مقالات نقدية

قراءة نقدية لـ”أسفلت المنفى” لحسين بن قرين درمشاكي – ماجد القيسي..

أسفلت المنفى (ق.ق.ج) قوية ومؤثرة، تختصر مأساة المنفى والخذلان في ومضة زمنية وكلمات محكمة!

​تعليق على ق.ق.ج: “أسفلت المنفى”

​تجسد هذه القصة لوحة فنية مكثفة باليأس المُرصّع بصلابة لا تُقهر، حيث يتحول المنفى من مجرد مكان إلى حالة وجودية مُجمِّدة للروح. القاص، حسين بن قرين درمشاكي، يستخدم لغة شاعرية عنيفة ومشاهد حسّية قاسية لتصوير انهيار الدور التقليدي للرجولة وصعود امرأة، هي “نجلاء”، لتأخذ زمام الثأر والكرامة.

​1. الكثافة والرمزية:

​القصة قصيرة لكنها غنية بالرموز:

​”قارعة المنفى المجلّدة”: تعكس التجمّد العاطفي والوطني.

​”نجلاء كعمود ملح”: إشارة إلى الصمود الأسطوري وعدم الانكسار، وفي نفس الوقت، ربما إشارة إلى الحزن الذي يحوّل الكائن إلى كتلة جامدة (كما حدث لزوجة لوط).

​”تاورغاء المبتورة”: ربط مباشر بالهوية المسلوبة والجرح الليبي العميق.

​”مفتاح” كـ “جذع شجرة مقطوعة”: رمز للرجولة المنهزمة والعجز المخزي. اختيار اسم “مفتاح” يحمل سخرية مريرة؛ فالمفتاح لم يعد يفتح باب العودة أو الكرامة.

​2. التحول الدرامي والنهاية الصادمة:

​يتمحور ذروة القصة حول لحظة التحول الدرامي الجذري. نجلاء، التي “لم يجد كفّها أثراً للبلل” لشدة ألمها، لا تكتفي بالاحتجاج، بل تعلن “موت مفتاح” – رمزيًا – في تاورغاء. هذا الإعلان يمثل رفضًا قاطعًا لحالة العجز التي يمثلها زوجها.

​لعلّ أكثر المشاهد إثارة للدهشة هو لحظة إطلاق النار:

​”وضغطت الزناد. طلقة ارتفعت في الفضاء، لم تخترق جسداً، شقّت الخذلان المعلَّب، مُعلِنة ميلاد جند جديد لا يعرف معنى الاستسلام.”

​هذه الطلقة ليست للقتل، بل هي طلقة إعلان ميلاد، “ميلاد جند جديد” يرتدي “الزي العسكري الباهت” للكرامة المفقودة. نجلاء تتخلى عن “أنوثتها الجامحة” لتتبنى دور “الذئاب الجائعة” والفوارس، مؤكدة أن الكرامة لا تعرف جنسًا عندما يتخلى عنها الرجال.

​3. الموضوع المحوري:

​القصة معالجة قاسية وناجحة لثيمة انهيار النخوة الوطنية في ظل المنفى والبيع الرخيص للقضية. إنها صرخة غضب نسائية ترفض الخنوع، وتؤكد أن المبادئ لا “ينفض زمانها”، بل يُسترد ثمنها بالصمود الجديد، حتى لو كان هذا الصمود يعني التخلي عن الجمال والرقة في سبيل الكرامة.

​الخلاصة: إنها قصة قصيرة جدًا عميقة، تترك أثر طلقة في الوعي، وتجعل القارئ يتأمل في ثمن الهزيمة وبسالة من يرفضون الإذعان.

النص:

ق.ق.ج/ أسفلت المنفى

​على قارعة المنفى المجلّدة، حيث عكَست خيوط الشمس صدأ اليأس، استقامت “نجلاء” كعمود ملح لم ينهزم للريح. لم تتكئ على مقاعد الطرق، انحنت قامتُها على جباه رجالها المتقلصة. كانت الهموم تينع في جبينها كحقل شوك.

​عيناها، مرآة تاورغاء المبتورة، لم ترتشفا من الأفق المتصحّر سوى سراب العزّة المتواري. صوتها زَنَ ثقل الصخر وجَلَدَ كالجليد على رخام الهزيمة: “يا بنات الجمر! البون بيننا وبينهم هو المسافة بين الخليقة الباكية والخنوثة المبرّدة!”

​مسحت طرف عينها، لم يجد كفّها أثراً للبلل، فدمعها تبخّر في صقيع الروح منذ زمن. ألمها صقيع مُعلّب، يحمل على متنه وزن طُهر الجلود المرتهنة ودم الكرامة الذي لم يؤرَّخ لثأره بعد.

​رفعت كفّها، لا لتطبع على خديها وشم الحزن، رفعتها وضربت بها هواء العجز الخانق حول زوجها “مفتاح”. هو واقف كجذع شجرة مقطوعة، لا يفقه إلا الصمت الأجوف.

​زمجرت، وكأنها تُطلِق رياح الغضب المتراكمة في بطون المنافي: “أين درع البسالة الذي بشّرتنا به قرارة القَطف الأخيرة؟!” *

​تلعثم مفتاح، مقدّماً عينيه كرهينة لظلّهما الهارب. صوت همسه انهار على الأسفلت: “انفض زمان الكرامة، يا ملكة الصبر. فرساننا… سوق البياعات الرخيصة ابتلعتهم في موائد الملاجئ.”

​نظرت نجلاء إلى يدها المرفوعة. استقامت قامتُها فجأةً، منتصبة كرمح الحقيقة العارية. حجرٌ سكن عينيها؛ لم تعد تنظر إلى فوارس الزمن الأبيض.

​ألقت بربطة شعرها الحريرية أرضاً، وفتحت حقيبتها الجلدية، استلّت منها مسدساً صغيراً لامعاً. وجّهته إلى موطئ صدر مفتاح، ثم حرّكته سريعاً نحو حافة الأسفلت المنسدل عليه ظلامهم الأبدي.

​رفعت المسدس نحو السماء، وصدحت صيحتها لتشقّ غمام الإذعان:

​”أقسم بشرف تاورغاء المسلوب! نحن الآن الزي العسكري الباهت! هيّا يا رفيقات صقيع النخوة، فلنُمِت أنوثتنا الجامحة ونضرب بها نخوتكم المتلاشية…

“مات مفتاح في تاورغاء، ومن الآن فصاعداً، نحن الفوارس! نحن الذئاب الجائعة!”

​وضغطت الزناد. طلقة ارتفعت في الفضاء، لم تخترق جسداً، شقّت الخذلان المعلَّب، مُعلِنة ميلاد جند جديد لا يعرف معنى الاستسلام.

* قرارة القطف: منطقة تقع شمال شرق مدينة

بني وليد.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading