قراءة وإسقاطات:رواية “ملابس تنجو بأعجوبة” للأديب الروائي الفلسطيني “يُسري الغول” – غرز الدين جازي- سوريا

• الإهداء
“لكِ وحدكِ فتاة الأنيمون، قراءاتُنا سويّةً نجتْ أيضاً بأعجوبة 00
وهنا أسطّر لكِ وللقرّاء جميعاً بمعية وعيك الثاقب، رؤية جديدة للنقد تخرج من بوتقة المدارس التي اعتنت بالنقد الأدبي وأبدعت فيه، علّني أجد لها صدىً على الأقل لديكِ0
نهجاً جديداً للنقد الأدبي رآه تواضعي إسهاماً بما يمكن أن نلج في عمق النص الأدبي من رؤىً للكاتب وللقارئ، ولنا أنا وأنتِ”0
*كتبَ لي الأديب الروائي الفلسطيني “يُسري الغول”، رسالةً شخصيّةً على الواتس، كانت فاتحة عتبات الرواية النصيّة بالنسبة لي، بثّتها روحه الأدبية المقاومة، فأينعت00 قال لي:
”صديقي العزيز00
في روايتي “ملابس تنجو بأعجوبة” كنتُ قد كتبتُ بلا خوف من الرقيب00
تحدّثتُ عن الإبادة قبلَ أن تحدثْ00
وحاكمتُ الفلسطيني قبلَ أن أُحاكم العدوّ00
كي أفهمَ أينَ أقف00
لكن للأسف، المسؤول لا يقرأ ولا يأبه لنصائحنا كي لا نصلَ إلى ما وصلنا إليه اليوم00
لذلك، هي دعوةٌ لكم كيفَ تقرأوا الفلسطيني غير المؤطّر00
راجياً أن تنال اهتمامك00
محبتي وتقديري0″ 0
*ورأيتها، أوسمةً على صدر ملابس “الغول” التي نجت بأعجوبة00
كما ملابسه، “يُسري الغول” ينجو بأعجوبة00
*على غير عادتي حين تناولي لأية مادة أدبية بالنقد والتحليل، وجدتُ نفسي مشدوداً إلى خطاب “ميس” في نهاية كلّ فصل من الرواية، ولستُ أعرف سرّ وميض هذه الفكرة التي نظّمها ذهني وأعاد ترتيبها وفق سياق ما قرأته في الرواية0
*غايتي منحُ القارئ فسحة من القراءة والتأمل بالاستدلال النصّي لبعض مفاصل الرواية التي أراها حافزاً ومحركاً لذهنه كي يستطلع الرواية من خلال هذه الاستدلالات السردية لبعض حبكاتها0
*علّ ذلك قناعتي أن “يُسري الغول” يتميّز بعبقرية أدبية قلَّ نوعها لدى أي أديب آخر، أو على الأقل ممن قرأتُ لهم0
*ميس، تعني وفق قاموس اللغة العربية المُتخم بالمعاني والمترادفات: التَبَخْتُر، التمايل، الرَّحل، وهي أيضاً نوع من أجود أنواع الشجر الحراجي خشباً وأصلبه0
والميس، ضربُ من المَيَسان، وهو ضربُ من المشي في تبخترٍ وتهادٍ، كما تميس الجارية العروس0
*كان هذا ضرورياً لتوضيح اختيار الأسماء كعتبة نصيّة للرواية أيضاً0
*فائدة لابدّ منها:
لم يكن عبثاً من الروائي “يُسري الغول” أن يُضمّن ومضات تنير سردية الرواية في نهاية كل فصل وفق عنوان وبطل هذا الفصل، يقودنا برؤيته التحليلية العميقة إلى مواقف تُنبئُ عن فكر الكاتب ووعيه ورؤيته الوطنية والسياسية، ولذا فإنّي أدونها باقتباس مثلما هي وكما أراها الـ “غول”0
*بطاقة تعريف :
”كانت تُحبُّ الموسيقى، وأنا أخافُ الحرام”0
• عتبة نصيّة اقتبسها “الغول” للكاتب الفلسطيني د0سعيد الكحلوت، لابدّ منها:
“جميع أرجاء المدينة باتت تدرك أنّ كلّ الطرق تؤدي إلى الحرب، وأنا –وحدي-مازلتُ أبحثُ عن طريقٍ يوصلني إلى حبيبتي، لعلّي أُعطّلُ العدم”0
• عتبة نصية لـ”الغول” لابد منها:
“عزيزي رجل الأمن00
عزيزي القارئ00
عزيزتي ميس00
هذه الرواية ليست وثيقة تاريخية رغم أنها قد تبدو لكم مرتبطة بالواقع، فأيّ تشابه بين الأشخاص والأحداث أو حتى الأماكن، إنما وحي من الشيطان ليُضلّكم عن الخيال”0
*حبيبتي ميس:
في البدءِ كانت الكلمة، بها كلّ شيء، وبدونها الاندثار والزوال00
أَقرَّ اللهُ في عليائه النبي بالقراءة، لذا أكتب لكِ جزءاً من عبثي مع الحياة كي تقرأي لعلّكِ تغفرينَ وتمنحي أباكِ الصفح الجميل0
أحببتُ فتاةً في حارتنا تحملُ اسمكِ الجليل، لم تنتظر أن أتقدم لخطبتها، فقد هاجرت مع رجلٍ يكبرها بعشرين عاماً إلى أوربا، لذا أردتُ أن أجعل من اسمكِ ذكرى جميلة دائمة، ولا أعرفُ إن كنتُ أصبتُ أم أخفقتُ في اجترار الماضي0
هذه المذكرات من أجلِ ميس أيضاً لعلّها تعرف الحقيقة0
*ميس:
إنها حرب بالإنابة يا حبيبتي، لا ناقةَ لنا فيها ولا جمل0
سقط الوطن يوم صارت لدينا رايات ملوّنة كثيرة نرفعها في كلّ تظاهرةٍ احتجاجيّة، ونسينا علم فلسطين مُلقى في زوايا غرف المقرّات الحزبية تدوسه الأقدام0
اجعلي من الرسم والكتابة والرقص ملاذاً00 اهربي بها إلى آخر الدنيا دون أن تهابي أحداً0
كانت الحياة قبل انتفاضة الحجارة لهوٌ ولعبٌ وتفاخرٌ في الأموال والأولاد، لكنها انقلبت رأساً على عقب بعد أول صاروخ، وباتت بطعم الحنظل”0
*عزيزتي ميس:
لم يكن “حيدر عبد الشافي” زنديقاً، بل رجلاً مُتزناً حكيماً لـ “جورج حبش”00
لم يتهمنا بما اقترفت أيدينا، بل حمّل الاحتلال مسؤولية ما جرى00
لم يذكر الشيخ أو رفاقه بسوء رغم الفظائع التي ارتكبناها، بينما كُنّا نتهمه بالشرك والكفر، نشتمه بأقذع الألفاظ0
*ميس:
ما نفعُ الجسد إن كانت الروح مهملة؟
*مشهد:
اشتدّ المطر، ولم يكن بالإمكان العودة إلى البيت، لذا واصلتُ طريقي إلى المدرسة، وفي الشارع الضيّق الواصل بين حكايتين، كانت “ميس” وصوت فيروز، هرعتُ نحوها وفي يدي مظلّة منحتُها إياها دون أن أمنحها قبلةً، ثمّ انصرفتُ0
“ثلاثيّةٌ لا تُنسى أبداً، حبيبتي وفيروز والمطر”0
انتهت الثانوية العامة، لبستْ حبيبتي ثوب زفافها، وقفت بجانب رجلٍ بشاربٍ كثّ، التقط العم أبو رأفت لهما الصور في استوديو القاهرة المُحاذي للمخيّم، ثم طارا إلى بلدة أخرى تعشق المغامرة0
*الضابط ك:
التاريخُ لا يعيدُ نفسه لكنّ الأحداث تتشابه، ومدينتنا تُعيدُ نفسها كلّ يوم بشكل قميء لأنّ أربابها يخافون الاعتراف بأنهم فشلوا في فهم العالم0
ميس : هل تعتقدين أنّ السقوطَ يحدثُ في غير علوّ؟
هل غزّة عالية جداً ليسقط كلّ هؤلاء في وحل الخيانة ثم الإعدام والفضيحة لولا وجود الاحتلال الغاشم؟
هل سقطنا جميعاً حتى بالصمت العاري عن الحق؟
ما نحنُ إلا كلامٌ في كلام، حُلمٌ داخل حُلم، لن نفيق منه إلا بعد خسارتنا كلّ شيء0
*مازنجر:
لنا حكاية تتغيّر كما الفصول الأربعة، مُلوّنة جميلة، تحضر وتغيب كلّما أرهقني غيابكِ، يا غمامتي الناضجة0
كانت غزّة أكذوبة كبيرة، وكذلك الحرب0
ثقي بي، واقرأي ما بين السطور0
*خاتمة يُرسمها “سعيد رافع” :
عزيزتي ميس:
يا روح الروح ومهجة القلب00
نحنُ لسنا سوى ترسٌ صغيرٌ في مكنة هذا العالم، لا نؤثّر بل نتأثّر 00
لذا اهربي إلى أي مكان يليقُ بحضوركِ وشخصيّتكِ العظيمة، لأنّكِ ستصيرين هناك شخصاً ذا هيبة، وربما تصبحين عضواً في برلمان أو حكومة00 لا تفكري بالعودة إلى غزّة أبداً حتى في أحلامك00 اتركي هذا الجحيم لأبناء القادة لعلّهم يصيرون أنبياء0
”اهربي يا حبيبتي إلى الله”0
*ولكم أن تتخيّلوا ماشئتم باختياري قصداً هذا الاقتباس الذي أورده كما هو دون أي تشذيب أو تعليق:
• “الله أكبر، الله أكبر” 00
خرجت الأصواتُ مُلعلعةً00
“صحوة إسلامية”00
هتافات ضد الفساد، ضد الشيوعيين الذين يريدون السيطرة على الجامعة، ويريدون إفساد الجيل0
هكذا كنتُ أعتقد، وهكذا تحوّلت غزّة من مدينة شامية تعشق الحريّة وتمارسُ قناعاتها المُختلفة بلا خوف، إلى مدينة مُظلمة قاتمة00 نغزوها كالخفافيش، نُحطّم أركان النهضة والوعي0
• أذكرُ يومَ حملنا قنابل الـ “مولوتوف” والجنازير والبلطات، ثم توجهنا إلى سينما الشاطئ لتدميرها، ثم سينما الجلاء والنصر، بينما كان الرفاق الآخرون يَقتلعون أحشاءَ الرجالِ أمامَ سينما الحريّة في خانيونس، يُفجّرونَ ويَحرقون القماش الذي يًعرضُ الصورَ المُخلّة بالآداب00 في الوقت الذي تَربّصَ بنا عدوّ غاشمٌ يضحكُ بفجاجة ونحن نُدمّر بلادنا بأيدينا بدعوى إقامة شرع الله، كأنّ المجتمع كان داعراً ونحنُ الدعاةُ، نحنُ الأوصياءُ على الناس جميعاً00
• فماذا كانت تعني لنا الإباحيّة؟ 00
ماهي مقاييسها؟00
هل كان ظهورُ فتاة بشعرها إباحيّة؟00
من الذي وضع حدود الإباحيّة من عدمها في السينما بينما كانت المرأة في غزّة تلبس الجينز الممزق والتنّورة القصيرة، وتشرب الأرجيلة، تُدخّن كما هو الحال اليوم بعد ردح من الزمن خسرنا فيه أنفسنا كما خسرنا الوطن0
• المُضحكُ بعد كلّ هذا، أننا نحنُ المُتدينين انقسمنا شيعاً وقبائل0
• قال أحدهم: لا قبِلَ لنا بجالوت وجنوده، لذلك لابدّ أن تستمرّ دعوة الله لإقامة الشرع الحنيف0
وقال آخر: إنّ مشروع تحرير فلسطين يبدأُ بالبندقيّة ولابدّ من المقاومة ضد الاحتلال مستلهماً من الثورة الإسلاميّة في إيران سبيلاً للخلاص0
واستمرت الفُرقة بينما بدأت العمليات ضد الاحتلال0
• ما زلتُ أذكرُ حين اعتقلني جيشُ الاحتلال برفقة الشيوعيين، رفاق اليوم وأعداء الأمس، كيف كنّا عاجزين عن الأذان لصلاة العصر نتيجة الخوف من الضرب بالهراوات 00
فإذا بشيوعيّ لا يؤمن بالله، ويدافعُ عن الوجوديّة عندما يُناظر مشايخي، ينهضُ ويتوجّه أمام الجنود ليُعلن الأذان00
يُؤذّن في تحدٍّ واضحٍ للجندي الرابض خلف البندقية حتى قاموا بتكسير قدميه، ونحن المُتخاذلين العاجزين عن الدفاع عن حقوقنا نتغوّل على شعبنا المكلوم، المغلوب على أمره0
• تركتُ الإسلاميين، لكنّ صُراخ المرأة في وجهي بعد لطمي على خدّي لا يغيب00
تركتهم، وصوت الأذان من رفيقي الشيوعي في وجه دولة الاحتلال يطنّ في أُذني00
• حادثتان، كان لهما الفضل في عودتي إلى رُشدي وإنسانيتي التي فقدتها بعد تعاطي أفيون التكفير والتحريم الدائم لكلّ أدوات الجمال بما فيها الفنون التشكيلية التي كانت ملاذي كلّ ليلة لأهرب منّي إلى “علاّم” الحقيقي
“الرسمُ، علاقتي السريّة مع الله”0





