح من صراعات ومتناقضات ، وإلى هذا الحد كان الكاتب يوجه النص وفق أيديولوجيته ، إذا اصطلحنا على أن نفهم الأيديولوجية في الإطار الأدبي على أنها علاقة بالحياة حقيقية ووهمية في الوقت نفسه ، ذلك أن العمل الأدبي وإن يكن مرتبطا كل الارتباط بالحياة ، لا يتكون إلا من خلال تشكيل متخيل وعلاقات متخيلة ” ( د. نبيلة إبراهيم : قص الحداثة ، مجلة فصول ، القاهرة ، المجلد السادس ، العدد الرابع ، يوليه / أغسطس / سبتمبر 1986م ، ص 96 ) .

     ولقد اجتهد الكاتب تماما في تقديم سرده عبر ما سبق ذكره من سمات لهذا الشكل كما أشرنا ، لكن ثمة ملاحظات تبتعد بالشكل أن يكون خالصا لوجه نوعه التقليدي ، وهي :

1- إن شريطة أن يكون كل فعل أو حدث في رواية الكاتب قادرا على أن يدخل في علاقات محددة مع غيره من الأفعال والأحداث ؛ لا تتوفر في جل سرد الكاتب.

2- إن شريطة أن يكون كل حدث متميز عن غيرة غير موجودة إلى حد كبير .

3- إن شريطة أن يكون كل حدث مسببا للآخر ؛ بالطريقة التي تؤدي إلى حبكة روائية ، لا تتوفر في جل سرد الكاتب .

4- بغياب الحبكة إلى حد بعيد اختفى التشويق .

5- إن التحرك مع حركة القص بدافع التحقق من حدوث ما توقع القارئ ، أمر لم يحدث أبدا.

     ولقد ترتب على خصم ما سبق من سمات من رصيد التقليدية ما يلي :

1- سيادة وحدة الجزء من الرواية ، على حساب وحدة كل أجزاء الرواية :

     تكونت الرواية من ثلاثة وسبعين جزءا ، كان المفترض أن يرتبط – كما الرؤية التقليدية – كل وحدة جزء بوحدة الجزء الآخر ، وهكذا دواليك حتى نهاية الأجزاء ؛ لصناعة وحدة الرابط الكلي للرواية ؛ تماما مثل الأبيات الشعرية في القصيدة الحديثة ، ترتبط جميع وحدات أبياتها ببعض لتكوين ما يعرف في النقد الحديث بالوحدة العضوية للقصيدة . أما أن تتبدى الأجزاء في الأغلب الأعم بانفصال تام بين وحداتها ، تماما كما جل القصيدة القديمة التي كانت تعتمد وحدة البيت ، دون وجود وحدة عضوية في القصيدة ؛ فهذا ولا شك موضوع مساءلة نقدية تقليدية ؛ للدرجة التي تم فيها في بعض الأحيان الربط بين جزأين متجاورين دون الأجزاء الأخرى ، الأمر الذي جعلني أصوغ مصطلح التضمين بين الجزأين ، تماما كما هو مصطلح التضمين بين البيتين الشعريين في شعرنا القديم ، على أنني أعد التضمين هنا ميزة في الوقت الذي عد فيه عيبا فيما قدم من شعر .

     والحق أن الفصل بين أجزاء الرواية استمر في القسم الأكبر من بداية الرواية حتى منتصفها ، ثم في بداية المنتصف الثاني ظهر بعض التضمين بين فصل وآخر ، وربما أكثر ، على أنه في نهاية الرواية زاد الرابط بين الأجزاء بشكل لافت ، تماما كما كان الفصل لافتا في بداية الرواية ، ويرجع ذلك أن الكاتب خرج من رؤيته التنظيرية السردية التي كان يقظا لها في بداية كتابة الرواية إلى ممارسته السردية الحية عندما سخنت أحداث الرواية في القسم الأخير .

     وسوف يكون حديثي بالنسبة لأجزاء الرواية منصبا على المزج بين السرد داخل الجزء والسرد بين الأجزاء .

     بدا السرد داخل الجزء مخلصا لمنهج لا يحيد عنه الكاتب قدر الإمكان ، ويتمثل في :

– ذكر اسم مدرس . – حالة المدرس وهو في طريقه للصف . – تحديد اسم الصف . – المدرس يسمع جلبة الطلبة قبل الدخول . – وصف المدرس ، وبالتحديد في : الشماغ – العقال  – اللحية – الشارب – الوجه – المشية – الحجم . – دخول الفصل . – الوقوف أمام الطلبة .

– تهدئة الطلبة . – شتيمة الطلبة في داخله . – تيار وعي وهو في طريقه من مقعده إلى السبورة غالبا ما يكون ضد الطلبة . – الاهتمام بما يكتب على السبورة ، وغالبا يكون : التاريخ – اسم المادة – عنوان الدرس . – ما يكاد يبدأ الدرس حتى يسمع تعليقا ، غالبا ما يكون مفاجئا مباغتا . – يكون هذا التعليق مصدرا لإتمام الدرس من خلال الشتيمة غالبا أو النصح أحيانا أو إكمال الحصة نادرا . – الطلبة يضحكون أثناء الشرح ويعلقون مما يجعل المدرس يكثف الشتم أو النصح أو إتمام شرح الدرس . – ممكن حدوث شجار أثناء الحصة يجعل الأستاذ يجن . – شجار الطلبة غالبا خارج الدرس . – ثم يأتي الجرس ليكون حلا لإنهاء الصراع . – يخرج الأستاذ من الفصل فارا بجلده .

     واستمر هذا الإخلاص نقيا خالصا طيلة الرواية مكتفيا بأستاذ واحد ، وبموقف واحد ، في كل جزء ؛ حتى تم للكاتب تقديم معظم نماذج شخوصه ومواقفه الروائية . حدث هذا تماما في الأجزاء من 1- 39 ، حتى كان الجزء الأربعون نجده يمزج بين أستاذين وموقفين ، وكان الإخلاص – تقليديا – لمنهجه يقتضي فصلهما في جزأين ، لكن ربما كان هذا الجزء بداية تطورية للمزج ببقية الأجزاء. من 41 – 45 بدأت الفصول تطول بعض الشيء ، لكنها ظلت على طريقة الفصل بين الأجزاء كما سبق ، بين 46-47 وجدنا رابطا كما التضمين في الشعر ، وظهر السرد متصلا بين جزأين ، هنا تطور الربط بين الأجزاء بعض الشيء . من 48- 49 عدنا كما سبق إلى الفصل بين الأجزاء . بين 50-51 وجدنا تضمينا أيضا بين جزأين مرة أخرى . من 52-59 عدنا كما كنا إلى الفصل . بين 60 و 61 و 62 و 63 و 64 و 65 وجدنا وحدة سردية أكبر من التضمين ، وسردا بين أجزاء عدة ، وأعتقد هنا أن ثمة خطأ سرديا تقليديا في الجزء 61 ، فلقد ذكر السارد تحديد في ص371 ، أن الأستاذ العسجد أسدل رأسه يستمع إلى ملخص المحاضرة ، معنى ذلك أن ملخص المحاضرة دائر أمامه يستمع إليه ، ثم نفاجأ بعد ستة سطور ، أن السارد يذكر ، أن المحاضر قال في فتور : إذن نلخص موضوع المحاضرة في عدة نقاط ، كيف تأتى ذلك سرديا . من 66 حتى نهاية الرواية تم تضمين بين بعض الأجزاء مع الفصل بين بعضها البعض ، سرد داخل الجزء ، وسرد بين جزأين ، وأعتقد أن الجزء 72 كان لا بد أن يأتي مباشرة بعد الجزء 69 ، وأعتقد هنا أن ثمة خطأ سرديا تقليديا أيضا ، فلقد قال الكاتب في 72 بأن العسجد خرج من حجرة الإدارة مع المشرفين بعد التحقيق معه ، فناداه هبل وأعطاه حصة انتظار ، فتتضجر العسجد لذلك ، فما كان من فايز الحسين إلا أن هدأ روعه ، كذلك كان الحال من رشيد المعزي والسمسمي ، وفي 69 يروى الموقف نفسه بعد الخروج مع المشرفين من حجرة الإدارة بعد التحقيق معه ؛ بأن العسجد بمجرد خروجه قابل المحرول وحكى له ما حدث مع المشرفين ، بعد ذلك حكى لفايز الحسين نفس ما حدث ، ولم تأت سيرة حصة الانتظار أبدا ، كيف تأتى ذلك فنيا ؟.

     وبالمنهجية السابقة التي كسرت الرؤية التقليدية للقص ، بدا شكل السرد كما يلي : 

1- بدت الأجزاء متوازية ، دون تقاطع ، ولعل أول تقاطع تم في الرواية عندما سأل المدير الملهي في ص51 : ما رأيك في العسجد ؟ .

2- بدت الأجزاء وكأنها حواريات في بعض الأجزاء ، أو حكايات من المدرسة في بعضها الآخر ، أو أشبه بيوميات تسجل ما يحدث كل يوم في المدرسة وكأن لا تقاطع بين الأيام ، رغم حتمية التقاطع ، أو اسكتشات شخصية أو نماذج بشرية أو أحاديث مراسل لقناة فضائية ، من ثم بدا وكأن الأجدى للرواية أن تتحول إلى مجموعة من القصص القصيرة لأن التقاطع بين كل الحكايات غير روائي .

3- عندما يذكر الكاتب الشخوص يكرر ذكر عملها في المدرسة ؛ لأنه يكتبها منفصلة ، أو يكتبها شارحا مثل : أما الأستاذ عماش المطر – محضر المختبر – يقرقع في أواني المختبر .. ص275 .

4- أصبح لا يوجد تشويق في القصة ، فلقد أهل القارئ نفسه ، في كل جزء أن يقرأ تقديما لمدرس في موقف تعليمي أو لمدرسين ، يتم وصف المدرس أو المدرسين فيه جيدا ، وجها وشاربا ولحية وشماغا وعقالا وجلبابا وحذاء ، للدرجة التي أصبح فيه القارئ خبيرا في الشماغ والعقال والنعل الزبيري ، ثم يجري كلاما من عقل السارد على لسانه أو لسانيهما ، وينتهي الموقف ، دون تقاطع مع أجزاء أخرى .

5- ظهور تلخيصات كل فترة لما حدث من أحداث غير مربوطة ، وكأنها ملخصات دراسية لشخصيات تاريخية في أهم صفاتها ، أو استراحة بين الفصول كما المسرحية ، ولو كانت الأجزاء مضمومة مع بعضها البعض ، لما ظهرت الحاجة لهذه الملخصات ، من مثل الجزء 35 ، 48 ، إلخ .

6- صياغة حكم وكأنها بيت القصة / بيت القصيد ، تأتي على لسان الشخوص محملة من السارد ، وكأنها تلخيص التلخيص ، مثل : – عندما تتحول المدرسة إلى بعد واحد فهي ليست بذات رسالة ، ص 249 – إننا في بلد محافظ ، لنا عادتنا وتقاليدنا وقيمنا ، ولا يمكن أن نسمح جميعا واحدا واحدا ، بتلك الترهات والسخافات أن تتسلل إلى نفوس أبنائنا وعقولهم الغضة ، ص 225 – المادة الرصينة لا تقدم من خلال شخص تافه ، ص36 – أصلح المعلم .. أصلح معلم المعلم ، ص97 .

2- سيادة صوت الكاتب على صوت الشخوص :

     السارد بصفة عامة كما تواتر في الرؤية التقليدية ، ليس شخصية روائية ، إنه الشخص الضمني الخفي الذي ينقل الأحداث ويصور الشخوص ويبين المكان والزمن ويشكل شكل السرد ، دون أن نشعر بوجوده ، السارد مثل كاميرا السينما أو التلفاز ينقل المشهد كما يحدث بطريقة لا تشعرنا بوجودها . أما إذا أراد السارد أن يجعلنا نشعر بوجوده حقيقة في الرواية ، فلابد أن يجعل نفسه شخصية داخل القص ، حتى يكون وجوده مسوغا ، أما أن يوجد بلا داع فالأمر مربك لبناء القصة التقليدي . تخيل فيلما يصور بكاميرا ، والمصور يعلق على الأحداث وهي تحدث ، دون أن يكون شخصية في الفيلم ، إن ذلك لو حدث فسيكون تدميرا للفيلم ما بعده تدمير . وهذا ما صنعه السارد في هذه الرواية . فلقد وجد في الرواية أيما وجود دون مسوغ فني ؛ كأن يكون شخصية من شخصياتها كما أشرنا ، ولو جعل نفسه شخصية ، لتقبلنا وجوده في السرد طبيعيا .

     ولقد ترتب على وجود السارد في نصه ، ما يلي :

أ- أن السرد بضمير الغائب ، الذي يجعل مسافة بين السارد والموضوع ، فقد مسوغ وجوده في كثير من أماكن الرواية ، وبدا وكأنه سرد لا ينتمي لمعناه ، حين جعله السارد وكأنه السرد بضمير المتكلم ، الذي يجعل السارد أكثر حميمة بموضوعه في مواضع يستحيل تواجد الحميمة فيها .

ب- أن السارد تحول بوجود السارد في نصه إلى سارد عليم بكل شيء ، سرد لا يترك صغيرة ولا كبيرة عن شخوصه وعن أفعالهم في المدرسة وخارجها إلا أحصاها وعرفها معرفة تفصيلية ، ومن ثم بدت شخوصه غير معبرة عما تعرفه عن نفسها .

ج- أن السرد ابتعد عن الحيادية ، وبدا غير محايد منذ البداية ، وكأنه شخصية روائية لها سماتها الكارهة في النص الروائي .

     ولكن كيف حدث ذلك ؟ حدث ذلك كما يلي :

1- ظهور الكاتب بشخصه في عنوان الرواية :

     لم يرد المضاف إليه في عنوان الرواية ، وهو لفظ طالبان ، في متن الرواية أبدا ، ولا مرة ، مما يدل على أن عنوان الرواية ، عنوان تأويلي ، ليس عنوانا تفسيريا ، وفي تصوري ليس ثمة حتى رابط تأويلي بين تفاصيل الرواية وعنوانها ، فما فعله الطلبة شيء ، وما فعله المضاف إليه / طالبان ، في العنوان شيء آخر ، الكاتب استغل ما يحدث عالميا في اقتناص عنوان يمكن أن يروج للرواية ، عنوان الرواية نص آخر ، وليس نصا موازيا كعادة العناوين في الروايات ، كان وعيي يفتش عن المضاف إليه / طالبان ، في نصوص الرواية لكني لم أجده أبدا ، وربما أضر التفتيش هذا وعي قارئك عن متابعة جماليات روايتك ، وذلك كمن يفتش في غرفة ما عن شيء ما ، وبالتالي لن يلتفت إلى أي شيء آخر في الغرفة غير ما يفتش عنه ، لقد برمج عنوانك وعي قارئك على أن يفتش في الرواية على شيء ما ، وهذا جعله يهمل بقية الأشياء الأخرى في الرواية ، تماما كما تدرب الشرطة وعي كلابها على أن يبحثوا عن شيء ما ، فلا يستطع وعي هذه الكلاب أن يعثر على شيء آخر إذا وجدته ، فالكلاب المدربة على البحث عن مخدرات مثلا ، لا تستطيع إيجاد أسلحة ، لقد دربني عنوانك على البحث عن المضاف إليه / طالبان ، وربما أهملت بقية جماليات رواياتك وراء هذا المضاف إليه . لقد كانت أمامك فرصة عظيمة ليتم الربط بين نص الرواية وعنوانها ، فعندما اختفى مرواس الرسمي بعد ما يقرب من مئة صفحة ( اختفى ص 95 ) من السرد قلت آه لعله الآن في حضن المضاف إليه في عنوان روايتك ، وأهلت أفق تلقيي على ذلك لأتم مواءمة بين النص وعنوانه ، وتخيلت أن مرواس سوف يظهر في مكان ما من الرواية في التلفاز وهو يصدر بيانا ويمتشق رشاشا في وجه رهينة ما ، لكن تخطأ أفق توقعي ، وظل خاطئا في أن يفعل غيره مثل ذلك حتى النهاية ، فخرجت أفق توقعي من الرواية ، ككلب البوليس ليس معي ما طلب مني وليس معي شيء آخر . من هنا لقد أضر عنوانك بروايتك ضررا بالغا ، إنها ليست حقول المضاف إليه من عنوانك ، ولكنها حقول صنعها عبد العزيز السليم تأويلا لما لا يؤول . إنه عنوان إسقاطي لا يتفق مع طبيعة ما قدمه من قص تقليدي لا يطير بعيدا ، إن العناوين التأويلية تتفق خير اتفاق مع القص الرمزي وقصك غير ذاك.

2- ظهور الكاتب بشخصه في السرد :

     وهذا يسهل ضبطه ؛ لأنه يروى أصلا بضمير الغائب ، والمفترض فيه أن يكون محايدا كما بينا ، ولقد تم ذلك عبر آليات عدة ، هي :

أ- ظهر في تعليق سردي غير محايد ، ورد ذلك في ص329.

ب- ظهر عندما فرض وعي غير سياقي على ذاكرة وعي سردي سياقي ، ورد هذا ، ص302.

 ج- ظهر عندما فرض وعي غير سياقي على وعي سردي سياقي ، ورد هذا ، ص414.

د- ظهر عندما فرضت شخوص غير سياقية على سياق سردي ، ورد هذا ، ص440.

هـ- ظهر ذلك عندما احتفظ السارد بمعلومات سردية خاصة بالشخوص ، وفاجأ السرد بها في النهاية ، ورد ذلك ، ص 432.

و- ظهور ذلك عندما يظهر تلخيص للسرد ، ورد ذلك ، ص430 – ص330 – ص350-351. وكأنه مدرس يلخص الدرس ، والمفروض القصة تحكى دون مذاكرة .

ز- ظهور ذلك عندما يعاد تكرار السرد ، ورد ذلك ، ص434 – ص318 – ص322.

ح- ظهر ذلك بظهور تضاد بين مضامين السرد ، ورد ذلك ، ص432 – ص423 – ص408.

ط- ظهر ذلك بظهور سرد لا يتفق مع زمن تقديمه ، ورد ذلك ، ص 400 ، في حصة الأستاذ السمسمي.

ي- ظهر ذلك عند حضور الخطأ النحوي واللغوي :

نحوي :

– ” الغير مسئول ” ، ص313 .

– وهو يلتفت إلى الأستاذ بتحدي سافر ، ص347.

– قال العبسي وهو يمسك علبة بطرفا أصبعية ، ص103 .

لغوي :

– يلخس ، ص411 ، مادة لخس غير موجودة في قواميس اللغة .

– تقرقع ، ص39 ، مادة قرقع غير موجودة في قواميس اللغة .

– فزقح بوجهه ، ص84 : زقح القرد زقحا ، صوت ، الزقح : صوت القرد ، هل ينفع زقح بوجهه .

3- ظهور الكاتب بشخصه في الحوار :

     وهذا يصعب ضبطه ، ولقد ظهر ذلك ، كما يلي : 

أ- تحميل فهم الكاتب في إدارة حوار شخوصه في الأغلب الأعم ، مختصرا تلغرافيا ، في جمل قصيرة بأقل الألفاظ ، وكأنه كلام الربوت أو تلخيص للغة حوار سبق سماعه ، أو تعليق عليه عبر التعميم ؛ لدرجة أن سرد تقديم الحوار أطول من الحوار .

     ولا شك أن هذا يؤدي فضلا عن ظهور الكاتب بشخصه في النص ؛ إلى إحساس القارئ بأن الحوار لا يسير طبيعيا كما شاء فن القص ، في مقولة : Effect de real ، الإيهام بما هو واقعي . ، ورد ذلك ، ص210.

ب- تقديم حوار ، وكأنه يدور بين أشخاص ، هي التي تعرف خلفيته ، ورد ذلك ، ص347-348.

ج- تحميل فكر الكاتب في توجيه إدارة حوار شخوصه ، ورد ذلك ، ص429- ص208-209.

د- تحميل فكر الكاتب على موقف حوار شخوصه ، وذلك فيما أسميته حوار التحايث المقابل المتوازي ، الذي ورد في الصفحات : 262 و 263 و 264 و 265 و 266 و268 . وتكررت أيضا ص320-321 .

هـ- تحميل فكره في حوار شخوصه ، وذلك لأن اللغة وعاء الفكر ، ولقد ظهر ذلك جليا في حديث كثير من الشخوص ، مثل ص323—325 . وسوف أذكر نص الحوار لطرافته :

– ” يسمونها بغير اسمها .. يقولون عنه ( نجم سينمائي ) وهو في حقيقته داعر ، زان ، سكير ، أو ( بطولة الفنان فلان ) وهو أجبن من النعامة الفتخاء ، أو يطلقون عليه ( سوبر ) من ألقاب اليهود والنصارى ، وأريد أن أسألكم بكل صراحة وصدق : لماذا لا يفصح هؤلاء الفنانون عن أسمائهم الحقيقية ؟! ألم تدركوا بأن أسماء الشهرة في التلفاز والمجلات هي أسماء مستعارة ؟! كبيرهم الذي علمهم السحر أم كلثوم ، اسمها الحقيقي : فاطمة إبراهيم البلتاجي ، وفيروز النصرانية : نهاد حداد ، وصباح النصرانية : جانيت فغالي ، ووديع الصافي النصراني : وديع فرنسيس ، وعبد الحليم حافظ : عبد الحليم شبانة .. كان عازف كمان ثانوي على آلة ( الأبوا ) وبالصدفة انتقل إلى الإذاعة فأصبح مغنيا ….. ، خذ بقية الطابور : لبلبة : نيوشكامانوك كوبليان ، هذا اسم شامبو أم دواء هاها هي هي .. ، إيمان : إليزابيث طوروس سركيسيان ، شريفة فاضل : فوقية محمد ندا ، ليلى طاهر : شرويت مصطفى فهمي ، بوسي : صافيناز محمد قدري ، إسعاد يونس : إسعاد حماد جمال الدين ، شرين : أشجان محمد السيد عزام ، معالي زايد : معالي عبد الله أحمد المنياوي ، عمر الشريف : ميشيل شلهوب ، نور الشريف : محمد جابر ، وجدي العربي : وجدان عبد البديع العربي ، أشرف عبد الغفور : عبد الغفور محمد الجواد ، سهير رمزي : سهير عبد السلام محمد نوح ، حنان شوقي : سيدة محمد أمين ، زيزي البدراوي : فردوس جميل ، شهيرة : عائشة محمد أحمد حمدي ، كريمة مختار : عطيات محمد البدري ، نجوى فؤاد : عواطف محمد عجمي ، مديحة يسري : غنيمة حبيب خليل ، نجلاء فتحي : فاطمة الزهراء حسين أحمد ، تحية كاريوكا : بدوية محمد كريم ، يسرا : سهير محمد نسيم ، أحمد رمزي : رمزي محمود بيومي ، هدى سلطان : بهيجة عبد العال ، نادية لطفي : بولا محمد شفيق ، ناريمان : توحيد أبو زيد محمد ، سناء جميل : ثريا يوسف عطا الله ، ليلى فهمي : ثناء محمد عبد الله ، حنان ترك : حنان حسين محمد ، رغدة : رغداء محمود نعناع ، سلوى خطاب : سلوى محمد مرسي ، سوسن بدر : سوزان أحمد بدر الدين ، نوال أبو الفتوح : سهير أبو الفتوح أبو الأنوار ،.. وائل كفوري : ميشيل خوري .. ” . أيضا ورد الرد ، ص325 .

و- تكبير الموضوع في الحوار ، ورد ذلك في صفحات كثيرة منها ، ص435.

4- ظهور الكاتب بشخصه في الوصف :

     المفترض أن يقدم السارد وصفه كالكاميرا كما أشرنا ، وإذا أراد أن يكون غير ذلك ، لابد أن يعد نفسه شخصية روائية ، هي التي تسرد ، وحينئذ يمكن لها أن تتخذ موقفا من السرد ، كما بينا ، لكن السارد المحايد في القص التقليدي يظهر كما يلي :

أولا – حين يتم تقديم السرد في الرواية دفعة واحدة ، فمثلا في ص25 :

” الأستاذ فاروق اللهابي ، متوسط الطول ، برميلي الجسم ، ووجه حليق مدمج ككرة يلمع بالدهون والمكياج ، له شارب كتلة رمل منقسمة ، وشفتان تبين عن ثنايا متباعدة اصفرت مع الزمن والتدخين ، وحاجبان كثان ، وعينان واسعتان ذواتا رموش معقوفة تنفرجان عن حدقتين عسليتين ، وخيوط الأوعية الدموية ، يتربع على رأسه عقال غليظ كإطار العربة ، وشماغ يعكس الأضواء بفعل ” النشا ” ، وميزاب انتصب كحد الشفرة . توجه تلقاء الصف الثالث المتوسط ، ومناطق بارزة من جسمه تتدحرج ، يمشي مطمئنا ناتجا عن الشبع والثقة بمنهج مريح ، مدروس ، اتخذه دستورا في التعليم رآه الأصوب ، يتضوع العطر الرجالي من حوله ، يداعب مسبحته ، ويقلبها تاركا إياها تعلو في الهواء كرغيف الخبز فتسمع قرقعة خرزها من بعيد . دخل الصف كقنبلة ألقيت فجأة في مجلس ، مثيرة الهلع ، والصمت في آن ، واستطاع ان يلخس حركة بهلوانية متأخرة مما فتق من كوامن الشر والطغيان في نفسه فصرخ في هدوء ونشوة ” .

     والسرد بهذه الطريقة يترتب عليه الآتي :

1- يوقف الحدث الروائي ، ومن ثم الصراع الروائي ، ومن ثم التدفق الحركي للرواية ، ناهيك على أن الرواية مفتقرة إلى حد كبير إلى هذه الصفات .

2- يبين حجم خبرة الكاتب بالتأليف القصصي ، فلا يمكن للسرد أن يوقف قصة من أجل أن يقدم لنا مذكرة تفسيرية بصفاتها ، حتى في قصص الشخصيات لا تكون الأمور بهذا الشكل .وإنما تقدم الصفات تناثرا مع حركة القص .

3- يبين أيضا مدى حيلة الروائي الوصفية ، فهو يقدم وصفه من خلال مفردات بعينها في الوصف ، أضحت محفوظة بالنسبة للقارئ : الوجه والشماغ والعقال واللحية والشارب والجسم واللباس والحذاء .

4- أنه لو حذف الوصف من الرواية ما حدثت مشكلة ، أما الوصف المتضافر مع الموقف فيصعب حذفه .

ثانيا – ويتمثل في أن الكاتب لم يهتم في الجزء الأول من القصة إلا بوصف الشخصيات ، بعد ذلك فلتت منه توصيفات للمدرسة والصف ، رغم أن المدرسة كانت محورا في العمل ، وكان ضروريا أن يكون وصفها مهيمنا ، خاصة مع كل حركة فيها ليكسر رتابة وضيق الحركات في حيز ضيق كالمدرسة .

ثالثا – أن بعض مواضع وصف المكان عند الكاتب اتسمت بصفة إشارية أو رومانسية ، وهي صفة تقدم الوصف لا كما يتضح في الواقع بالرؤية التقليدية ، ولكن كما يتضح في نفسية الكاتب ووجدانه وحسه ، وإن كان ذلك مستحسنا في أماكن قص غير تقليدية ، فهو في التقليدية موضع تساؤل ، انظر ص 35 :

” غرفة الإدارة تلك محط أنظار المتطفلين ، والباحثين عن الحقيقة ، بل غرفة محاكم تفتيش ، تصدر عنها القرارات بالغزو أو الاستقلال .. تتم فيها محاورات عن المدينة الفاضلة ، وتغلي فيها الأنباء مع الهمهمات مع التدليس والتلفيق ، تشرئب إليها الأعناق ، وتشخص إليها الأبصار كبيت ( جبلاوي نجيب محفوظ ) .. تمتلئ بالشجن والتناقض .. لحظات يولد فيها الإنسان محملا بعبء جميل أو قاتل أو مكان لتنفيذ حكم إعدام ، أو إصدار صك براءة . هي قبلة تولي الوجوه شطرها ، ومحراب يتبتل فيه المقهورون والمجاذيب وذوي العاهات . جميلة هي – الإدارة – بالأطر التي تشهد بالتفوق والإبداع والنجاح الذي تصنعه السواعد الفتية المتحمسة . يتضوع – أحيانا – فيها المسك والبخور في ظل ظليل صيفا ودفء ليالي العاشقين شتاء . قطعة أرض ذات بقاع مختلفة لكنها ليست كالبقاع ، بل صاج يقلب القلوب بإرادة خفية غير خاضعة لمقدمات ، بل يفور كبركان ، ويرتعش كالزلازل بلا شروط أو أعراض بائنة ” .

رابعا – أن وصف الكاتب في بعض الأحيان يكون وصف مفهوم وليس وصف ما صدق ، بمعنى أنه يجمع كل صفات الأنواع المشكلة للنوع ، وليس صفة فرد النوع الواحد ، من ذلك مثلا وصف اللوحات المثبتة على غرفة المرشد ، ولننظر :

” وراح يقلب وجهه ويقرأ لأول مرة اللوحات المثبتة على جدران غرفة المرشد : ( المرشد صمام أمان فلا تهمله واستشره ) ، ( مصاحبة رفقاء السوء لا يثير الشبه فحسب ، وإنما توقع في المهالك ) ، ( المرشد الطلابي يعمل لأجل مساعدتك فلا تتردد في استشارته ) ، (الصاحب ساحب ) ، ( ترك الجواب جواب ) ، ( كن قدوة لإخوتك وزملاءك ) ، ( لا تنظر إلى صغر الخطيئة ، ولكن انظر إلى عظم من عصيت ) ، ( الهمة طريق القمة ) ، ( اترك أثرا قبل الرحيل ) ، ( الخطأ تكرار الخطأ ) ، ( السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ) ، ( من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه ) ، ( أفضل أخلاق المؤمن العفو ) …

خامسا– وتتمثل فيما مارسه الكاتب من تشبيهات جزئية داخل الوصف ، فلقد اتسم التشبيه عنده بسمتين :

أ- أنه اكتفى بالمشابهات الشكلية الجزئية دون النفسية في الأغلب الأعم ، تماما كمآخذ العقاد على شوقي ، فليس غاية التشبيه أن تشبه شيئا أحمر بآخر أحمر لتقريب الصورة ، وإنما الهدف شكلي ونفسي وجمالي ، لا شك في ذلك ، فمثلا عندما يقول الكاتب التشبيهات التالية ، فإن الشبة الشكلي فقط هو المهيمن دون بعد جمالي أو نفسي :

– وهو يتلفت في شتى الاتجاهات كريش المروحة مستشرفا الأفق المسدود ، ص308.

– توجه الأستاذ العسجد إلى الصف الثاني الثانوي بخطوات ملؤها الثقة إلا من ألم خفي يؤذيه كشوكة صغيرة متغلغلة في كبده ، ص100 .

ب- أن جل تشبيهاته للطلبة استمدت من معجم الحيوان ، والدلالة واضحة : ولننظر فيما يلي:

– وأنتم تدركون أن الطلبة كالأغنام لا تمشي إلا براع ، ص219 – وهام على وجهه كالبهيمة ، ص255 – ينتقل كالماعز الجبلي ، ص275 – كأصوات البهائم في المسالخ ، ص304 – كأغنام في حظيرة ، ص318- أنا أسأل الحيوانات أمثالك ، ص334 – تعال يا كلب يا سافل ، ص334 – قال المدير برغاء بعير ، ص348 – ويأكلون أوراق الشجر كالبهائم ، ص457 – خاف الأستاذ من عواقب البهيمية ، ص357 – تكوم الطلبة كما تتكون الأغنام ،  ص365 – بهائم .. لا أقل ولا أكثر ، ص367 – وفجأة التفت إلى السبورة التفاتة ضبع ، ص411 – كالخنازير البرية ، ص432 .

ج- أن بعض تشبيهاته غير محايدة تكشف عن موقف الكاره :

– واقترب إلى الجسد المكوم قربه ، ص410 .

– على لسان الأستاذ العربجي ، ص316

د- أن بعض تشبيهاته متكررة طيلة الرواية :

– والفضول يمط الأنوف ، ص5 .

– حتى رأى الأساتذة يمطون أنوفهم في فضول ، ص358 .

ثانيا – ما تمفصل مع الرؤية التقليدية من تقنيات حداثية :

     حاول الكاتب الخروج من جمود الرؤية التقليدية للقص ، بتطعيم نصه بتقنيات حداثية ، لكن ما هذه التقنيات الحداثية ؟ وهل بدت هذه التقنيات طبيعية في النص ؟ وهل كان وجود هذه التقنيات موظفا توظيفا جيدا لصالح الدلالة ؟ ولسوف يجاب عن هذه الأسئلة فيما يلي :

أولا – الشكل السريالي :

     ولنشرح – بداية – هذا الشكل : ” منذ أن كشف فرويد النقاب عن عالم العقل الباطن ، وظهرت دراساته لعوالم الأحلام والأساطير ؛ وجد كثير من الأدباء والفنانين أنه قد أصبح من العبث التوقف عند حدود مفردات العالم الخارجي الظاهر للعيان والحواس . ولقد كان لهذه الكشوف تأثيرها الواضح ، إذ فتحت الباب أمام طائفة من كتاب القصة ليلجوا عوالم جديدة ، بعد أن وجدوا في عالم العقل الباطن ، والحلم والأساطير ، مستودعا لمادة قصصية .

     والقص السيريالي لا يحاكي الواقع ، ولكنه يسعى إلى إيجاد واقع جديد ، ومن ثم اهتدت في سعيها إلى تجاوز الواقع والمنطق السببي ، إلى تفجير طاقات الحلم واللاوعي . والقصة السيريالية لا تكتفي بإضافة هذه العوالم إلى عالم الظاهر فحسب ، لكنها تمزجها به ، حيث لا يغدو ممكنا في كثير من الأحيان التمييز بين حدود الواقع والفانتازيا ، النوم واليقظة ، الشعور واللاشعور ، الحقيقة والخيال . ( د. محمد مهدي غالي : تطور الشكل الفني في القصة المصرية القصيرة ، رسالة دكتوراه ، مخطوط ، كلية الآداب ، جامعة الزقازيق فرع بنها ،1991م  ، ص167) .

     ولقد عمل هذا الشكل في رواية الكاتب من خلال ما يلي :

1- تيار الوعي :

     المفترض في تيار الوعي عندما يتمفصل مع القص التقليدي ، أن يقدم وصف المحتوى الداخلي النفسي للشخوص ، ذلك لأن القص التقليدي يوجه اهتمامه الأكبر إلى الوصف الخارجي للشخوص ، وبناء على ذلك فإنه يجب أن يتبدى في القص مختلفا حسب المحتوى النفسي لكل شخصية ، بمعنى أننا سنجد أنواعا من تيارات الوعي مختلفة بعدد واختلاف الشخصيات . والمفترض في السارد أن يكون محايدا كما بينا ، وإذا أراد أن يدخل في تيار وعي شخصية من شخوصه ، فينبغي له أن يدخل بشروط الشخصية ، بمعنى أنه يجب أن يتلبس حالاتها النفسية في المواقف المختلفة ويبينها ، بالطريقة أيضا التي يجعلها تختلف عن غيرها من شخصيات . والمفترض في السارد إذا أراد أن يوحد تيار وعيه في التعليق على الأحداث ، وفي فهم الشخوص أن يجعل نفسه شخصية روائية ، لأنه في هذه الحالة سوف يفسر سر توحد تيار وعيه عبر المواقف المختلفة ، والشخصيات المختلفة ، من خلال توحده شخصيا وسرديا مع تيار وعي الرواية .

     أما أن يعطى السارد لنفسه الحق في الدخول في تيارات وعي الشخوص والمواقف ، دون أن يكون شخصية روائية ، ودون أن يحافظ على صفته بوصفه ساردا محايدا ؛ فهذا يصنع مشاكل في السرد ، هذه المشاكل قد تصادف نجاحا إذا اتصفت طبيعة السارد مع طبيعة الشخصية المقدمة ، كما اتحاد السارد وشخصية العسجد هنا ، وكما اتحاد السارد والتعليق في بعض المواقف ، وقد لا تصادف نجاحا في مواضع أخرى إذا لم تتصف طبيعة السارد مع طبيعة الشخوص المقدمة ، والمواقف المعروضة ، كمعظم تيارات الوعي التي دخلها السارد في جل الشخوص والمواقف .

     وبناء على ذلك فلقد وظف تيار الوعي جيدا في تمفصلين ، هما :

الأول : التباس تيار وعي السار بتيار وعي العسجد ، فلقد كان خير رابط بين نفسيته الترانسنتدالية / المتعالية ، والواقع المعيش ، وبدا ذلك في المواضع التي احتكت بها نفسية الأستاذ العسجد مع الأزمات في كل الرواية ، انظر . ص338 – ص349.

     لكن ثمة مشكلة ، وهي أن تيار وعي العسجد ، الذي هو تيار وعي السارد ، بدا معادا مكرورا في مواضعه المختلفة ، يعزف نفس النغمة ، دون تنويع ، فغالبا ما يسب في تيار وعيه الطلبة ، والإدارة ، ومهنته ، وغالبا ما يكبر الموضوع ، ويتخذه وسيلة لنقد كل شيء حوله ، من تاريخ العرب إلى الآن ، في كافة المجالات .

     والحق أن الوحيد الذي يستحق شرف تيار الوعي في هذه الرواية هو العسجد ، لأنه هو الوحيد الأكثر أزمة ، البطل الأزمة في الرواية ، وكان ينبغي أن يكون هو – لا السارد – السارد الأول لهذه للرواية ، حينها لن يكون هناك ثمة غضاضة في أن يتلبس تيار وعيه ، وتيار وعي الجميع حسبما يراهم : شخوصا ومواقف ، ولكن يبدو أن الكاتب خشي أن يضبط متلبسا ببطولة الرواية ، ومن ثم يجلب على نفسه تهمة السيرة الذاتية ، فأراد أن يتخفى في ثوب العسجد حتى يستطيع أن يفر ببضاعته من جمرك المساءلة المجتمعية .

الثاني : التباس تيار وعي السارد في سرد يعلق على الأحداث ، وكأنه الجوقة اليونانية التي كانت تعلق على الأحداث في المسرح اليوناني ، بطريقة كاشفة ، أو موضحة ، أو هازئة ، وكأنها شخصية مسرحية ، من ذلك مثلا : ص27 – ص309 .

     وفي تمفصل واحد بطريقة ملبسة ، هي :

الثالث : التباس تيار وعي السارد بتيار وعي شخوصه ، ولقد ترتب على ذلك أن بدا تيار وعي شخوصه في أغلب الأحوال متشابها ، انظر . الصفحات : 8- 29 –44 – 46.

 2- الحلم / الرؤيا :

     ورد الحلم بتكنيك القص التقليدي ، وإن كان معبرا ، وتعبيره ليس لصالح الطلبة ؛ أي لا يعبر عن نفسيتهم ، وإنما ورد لصالح السارد ؛ أي يعبر عن نفسيته السردية ؛ اقتصاصا من الأستاذ الظهيري والواقع المرجعي ، ولقد ورد الحلم بالنص هكذا : ” رأيت رؤيا يا أستاذ ” ، في الصفحات : 426 ، 427 ، 428 ، 429 ، نذكر منها :

– ” رأيت أني أسير في الشارع ، وبيدي ريالين ؛ لأشتري بواحد شوكولاتة ، والآخر عصيرا ، ولما وصلت البقال ، وجدت بيدي ريالا واحدا ” .

– ” رأيت مرة ، بأني أقود دراجة نارية على شاطئ جدة ، فتقلبت بي الدراجة ، ولما نهضت رأيتني أمشي على أربع ، فنظرت إلى نفسي ، فإذا أنا ماعز تلبس الإزار ، وعلى رأسها عجينة من الحناء ” .

3- مزج الواقعي بالفانتازي :

     من أكثر التقنيات الحداثية التي استفاد منها الكاتب ، ولقد بدأت على استحياء في وصف غرفة الإدارة السابقة ، ص41 ، واستمرت تصاعدا في نفسية وصف السارد ، الذي يتلبس العسجد أصلا ، في الصفحات : 316 – 335 – 346 – 368 – 376 ، ووصلت إلى قمتها مع الأستاذ البلهي ، ص 86-87 ، معبرة عن حالته الشغفية خير تعبير ، كما يلي :

     ” الفصل عصافير شجرة سدر لا تزال تتماوج فيها الطيور مزقزقة ، والأستاذ دب يتقلب بين أسماك السردين .. فلا عجب أن تفرفر البلابل وتغني ابتهاجا بمقدم شارلي شابلن وأبي دلامة .. وبلا مقدمات صفقت الطيور بأجنحتها ، وغرد من شاء له التغريد ، وبرطم الديك الرومي ، وتشابكت أعناق مالك الحزين ، واختلطت الأصوات الناعمة بأصوات المكائن ، حتى الغراب راح ينعب بصهيل الحصان ، والحصان يصهل بنعيب البوم ، وجاء العصفور يتسلل ويتمسح بثوب الملهي كقطة أليفة عرفانا بالجميل ، مقدمة له آيات الشكر والامتنان ” .

ثانيا – استدعاء كتب التراث :

     سواء كان التراث قديما ، مثل ما أورده الكاتب ، ص 187- 188- 189- 190 – 297 – 298 – 299 – 301 . أو حديثا مثل ما ورد ، ص 144 : ” كن الحال والصفة التي تريدها ، تتجاوب معك أعضاؤك وروحك وبالتالي شخصيتك ” ، فالملاحظ أن أسماء الكتب التي استدعى منها الكاتب التراث غير مذكورة ، الكتب القديمة معروفة في تراث النكاح ، والكتاب الحديث ، هو كتاب السر : لمؤلفته الأسترالية ، روندا بايرن ، وهو موجود في مكتبة جرير ، طبع 2008م . والملاحظ أيضا أن الاستدعاء الأول أتت مقتطفاته كاملة ، أما الثاني فورد معناه فقط ، وربما كان السبب في ذلك أن الاستدعاء الأول ، يبين عن بعد آخر من أبعاد شخصية الظهيري ، يود الكاتب كشفه ، تماما كما كشف إدعاء أدائه لعمله ، أما الاستدعاء الثاني فتم – في نظرنا – عفو الخاطر.

ثالثا – الخطبة / الخطابية / المحاضرة العامة :

     وردت الخطبة أو المحاضرة العامة في الصفحات :124-371-372-373- 374- 375 ، ووردت الخطابية في أماكن أخرى كثيرة من الرواية . وفي الأماكن التي امتزجت فيها الخطابية بالخطبة أو بالمحاضرة العامة ، كانت الخطابية مميزة ، أما في الأماكن الأخرى ، التي وردت فيها الخطابية مستقلة ، فالأمر غير ذلك .

رابعا – المقالية :

     أو بالأحرى الكتابة الفنية ، الكاتب شغوف بالمقال الفني ، وكتابته الفنية في الرواية أخلب للعيون من كتابته السردية ، وذلك لأن شخصية الكاتب سيطرت على شخصية الروائي ، وآية ذلك أن الروائي ينتهز أية فرصة لتحول سردي ، ليتحول هو الآخر إلى كاتب يمارس هوايته في الكتابة الفنية بامتياز ، لننظر ص 213- 252- 360 – 261 – 369 – 430.

     ولقد كتب يوسف إدريس في نهاية حياته القصة / المقال ، ولا شك أن المزج بين القصة والمقال يصنع صنيعه البنائي في خدمة دلالات السياق الروائي ، فقط عندما يتوفر شرط مزجهما معا ، أما إذا لم يتوفر شرط وجودهما معا ، فإن وجود المقالية يقف حجر عثرة في سبيل تدفق السرد ، وينشئ في الرواية سكتات قرائية متقطعة في مسيرة حركية الرواية.

     وبعد ، ففي النهاية ، إن كان يحق لي أقول كلمة للكاتب ، فأقول له ، أنت سارد بحق ، والمآخذ على الرواية ، هي المآخذ التي تؤخذ على الكتابة الأولى لأي كاتب ، مشكلة الرواية الأولى أن الكاتب يريد أن يضع فيها كل شيء قابله في حياته ، ونغص عليه حياته ، لذا إن كان يحق لي أن أنصحك فأنصحك بتخفيف خيوطك الروائية إلى حد بعيد ، وأنصحك أيضا بالانتصار إلى شكل أدبي محدد .                                

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة