قراءة نقدية لقصيدة (اعترافات) لوفاء أخضر : نضال الخليل

قصيدة «اعترافات» لوفاء أخضر ليست بوحاً ولا توبة لكنها اختبار وجودي للجوع حين يصبح وعياً وللجسد حين يسبق اسمه وقانونه
السرقة هنا ضرورة كينونية والاعتراف فعل تسمية في عالمٍ يصادر الحق في الظهور
المقال النقدي المرافق يجاور القصيدة ولا يفسرها مقترحاً قراءة ترى في الجوع معرفةً أولى وفي اللغة أثراً مسروقاً من الصمت حيث يبقى السديم—خارج الأخلاق والملكية—بألف خير
ميتافيزيقا الجوع: الاعتراف بوصفه فعلاً وجوديّاً لا خطيئة
في قصيدة «اعترافات» لا تكتب وفاء أخضر نصًّا بل تُنشئ كائناً لغوياً يسير على حد الفلسفة كما يسير الذئب على حافة الغابة: بلا وعد وبلا خوف من التسمية
هنا الاعتراف ليس جنساً أدبياً ولا طقساً أخلاقياً هو جهازاً أنطولوجياً لفحص أصل الجوع حين يصبح الجوع هو الوعي ذاته.
القصيدة تبدأ من فعلٍ لا يحتاج إلى سياق: « أنا أسرق… حتماً»
لا مقدمات لا اعتذار ولا زمن الـ«حتماً» ليست تشديداً لغوياً لكنها قدر صامت
السرقة هنا ليست فعلاً اجتماعياً بل وظيفة كونية كأن الوجود نفسه يقوم على اقتطاع شيءٍ من لا شيء الآخرون «يقتسمون عطر الورد ويحتكرون مساحات الأرض» الرائحة والامتداد، الحس والمكان وقد اكتملت بهما هندسة الامتلاك في المقابل تقف المتكلمة عند عتبة الجسد حيث يبدأ النقص قبل الولادة:
« لما جعتُ في رحم أمي»
الجوع سابق على الاسم، على القانون، على الوصية إنه الخطيئة التي لم تُرتكب لكنها كُتبت في اللحم
حين تقول: «أباح الله لي الدم» لا تستدعي الإله لتبرير العنف لكن لتفجير فكرة التحريم ذاتها
الإباحة ليست حكماً سماوياً هي نتيجة حتمية لجسد لم يُستشر في خلقه وهنا تتكشف مفارقة القصيدة المتكلمة تنفذ الوصايا عبر خرقها
السرقة والزنا لا يُمارسان بوصفهما رذيلتين لكن بوصفهما آليتين لإعادة الاتصال بالعالم غير أن الجسد لا يهبط إلى الغريزة لكنه يصعد إلى الطبيعة:
« أرتدي خيوط الشمس / آكل رحيق الأزهار / ويلقحني غبار الطلع«
هذا ليس جسداً خاطئاً لكنه جسد نباتي عابر للنوع يُعيد نفسه إلى دورة الضوء حيث لا أخلاق ولا محاكم
السؤال المركزي:
- لمن النخلة التي آوت مريم؟
ليس سؤال ملكية هو سؤال نسبٍ كوني – مريم هنا ليست أيقونة طهارة هي شاهدة على سقوط فكرة الامتلاك
النخلة لا تُؤوي لأنها تملك لكن لأنها موجودة وكذلك السحب والصخور والقصور: أشياء بلا أسماء مالكين لأن اللغة حين سمتها نسيت أن تمنحها أصحاباً حقيقيين ومن هنا يأتي الاعتراف: «أنا لصة / أقر وأعترف»
الاعتراف ليس طلب غفران هو تثبيت هوية في عالم يرفض الاعتراف بالأحياء
الأشياء المسروقة ليست ثروات بل أدوات كينونة: «مضغة لحم» «دثار»، «ملعقة وصحن وشوكة»
إنها مستلزمات الظهور لا الرفاه تُسرق كي تُرى: «ليراني حبيبي بهندام وهيبة»
الرغبة هنا ليست في الامتلاك لكن في أن يُلتقط الجسد بنظرة أن يُعترف به بوصفه جديراً بالمشاهدة
لكن الجسد يبقى متردداً بين الامتلاء والفراغ: «هل أرقص جوعاً في فراغات جسدي؟»
الفراغ ليس نقصاً لكنه مساحة تأويل وحين تعلن الشاعرة رفضها: «لا أريد حضارة بأسلحة وأنياب»
فإنها لا ترفض التقدم لكنها تفضح تعريفه السائد بوصفه افتراساً منظماً – الحضارة هنا مصنع موتى والأحياء سؤال بلا جواب
الخاتمة الطفولية:
«دوروا دوروا حول البركة / حذار أن يلتقط أحدنا سمكة»
هي ذروة السخرية الوجودية – الجماعة تدور حول الحياة دون لمسها تخشى أن يُفسد أحدهم الطقس بلقمة وهكذا ينتهي الجميع «بتفاهة إغماضة عين» بينما «يبقى السديم بألف خير» السديم هذا الغبار الكوني ينجو لأنه خارج اللعبة، خارج القانون، خارج الاعتراف.
قصيدة وفاء أخضر كتابة تُمارس السرقة بوصفها حقاً وجودياً لا جريمة
نص يعرف أن اللغة نفسها مسروقة من الصمت وأن الجوع حين يُفكر فيه فلسفياً يصبح أصدق أشكال المعرفة
—–
القصيدة
اعترافات
(أنا أسرق …
حتماً )
يقتسمون عِطْرَ الورد
يحتكرون كلَّ مِساحات الأرض
لمَّا جُعْتُ في رَحِم أمّي
أباح الله لي الدّم
أبانا الذي في السّماوات
أنا أنفِّذ كلّ وصاياك
أسرقُ
أزني
وأرتدي خيوطَ الشّمس
آكُلُ رحيق الأزهار
ويلقّحني غبار الطّلْع
لمن النخلة التي آوت مريم ؟
سرقتِ الرُّطَب
وضاجعت السّحب
لمن هذي القصور
لمن الصّخور ؟
أنا لصّة
أقرّ وأعترف
أني سرقت مُضْغَة لحم
من وليمةٍ أعدّها أبي
سرقت دِثارا
أُعِدَّ لعظام نبي
سرقت ملعقة وصحناً وشوكة
ليراني حبيبي بهندامٍ وهيبة
الضوء يسقط عناقاً وماء
هل أرقص جوعاً
في فراغات جسدي ؟
أو أراقص الهواء الطلق؟
لمَ لا تحبَّني ؟
ملامحي من زهر البنفسج
أناملي تكره حدَّ السّكين
خرقت القوانين
والخمسين …
لا بأس بالغاب
أنشق الهواء بنهم
لا أريد حضارة بأسلحة
وأنياب
الأجساد لموتى
أين الأحياء ؟
“دوروا دوروا
حول البركة
حذار أن يلتقط أحدنا سمكة “
ننتهي بتفاهة إغماضة عين
ويبقى السّديم بألف خير !
وفاء أخضر





