مع الشاعرة عتاب السعد/ شمس الأصيل العابد

أعزّاءنا المتابعين، أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج “من النصّ إلى القارئ”، هذا الفضاء الثقافي الذي نحاول من خلاله أن نصغي إلى نبض الكلمة ونقترب من تجارب المبدعين الذين جعلوا من الأدب طريقًا للتعبير عن الإنسان وقضاياه. يسعدني اليوم أن أرحّب بكم وأن أفتح معكم نافذة جديدة من نوافذ الحوار الأدبي.
ضيفتنا في هذه الحلقة هي الكاتبة والشاعرة عتاب نزيه السعد، القادمة من سورية، من مدينة دمشق، تحمل إجازة في الآداب من جامعة دمشق سنة 2001، وقد عملت في تدريس اللغة العربية، قبل أن تواصل مسيرتها في المجال الثقافي والمعرفي حيث تعمل حاليًا أمينة مكتبة، وتشرف كذلك على مسابقة تحدّي القراءة العربي في مدرسة ابتدائية. كما أنها طالبة في كلية الإعلام، وقد عملت في مكتبة صوتية وأسهمت في مجال التدقيق اللغوي.
عتاب السعد كاتبة لها حضورها في عالم الشعر، حيث كتبت الشعر العمودي وأصدرت مجموعات شعرية تعبّر فيها عن تجربتها الإنسانية والجمالية، وهي أيضًا عضو في اتحاد الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين. إنّها تجربة تجمع بين حب اللغة وخدمة الثقافة والوفاء للكلمة.
يسعدني أن أفتح معك هذا الحوار، وأبدأ بهذه الأسئلة:
- بدايةً، كيف تشكّلت علاقتك باللغة العربية؟ وهل كان الشعر الخيار الأول للتعبير عن ذاتك؟
- مساؤكم نور. تفتّحت عيناي في أسرةٍ دمشقيةٍ تجعل العلم بالمقام الأول وتعتزّ بالثقافة العربيّة. اللغة العربية لغتنا الأم، بدأت أتقن فنونها منذ أيام الدراسة وكان التعبير الأدبي مجالاً أعبر فيه عن مكنونات ذاتي وأفكاري العميقة. فنحوت إلى كتابة الخاطرة ثم نظمت قصيدة النثر والشعر العمودي الذي تجذبني موسيقاه للإبداع.
- نشأتِ في دمشق، المدينة العريقة ثقافيًا؛ إلى أي مدى أثّر المكان في تكوينك الأدبي؟
- أنا دمشقية الهوى نشأت في الحارات القديمة بين الأقواس الحجرية وأبوابها السبعة وكبرت بين عرائش الياسمين. علمتني دمشق أبجدية الجمال والأصالة فنسجت قصائدي من مائها العذب وهوائها العليل وترابها الطاهر فهي وطني ومنبع إلهامي.
- كتبتِ الشعر العمودي تحديدًا، ما الذي يجذبك إلى هذا الشكل الشعري في زمن تميل فيه كثير من الأصوات إلى قصيدة النثر؟
- للشعر العمودي تأثيره الفريد في تكوين ذائقتي الأدبية لذلك ألجأ إلى محاكاته وتقليد الشعراء العرب الأقدمين لأني أستشعر البيان في قصائدهم وتشدني البلاغة في صورهم الشعرية. أفضّل في الشعر الموزون وحدة البيت والقافية، وأنسجم مع أغراضه الشعرية الواضحة ومفرداته الفصيحة وتراكيبه المتينة، أكثر من انسجامي مع الجدّة والمبالغة والإيحاء والرمزية التي نستشفها من شعر التفعيلة، أو قصيدة النثر المتحررة من الموسيقا الخارجية.
- كيف تصفين تجربتك الشعرية؟ وما الموضوعات التي تشعرين أنها الأقرب إلى وجدانك؟
- تجربتي الشعرية تنضج معالمها يوماً بعد يوم، أقرأ الشعر وأكتبه ولا أتوقف عن التعلّم. أميل في شعري إلى المواضيع الإنسانية والوطنية والوجدانية فالحبّ في قصائدي جوهرٌ واحدٌ لا يتجزًأ.
- عملتِ في تدريس اللغة العربية ثم في مجال المكتبات، كيف أثّرت هذه التجارب المهنية في علاقتك بالكتاب والكتابة؟
- عملي المستمر في التدريس وأمانة المكتبة وطّد علاقتي بالكتاب لأجد نفسي دوماً في المكان الذي أحبّه، على رفوف المكتبة بين الصفحات وحولي أجيال تتلهف إلى المعرفة وإلى اكتشاف كلّ جديد. مما زادني شغفاً بالمطالعة والكتابة.
- إشرافك في المدرسة على مسابقة تحدّي القراءة العربي تجربة مميزة، ماذا تعني لك القراءة في بناء وعي الأجيال الجديدة؟
- تتلخص مهمتي في الإشراف ومتابعة طلابي وهم يقرؤون الكتب التي أختارها لهم بعناية لأسهم في غناهم المعرفي وتنمية فكرهم، ولأجعلهم يتنافسون في جني ثمار المطالعة وتلخيص القصص، أرى هذا العمل المتواضع شرفاً وتكريماً لي. لأن هؤلاء الأبطال الصغار سيدركون أنّ القراءة بابٌ سيفتح أمامهم العالَم ويضيء حياتهم فالقراءة توسّع آفاقهم وتزيد وعيهم وتدعم خبراتهم ليسموا بأخلاقهم ويرتقوا بأفكارهم.
- تعملين كذلك في التدقيق اللغوي، برأيك ما أهمية العناية باللغة في زمن السرعة الرقمية؟
- التدقيق اللغوي واجب علينا نحن أبناء اللغة العربية؛ لحمايتها من تيارات التطور التقني التي تحمل بعض الشوائب؛ بسبب سرعة الانتشار وتناقل المقالات المتنوعة بين المواقع وضياع الدقة والصحة اللغوية الأسلوبية في بعض الكتب المتداولة. ويجب ألّا ننسى المحافظة على اللغة السليمة قبل كل شيء.
- بصفتك طالبة في كلية الإعلام، كيف ترين العلاقة بين الإعلام والثقافة والأدب اليوم؟
- إنّ الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، حاملٌ للثقافة وناشر لها فهو بمنزلة جواز السفر للأدب وللثقافات المختلفة والعلاقة تكاملية للارتقاء بما تنتجه الشعوب ثقافياً وإعلامياً.
- ما التحديات التي تواجه الشاعرة العربية اليوم، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية؟
- التحديات كثيرة نتيجة التحول الرقمي الهائل الذي أثّر بشكل مباشر في ميول أفراد المجتمع؛ ممّا دفعني إلى النشر الالكتروني إضافةً إلى كتبي المطبوعة. وتشكل الكتابة حالياً تحدّياً كبيراً في ظل الأزمات السياسية في المنطقة التي تنعكس على الوضع الاقتصادي والاجتماعي مما يشكل صراعاً بين الحرية والعدل ورغيف الخبز والكتاب.
- أخيرًا، ما مشاريعك الأدبية القادمة؟ وما الرسالة التي تحبين توجيهها للقراء والشباب المهتمين بالأدب؟
- في الوقت الحاضر أكمل إنجاز مجموعتي الشعرية الجديدة بعد مراجعة المجموعتين السابقتين “تباشير حرف ” و ” بوح اليمام” وأدقّق مجموعةً في النثر تندرج في مجال الأدب الوجيز، وستكون لي مشاركات في أمسيات شعرية في المراكز الثقافية إن شاء الله. وأخيراً: أودّ أن أوجه رسالةً للقرّاء وللأدباء الشباب الموهوبين والمهتمين بالكتابة الإبداعية بألّا يحيدوا عن الإبحار في غمار تراثنا الأدبي القديم فهو الأساس لإثراء مخزونهم الفكري واللغوي ولتقويم لسانهم العربي ولتهذيب ذوقهم الأدبي. وأطلب منهم أن يبتكروا صوراً جديدة، عتاب في كتاباتهم وأن تكون نصوصهم ذات قيمة، ولها تأثير إيجابي في تطوير المجتمع للأفضل. فالأدب رسالةٌ للخير والسلام. وشكراً لكم.
- وقبل أن نصل إلى ختام هذا اللقاء، وبمناسبة شهر رمضان المبارك، يسعدنا أن نمنح الكلمة لضيفتنا الشاعرة عتاب نزيه السعد لتُهدي متابعينا هذه القصيدة التي تستلهم نور الفجر ومعاني الرجاء:
- يدقّ الفجر أبواب المساءِ
ويحمل حضنه نور السماءِ
يحيّي الكون تغريداً وعطراً
وينقل شوق أنسام الهواءِ
يضاحك تلّةً ترمي سواداً
ويكسو سفحها حلل الضياءِ
يمدّ يديه يمسك كل غصنٍ
وينثر لونه وشيَ الرداءِ
تباشير من الخيرات تبدو
وفي الأذهان آيات الرجاءِ
فسبحان الذي فلق الدياجي
وأهدى صفوه بعد العناءِ
إله الكون يشملنا بعطفٍ
ومن عليائه نعم العطاءِ
- في ختام هذا الحوار، لا يسعني إلا أن أتوجه بجزيل الشكر والتقدير لضيفتنا الكريمة عتاب نزيه السعد على هذا اللقاء الثري، وعلى ما قدّمته من رؤى وتجربة أدبية وإنسانية تستحق الإصغاء.
مع خالص التحيات
شمس الأصيل العابد
باحثة وخبيرة دولية في التواصل بين الثقافات
وعضو بالرابطة العربية للآداب والثقافة – مكلفة بالإعلام.



