الشاعرة السورية ريما حمزة لـ ( مجلة المنار الثقافية الدولية ) : النقد البنّاء أنصت له بكل حواسي) – حاورها / علي صحن عبد العزيز

على المستوى الأجرائي يمكن تحديد بوصلة قصائد الشعر نحو قبلة الإبداع بجانبي مهمين التواصل الحي والمتفاعل، وهو الملمح المؤثر الذي أنمازت به قصائد (ريما حمزة) وهذا ما يعني بأنها أمتلكت معيارًا جديدًا في أسلوب وطاقة التغيير في كتابة القصائد بفكر حدثاوي ومعاصر جديدين، حيث نجد هواجس الإبداع وخلق وأبتكار، وليس محاكاة أو تقليد ، فعلاقتها بلغة قصائدها قائمة إلى فضاءات عميقة وأفق لتوظيف المفردة بأقصى ما يمكن من التوظيف، ناهيك عما تحمله تلك القصائد من تجديد في مضمونها وطريقة طرحها ، ابتداءٍ من عنوان قصيدتها ومرورًا بأسلوبها الكتابي ، فهي توظف الواقع لأبراز المحتوى وهذا بحد ذاته موهبة وطاقة لا يمكن أن تستمر لو ثقافتها وهذا ما يمكن أن تدركه عزيزي القارئ في رحلتنا معها في أجوبة لا يمكن أن تكون من خلال ثقافة عالية لا يعتريها أي شك.
(مجلة المنار الثقافية الدولية) كان لها حوار معها تناولنا به الأثر الكبير لتأثير الشعر ، وكذلك في ميادين أخرى كالنقد ودور الشواعر السوريات وقضايا أخرى وكانت هذه الأجوبة الواردة.
- في إحدى قصائدك تقولين : نغادرها ولا تغادرنا بيوتنا القديمة …فأذن لماذا نتمسك بها لطفولتنا أم لعاطفتنا البريئة؟
- البيوت أرواح ساكنيها، حنينها لافح حلمٌ لم يترجّل من تلابيب اللاوعي وذاكرة المكان منظومة مُعقّدة من العلاقات المتداخلة بين الشكل والمضمون والتفاصيل، نشابهها في كينونتها وتشبهنا في محبتها ، وهناك صكٌ إلهيٌّ على المغادرة بها.
- كتب عنك الكثير من النقاد والناقدات منهم رانية فؤاد وحيدر الأديب ومحمد دويكات…ماذا أضافت إليك هذه القراءات النقدية؟
- القراءات النقدية تفتح الملفّات وتأخذ الإفادات، وترفع البصمات وتفك الشيفرات، هي أفقٌ موازّ للنص، روحٌ تصغي للوجع وتحوّله إلى معنى فتعيد ترتيب الحكاية على هيئة ضوءٍ لا ينطفئ ولكنها لا تُضيف شيئاً إن كانت الكتابة وسيلة تفريغ الاحتشاد النفسي فحسب أو إشارة لجرح، أو أداة ترميم فقط وليست صناعة مستمرّة لكل ماتقدّم.
- طائر النشر حلق بقصائدك فوق الكثير من المجلات والصحف العربية …متى يتوقف عن التحليق؟
- لن يتوقف، فالشعرُ ليس ترفًا ثقافيًا بل مقاومة ناعمة ، وعي مضغوط في لغة، شيفرة للوجدان الجمعي، أداة من أدوات التحوّل ، جرسٌ يوقظ الحواس من سباتها، كيف يتوقف وأنا أؤمن بالشعر الذي يُسائل، يُربك، يفتح الباب لسؤال : ” وماذا بعد “.
- القصيدة رسول لما خُفي من الوجد والمشاعر …متى تعلنين عن قصيدتك الكبرى؟
- قصيدتي الكبرى هي كل قصيدة كتبتها وكانت مرآة لا نافذة، ورأى القارئ فيها نفسه، عزاءه ، أسئلته ، ملامحهُ المخفية، كل قصيدة فتحت باب التأويل ولم تغلق المعنى في زنزانة واحدة ، كل قصيدة لا تفسّر العالم بل تجعله أكثر غموضًا مُحببًا، وأكثر قابليةً للدهشة.
- الكثير لا يخلق الصورة الشعرية ولكنه يستنسخها أو
يتوارثها من قصائد أخرى…ما هو أنطباعك عن هؤلاء؟
-يقول ميخائيل نعيمة: ” الأشجار الباسقة الجميلة لا تشكّل وحدها غابة بل لابُدّ في الغابة من الأدغال واللبلاب والطفيليات، المتسلقون آيلون للسقوط ومهما أختلطت في الساحة الخيول الأصيلة بالخيول الهجينة، لن يبقَ في السبق إلا الخيول التي تحترف الصهيل وتكسب الرهانات. - هل كانت الشواعر بمستوى حجم معاناة المرأة لتنقل طموحها ورؤيتها نحو الحياة ؟
- برأيي لا علاقة للشعر بجنس كاتبه بل بمدى حساسية من يكتب تجاه الحياة ونظرتهِ إليها، فالشاعر الكبير نزار قباني كتبَ المرأة بأعمق ما قد ترى به نفسها، ويوسف إدريس كتب ببراعة عن عالم الأنثى، وطاغور كان يحمل من الرهاف ما لم تحمله الشاعرات لافرق إلّا في العقول والموهبة.
- بصراحة جدًا …إلّا تعتقدين بأن قصائد الومضة والهايكو ليست وليدًا شرعيًا للقصيدة العمودية وأنها جاءت نتيجة الترجمة لقصائد أجنبية؟
- التفعيلة والعمودي أراهما جذراً لا يجوز أقتلاعه من التربة الثقافية، والتجديد لا يُلغي الأصل، بل يُعيد تشكيله من زاوية جديدة، وفي الحداثة انحيازٌ للعمق على حساب الأستعراض، للرمز على حساب المباشرة، ففي الومضة خرج الشعر من عباءة الطرب، ودخل معبد الفكر، وراح يبحث عن المعنى لا في الخارج بل في تلافيف الذات، وكُلٍ يُبدع على طريقته.
- محركات أساسية في قصائدك كالرجل والوطن والأم ماذا عنهما؟
- الشاعر ليس بوقًا، بل جرحًا، لا يصفّق ، بل يشهد، أؤمن أن الشعر الحقيقي يُكتب من مقاعد الانتظار، من أرصفة الفقراء، من نوافذ الأمهات اللواتي يفتشّنَ عن أبنائهن في نشرات الأخبار، أنصتُ بأمانة لعوالمي الداخلية فالمرأة هي الوطن، والأمّ، والحبيبة، والقصيدة أنثى، وأكتبُ وطني في ربيعه وعلى أعواد المشانق، وأحاول أن أهذّب شعورًا جمعيَّا.
- لنتحدث وبأختصار عن جيل الشواعر السوريات ..
كيف تقرأين ابداعهن؟ - هناك أشباه شاعرات تنتمين للكلام أكثر من الصمت، وللإنفعال أكثر من التأمل، وشاعرات متمكنات كل واحدة منهن كانت ابنة التجربة لا التنظير، تؤمن أن الألم معبر لا عثرة، وأن الخسارات الكبرى تهدينا البصيرة، وأنَّ الحكمة لا تُشترى من الكتب بل تُستخرج من القلب، فكتبنَ الشعر كما يتنفس الجرح.
- ما مدى أقترابك من الشعر العراقي؟
- مثل قرب الشريان من القلب، أنا لا أنتمي إلّا للقلق الإنساني، قرأتُ في السيّاب نصّاً مكتملاً روحيّاً قادراً على الوقوف في وجه الزمن والقراءة ، نصٌ يُكتب لا ليبني متاهة بل ليضيء سرداباً، لا يراهن على الغموض بل على تعدد الدلالات. وتعلمتُ من نازك الملائكة أن أبحث عن القصيدة التي تمشي على ساقي الإيقاع والفكرة، وأحببت ذاكرة الوطن في شعر مظفّر النوّاب.
- هيروشيما النقد … هل يزعجك إم يقيّم قصائدك ؟
- أي عمل أبداعي الروائز هو قلعة رومانية حصينة لا يمكن اختراقها بالنقد الهدّام الذي لا يُلغي قلم قادم بقوّة وتبقى الموهبة الحقيقية هي الرهان، أمّا النقد البنّاء فأنصتُ له بكل حواسي ، وأعيد النظرَ بعمق لأطوّر أدواتي.
- يقال ان الشعر قد تخلف عن اللحاق بالركب ولم يسجلوا لهم دالة به …هل تتفقين ام تعارضين؟
- الشعر وليد المرحلة والتجربة الحقيقية المتعلّقة بها، والاصطدام بأسئلتها الخاصّة، وبالعوالم التي تشكّلت عبر الألم والفقد و النضج ، والخائفون من الابداع وكسر المألوف قد يبنون مُدناً لكنهم لن يبنوا حضارة.
- أم كلثوم تقول حسيبك للزمن …لمن تقوليها أنت؟
-أقولها لكل من أساءَ لي، فأنا لا أجيدُ ثقافة الانتقام ، وأؤمن بعدالة السماء ، محكمة الله ليست خشنة القلب ومُنصفة، ومحكّات الزمن كفيلة بكشف معادن الناس، فالمحبة ثقافة الأنقياء وخبزهم اليومي.
(قصائدُ بساقٍ واحدةٍ )
لو أنّي طِفلةٌ
لكنَّ العُمرَ يأتي من آخِرِ السّطرِ
لو أنّي قمرٌ
لكنَّ اللّيالي تَنامُ مُبكّرَةً
لو أنّي خُطىً
لكنَّ الدُّروبَ تَخلَّتْ عن سَفَرِها
لو أنّي نَهرٌ
لكنَّ الجِهاتِ عَطشى مِن جِهةٍ واحدة
لو أنّي فَجرٌ
لكنَّ اللّيلَ لم يُسلِّمْ مَفاتيحَه
لو أنّي سِرٌّ
لكنَّ العُيونَ باعَتْني في سوقِ العِتاب
لو أنّي وَردةٌ
لكنَّ أنفاسَكَ ذبُلَتْ قبلَ الاقتِراب
لو أنّي خَيْمَةٌ
لكنَّ الأرضَ لا تُثبّتُ وتداً في النّسيانِ
لو أنّي خَيْمَةٌ مرّةً أُخرى
لكنَّ الرّيحَ تُغيِّرُ وَطني كلَّ مساءٍ
لو أنّي غَيْمَةٌ
لكنَّ المَطرَ يَلهو في سَماءٍ أُخرى
لو أنّي سورٌ
لكنَّ الحنينَ قَفَزَ مِن فَوقي
لو أنّي مَوجَةٌ
لكنَّ البحرَ جَفَّ في الفَهرسِ
لو أنّي خارِطَةٌ
لكنَّ الألوانَ أَسْئِلَةٌ
لو أني نورسٌ
لكنَّ العاصفةَ تسرقُني من ذاكرةِ البحرِ
لو أنّي مَجازٌ
لكنَّ الأَفواهَ أَقْفاصٌ
لو أنّي سَطْرٌ أَخيرٌ
لكنَّ القارئَ مَزَّقَ الصَّفحةَ قبلَ الوُصولِ
لو أنّي مَفارقةٌ
لكنَّ الضفافَ مُتشابهةٌ
لو أنّي لَوحَةٌ
لكنَّ الأطفالَ ظنّوا الحربَ مراجيحَ
لَوْ أَنّي أُنثاكَ
لَكِنَّ قَلْبَكَ الصِّينُ الشَّعْبِيَّةُ
لَوْ أَنِّي بَذْرَةٌ
لَكِنَّ التُّرْبَةَ امْتَلأَتْ بِعِظامِ التاريخ - كلمة أخيرة
- أكثر ما يلامسني هو أن يقول قارئٌ: “كأنك كتبتِ عنّي” ، هذا الشعور، أن تُصبح كلماتي مرآةً لآخر، هو ما يجعلني أواصل ، فالمديح لا يغويني، بل يوقظ فيّ شعور المسؤولية وكل نصّ هو امتحانٌ جديد للصدق، وكلّ قارئ صادق، هو الوطن الذي أكتبه ولا أغادره ،فالكتابة
عندي ليست نسويّة بالمعنى التقسيمي، بل إنسانيّة في جوهرها، تنبع من تجربة امرأةٍ تُفكّك العالم وتعيد تركيبه على طريقتها ، تأثّرتُ بنازك الملائكة في الإيقاع، بفدوى طوقان في الوجع، بميّ زيادة في الفكر، وبأحلام مستغانمي في الانفعال… لكنّني أطمح الى صوتٍ يشبهني وحدي ، شكري وافرٌ لهذا الحوار الذي يُشبه أعترافًا، وأمتناني للعراق الحبيب موطني الثاني لا تحدّه الكلمات.



