إشكالية الوعي التاريخ العربي المعاصر بين تعدد الرؤي ووحدة المسار – عابد حميان – جامعة وهران

ليست إشكالية الوعي التاريخي في عالمنا العربي مجرد سؤال نظري يُطرح في قاعات الدرس أو بين دفاتر المؤرخين، بل هي في العمق سؤال وجود: كيف نرى أنفسنا داخل الزمن؟ وكيف نفهم هذا الماضي الذي يثقل ذاكرتنا، ويشدّنا أحيانًا إلى الوراء أكثر مما يدفعنا إلى الأمام؟
حين نتأمل الكتابات العربية الحديثة حول التاريخ، ندرك أننا أمام جرح فكري مفتوح لم يلتئم بعد. فالتاريخ عندنا لا يُقرأ غالبًا بوصفه حركة بشرية تتبدل فيها الشروط وتتناقض فيها المصالح وتتطور فيها البُنى، بل يُستدعى بوصفه مرآة للهوية، أو سلاحًا في معارك الحاضر. ومن هنا يبدأ الخلل: حين يتحول التاريخ من فهم إلى وظيفة، ومن تحليل إلى خطاب، ومن سؤال إلى يقين.
عبد الله العروي كان من أكثر من نبّه إلى هذه المفارقة المؤلمة. فقد رأى أن مشكلتنا ليست في غياب التاريخ، بل في غياب “التاريخانية”، أي غياب القدرة على إدراك أن الأفكار نفسها وليدة زمنها، وأن لا شيء يكتسب معناه خارج سياقه. لذلك بدا له أن العقل العربي ما زال يتعامل مع الماضي كما لو أنه حاضر دائم، أو نموذج مكتمل يمكن استعادته، بينما الحداثة في جوهرها هي قبول قاسٍ بأن الزمن لا يعيد نفسه، وأن كل مرحلة تُغلق حين تُفتح أخرى. من هنا جاءت دعوته إلى القطيعة المعرفية مع أنماط التفكير التي تخلط بين المثال والتجربة، بين المقدس والتاريخ، بين الرمز والواقع.
لكن الجابري، وهو يشتغل على “نقد العقل العربي”، ذهب أبعد من ذلك في تشخيص البنية العميقة للمشكل. لم ينظر إلى الوعي التاريخي كمسألة خارجية، بل كنتاج لبنية فكرية تشكلت عبر قرون. فالعقل العربي، في تصوره، ظل موزعًا بين البيان والعرفان، بين سلطة النص وسلطة الإلهام، في حين بقي “البرهان” العقلاني في موقع ضعيف. وهذا ما جعل الوعي التاريخي نفسه يميل إلى السرد أكثر من التحليل، إلى التفسير الأخلاقي أكثر من التفسير العلمي، وإلى تمجيد الماضي أكثر من مساءلته. فالتاريخ هنا لا يُفهم كمسار مركب، بل كحكاية تُروى، أو ذاكرة تُستعاد دون تفكيك.
أما مالك بن نبي، فقد اقترب من الإشكال من زاوية مختلفة تمامًا، زاوية الحضارة لا زاوية الفكر فقط. بالنسبة له، المشكلة ليست في الأفكار وحدها، بل في الشروط التي تجعل المجتمع قادرًا على إنتاج التاريخ. لذلك صاغ مفهومًا شديد الدلالة: “القابلية للاستعمار”. لم يكن يقصد به التبرير، بل التشخيص؛ أي أن الضعف ليس خارجيًا فقط، بل هو داخلي يتجلى في تعطّل العلاقة بين الإنسان والوقت والفكرة. حين يضطرب هذا الثلاثي، يفقد المجتمع قدرته على تحويل الزمن إلى تاريخ، ويصبح مجرد متلقٍ للأحداث بدل أن يكون صانعًا لها. وهنا يصبح الوعي التاريخي مشلولًا، لأنه لا يرى نفسه فاعلًا داخل الزمن، بل موضوعًا يتحرك فوقه الزمن.
في المقابل، تأتي قراءات د. سيار الجميل لتسلّط الضوء على زاوية أخرى لا تقل أهمية: زاوية الذاكرة، ولكن ليس الذاكرة بوصفها أرشيفًا محايدًا، بل بوصفها مجالًا تُمارس فيه السلطة الرمزية فعلها. وهنا يبرز مفهومه المركزي: الماضوية. وهي ليست مجرد حب للماضي أو حنين إليه، بل نمط تفكير يجعل من الماضي سلطة حاكمة على الحاضر، ومصدرًا جاهزًا لتفسير كل شيء، بل وأحيانًا معيارًا نهائيًا للحكم على الواقع. في هذا التصور الماضوي، لا يعود الماضي موضوعًا للفهم، بل يصبح مرجعًا إيديولوجيًا مغلقًا يُعاد إنتاجه باستمرار، ويُستدعى لتبرير المواقف لا لفهم التحولات.
الماضوية عند سيار الجميل ليست بريئة؛ فهي تنتج وعيًا تاريخيًا انتقائيًا، يُضخّم لحظات معينة من التاريخ، ويُهمّش أخرى، ويحوّل التاريخ إلى سردية مثالية منسجمة، في حين أن التاريخ الحقيقي مليء بالتناقض والانكسار والتحول. وهكذا تتحول الذاكرة إلى بديل عن التاريخ، ويُستبدل التحليل بالتقديس، والفهم بالتكرار. والأسوأ من ذلك أن هذه الماضوية لا تبقي الماضي في الماضي، بل تجعله حاضرًا ضاغطًا يوجّه اللغة السياسية والثقافية والدينية، فيتعطل الحاضر تحت ثقل نموذج متخيل من الماضي.
وحين نجمع هذه الرؤى معًا، نكتشف أننا أمام تشخيص واحد بألسنة متعددة. فالإشكال ليس في جانب واحد، بل في طبقات متراكبة: طبقة معرفية تتعلق بكيفية التفكير في التاريخ، وطبقة عقلية تتعلق بالبنية التي تنتج هذا التفكير، وطبقة حضارية تتعلق بشروط الفعل داخل الزمن، وطبقة رمزية تتعلق بكيفية اشتغال الذاكرة والماضوية في تشكيل الوعي.
ولهذا يبدو الوعي التاريخي عندنا وكأنه يعيش حالة تردد دائمة: لا هو قادر على الانفصال عن الماضي، ولا هو قادر على الاندماج الكامل في شروط الحاضر. فنحن نُكثر من استدعاء التاريخ، لكننا لا ننجح دائمًا في تحويله إلى أداة للفهم. نُعلّق على الماضي آمال الهوية، لكننا لا نجرؤ على مساءلته بما يكفي. نُقدّس التجربة، لكننا نادرًا ما نفككها.
ومن هنا تتفرع إشكاليات عديدة: علاقة ملتبسة بين التراث والحداثة، حيث يتحول التراث أحيانًا إلى قيد لا إلى رافعة؛ وازدواجية في النظر إلى التاريخ بين التمجيد والنقد؛ وغياب للفاعل التاريخي الذي يشعر أنه يصنع مصيره؛ ثم خلل في المنظومة التعليمية التي كثيرًا ما تعيد إنتاج الذاكرة بدل أن تُدرّب على التفكير التاريخي.
إن الخروج من هذا الوضع لا يمكن أن يكون بقرار نظري أو بشعار ثقافي، بل بتحول عميق في طريقة رؤية الزمن ذاته. فالوعي التاريخي لا يتغير إلا حين نتعلم أن نفكر في الماضي دون أن نسجنه في القداسة، وأن نفكر في الحاضر دون أن ننكره، وأن نفكر في المستقبل دون أوهام جاهزة.
لقد حاول العروي أن يدفع نحو عقل تاريخي حديث، والجابري أن يعيد تركيب العقل نفسه، ومالك بن نبي أن يربط التاريخ بشروط الحضارة، وزكريا سيار جميل أن يفكك آليات الذاكرة ويكشف خطر الماضوية حين تتحول إلى سلطة مهيمنة على الوعي.
وفي النهاية، يمكن القول إن أزمة الوعي التاريخي في عالمنا العربي ليست أزمة معرفة فقط، بل أزمة علاقة بالزمن. وكأننا لم نحسم بعد سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره: هل نحن داخل التاريخ نصنعه، أم خارجه نرويه؟ ما لم يُحسم هذا السؤال، سيبقى التاريخ عندنا قريبًا من الحكاية، بعيدًا عن الفعل، وسيبقى الوعي مشدودًا بين ماضٍ لا يمضي، وحاضر لا يُفهم، ومستقبل لم يولد بعد.



