ثلاث قصص وثلاثة وجوه فنية – د. سعيد شوقي
أستاذ الأدب والنقد الحديث بكلية الآداب جامعة المنوفية
أما القصص فهي : (الرجل الذي سرق وجهي) لعويس معوض ، و(أحيانا أكون أنا) لعادل الجمال ، و(صائد اليمام) للدكتور بسيوني سالم ، وهي التسمية نفسها للمجموعات الثلاثة للساردين الثلاثة ، ولقد نشرت المجموعة الأولى والثانية في الهيئة العامة لقصور الثقافة ، إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي ، فرع ثقافة الفيوم ، والثالثة في دار الأدهم للنشر والتوزيع ، القاهرة . ولقد أتيح لي أن أطلع عليها بعناية مؤتمر الفيوم الأدبي المنعقد في 26 إبريل 2025م ورعاية الأديب أشرف أبو جليل .
ولقد اخترت هذه القصص الثلاثة القصيرة من بين قصص المجموعات الثلاثة ؛ لتكون عينة لعنوان هذه الورقة ؛ لأن الساردين غالبا ما يرون في عناوين مجموعاتهم أهمية خاصة لقصص بعينها في مجموعاتهم ، ربما تستقطر لب منجزهم القصصي .
والحق أن القصص الثلاثة لها وجوه مختلفة بين التقليدية والحداثية كما يلي :
لعل قصة (الرجل الذي سرق وجهي) لعويس معوض ، هي الأكثر نصاعة في وجهها الفني الحداثي في القصص الثلاثة ؛ ذلك لأن التشظي بين الشخصية الرئيسة ووجها غائر بعمق في كل مفردات سردها ، مما يقسم القصة عمقا بطولها الذي بدا في قسمين : -1- ، -2- إلى سمات متقابلة متناقضة متنافرة ، تعبر عن انفصام فني ، دون تنظير شيزوفريني مجرد ؛ فلقد انقسم السارد الراوي بضمير المتكلم الذي هو عويس معوض ، كما ذكر في القصة ، إلى (عويس معوض سردي) في مقابل (وجه في الظلام) هو وجهه ، الذي يقاتله ويباسمه ويصادقه ، ويمكن أن نعاين ذلك الانفصام في شقيه عبر السمات والصفات والأفعال التالية :
في الشق الأول : وهو (عويس معوض السردي) : تمدد على السرير – نفض عن حذائه أسفلت المدينة – نمل يأكل قدمه – التعب يتصاعد إلى رأسه – رأسه يمتلئ صفيرا وأصوات عربات وضجيج – أسبل جفنه – عنده استعداد جنوني للنوم – يستجمع قواه المنهكة ويدفعها – يعتدل في جلسته – الوجه يسأله فيجيب – الوجه يبين له أنه يعرفه جيدا – شغله الشاغل أن يتعرف على الوجه وأن يعرف أين رآه – يصف الوجه بالبلاهة – يبصق في وجه الوجه – يشتم الوجه : ابن الكلب – يخجل من نفسه بعد الشتيمة – الوجه يقدم له طعاما – لم يكن أكل من بداية النهار – الوجه يؤكد له معرفته به جيدا – الوجه يطلب صداقته – يحكي له عن طفولته – أراد يوما أن يمسك الشمس فوشى به أخوه لوالده فقيَّده والده بجوار الباب – امتنع عن الطعام – جاء برسالة بعد ترك مدينته فلم يسمعه أحد فجاء يلقيها هنا – دهش – مستسلم له – أنشد شعرا – طلب منه أن يكف عن المداعبة – طلب منه أن يكتب أغنية يغنيها الناس (مرتين) – أخبره أنه يريد أن يأكل ولا يريد نقودا – تلجم لسانه وهو ينادي عليه – التفت إلى المرآة فلم يجد وجهه .
وفي الشق الثاني : وهو شق الوجه : يحكم قبضته على فمه – ابتسم – يسأله عن الكتب المبعثرة وطلب منه أن يحكي ما فيها – ينعته بالغبي – قدم له الطعام – أخبره أنه سيأتي في الوقت المناسب – مد يده وأخرج منه ما تبقى من نقود – يعرفه جيدا – ابتسم – اشترط العطاء بكتابة أغنية – ابتسم – أخذ ما كتب – ترك نقودا كثيرة ومضى في بطء – كان يبتعد بطيئا بطيئا .
ويتجلى القص الحداثي هنا في ” افتقار البناء القصصي للحدث إلى الترتيب المنطقي ؛ ذلك أن الذي يحكم توالي الأحداث هو منطق آخر ، ولذا لا ينبغي اطراح السؤال عن لما وقعت الأحداث على هذا النحو أو كيف وقعت ، ذلك أن الراوي ينطلق من مقولة أن الكون خلا من المنطق ، ومن ثم فقدت أحداث القصة في تواليها وترتيبها عنصر التبرير” ( د. محمد مهدي غالي : تطور الشكل الفني في القصة المصرية القصيرة ص1) .
فالذات الساردة ووجهها يعقدان قصة ؛ أحداثا وحوارا ، بطريقة غير منطقية ، يحاور فيها الوجه الذات ؛ ليبين كم الانفصام بينها وانكسار الحلم والرسالة نتيجة لارتكاسات الواقع الأليم وأيامه ولياليه ، لدرجة أن يفارق الوجه ذاته بطيئا في نهاية القصة .
ويقترب من هذه نصاعة فنية أخرى ، لكنها منعقدة بالمزج بين التقليدية والحداثية في قصة (أحيانا أكون أنا) لعادل الجمال ، والغريب في الأمر أن القصتين تبنيان على الانفصام ذاته والشرخ المتعمق ذاته داخل الذات الواحدة ، ليس بين وجه وذات كما في قصة (الرجل الذي سرق وجهي) لعويس معوض ، ولكن بين ذات ونفسها ، في حالين أو حالات مختلفة متناقضة متنافرة قريبة متباعدة ، الحال التي تبين عن كنه القص الفيومي في انشطار الذات بين ساردين مختلفين ، دون اتفاق بينهما .
ولقد تبدى ذلك الانفصام الحداثي بشكل سرد تقليدي واع منطقي يعرف ما يشاهد جيدا ، على خلاف القصة السابقة غير المنطقية ، حتى وإن بدا تساؤله في نهاية القصة آسرا بالترقب العميق لإجابته كالعمق الحداثي .
وهذا الوعي المنطقي التقليدي جعله يقسم السارد في قصته بين (أنا) و(هو) ، (أنا) مشاهدة واعية ، و(هو) مشاهد واع أيضا .
فالشق الأول (أنا) : يعشق القراءة والموسيقى- يحب – يجلس على المقهى مع الأصدقاء – يتناول القهوة والمثلجات – يدخن السجائر والشيشة بإتقان وإخلاص شديدين – يشاكس الجرسون العجوز – يراقب المارة والسيارات والباعة والمتسولين – يعلق على ما يراه تعليقا لاذعا يملأ مجلدات من الأدب الساخر – يتبادل الجديد من النكات البريئة أحيانا والبذيئة غالبا – لا يشغله شيء سوى اللحظة – يقرأ ديوان المتنبي – تراوده بعض أحلام اليقظة – يستمع إلى فيروز أو كورساكوف .
والشق الثاني (هو) : حصل على ليسانس آداب والتحق بوظيفة حكومية – تزوج وأنجب وصار ربا لأسرة – يعود إلى البيت صامتا – يتناول عشاء خفيفا – يتلقى موجزا لآخر أنباء اليوم من امرأته – يدون برنامج الغد ؛ لقاءات العمل ، المذكرات التي سيعدها ، قائمة التسوق – يغسل أسنانه – يتوضأ – يصلي ركعتين – يأوي إلى الفراش – يقرأ المعوذتين .
هنا نجد الانفصام الواعي بنفسه ، المراقب لنفسه ، بين حالين ، حال تجريبية منخرطة ، وحال ترانسنتدالية متعالية ، وهو في كل حال يعيشها بصدق ، وأزمته أن لا يستطيع أن يستقر على حال واحدة ، حتى وأن كانت ( هو) هي الشخصية السائدة ، وإن كانت ( أنا ) هي الشخصية السنيدة ، فإنه منقسم أيضا في كل تجل لأيهما .
وتنتهي القصة بخوفه أن يفقد (الأنا) السنيدة ، رغم صغر دورها ، ويصبح كما (هي) منخرطا تجريبيا في الحياة دون تعال .
ويقترب من النصاعة الفنية أيضا ، لكن بشكل سرد تقليدي صرف يتماس مع دلالات رموز كاشفة قد تجلب حداثة فنية ، لانفصام بين الذات وفرحها ؛ ما سرد في قصة (صائد اليمام) للدكتور بسيوني سالم ، ويظهر ذلك عبر شقين في الذات الساردة أيضا ، ليس داخل الذات الساردة نفسها ، ولكن داخل السياق الضام لها .
فالشق الأول يتمثل خارج المنزل ، وتمثله العبارات الآتية : أفضل صيادي اليمام في البلدة – لا يخطئ النشان – قناص محترف – هادئ الأعصاب – يرى بقلبه ويسمع بأذنيه الكبيرتين نفس الطائر المسكين فوق فرع الشجرة قبل أن يراه بعينه – يقلب المعادلة – صياد أدغال محترف – يسقط الطيور من أول إصابة – يمتلك غريزة الصياد الذي يعرف فرائسه – يعود الى بيته حاملا بندقيته وعلى شفتيه ابتسامة انتصار كبيرة – لكنه في كل يوم ساعة العصاري يخرج حاملا البندقية وحاملا شغفه الدائم الى طريق المقابر .
والشق الثاني يتمثل داخل المنزل ، وتمثله العبارات الآتية : لا يأخذ طرائده إلى المنزل – يقدمها كلية إلى صديقه في كيسها الممتلئ – زوجة أبيه الجديدة تمنعه أن يذهب بيماماته التي اصطادها إلى مطبخها – ترفض أن تطبخها له – ابتسامة الانتصار الكبيرة تنكسر عندما يدخل البيت .
وكما يتضح من الشقين ؛ نجد ذاتا ، لا تلتقي بنصرها ؛ الذي يمثل تميزها وموهبتها وشغفها إلا خارج المنزل ، فإذا دخلت المنزل انكسرت وعادت عادية بلا تميز ولا موهبة ولا شغف ولا نجاح ، في الوقت الذي يأخذ انتصارها صديقه بما يحمله إلى بيته من ثمار الصيد الذي ترفض زوجة أبيه أن تطبخه له . هنا انفصام في السياق الضام للذات يمتد لساعات الليل ويفقدها كل تميزها ثم لا يلبث أن يعود مع العصاري ليمارس تميزه . إنه أشبه بسيزيف الذي يدفع الصخرة إلى أعلى الجبل فتسقط إلى السفح ثم يعود فيدفعها إلى أعلى الجبل مرة أخرى ، أو ببرومثيوس الذي تأكل الطيور كبده كل يوم ثم ينمو له كبد من جديد فتعود الطيور لتأكله ، فعل عبثي ، هنا صيد وتميز يأخذه الغير ، الذي هو هنا صاحبه ، وزوجة الأب هنا الآلهة القاهرة التي فرضت عليه الحكم ، وهكذا دواليك يستمر الصيد ويستمر أخذ صاحبه له ورفض زوجة الأب طهيه له ، ويستمر معه انفصام الذات عن تميزها وموهبتها وشغفها . يظل هذا التشطي هنا مستمرا كما في القصتين الأولى والثانية ؛ وكأن التشطي بين الذات ونفسها أو بين الذاث ومحيطها سمة من سمات القص الفيومي .






