حوار مع الروائية فريدة الحلواني – حوار: شمس الأصيل العابد

أهلًا وسهلًا بكم في حلقتنا الجديدة من برنامج “من النص إلى القارئ”،
البرنامج الذي يعنى بالحوار مع المبدعين والمبدعات في عالم الفكر والأدب، حيث نقترب من النص،
وننصت إلى كاتبه، بحثًا عن المعنى… لا عن الإجابات الجاهزة.
حلقتنا اليوم تأتيكم ضمن تغطية صحفية خاصة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب،
هذا الفضاء الثقافي الذي يلتقي فيه الكُتّاب بالقرّاء، وتتجاور فيه الأسئلة، وتُختبر فيه الأفكار.
يسعدنا اليوم أن نستضيف الكاتبة الروائية المصرية فريدة الحلواني،
أحد الأصوات الأدبية التي اختارت أن تكتب عن المسكوت عنه،
وأن تقترب من النفس الإنسانية والعلاقات المعقّدة بجرأة ووعي ومسؤولية.
أهلًا بكِ أستاذة فريدة، ونرحّب بك معنا.
دعيني أبدأ معك من السؤال الأول…
1.في أعمالك الروائية، يلاحظ القارئ حضورًا قويًا للعلاقات الإنسانية المركّبة، خاصة داخل الأسرة. كيف تختارين هذه الموضوعات، وما الذي يجذبك في الكتابة عن هذا الفضاء تحديدً
– في الحقيقة، العلاقات الأسرية هي أكثر مساحة إنسانية أشعر بالصدق فيها. هي المكان الأول الذي نتشكّل داخله، ونتعلّم فيه معنى الحب، والخذلان، والقوة، والضعف، لذلك أجدها حاضرة تلقائيًا في كتابتي.
– ما يجذبني في هذا الفضاء هو تعقيده؛ داخل الأسرة تختلط المشاعر ولا تكون الأشياء واضحة أو أبيض وأسود. شخصيات كثيرة في أعمالي تحمل أثر ما عاشته في بيوتها، سواء كان دعمًا أو جرحًا، وهذا ينعكس لاحقًا على قراراتها وعلاقاتها مع الآخرين.
– لا أكتب عن الأسرة بوصفها مثالية ولا قاسية فقط، بل كما هي في الواقع: مساحة مليئة بالتناقضات، وبمشاعر غير معلنة. وربما لهذا السبب يجد القارئ نفسه قريبًا منها، لأنها تشبهه وتشبه ما مرّ به أو رآه حوله
2. يصفك القرّاء بالكاتبة الجريئة، كيف تفهمين مفهوم الجرأة في الكتابة؟
ومتى تتحوّل في رأيك إلى إثارة غير مبرّرة؟
– أفهم الجرأة في الكتابة على أنها صدق قبل أي شيء. أن أكتب ما يخاف الآخرون من قوله، لا بهدف الصدمة، بل بهدف كشف الحقيقة الإنسانية كما هي، حتى لو كانت مؤلمة أو غير مريحة.
– الجرأة بالنسبة لي ليست في كسر التابوهات لمجرد كسرها، ولا في رفع سقف المشاهد أو الكلمات، بل في الاقتراب من المشاعر العميقة: الخوف، الرغبة، الغضب، الضعف… تلك المناطق التي نتجاهلها أو نخجل من الاعتراف بها.
– أما حين تتحوّل الجرأة إلى إثارة غير مبرّرة، فذلك يحدث عندما تصبح الكتابة معتمدة على الصدمة وحدها، بلا ضرورة فنية أو إنسانية، وعندما تُستخدم التفاصيل الجريئة كزينة سطحية لا تخدم النص ولا تطوّر الشخصية.
– في رأيي، الجرأة الحقيقية هي أن تترك أثرًا في القارئ، لا أن تثيره لحظة ثم تختفي.
3.شخصياتك تعيش صراعات نفسية عميقة، فهل تبدأ الرواية لديك من الفكرة أم من الشخصية؟
– غالبًا أبدأ من الشخصية قبل الفكرة. ما يشغلني أولًا هو الإنسان: جرحه، خوفه، وتناقضاته الداخلية. حين تتكوّن الشخصية في ذهني، تبدأ الحكاية في التشكل من تلقاء نفسها، كأن الأحداث مجرد نتيجة طبيعية لما تحمله هذه النفس من صراعات.
– الفكرة قد تظهر لاحقًا، أو تتضح أثناء الكتابة، لكنها لا تكون نقطة الانطلاق. أنا أطرح الشخصية في اختبار إنساني، وأتركها تتفاعل بصدق مع ما يواجهها، ومن هذا التفاعل تتولد الحبكة والصراع.
– لهذا تبدو الصراعات النفسية عميقة وحاضرة، لأن الرواية عندي لا تُبنى حول حدث فقط، بل حول رحلة داخلية يمر بها الإنسان وهو يحاول أن يفهم نفسه ويعيد تعريف علاقته بالعالم
4.واجهتِ انتقادات حادة في بداياتك، كيف تعاملتِ معها؟ وهل غيّرت شيئًا في مسارك الأدبي؟
– في البدايات، كانت الانتقادات قاسية أحيانًا، وبعضها لم يكن موجّهًا للنص بقدر ما كان موجّهًا للجرأة أو للاختلاف نفسه. في البداية تأثّرت بالطبع، لأن أي كاتب يضع جزءًا من روحه على الورق، والنقد قد يصيب هذه المنطقة الحساسة.
– مع الوقت تعلّمت أن أميّز بين النقد الحقيقي الذي يساعدني على التطور، وبين الأحكام المسبقة التي تعكس ذائقة أصحابها أكثر مما تعكس العمل ذاته. استمعت للأول واستفدت منه، وتجاهلت الثاني.
– لم أغيّر مساري الأدبي لإرضاء أحد، لكنني نضجت في أدواتي، وصرت أكثر وعيًا بما أريد قوله وكيف أقوله. الانتقادات لم توقفني، بل ساعدتني على أن أكون أكثر ثقة في صوتي، وأكثر صدقًا مع نفسي ومع القارئ
5.تحوّلت رواية “الثعبان” إلى مسلسل إذاعي، كيف عشتِ هذه التجربة؟ وهل شعرتِ أن النص تغيّر أم اتّسع؟
– تحويل «الثعبان» إلى مسلسل إذاعي كان تجربة مختلفة ومثيرة بالنسبة لي. الاستماع إلى الشخصيات وهي تتنفس بصوت حقيقي، لا على الورق فقط، منح النص حياة أخرى، وأعادني إليه من زاوية جديدة.
– لم أشعر أن النص تغيّر بقدر ما شعرت أنه اتّسع. الإذاعة لها لغتها الخاصة، تعتمد على الإيقاع والصوت والسكوت أحيانًا، وهذا فتح مساحات لم تكن مكتوبة صراحة في الرواية، لكنها كانت موجودة ضمنيًا بين السطور.
– كانت تجربة جعلتني أؤمن أن العمل الأدبي يمكن أن يعيش أكثر من حياة، وأن التحوّل إلى وسيط آخر لا ينتقص من النص إذا احترم روحه، بل يضيف إليه بعدًا مختلفًا
6.حققتِ حضورًا لافتًا في معارض الكتاب ونسب قراءة مرتفعة، هل يشكّل ذلك ضغطًا على الكاتب أم دافعًا للاستمرار؟
– النجاح والانتشار يحملان شعورين متناقضين في الوقت نفسه. من جهة، هما دافع قوي للاستمرار، لأن تفاعل القرّاء يمنح الكاتب إحساسًا بأن ما يكتبه يصل ويؤثّر، وهذا شعور لا يمكن الاستهانة به.
– ومن جهة أخرى، قد يتحوّل هذا الحضور إلى نوع من الضغط، خاصة مع توقّعات القرّاء ومحاولات المقارنة بين عمل وآخر. لكنني أحاول دائمًا ألا أكتب تحت وطأة الأرقام أو ردود الأفعال، بل تحت وطأة الصدق مع النص نفسه
في النهاية، أعتبر الانتشار مسؤولية أكثر منه عبئًا؛ مسؤولية أن أظل وفية لصوتي، وأن أقدّم ما يشبهني، لا ما يُتوقّع مني فقط.
بالخاتمة دي:
في النهاية، النجاح لا أراه ضغطًا بقدر ما أراه اختبارًا حقيقيًا: هل يستطيع الكاتب أن يحافظ على صدقه وهو تحت الضوء؟ وأنا أختار دائمًا أن أكون صادقة، حتى لو كان ذلك أصعب طريق
7.في أعمالك حضور واضح لقضايا المرأة دون خطاب مباشر، هل ترين أن الأدب أقدر من الخطاب المباشر على التأثير؟
إلى جانب الرواية، تقدّمين بودكاست “ست الستات”، ماذا أضاف لك هذا القرب المباشر من الجمهور؟
– أؤمن أن الأدب يمتلك قدرة أعمق على التأثير من الخطاب المباشر، لأنه لا يفرض موقفًا ولا يرفع شعارًا، بل يضع القارئ داخل التجربة نفسها. حين يقرأ القارئ معاناة امرأة أو صراعها دون أن يُقال له ماذا يفكّر، يتورّط شعوريًا، ويصل للفكرة بنفسه، وهذا في رأيي أكثر بقاءً وتأثيرًا.
– أما بودكاست «ست الستات»، فقد أضاف لي مساحة مختلفة تمامًا. القرب المباشر من الجمهور، وسماع الحكايات بصوت أصحابها، جعلني أكثر وعيًا بتنوّع التجارب النسائية وتشابهها في الوقت نفسه. هذا التفاعل كسر المسافة بين الكاتب والقارئ، وذكّرني دائمًا بأن ما نكتبه ليس معزولًا عن الواقع، بل نابع منه ويعود إليه
في النهاية، سواء عبر الرواية أو الصوت، هدفي واحد: أن تلمس الحكاية قلب من يسمع أو يقرأ، وأن يشعر كل واحد أنه ليس وحيدًا في تجربته. وهذا، بالنسبة لي، أقوى تأثير يمكن أن يصل إليه الأدب أو الكلمة
8.بعد هذا الرصيد من الأعمال ما الموضوع الذي لم تكتبيه بعد وتفكّرين في الاقتراب منه؟
وأخيرًا،
ما الذي تتمنّين أن يشعر به القارئ بعد أن يُغلق آخر صفحة من إحدى رواياتك؟
– هناك دائمًا مناطق لم أجرؤ على اقتحامها بعد، أو ربما لم أجد لها اللحظة المناسبة. أشعر بأن لكل مرحلة في حياتي موضوعها الخاص، وما زلت أرغب في الاقتراب أكثر من فكرة الخوف والحرية في الوقت نفسه… الصراع بين ما نريده وواقعنا، وكيف يمكن للإنسان أن يواجه نفسه بلا مساومة. هذا الموضوع يثيرني لأنه يمسنا جميعًا، بطريقة أو بأخرى، حتى وإن لم نرغب في الاعتراف به.
– أما بعد أن يُغلق القارئ آخر صفحة، فأتمنى أن يشعر بشيء واحد بوضوح: أنه لم يقرأ مجرد قصة، بل مرّ برحلة… رحلة تعكس جزءًا من نفسه، أو تجعله يرى عالمًا لم يكن يعرفه، وربما تمنحه الشجاعة لمواجهة أسئلته الخاصة بصراحة أكبر. أريد له أن يغادر الرواية وهو محمّل بوعي جديد، حتى لو كان الألم جزءًا منه
في الختام، نشكرك أستاذة فريدة الحلواني على هذا الحوار الثري،
مع تحيات شمس الأصيل العابد
خبيرة التواصل بين الثقافات،
وعضوة بالرابطة العربية للآداب والثقافة،
المكلّفة بالإعلام.





