مقالات نقدية

بين الزجاج والدم: الطغيان في عيني ماركيز ويوسّا – إيمان البستاني

IMG 3387

منذ منتصف القرن العشرين، تحوّلت أميركا اللاتينية إلى مسرحٍ روائيٍ لواحدة من أكثر الظواهر الأدبية قسوة ودهشة: أدب الديكتاتور.

تدفّق الكتّاب من ظلال الانقلابات والمعتقلات ليعيدوا كتابة التاريخ بلغة الفن، حيث لم تعد الرواية مجرد حكاية سياسية، بل مختبرًا للروح البشرية تحت أقصى درجات القهر.

في هذا التيار يلتقي اسمان عظيمان: غابرييل غارسيا ماركيز وماريو فارغاس يوسّا — كلاهما كتب عن الطغيان، لكن أحدهما همس به شعراً، والآخر صرخ به واقعاً.

في «خريف البطريرك»، يكتب ماركيز روايةً أقرب إلى سيمفونية شعرية عن العزلة والسلطة.

كأنّ لغته نهرٌ من الصور المتداخلة، تتدفق ببطء، تصنع من الديكتاتور كائناً أسطورياً ينهار من الداخل بينما الزمن يدور حوله.

كل شيء يُروى من خلف زجاجٍ غامض: نرى البشاعة، نسمعها، لكننا لا نلمسها.

ماركيز يقدّم الاستبداد كقدرٍ كونيّ، لا كجريمة آنية.

إنه يُغلف الرعب بالجمال، فيجعلنا نقترب منه دون أن نحترق — تمامًا كما يشاهد المرء النار من وراء زجاجٍ شفاف.

على النقيض، في «حفلة التيس»، يقتحم ماريو فارغاس يوسّا المشهد من الداخل. لا يترك مسافةً بين القارئ والحدث، بل يورّطه في العيش داخل جسد الخوف نفسه. نشمّ العفن، نسمع أنفاس الديكتاتور، ونشعر بأن الرصاص يتطاير حولنا.

يوسّا لا يكتب أسطورة، بل يفكّك الماكينة التي تصنع الطغاة. إنه يضع السلطة على طاولة التشريح، وبدلاً من الغناء كما يفعل ماركيز، يجرّ القارئ إلى المختبر، إلى التفاصيل التي تدمّر النفس قبل الجسد.

ماركيز يكتب الديكتاتور كـ ظلٍّ يتبخّر في ضباب الشعر،

ويوسّا يكتبه كـ جسدٍ يعرق تحت مصباح التحقيق.

الأول يجعلنا نحلم بالنهاية،

والثاني يجعلنا نخجل لأننا شاركنا في بدايتها.

ربما لهذا يبدو الفرق بينهما كما قلت لنفسي حين أنهيت الروايتين :

“بيننا وبين ماركيز زجاجٌ شفاف،

وبيننا وبين يوسّا دمٌ طازج.”

في الأولى نسمع الرعب بصوتٍ مجرّد، وفي الثانية نعيش الرعب بجلدنا.

لكن كليهما، بطريقته الخاصة، يذكّرنا أن الطغيان ليس حكاية عن الآخرين — بل تحذير لنا نحن.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading