مقالات نقدية

توأما الجوع والتشرّد… حنّا مينة ومحمد شكري- إيمان البُستاني

A split image featuring two men. The man on the left has a thoughtful expression with gray, curly hair and a mustache. The man on the right is wearing glasses and has a serious demeanor, with light-colored hair and a patterned tie.
IMG 1836

حنّا مينة كان روائياً وبحّاراً، والبحّار لا يصطاد من المقلاة! وكذلك لا يقعد على الشاطئ بانتظار سمكة السردين التافهة.

أمّا شكري فقد تأرجح بين الخبز ومعضلة إيجاده.

كنتُ قد هيّأت نفسي لقراءة رواية الخبز الحافي، السيرة الذاتية للروائي المغربي محمد شكري، متيقّنةً من أنّها ستثلم قلبي، وسأبدو بعد نصف ساعة من قراءتها كأنني مصابة بحساسية الفصول من كثرة صبّ الدمع. وهذا ما أكّده الانفتاح الأوّل للمتن الحكائي للرواية:

«أبكي موت خالي، والأطفال من حولي. يبكي بعضهم معي. لم أعد أبكي فقط عندما يضربني أحد أو حين أفقد شيئاً. أرى الناس أيضاً يبكون المجاعة في الريف، القحط والحرب.»

هذا الروائي الذي سكن مغارب الأرض يشبه إلى حدٍّ بعيد توأمه الشرقي، الروائي السوري حنّا مينة، الذي اختار مشارق الأرض سكناه، في تماثلٍ عجيب بين حياتين عاشهما المسكينان…

حنّا مينة، المولود في اللاذقية عام 1924 لعائلة فقيرة، عاش طفولته في حيّ المستنقع في إحدى قرى لواء إسكندرون. وبعد ضمّ اللواء إلى تركيا عام 1939، عاد مع عائلته إلى اللاذقية، حيث عمل حلّاقاً، فيما اضطُرّت أخواته للخدمة في البيوت ليتمكّن هو من التعلّم. لا يُنسى أبداً وصفه لآخر ليلة قضتها أخته الصغيرة قبل أن تلتحق بعملها في اليوم التالي، إذ يقول:

«هذه آخر ليلة تقضيها أختي عندنا دون أن ترفسها قدم لتوقظها كلّ صباح.»

بعدها احترف العمل في الميناء حمّالاً، ثم عمل في البحر بحّاراً على المراكب، وتنقّل في مهن كثيرة؛ من أجيرٍ مصلّح درّاجات، إلى مربّي أطفالٍ في بيت سيّدٍ غني، إلى عاملٍ في صيدلية، إلى حلّاق، إلى صحفي، إلى كاتب مسلسلات إذاعية باللغة العامية، إلى موظّفٍ في الحكومة، إلى أن أصبح أكبر روائيٍّ سوري. كانت حياته أسطورة ملهِية، فقد عاش المأساة أكثر مما عاشها أيّ أديب سوري.

أمّا الآخر، الروائي المغربي محمد شكري، فقد وُلِد سنة 1935م في آيت شيكر بإقليم الناظور شمال المغرب. عاش طفولة صعبة وقاسية في قريته الواقعة في سلسلة جبال الريف، ثم في مدينة طنجة التي نزح إليها مع أسرته الفقيرة سنة 1942م.

وصل شكري إلى مدينة طنجة ولم يكن يتكلّم بعدُ العربية، لأن لغته الأم كانت الأمازيغية. عمل صبيّ مقهى وهو دون العاشرة، ثم حمّالاً، فبائع جرائد، فماسح أحذية، ثم اشتغل بعد ذلك بائعاً للسجائر المهرّبة. وانتقلت أسرته إلى مدينة تطوان، لكن هذا الشاب الأمازيغي سرعان ما عاد لوحده إلى طنجة.

لم يتعلّم شكري القراءة والكتابة إلا وهو ابن العشرين؛ ففي سنة 1955م قرّر الرحيل بعيداً عن العالم السفلي وواقع التسكّع والتهريب والسجون الذي كان غارقاً فيه، ودخل المدرسة في مدينة العرائش، ثم تخرّج بعد ذلك ليعمل في سلك التعليم ويبدأ مسيرته في الكتابة، ليصبح روائياً متفرّداً، وأحد أكثر الأدباء العرب ترجمة لأعمالهم. كانت — ولا تزال — كتبه تُهرَّب في دول عربية مثل الأفيون، وتُباع كالخبز في دول أخرى.

من الأميّة أتى الاثنان ليتربّعا على عرش الرواية الواقعية. أوجه التشابه في سيرتي حياتهما كثيرة، تتمحور في أجواء وجغرافية النشأة، بين ذاك الأب السكير المعطوب — حسب قول شكري — والذي فاجأ العالم بمشاعر الكراهية تجاه والده، حيث يقول عنه:

«في الخيال، لا أذكر كم مرة قتلته!… لم يبقَ لي إلا أن أقتله في الواقع.»

وهي مشاعر حتمية يستحقّها الأب للسلبية المفرطة الغاطس فيها، حتى أنها أدّت إلى عزوف شكري عن الزواج وإنجاب الأولاد، لأنه كان يخشى أن يمارس على من يولد له نفس التسلّط والقهر اللذين مورسا عليه، حيث يقول:

«لهذا أنا أخشى أن يكون لي مولود… فأنا لا أثق في نفسي!»

أما الأمر عند حنّا مينة فأرحم بكثير، فهو يكره عطالة الأب وسُكره وتقلبه في أعمال خاسرة تضطرّه إلى بيع محتويات داره الهزيلة لتعويض خساراته اللامتناهية، واستيلائه على أجرة بناته الخادمات. لكن هذا لم يمنعه من التأثّر لمشهد ضرب أبيه من قبل المارّة، حيث يقول حنّا مينة:

«ليس هناك أقسى من مشهد يُضرَب فيه الأب أمام أنظار أولاده.»

بينما شكري لم يهزّه هذا المشهد بتاتاً.

والشَّبَه الآخر بينهما تلك الأم المغلوبة على أمرها، التي لا تُجيد سوى ترقيع الحياة المهلهلة التي وجدوا أنفسهم فيها، والتي لا تُفلح إلا في الولادة للمقابر، وإذلال الكرامة لكسب قوت أطفالها. وهناك الشَّبَه الماموثي الأكبر بينهما من حيث الحضور والتأثير، ألا وهو ذاك الفقر المدقع الذي يُصيب القارئ بالغثيان.

في روايات مينة يحكي عن الفقر بسردٍ بطيء يكاد يكون مذكّرات يومية، تجعل الخبز عزيزاً ومقدّساً عند القارئ، حتى ليفكّر ألف مرة قبل أن يرمي بقايا طبق طعامه، لمعاينته حياة أناسٍ كل همّ عيشهم هو كسرة خبز لطفلٍ جائع.

أما شكري، فيجعلنا نلهث وراءه في رحلة الشقاء للبحث عن الخبز.

يتفوّق شكري على توأمه مينة في جرأة الاعترافات التي يذكرها في الخبز الحافي، سيرته الذاتية، حيث تضمّ مشاهد جنسية صريحة، وكأنه يضع القارئ على بُعد أصبعين من لقاءات الجسد المحمومة لمخيال مراهق، أو لتجاربه الأولى المتعثّرة في البورديل (بيوت الدعارة).

في بقايا صور، سيرة حياة حنّا مينة، تلمس الإسهاب في وصف العذابات أكثر من الإباحية، التي يأتي على ذكرها بتكنيك أقلّ صراحةً من الروائي المغربي محمد شكري، لكنه لم يُلجم قلمه عن الوصف في روايته الشهيرة الياطر.

حنّا مينة كان دائماً البحر مصدر إلهامه، ومعظم أعماله مبلّلة بمياه موجه الصاخب. كان بحّاراً، والبحّار لا يصطاد من المقلاة! وكذلك لا يقعد على الشاطئ بانتظار سمكة السردين التافهة، كان أكبر — أكبر بكثير — وهنا نتحدّث عن البحّار لا عن فتى الميناء.

الأدباء العرب أكثرهم لم يكتبوا عن البحر، لأنهم خافوا معاينة الموت في جبهة الموج الصاخب. لذا كتب مينة عنه ثلاثية البحر (حكاية بحّار – الدقل – المرفأ البعيد) والشراع والعاصفة، وانتهى بـ نهاية رجل شجاع.

أمّا شكري فقد تأرجح بين الخبز ومعضلة إيجاده، ومسألة السكن المتعثّرة، حيث قضى صباه بين النوم في المقاهي أو غرف البغايا، وما جرّه ذلك إلى معرفة دزينةٍ منهم، والهمّ الآخر هو المغامرة بين مهرّبي البضائع والشرطة والبحر وسيطهما.

يجتمع الاثنان على موهبة حبكة السرد الروائي السلس؛ لا تمارين ذهنية يجلدون بها القارئ فيعاف القراءة، ولا مفردات غريبة تقطع سيل السرد، ولا تحذلق يُضخّم (الأنا) ويقضي على العفوية… بل هو نتاج كُتب كأنه في جلسة واحدة، لتموسق النغم وضربات القلم وسرعة تدفّق الأحداث. كأنهما أرادا أن يثبتا — المغربي محمد شكري (الملقّب بالشحرور الأبيض) والسوري حنّا مينة (الملقّب بأديب الحقيقة) — أن معجزة النص الواقعي تكمن فقط في صدق واقعيته.

كما يمتاز الاثنان، مينة وشكري، بامتلاكهما ذاكرة كبريتية تشتعل بالتفاصيل، تبني للقارئ جوّاً ثلاثي الأبعاد يعيش فيه لحظة قراءته النص، ويمتدّ سحره — بل لعنته — حتى بعد غلق الكتاب، لتتناوب على المخيّلة أجواء الرواية وشخوصها.

كثيرون يلومون شكري لكونه دلَق كلّ حكايا العالم السفلي على رؤوس قارئيه، ولم يفكّر فيما هو ممنوع أو مُخدِّش للحياء. شكري لم يُتَح له في أولى سنين حياته غير التشرد، ولم يجد سوى ذاك الشيء الذي يحبّ أن يسمّيه حين يتحدث عن الجنس. عاش دون سقفٍ عائليٍّ يحميه، بل وجد أباً يقسو عليه ظنّاً منه أنه ابن زنا وليس من صلبه، حيث يقول له والده:

«لست ابني، لستَ تشبهني، كأنك ابن زنا… ابن أمك، أنت تشبه أمك، أولاد القحاب يشبهون أمهاتهم.»

وكان شاهداً على واقعة قتل الأب لأخيه المريض الذي كان يسعل طوال حياته؛ إذ انقضّ عليه مطبقاً على أنفاسه، ليتركه جثة تطفو على فمه بقعة دمٍ رافقته إلى القبر.

وكيف قذفته دروب التسكّع صبياً غضّاً، نام في الإسطبلات وبالت عليه الفرس، وكان لا يأمن النوم إلا وهو جالس خوفاً من الاغتصاب. ومشهد الجوع والحرمان يتجسّد ببشاعة حين يُلقي بنفسه في البحر خلف قطعة خبز رماها أحدهم مقهقهاً، وهو يراه يلتقطها وهي تطفو بين بقايا الأوساخ والغائط.

ولم يجد غير مهرّبين وقوّادين وبغايا يفتحون له باباً يضمن له لقمة عيش وعلبة “كيف”. لم تُتح له الدنيا شيئاً سوى الضياع، ولهذا كتب عن ضياعه بصدق، وحين كتب لامه الناس.

اكتشف خلاصه من جحيم واقعه بتعلّمه القراءة والكتابة، شأنه شأن توأمه حنّا مينة، وهذا ما ينهي به روايته الخبزالحافي. ولم ينسَ أن يعرّج على ذكرى أخيه الذي قتله الأب ودُفن في قبرٍ بلا شاهد. حتى في المقابر، هناك الغنيّ والفقير.

راح إلى قبره حاملاً ريحاناً، وأعطى صاحبه المكلّف بتلاوة القرآن على القبور ليقرأ له سورة يس، وأنهى ملحمة عذاباته بالقول:

«فجأة فكّرت، لكن لماذا هذه القراءة على قبر أخي المجهول؟ إنه لم يذنب، لم يعش سوى مرضه ثم قتله أبي. تذكّرت قول الشيخ الذي دفنه: “أخوك الآن مع الملائكة.”

أخي صار ملاكاً، وأنا؟ سأكون شيطاناً، هذا لا ريب فيه. الصغار إذا ماتوا يصيرون ملائكة، والكبار شياطين. لقد فاتني أن أكون ملاكاً.»

نعم، فاتك أن تكون ملاكاً، ولكنك عرفت طريق خلاصك… فطوبى لمن عرف طريق خلاصه

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading